تقارير ودراسات

تعرف على عالمة النفس في استكشافها ”التحيُّز اللاواعي“ وعواقبه المأساوية على المجتمع

  • دوجلاس ستار
  • ترجمة: مُنى الجفري
  • تحرير: إسراء عمر

مقدمة المترجمة:

تعترض الطبيعةَ البشرية نزعاتٌ انحيازيةٌ ضد الآخر المختلف. هذه الانحيازات تأتي إمّا جليّةً أو مضمرةً في أعماقنا. ومن أهم مظاهر التحيّز الملموسة على أرض الواقع هي التحيّز العِرقِي.

تتطرق هنا عالمة النفس جينيفر إيبرهارت للنوع الخفي من هذا التحيّز، وتبسط لنا جذوره وآثاره وتداعياته المجتمعية الوخيمة بمنهجٍ علميٍّ رصين. تُعدّ إيبرهارت من أبرز العلماء الذين قدموا هذه المسائل الحساسة في قالب علميّ، وقد لاقت أفكارها رواجًا واسعًا وتمخضت عنها إصلاحاتٌ جذريةٌ في بعض الجهات الأمنية بالولايات المتحدة الأمريكية.

المقالة:

في أبريل من عام ٢٠١٩، ظهرت جينيفر إيبرهارت Jennifer Eberhardt في برنامج the Daily Show مع تريفور نووا Trevor Noah، بدا أنها تحاول كبت الضحك أمام الكاميرات؛ بينما يُستشَفّ الألم من بعض هذه الضحكات.

في مناقشة للتحيُّز العرقي اللاواعي، الذي كرّست من أجله أستاذة علم النفس بجامعة ستانفورد سنين دراستها، أشارت جينيفر في حديثها لنووا إلى “تأثير العِرق الآخر other-race effect، إذ يواجه الأشخاص صعوبة في التعرف على وجوه الجماعات العرقية الأخرى. وتتحدث عن استغلال المجرمين هذا التأثير لصالحهم. ففي أوكلاند بكاليفورنيا -تحديدًا في الحي الصيني- شنّت عصابة من المراهقين السود سلسلةً من جرائم اختطاف حقائب اليد من السيدات، عندما سألت الشرطة المراهقين عن سبب استهدافهم لذلك الحي قالوا: إنّ النساء الآسيويات عندما يواجهن مجموعةً من السود ”لا يستطعن التمييز بينهم“.

يعلق نووا –وهو أسود جنوب أفريقي–: ”هذه واحدة من أفظع وأغرب القصص على الإطلاق!“.

هذا واقع. كتبت إيبرهارت أنّ عبارة ”كلهم متشابهون“ منذ سيادة التعصب “هي في الحقيقة خاضعةٌ لتأثير البيولوجيا والبيئة المحيطة”، وتؤكد أنّ للتعصب تمظهراتٍ كثيرةً صريحةً؛ بيد أنّ معظمنا يخفي نوعًا من التحيُّز دون أن يعرف. ينبع ذلك من ميل عقولنا إلى تصنيف الأشياء – وظيفةٌ مهمةٌ في عالمٍ من المحفزات اللامتناهية –؛ ولكنها قد تدفع إلى التمييز في المعاملات، وإطلاق افتراضاتٍ لا أساس لها، بل وأسوأ من ذلك؛ خاصةً عند العجلة أو تحت تأثير الضغوطات.

على مرّ العقود، بحثت إيبرهارت وفريقها في جامعة ستانفورد موضوع التحيُّز اللاواعي؛ جذوره وتفرعاته بدءًا من الخلية العصبية وانتهاءً بالمجتمع. في تجارب علميةٍ صُممت بذكاء، أظهرت كيف يمكن للظروف الاجتماعية أن تتفاعل مع آليات عمل الدماغ؛ لتحديد ردود أفعالنا تجاه الآخرين، لا سيّما في سياق العرقية.

تقول دولي تشو -أستاذة علم النفس التي تدرّس صناعة القرار بكلية ستيرن للأعمال بجامعة نيويورك-: “إن دراسات إيبرهارت مُحكمةٌ من الناحية المنهجية، ووثيقة الصلة بالواقع”. ويضيف فيليب أتيبا جوف واصفًا إيبرهارت، -وهو تلميذها سابقًا ويدير حاليًا مركز العدالة الشرطية في كلية جون جاي للعدالة الجنائية-: ”إنها تستنبط من الواقع الذي لطالما عايشه السود، مبادئَ وقواعدَ شموليةً في علم النفس البشرية“.

لم يَحُل الخجل أو الخوف دون خوض إيبرهارت في مسائل العلاقات العرقية الأشد إيلامًا في الولايات المتحدة، كدور التحيّز في إطلاق الشرطة للنار مثلاً. تقول سوزان فيسك -أستاذة علم النفس بجامعة برينستون ومؤلفة كتاب مرجعي عن الإدراك الاجتماعي Social Cognition-: ”ما يُميّز عملها هو مدى جرأتها، فهي ليست الوحيدة التي تتطرق للإدراك الاجتماعي أو قضايا الشرطة أو التحيز الضمني؛ لكنها تُقدِم على ما لا يُقدم عليه غيرها“.

لطالما عملت إيبرهارت، الحائزة على جائزة ’’genius gran” من مؤسسة ماك آرثر لعام ٢٠١٤، على إنفاذ رؤيتها من خلال أعمالها. ففي جامعة ستانفورد تشارك في إدارة مبادرة (الإجابات النفسية الاجتماعية لأسئلة العالم الحقيقي) ضمن فريق من الباحثين؛ بهدف تقديم حلولٍ لمشكلات التعليم، والصحة، والحراك الاقتصادي، والعدالة الجنائية. هذه الأخيرة تحديدًا كانت محط تركيز إيبرهارت، حيث لعبت دورًا رئيسيًا في الإصلاح الذي أمرت به المحكمة لقسم شرطة أوكلاند، والذي كان له تاريخٌ مسمومٌ داخل المجتمع.

يقول جيم تشانين، المحامي الذي دفعت دعواه الجماعية إلى إصدار أمر المحكمة والذي شهد أثر الإصلاحات في قسم الشرطة: ”لقد كانت تعمل بلا كلل على هذه القضية، ورسّخت مجموعةً من المفاهيم التجديدية في القسم. لقد تغيرت الثقافة بأكملها، وكانت د. إيبرهارت جزءًا من هذا التغيير“.

لإيبرهارت أسلوبٌ جادٌّ ينمُّ عن حسها العميق بالرسالة. بعد نشأتها في حي كليفلاند الذي يقطنه السود، انتقلت مع عائلتها إلى ضاحيةٍ معظم سكانها من البيض، لتعيش تجربةً تكوينيةً ومفصليةً في مرحلة المدرسة الإعدادية. على نحوٍ معاكسٍ لمخاوفها، رحب بها زملاؤها الجدد، لكن كلما حاولت مبادلتهم الاهتمام كانت تواجه صعوبةً في التمييز بينهم؛ لذلك دربت نفسها على ملاحظة الملامح التي لم تلتفت لها يومًا – ”لون العين، التدرجات اللونية المختلفة للشعر الأشقر، النمش“ كما ذكرت في كتابها (متحيز: كشف التحيز الخفي الذي يشكّل ما نراه ونفكر فيه ونفعله). أصبح من الواضح لها مدى اختلاف عالمها عن عالم زملائها، كيف يتعرض أقاربها للتوقيف بشكل روتيني من قبل الشرطة، مثلاً، في حين لا يتعرض أقارب نظرائها البيض لذلك.

بقيت تلك الذكريات راسخةً في ذهن إيبرهارت خلال فترة دراستها للبكالوريوس بجامعة سينسيناتي، والدكتوراه في علم النفس المعرفي بجامعة هارفارد. لم تكن تفكر بعد في دراسة “العرق” إلا بعد عملها كأستاذ مساعد، حينما طبقت مسابقة quizmaster كإحدى الاستراتيجيات في التعليم، حيث يمثل أحد الطلبة دور المضيف الذي يدير طرح الأسئلة، كما يفعل ألكس تريبك في برنامج Jeopardy، ويقوم طالبٌ آخرٌ بدور المتسابق الذي يجيب عن الأسئلة المطروحة. المشاهدون في الصف دائمًا ما يرون المضيف أكثر ذكاءً، مع سابق معرفتهم بتوفر الإجابات لديه، هذا مثالٌ شائعٌ في الكتب على ما يسمى بخطأ العزو الأساسي the fundamental attribution error، وهو النزوع نحو إسناد أفعالٍ أو صفاتٍ محددةٍ للآخرين أو لومهم عليها بالرغم من أنهم غير مسؤولين عنها.

ارتكب طلاب إيبرهارت الخطأ نفسه في كل مرة باستثناء المرة التي كان فيها مضيف الاختبار أسودًا والمتسابق أبيضًا. وعّلقت إيبرهارت: ”اختفى التأثير!“، إذ لم ير الطلاب المشاهدون أن المضيف أكثر ذكاءً من المتسابق، “كنت مندهشةً؛ لأن هذه التجربة دائمًا تنجح“. بدأت -إيبرهارت- بالتساؤل كيف يؤثر التحيّز اللاواعي على تصوراتنا. واختارت دراسة أحد أشهر الأمثلة ”تحيّز التعرف على وجه العرق الآخر“ كموضوع لرسالتها العلمية.

يتعرف الأشخاص على صورة المسدس التي يتضح رسمها تدريجيًا بشكل أسرع عندما يسبق عرضها لمحات غير محسوسة لوجه أسود.Eberhardt, J. L., Goff, P. A., Purdie, V. J., & Davies, P. G. (2004). Seeing Black: Race, Crime, and Visual Processing. Journal of Personality and Social Psychology, 87(6), 876–893.

لبحث مدى تجذّر هذا التأثير، جمعت إيبرهارت مع فريقها البحثي بجامعة ستافورد عشرة طلابٍ سودٍ وعشرة طلابٍ بيضٍ، ووضعتهم داخل أجهزة تصوير الرنين المغناطيسي بينما تعرض عليهم صورًا لوجوه بيضاء وأخرى سوداء. عندما يرى الطالب وجهًا من نفس عرقه، تنشط في دماغه المنطقة المسؤولة عن التعرف على الوجوه بشكل أكبر من نشاطها عند مشاهدتهم لوجوهٍ من العرق الآخر. واجه الطلاب أيضًا تحديًّا أكبر في تذكر الوجوه العرقية المختلفة عن عرقهم. تقول إيبرهارت أن التعرف على نفس العرق ليس بالأمر الفطري، بل يرجع ذلك لخبراتنا وتجاربنا التي تؤثر على بيولوجيا الدماغ، فإذا نشأت بين البيض، ستتعلم التمييز بينهم بدقة. ”هذه هي الوجوه التي تدربت على تمييزها أدمغتنا“.

تظن إيبرهارت أن مثل هذه التحيزات الإدراكية المكتسبة تتدخل في صياغة ردود الأفعال أيضًا، ولها تداعياتٌ مأساوية لا سيما عند أولئك الذين يعملون في أجواء صداميةٍ متوترةٍ، كإطلاق ضابط شرطةٍ النار على رجلٍ أسود أعزل. عملت إيبرهارت مع أقرانها على سلسلة من التجارب باستعمال نموذج المسبار النقطي dot-probe paradigm، وهي طريقة متعارف عليها لتمرير الرسائل لا شعوريًا إلى اللاوعي عن طريق الصور. حيث طلبت من المشاركين -وغالبيتهم من البيض- التحديق في نقطة على شاشة الكمبيوتر بينما تومض بشكل فوريٍّ لا محسوس على إحدى جانبي الشاشة صورةٌ لوجهٍ أسود أو وجهٍ أبيض أو بلا وجه إطلاقًا. ثم تظهر رسمًا لشيء مبهم الملامح يتضح تدريجيًا وببطء. طُلب من المشاركين -من بينهم ضباط شرطةٍ وطلبةٌ- الضغط على المفتاح أمامهم بمجرد التعرف على ماهية الجسم في الصورة. يمكن أن يكون الجسم المرسوم غير خطر كالراديو، أو ذا صلة بالجرائم كالمسدس. الأشخاص الذين أومضت لهم صور وجوهٍ سوداء تعرفوا على صورة السلاح أسرع من الذين أومضت لهم وجوهٌ بيضاء. بتعبيرٍ آخر، دفع مرور الوجه الأسود -حتى دون وعي- المشاركين إلى تمييز صورة المسدس.

ثم جرب الباحثون عكس التجربة، حيث قاموا بعرض ومضاتٍ لأجسامٍ لها صلةٌإجراميةٌ، مثل المسدس، متبوعةٍ بصور وجوهٍ بيضاء وسوداء موزعةٍ في أجزاء مختلفةٍ من الشاشة. المشاركين الذين تعرضوا -دون وعيهم- للصور المرتبطة بالجرائم، كانوا الأسرع في ملاحظة الوجه الأسود.

في نتيجة إيبرهارت، التي تُضاف لنتائج دراسات سابقة الداعمة لارتباطاتٍ مماثلةٍ، إشارةٌ إلى تسلسلٍ خطِرٍ على مستوى الإدراك والحس، بالأخص في المواقف التي يصاحبها ارتفاع معدلات الأدرينالين. لكن هذا الربط اللاواعي بين الوجوه السوداء والجريمة يظل حاضرًا وبقوةٍ حتى حين يُمنح الناس وقتًا للتفكير، كما اتضح في دراساتٍ أخرى.

والسود المدانون في جرائم الإعدام تصدر بحقهم أحكام الإعدام بمعدلاتٍ أعلى من أقرانهم البيض، كما يقضون فتراتٍ أطول في السجن بسبب جرائم مشابهة. وللتحقيق في العنصر الإدراكي لتلك الأحكام، جمعت إيبرهارت بيانات المئات من قضايا الإعدام في فيلادلفيا. دون توضيحٍ لغرض الدراسة، عَرضت صور المتهمين في تلك القضايا على مجموعاتٍ من التلاميذ وطلبت منهم تحديد أي منهم يبدو أقرب للصورة النمطية للأسود. في القضايا التي كان ضحاياها من البيض، من المرجح أن المجرمين الأشد سوادًا تلقوا أحكام الإعدام بنسبةٍ تصل لأكثر من الضعف مقارنة بالمجرمين الآخرين.

يقول تشو Chugh، إن مثل هذا العمل يُسفر عن “معدن بلادنا”. في عام ٢٠١٦، نشرت إيبرهارت وزملاؤها دراسةً في مجلة علم النفس التجريبي Journal of Experimental Psychology جاء في عمومها أن المشاركين الذين شاهدوا صورًا لعائلاتٍ من السود، اقترنت صورهم -بلا وعي- بأحياء سكنيةٍ رديئةٍ، مهما بدت عليهم مظاهر الطبقة الوسطى. ووجدت دراسة أخرى عن التحيّز اللاواعي أن المعلمين كانوا يميلون أكثر لتأديب الطلاب السود عند إساءتهم للمرة الثانية، يبدو أن المعلمين كانوا أسرع في ملاحظة “أنماط” السلوك السيء لدى الأطفال السود. وفي العام الماضي أفادت إيبرهارت وزملاؤها لمجلة وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم PNAS، أن التحيز الضمني يؤثر على صنّاع القرار في إدارة الأصول وتوزيعها asset allocation – وهو عمل بقيمة ٦٩.١ تريليون دولار؛ لتوجيه استثمارات الجامعات، وصناديق معاش التقاعد، والحكومات، والجمعيات الخيرية. إذ أشارت الدراسة إلى ميول المدراء الماليين إلى اختيار الشركات التي يديرها البيض، بالرغم من تطابق السير الذاتية للشركات المستثمرة.

قد تُغضب مثل هذه النتائج امرأةً وُلد جد جدها في ظل العبودية؛ لكن إيبرهارت ترى أن تسخير العلم لدراسة التحيز العنصري ينزع عنه الغموض والقوة، وتقول “بصفتي باحثة متخصصة، أخذت على عاتقي ألا أكون مجرد ضحية من ضمن ضحايا التحيز، بل أعملت دوري لأفعل شيئًا حيال الأمر، للتحقيق فيه وفهمه، والاتصال مع الآخرين بشأنه”.

اختبرت سلسلة من الدراسات قدرتها على الحفاظ على استقلاليتها. ففي القرن التاسع عشر، دعم علماء بارزون مثل لويس أغاسيز وبول بروكا العلوم العرقية Racial Science بحماسة، والتي اعتبرت السود مرحلةً تطوريةً بين القردة والبيض. مع أن مصداقية هذا الادعاء انهارت، إلا أن هذه الأفكار لم تمت بعد. ففي عام ١٩٩١ عقب حادثة اعتداء الشرطة على رودني كينج وأعمال الشغب التي تلتها في لوس أنجلوس، كشفت دردشةٌ إذاعيةٌ لدورية من الضباط أوصافًا ازدرائيةً للسود كان من بينها “غوريلات بيننا“. استمرارية هذه الارتباطات وحضورها القوي أثار تساؤل إيبرهارت مما دفعها للقيام بتجربة المسبار النقطي مرة أخرى، هذه المرة باستعمال صورٍ لوجوه سوداء أو بيضاء لتهيئة مجموعة من الطلبة دون شعورهم، وتبعتها ببث صور مموهة لحيوانات مختلفة كان من بينها القردة. استطاع الطلبة الذين تعرضوا للوجوه السوداء التعرف على صور القردة سريعًا. لا يبدو هذا تعصبًا أعمى، فقد أجاب الطلاب قبل بدئهم على استطلاعٍ دلّ على انعدام تحيزهم الواعي.

عندما عُكست التجربة، الطلاب الذين تمت تهيئتهم برسومات للقردة لفتت انتباههم الوجوه السوداء بشكل أسرع.

في دراسة تابعة، المشاركون الذين شاهدوا مقطعًا مرئيًا لاعتداء الشرطة على رجل أسود بعد تعرضهم لومضات صور القردة، كانوا أكثر ميلاً للقول باستحقاق الأسود لهذا الجزاء.

”إنها تستنبط من الواقع الذي لطالما عايشه السود، مبادئَ وقواعدَ شموليةٍ في علم النفس البشرية.“

يقول فيسك Fiske إن هذا العمل “مؤرق للغاية؛ ولكنه دقيق أيضًا من الناحية العلمية”. ليس لإيبرهارت أدنى فكرة كيف أثرت أفكارها في أذهان المشاركين في الدراسة، بالأخص طلبة الجامعة البيض، حيث أن القليل سمع عن علم الأعراق Race Science في القرن التاسع عشر. وأجريت هذه الدراسة قبل رئاستي أوباما وترامب، عند عودة اللغة العنصرية للساحة لتبلغ أوجها عبر منصات الإنترنت وفي النشاط السياسي.

تقر إيبرهارت تأثرها بنتائج أبحاثها، فتقول: ”لم يكن محض تحيّزٍ يجعلك تفكر (هذه الجماعة ليست أفضل من جماعتي)، كان هذا بمثابة إقصاء الأمريكيين من أصل أفريقي عن عائلة الإنسان بأكملها“.

على بعد حوالي تسعين دقيقة قيادة من مكتب إيبرهارت، يقع قسم شرطة في واحدة من أكثر المدن عنفًا في البلاد. شرطة أوكلاند التي لها سجل تاريخي طويل من الفضائح والانتهاكات. ففي أواخر التسعينيات، قام أربعة ضباط يطلقون على أنفسهم ”the Riders“ بجملة من الافتراءات لتوريط الأهالي وتجريمهم. وفي انتهاك أحدث، اعتدت مجموعة من الضباط جنسيًا على عاهرة تبلغ من العمر تسعة عشر عامًا. استهدفت الدعاوى القضائية والعقوبات هذا القسم، بما في ذلك ١٠.٩ مليون دولار صرفية دعوى قضائية جماعية نتيجة فشل ”the Riders“ الذريع. تطلبت الاتفاقية التي فرضتها المحكمة من القسم إصلاحات داخلية، مع توضيح واحدٍ وخمسين مهمة. في عام ٢٠١٤، تم الاستعانة بفريق إيبرهارت لصياغة المهمة رقم ٣٤، وهي جعل نقاط التفتيش الأمنية، التي يكثر فيها التفاعل بين المدنيين والشرطة، أقل عنصرية وصدامية.

عرفت إيبرهارت كيف توظف العلم للعناية بهذه المشكلة. ضمن عملها مع نائبة الرئيس ليرون أرمسترونج، جمعت “بيانات الإيقاف” لعام كامل من النماذج التي كان على شرطة أوكلاند تعبئتها عند إيقافهم لشخص ما. وتضمنت البيانات أسباب التوقيف، وعرق السائق، وما إذا تم تفتيش السيارة، وما إذا كان السائق مقيد اليدين أو مرتكبًا لمخالفة. بعد تحليل أكثر من ٢٨ ألف نقطة توقف مرورية، وجدت إيبرهارت وفريقها أن تحليل البيانات يدعم معاناة الأهالي. ستون بالمئة من الإيقافات كانت للسود، والذين يشكلون فقط ٢٨٪ من قاطني المدينة. شرطة أوكلاند التي يتكون عناصرها من السود والبيض، قامت بعمليات تفتيش أو إيقاف للسائقين السود بمعدلات تصل إلى ثلاثة أضعاف تلك التي قامت بها مع السائقين البيض. ودواعي الإيقاف كانت في المجمل غامضةً أو ترجع لانتهاكات بسيطة، في عدم توافر ما يبرر هذا التدخل، كالمخالفات المرورية أو مذكرة إلقاء قبض.

يقول أرمسترونج: “قبل هذه النتائج، كان ضباطنا يخبروننا أن ما يقارب ٩٠٪ من حالات الإيقاف جاءت استنادًا على معلومات استخبارية؛ لكن البيانات كشفت أنها كانت أقل من ٥٪“. دعمت دراسة أحدث أجراها معمل السياسة المحوسبة في ستانفورد Computational Policy Lab at Stanford هذا النمط على نحو أوسع.

انتبه إلى كلماتك!

في تسجيلات ٩٨١ نقطة توقف مرورية لشرطة أوكلاند بكاليفورنيا، وجد فريق جينيفر إيبرهارت أن الضباط يراعون الاحترام في خطابهم للسائقين البيض ؛ بينما في أحيان كثيرة يستعملون لغة غير رسمية وفظة مع السائقين السود.

مقلقةٌ هي وتيرة تلك المجابهات، كما وثقها فريق إيبرهارت بتفصيل منقطع النظير. في شهر واحد من عام ٢٠١٤، تم رصد ٩٨١ تسجيل مرئي من نقاط التوقف المرورية، التقطته كاميرات الجسم التي يرتديها ٢٤٥ ضابطًا. وُظف ناسخون محترفون خصيصًا؛ لالتقاط كافة أقوال الشرطة في تلك النقاط والتي وصلت إلى حوالي ٣٧ ألف لفظة. ثم استعان الباحثون بمجموعة من المقيِّمين وخوارزميات آليةٍ لتحليل تلك الأقوال وإخضاعها لمقياس الاحترام، والرسمية، والحياد، واللطف.

أكدت النتائج التي نُشرت في PNAS عام ٢٠١٧ استعمال الشرطة بصورة روتينة للغة أقل احترامًا عند التحدث إلى السود مقارنة بالبيض. لم يسمع الباحثون إهانات عرقية صريحة؛ لكن عبارات مثل ”أنا آسف، سأضطر لإيقافك“ أو ”عليكِ القيادة بأمان، سيدتي“ كانت مخصصةً في الغالب للبيض، في حين أن سائقي السيارات السود كثيرًا ما كانوا يسمعون عبارات مثل ”حسنًا يا رجل، ضع يديك على المقود بسرعة!“

يقول روب فويجت Rob Voigt، عالم اللغويات الحاسوبية في ستانفورد وأحد المشاركين في المشروع: ”بإمكانك أن تلاحظ كيف يتضح نظام العدالة في لغتنا اليومية والتفاعل الاجتماعي“. الضباط السود والبيض كلهم على حدٍّ سواء كانوا يتحدثون بلغة امتهانية مماثلة مع سائقي السيارات السود، مما يدل إيبرهارت على أن بعض هذه السلوكيات -وإن كانت عنصريةً- إلا أنها على الأرجح ناجمةٌ عن أنماط خفية لا واعية تُكتسب مع التدريب أو العمل الميداني. تقول إيبرهارت: ”هذه إحدى النواحي التي نود دراستها أكثر“.

حتى قبل معرفة تجذرات هذا السلوك، عمل فريق إيبرهارت جاهدًا لتغيير قسم الشرطة من خلال تدريب عناصر الشرطة بآلية لعب الأدوار؛ وذلك لرفع كفاءتهم في إجراء عمليات التوقيف المرورية بحرفية واحترام. في الوقت الحاضر، ضباط أوكلاند لا يوقفون السيارات إلا لأسباب وجيهة وموثقة مع تجاهلهم المخالفات البسيطة كتوقف السيارة بالتوازي مثلاً. ونتيجةً لذلك، انخفضت أعداد الإيقافات من عام ٢٠١٦ إلى ٢٠١٨ بمقدار النصف تقريبًا، وقابلها انخفاض في حالات إيقاف السائقين السود بنسبة ٤٣٪.

تعمل إيبرهاردت وفريقها البحثي على تطوير برامج الواقع الافتراضي لإخضاع الضباط لسيناريوهات مختلفة بغرض التدريب. ويعملون كذلك على توسيع دائرة جمع وتحليل البيانات والإصلاحات لتشمل أقسام الشرطة في المدن الأخرى. ينظر الباحثون أيضًا في كيفية تأثير الحوادث المؤلمة في مجتمع ما -كإطلاق الشرطة للنار- على سلوكيات الشرطة والمواطنين في مجتمع آخر.

يشكّك نشطاء في أوكلاند في حاجة المدينة لتمويل باحثي جامعة ستانفورد بمبالغ تصل قيمتها إلى مئات الآلاف من الدولارات، ويخالفهم أرمسترونغ الرأي قائلاً: ”لقد موّلنا العديد من المستشارين على مدار سنوات حتى يأتون لإجراء الدراسات؛ لكنهم بمجرد التوصل لنتائجهم يرحلون، على خلاف فريق إيبرهارت الذي آثر البقاء والمساعدة في الإصلاحات، لهذا السبب تلقينا الكثير من الدعم من ضباطنا“.

لا يوجد ترياقٌ سحريٌّ للتحيّز اللاواعي، فقد خلّفت السياسات السابقة من عزل أحياء السود والسجن الجماعي حالةً ذهنيةً لدى الأفراد. تقترح إيبرهارت زيادة التنوع العرقي في الأحياء وأماكن العمل والمدارس للنقاش، وتدعو إلى دراسة فعالية برامج مكافحة التحيّز التي تبنتها بعض المؤسسات.

كغيرها من الخبراء تقول إيبرهارت بأن أحد الإجراءات المضادة المثبتة فعاليتها هي ”التأني“؛ لنتمكن من نقل الفكرة البدائية التفاعلية للمستوى التأملي. من خلال تغيير سياسة المطاردة الفردية، أعطت شرطة أوكلاند ضباطها المزيد من الوقت قبل التدخل. فبدلاً من مطاردة المشتبه به في زقاق مسدود، يتم تشجيع الضباط على طلب الدعم، وتطويق المنطقة، ورسم خطةٍ قبل الاقتراب. أدّى ذلك لانخفاضٍ هائلٍ في عدد عمليات إطلاق النار ووقوع الجرحى من الضباط.

هناك إجراء مضاد مشابه يتمثل في تبني ما تسميه إيبرهارت ”الاحتكاك friction“ داخل المنظومة -وتعني به كبح التسرع-. لاحظ مؤسسو شركة الشبكة الاجتماعية Nextdoor  تزايدًا في أعداد بلاغات ”شخصية مشبوهة“ عبر منصتهم الإلكترونية، والتي كانت دواعيها عرقية بحتة. تواصلت الشركة مع إيبرهارت لطلب الاستشارة التي تلاها إنشاء قائمةِ تحققٍ لتحديد السلوك المشبوه قبل الوصف الشكلي للشخصية المشبوهة. سمح هذا الاحتكاك لمستخدمي الشبكة بالتأني وتقييم منطقهم قبل إطلاق أي افتراض تحيّزي. تبع ذلك تراجعٌ بنسبة ٧٥٪ في أحداث التنميط العنصري بالمنصة.

يبقى التعامل مع التحيّز مجاهدةً ذاتيةً للتأني والنظر في الافتراضات. تقول إيبرهارت: ”بإمكاننا ممارسة مبدأ الاحتكاك في حياتنا اليومية، من خلال استجواب أنفسنا وكبح التسرع… أن نكون واعيين قبل الإسقاطات النمطية“. وتختم في كتابها: ”هناك أمل في محض التفكير التأملي لأفعالنا. فيه تكمن القوة ومنه يبدأ الإصلاح“.

اقرأ ايضًا: الحاشية التي غيرت حقوق السود في أمريكا

أعجبني المقال

المصدر
sciencemag

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى