فكر وثقافة

أضحوكة المادية

كل جيل يحتقر تصور أسلافه عن الواقع، والأجيال القادمة ليست استثناءً

  • برناردو كاستروب*
  • ترجمة: أفنان نويد طيب وزينة أحمد قلعه جي
  • مراجعة: مصطفى هندي
  • تحرير: إيثار الجاسر

على مر التاريخ؛ اقتنع الأسلاف في العلوم والفلسفة أن تصورهم عن الواقع كان صحيحًا إلى حد كبير، إلا أن الأجيال اللاحقة، كانت مقتنعة بل وأثبتت مرارًا وتكرارًا أنهم على خطأ. لقد نظر كل جيل إلى أفكار أسلافه على أنها ساذجة، وبسيطة وخرافية.

حاول العلماء في عصر النهضة تفسير التجاذب “الكهروستاتيكي” عن طريق افتراض وجود مادة مرنة، غير مرئية سميت (السيّالات)[1]، هذه المادة كان من المفترض أنّها تمتدّ عبر الأجسام، ربما يصبح الأمر غريبًا، إلا أنه في ذلك الوقت كان التدفق تفسيرًا للملاحظات التجريبية التي عاصروها.

عندما فسح عصر النهضة مجالًا للتنوير، بدأ العلماء بمحاولة تأطير الظواهر: أي  تفسير كلّ ظاهرة من حيث أثر عمل الكريات -الذرات- الصغيرة وتفاعلها مع بعضها البعض عن طريق الاتصال المباشر، وأي تفسير لا ينجح في التأقلم ضمن هذا الإطار يعتبر نوعًا من الخرافات أو أمرًا غير منطقي.

لهذا السبب تجاهل الكثيرون أفكار العالم الإنجليزي إسحاق نيوتن بل كانت محطَّ سخرية لعقود، لأنّه تجرأ على أن يقترح فكرة تجاذب المواد لبعضها البعض بفضل قوة غامضة وغير مرئية أطلق عليها اسم (الجاذبية).

في كتابه (بنية الثورات العلمية) لاحظ توماس كون أن التغيرات في العلم والفلسفة ليست على وتيرة واحدة. هذه التغيرات لا تتقدم إلى الأمام بصورة ثابتة، إنما هي تقلبات، فمنذ ظهور نظرية آينشتاين عن النسبية العامة، عدنا لرفض العمل السحري للجاذبية المعتمدة على المسافة كما ظن نيوتن.

الآن لدينا فهم أكثر منطقية؛ لتفسير سقوط التفاح على الأرض، وذلك لكون الأرض تحني النسيج اللامرئي للزمكان حولنا، كما وصفته في الهندسة الريمانية المجردة.[2]

الرجاء ملاحظة أني هنا لا أشكك في مدى صحة توقعاتنا العلمية لسلوك الطبيعة، لكن أقف مع القدر الذي تحققنا منه بالتجارب، وإن النسبية العامة تقدِّم توقعات دقيقة بلا نزاع، وكما فعلت قبلها “جاذبية نيوتن” و”السيالات”.

ما أودُّ الإشارة إليه هي طريقة نظر البشر إلى هذه السلوكيات المتوقعة -أي تنبؤاتنا وتصوراتنا الدماغية لما يحدث- يمكن أن تصنف على أنها معقولة جدًا، أو غير قابلة للتصديق إطلاقًا وذلك يعتمد على التقاطعات التاريخية والثقافية لتوجّه هذه التوقعات.

إن التصور الذهني الحالي لدينا عن الجاذبية حسب النسبية العامة -أو كما يطلق عليها انحناءات الزمكان- قد يصبح غير قابل للتصديق في المستقبل، على الرغم من أن ذلك لن يغير من حقيقة أن النسبية العامة تقدم تنبؤات صحيحة بقدر حساسية أدوات القياس التي لدينا اليوم.

ما أدركه في هذا السياق، أن التصور الذهني لأسلافنا في العلوم والفلسفة حول ما يجري: “كان يعتمد على نفس الأساليب، ومبرراته هي نفس الأسباب التي تؤدي الآن إلى المعرفة العلمية”. ومع ذلك، كان للأجيال اللاحقة أسباب ممتازة وحاسمة لاعتبارها خاطئة.

النتيجة الحتمية أننا من الناحية البنيوية نؤمن باللامنطق، ولا يوجد سبب لنعتقد أن الوضع اليوم مختلف، وأن الأجيال القادمة ملزمة بالنظر للوراء حيث تصوراتنا عن العالم، وربما يضحكون من قصر نظرنا وميلنا الساذج للانجذاب نحو الخرافات.

ربما تتساءل، مما سيضحكون؟

في الفيزياء مثلا: سيسخرون من عدَّة أنواع الأكوان المتوازية الوهيمة، لكلِّ واحد عدد لا نهائي من الأبعاد المتداخلة: عشرة أبعاد مكانية، سبعة منها يزعم أنها غير مرئية، ويتخيل أنها تلتفُّ حول نفسها صانعة عقدًا صغيرة محبوكة ذات تعقيد طوبولوجي استثنائي متعدد الأبعاد، ووهمي.

كما أنَّ هناك وجهات نظر متعددة ومتضاربة حول طبيعة الزمان مثل: أن الزمان أصلًا غير موجود، أو أن الزمان هو الحقيقة الوحيدة المتواجدة (والمكان هو الوهم)، أو أن الزمان موجود لكنه ليس أساسيًا، بل ينشأ من عمليات كمية ميكروسكوبية.

كما أنَّ هناك تراكمًا مستمرًا من المجاهيل الناتجة عن نظريات مثل: نظريات المادة المظلمة والطاقة المظلمة،وإلى آخره…..، وبالمقارنة، ربما كانت (السيّالات) منطقية ومقبولة للغاية.

لكنَّ الأسوأ ليست التخرُّصات المنتشرة في الفيزياء الحديثة، بل الميتافيزيقا التي تملأ النظرة المادية، تلك التي جاءت لتسيطر على ثقافتنا ولغتنا، على سبيل المثال: الأشياء المهمَّة يقال عنها Matter، أما غير الماديَّة يقال عنها don’t matter [3] إن جذر كلمة المادة matter في اللغة اللاتينية مشتق من كلمة mother أي الأم، أو matrix أي ما جئنا منه.

إن المادية والميتافيزيقا تتخيل قالبًا مجرَّدًا بحتًا يسمى المادة، والتي يزعم أنها موجودة خارج العقل ومستقلة عنه، ثم تحاول تفسير العقل طبقا لهذا التجريد، وهذا الفشل لا يبدو سببًا للإحراج أو لإضعاف مكانتها في التأسيس الفكري، وعلى الرغم من جاذبية السحر -أي سحر إرجاع كلِّ أنواع الخبرة إلى التراكيب الماديَّة الصَّارمة -، فإنَّ -المادية- لا تزال معقولة إلى يومنا الحاضر، تمامًا كما كانت الجنِّية المشعوذة من قبل.

السؤال الأهم هو: كيف انتهى بنا الأمر بربط المعقول باللامنطق أو اللامعقول، وليس مرة واحدة بل العديد من المرات؟ ما الذي أعمى بصيرتنا وجعلنا غير قادرين على عقلنة تصوراتنا الذهية؟ لماذا نعتبر -بكل تسلط وتعالم- أنَّ انجذابنا المضحك للخرافات أمرٌ مشروعٌ ومنطقيٌّ!، بل حتَّى علمي؟

لدي نظرية بسيطة: بأيِّ نقطة في التاريخ، ورث العلماء والفلاسفة مجموعة معينة من القيم والمعتقدات الأساسية من الثقافة التي انتموا إليها، وأسماها كون “النموذج/الباراديغم”؛ هذه الموروثات هي من حددت معنى المعقول عندهم، وبالتَّالي فمعنى المعقول أو معيار المعقولية= مورث؛ فما يكون مصدَّقًا في ثقافتهم سيبدو منطقيًا لهم، على الأقل حتى يقوموا بفحصه فحصًا ناقدًا. إن نشأنا -أنا وأنت- نتحدث عن الجنيات، فسيبدو معقولًا لنا حدوثُ بعض العجائب التي تقوم بها الجنِّيَّة المشعوذة، مثل تغير أماكن بعض الأشياء، أو اختفائها، أو حتَّى إصابة بعض الناس بمرض غامض! أما عن كوننا لم نر الجنِّيَّات، فذلك لا يعني أنها أقل منطقية من الجسيمات دون الذرِّيَّة والحقول الكمومية والأوتار الفائقة، فكل هذه الكيانات غير المرئيَّة تُفترض وتُتخيل بسبب آثارها المزعومة.

الفكرة هنا هي أنَّ معنى المعقول ومعيار المعقولية ليس أمرًا موضوعيًا يمكن الاعتماد عليه، وإنَّما وصفته بالأعلى على سبيل المثال نوع من “المعقول بالعادة” وهو أمر شخصي تمامًا!، وفي الواقع، إن المعقول عادةً -من وجهة نظري- هو بالضبط ما يجعل المادِّيَّة الميتافيزيقية حيَّة، رغم مشاكلها وتناقضاتها الداخلية.[4]

لكن مع الوقت، يبدأ العلماء والفلاسفة بالانتباه إلى أنَّ تصورهم العقلي السائد عن الواقع -وهو ما سأطلق عليه (الصورة 1)- لا يستطيع تبرير بعض الظواهر أو حاجة إلى التعديلات والإضافات التي قد تبدو غير معقولة حتَّى في ظلِّ قيم النموذج السائد (فكروا في طبقات الدوائر في علم الفلك البطلمي؛ على سبيل المثال).

من هذه النقطة يُعرض تصوُّرٌ فكريٌّ آخر عن الواقع (الصورة 2) والتي تركِّز على معالجة نقاط الضعف المعروفة في التصوُّر الأول؛ وهنا تكمن المشكلة.

كما ترون فإن مفتاح الدافع النفسي لتطوير الصورة 2 هو حل و تطويق المشاكل المعروفة في الصورة 1، فإذا نجحت الصورة 2 في هذه المهمة؛ فستكون هي المعتمدة وستقبل بحماس شديد، إلَّا أنَّ قِصَر النظر الناتج عن الحماس يعيق التقييم الناقد للصورة 2 بالنظر إلى المجموعة الكاملة من الأدلة التي من المفترض أن تشرحها، فلا أحد يرغب في مراقبة التفاصيل كاملة؛ لأن الجميع مشغول عادةً بالاحتفال بالتَّقدُّم الكبير!، لذا لا يرى أحد المشاكل الجديدة والفجوات في الصورة 2.

سيطول الأمر حتى ينتبه علماء وفلاسفة الجيل الجديد إلى هذه المشاكل والفجوات: وهنا يتكون معنى جديد للمعقولية، الثقافة الآن ملتزمة بالصورة 2 كنوع من التَّقدُّم، وبطبيعة الحال لا تريد أن تتخلى عن هذا التقدم الملموس.

ومهما كانت المشاكل المتبقية؛ فإنها يجب أن تعالج من خلال الإضافات المتزايدة أو التعديلات على الصورة 2، وليس عن طريق تقديم تصورات عقلية جديدة.

إنَّنا نريد أن نصدق أننا أمسكنا أخيرًا بحقيقة الأشياء، وفقط تنقصنا بعض التفاصيل؛ نريد مراكمة وتأمين التَّقدُّم الملموس، وإصدار ملاحظات للسيطرة على المشكلات.

في الواقع، هذا بالضبط ما يفعله الماديون الميتافيزيقيون عند مواجهتهم ما يدعى بـ “مشكلة الوعي الصعبة” إذ يقولون “لا نستطيع حلها الآن، لكن ربما في يوم قريب”، وهكذا فإننا نبقى منتظرين. 

أدَّى ظهور المادِّيَّة في عصر التنوير إلى حل بعض المشكلات: الصورة السابقة العقلية الدينية للعالم لا يمكنها أن تأخذ بعين الاعتبار نظام السلوك في الطبيعة -والتي تبدو قوانين تلقائية غير قابلة للتغيير- أو المعاناة الغامرة والظلم الملازم للحياة.

قال الطبيب النفسي كارل جنغ مرة، إنَّه وقبل المادِّيَّة حاولنا كثيرًا أن نقوم بمقاربة معاني الروح، وكان متوقعًا ومن ثمَّ وجود رد فعل تعويضي على شكل مادية ميتافيزيقية.

وعلاوة على ذلك؛ ساعدت المادِّيَّة العلوم الحديثة في ذلك الوقت على فصل أهداف الدراسة عن الموضوع المدروس، وتحقيق مستوى براجماتي من الموضوعيَّة.

لذلك، وبحماس شديد، قامت المؤسسة الفكرية الغربية بتبني المادِّيَّة ورفض الميتافيزيقية القديمة من بقايا العصور المؤمنة بالخرافات.

لكن كم عدد العلماء والفلاسفة في ذلك الوقت الذين توقفوا عن ملاحظة أنَّ المادِّيَّة قد خلقت في الواقع مشكلات أكثر من تلك التي قامت بحلها؟ من أدرك آنذاك أنَّ المادِّيَّة لا تستطيع بالضرورة تفسير التجربة نفسها، التي أصبحت هي كل ما نعرفه ونملكه في النهاية؟ من أدرك في القرن التاسع عشر التناقضات التي حملتها الآراء المركبة من المادِّيَّة الميتافيزيقية والتَّطوُّر الدارويني؟

اليوم نحن نعتقد أنَّ المادِّيَّة هي أمر معقول، وذلك بقوة العادة والثقافة الموروثة، حتَّى أنَّ هناك بعض المعقول لا يمكن تفسيره سوى بالخيال.

إنَّ المادِّيَّة: هي امتداد لواحدة أو أكثر من الخدع الخيالية والتي ندعوها “الانبثاق” و”الإقصاء” و”الوهم” اعتمادًا على الذوق الشخصي، وإن كل شيء سيصبح معقولًا إذا التزم المرء بالوضع الميتافيزيقي الحالي.

لقد نجت المادية في الواقع ليس بفضل الخرافات، بل بفضل الحيل؛ فلأجل الدفاع عنها وتأمين التقدم المتصور منذ عصر التنوير، استخدم العلماء والفلاسفة العباقرة -الذين خاطروا بسمعتهم لأجل الحفاظ على مصداقية المادية- قدراتهم العقلية لخلق مصداقية المادِّيَّة.

إذا تبنى شخص ذكي تصورًا معيَّنًا -غير مثبت- عن العالم، فلا حدَّ لمقدار ما يمكنه فعله لإخفاء لامعقولية هذا التصور؛ لأنه يصنع معقوليته اعتمادًا على خليط من التعقيد المفاهيمي، وتقديم الملاحظات المدوية والتي تعد بحل مزيد من المشكلات، ويمكن للشخص أن يجعل أي شيء معقولًا إذا قُدِّم له ما يكفي من الدعم والوقت، وإنَّ تاريخ العلوم والفلسفة يوضح هذا الأمر بجلاء، إلا أنني أفضل تقديم أمثلة معاصرة.

ذهب بعض الماديين إلى حدِّ إنكار وجود التجرِبة وذلك لعجز المادية على تفسير التجربة، وكان هذا لإضفاء الشرعية على اللامعقول من أجل صناعة المعقول.

إن الأذكياء قادرون على نسج جدالات غامضة حول ادعاءاتهم بحيث يستحيل معرفة ما يقولونه بالفعل.

على سبيل المثال، في تجربتي؛ إذا سألت منكرًا للوعي عمَّا إن كان يعتقد أنه سيشعر بالألم إن تعرض للتعذيب، فمن المحتمل أن يجيب بالإيجاب، لكن إن أشرت إلى أن إجابته تعني وجود الوعي فقد ينكر الأمر قائلًا: إن الذي نسميه الألم هو حالة وظيفية وليست تجربة فعلية، ولكنك بذلك تنكر ألمنا!

يمكن أن تضيف أن الأمر يدور في حلقة مفرغة، وقد وصف الفيلسوف جالين ستراوسون هذه المناورة الغريبة باسم (النظر الزجاجي) لكنِّي سأطلق عليها (المعقولية المُعتِمة).

لأجل صنع المعقولية للنموذج الحالي؛ فإن العلماء والفلاسفة مستعدون للتضحية بمعقولية أي عنصر من عناصر النموذج. فعلى سبيل المثال، دحضت النتائج التجريبيبة في فيزياء الكم الفيزياء في الواقع: لا يوجد عالم مادي قائم بذاته مكون من طاولات وكراسي؛ إنَّ الطريقة الوحيدة لتجنب هذا الاستنتاج التجريبي هي: إما افتراض عدد لانهائي من الأكوان المادية المتوازية الحقيقية وغير القابلة للاكتشاف، والتي تنشأ أحداثها بطريقة سحرية في كلِّ مرة يقوم فيها شخص بفعل أي شيء في العالم؛ أو علينا تقبُّل أن العالم المادي من الطاولات والكراسي موجود بقدر ما يتم ملاحظته، أي تعتقد أنَّ الخيارين أقل معقولية؟

اقتنع الفيزيائي الشهير شون كارول بالخيار الأول، وهو لا يجد حرجًا في الاعتراف بذلك، لأننا نعيش في ثقافة لا تعتبر تفضيل الخرافات أمرًا تافهًا، بل إنَّ الثّمن الذي دفعه كارول مستعدًا لخلق معقولية ميتافيزيقا النظام المادي هو تحويل الفيزياء نفسها إلى رسومات كاريكاتيرية ساخرة.

لعلَّ ذلك يرجع إلى تفضيله النمطية أكثر من المخادعة، وأنا أؤمن بأن الدافع الحقيقي وراء تقبل واقتناع الشخص المثقف العادي “بالمادِّيَّة” هو عدم فهمه لمعنى هذه الكلمة الحقيقي من الأساس.

بمعنى آخر، ما يعتقده الناس بشأن المادِّيَّة هو محض سوء فهم لما تعنيه حقًّا، خاصةً بأنَّ العديد من المتعلمين فشلوا في إدراك أن كلّ ما يبصرونه من ألوان، وكلّ ما يسمعونه من أصوات، وكلّ ما يتحسسونه من ملمس، و كلّ ما يستطعمونه من نكهات، وكل ما يشتمّونه من روائح: هو مجرد وهم من اختلاق جماجمهم، مما يعني أن خبراتهم و تجاربهم الحياتية بكافة تفاصيلها ما هي إلَّا محض أوهام وتصورات تتواجد فقط في أذهانهم.

ما يوجد حقًّا في بيئتنا المحيطة والعالم الخارجي هو مجرَّدٌ في حقيقته من مقومات التجربة الإنسانية أو الخبرة الحياتية؛ حيث لا يمكننا حتى إبصاره، و ذلك يتطلب تواجد هذه المقومات في بادئ الأمر.

وأفضل طريقة لتحقيق ذلك بنفسك هو أن تتصورها كعالم تجريدي بحت مؤلفٌ من ظلال أشباح ومعادلات رياضية، و لكن هذا بحد ذاته يدفع بالمخيلة إلى حدود بعيدة جدًا تخرج عن طور المعقول.

وبالفعل، تقدَّم الفيزيائي المشهور ماكس تجمارك باقتراح حول أن كينونة عالمنا المحيط ماهي إلا تجسيد لرياضيات بحتة.

الآن، كم من الماديين الاعتياديين سيستمرون في الاعتقاد وتقبل المادية إن أدركوا معناها الحقيقي؟ ومن المحلوظ حقًّا، هو كيفية كون الجهل بالشيء وغفلة العقول عن الحقيقة هو وسيلة فعالة في توسيع انتشار هذه القناعات المغلوطة عن المادية.

وهكذا، مثل كلّ جيل جاء من قبلنا، فإننا وبكلِّ حماسٍ وصدر رحب نستمر في اعتناق الترهات؛ فنختلق مختلف الحجج والتبريرات بغية إقناع أنفسنا ومن حولنا بحفظ أخطاءٍ باتت جزءًا من كياننا.

الطريقة الوحيدة لكسر هذه الحلقة اللامنتهية، هي إدراكنا بأن عقولنا و أذهاننا بارعةٌ في خداعنا. وكما شهد كل من  تاريخي العلوم والفلسفة، فإن هذا هو أفضل ما تبرع فيه عقولنا، كما أنَّ الاعتقاد بأننا قادرون على البحث بموضوعية في العالم من حولنا ودون تحيُّز، لهو أكبر خديعة اختلقها العقل وصدقها!.

فما تتصوره أذهاننا عن العالم لا يمكننا اعتماده دائمًا وبشكل مطلق؛ حتَّى يأتي اليوم الذي نمتلك فيه الشجاعة لمواجهة هذه الحقيقة، حينما لن نتمكن من تحقيق أي تقدم.

وقد تتساءل بغضبٍ عزيزي القارئ، “لكن ما هو نوع التقدم الذي نطمح إليه؟!” فإن لم يكن باستطاعتنا الوثوق بعقولنا، كيف لنا أن نحرز أي تقدُّم؟ من المثير للدهشة، هو أن ما يبدو للوهلة الأولى كانتحارٍ فكري، في الحقيقة يخلق قواعد صلبة تسهم في فهمنا، على عكس ما كنا نرتجيه من عقلنا الراكد في بركة الرمال المتحركة تلك.

ومن خلال فهمنا و تقبلنا لفكرة أن عقولنا – إن سنحت لها الفرصة – بإمكانها خداع نفسها، فإننا نغدو بذلك خاسرين لكلّ شيء تقريبًا!، ولكن بهذا يتبقى لنا خيار أخير ووحيد: هو أن كل ما هو كائن وموجود هو العقل؛ فالواقع ما هو إلا منسوجٌ عقلي،[5] ينطوي على خديعة العقل لنفسه ألا وهي تصديق أن هناك شيئا غير نفسه، خارج كيانه.

وبسبب كم الجنون الذي يحيط ويتجسد في نظرتنا تجاه العالم والتي تمكنت من التأثير على لغتنا، فإنه لا يمكنني حتَّى البدء بجعلكم تتصورون أنَّ ما ذكرته واضح وضوح الشمس!، فعوضاً عن ذلك، ستعتقدون بأني مجنون وهذا لا بأس فيه كذلك.

فقط احذر: أن تقول بأن كلَّ شيء في العقل فهذا لا يعني بالضرورة أن كل شيء في عقلك أوعقلي فقط. فكرة أن يكون لك ولي عقولنا الخاصة – ككيان مفصول عن عقول الآخرين – ما زال يعتبر خداعًا للنفس.

ولكي نفهم معنى هذه الفرضية حقًّا، على المرء أن يغوص بعمق، بعمق شديد، إلى أن يصل حيث تلك الطبقات المتكدسة من المفاهيم والاعتقادات المغروزة غير المنظورة والتي ورثناها من مجتمعاتنا وثقافاتنا إلى أن أصبحت جزءًا منَّا.

معظم الناس لم يستطيعوا الخوض في هذه الأعماق، فبمجرد محاولتهم أصبح كفيلًا بكشفهم لما أسميه “الدوران/التزوبع الأبدي”؛ وهو ما يتمثل في إدراكهم المفزع لحقيقة أنَّ حجم ما يحصل حقيقة لا يقارن مطلقًا مع حجم ما يعتقدون أنه حاصل.

اللُّغة –على الأقل لغتنا الحالية– لا يمكنها تمثيل واقعنا بإنصاف؛ إذ أنَّ واقعنا خارج عن دائرة التصور والوصف، ولكن من خلال القيام بالتصور المنطقي المنصف بإمكاننا أن نغدو قريبين من ذلك، وهذا بالضبط ما كنت أحاول جاهدًا تحقيقه خلال عملي لعقود من الزمن، ولكي نتقدَّم علينا أن ندرك حقيقة خداعنا لأنفسنا؛ وذلك يتطلب من التمحيص بعمق في كيفية تمكن صناعة المعتقدات والقناعات الزائفة من تطويقنا بصالة مرايا من كل جانب، علينا أن ندرك بأنَّ كل من يصرخون “بالمنطق!” بأعلى صوتهم هم في غالب الأحيان الأكثر ضلالًا والأقل منطقيةً.

وبهذا يأتي يوم من الأيام ينظر فيه جيل من الأجيال المستقبلية إلى ما صنع أجدادهم و يقولون: “بالفعل، قامو بفعل الصواب.”


  • برناردو كاستروب، عالم الكمبيوتر وفيلسوف هولندي كتب نظريات وأفكار أساسية حول مشكلة العقل المادية.

[1] هي النظرية الأولى لتفسير التجاذب الكهربي والشحنات الكهربية، حيث افترضوا أن هناك تيارا صغيرا من الجسيمات تتدفق من الجسم الكهربائي، دون أن تقلل من حجمه أو وزنه وهي غير مرئية، حتى جاء مايكل فاراداي وفند تلك النظرية بالكهرباء الساكنة والمتحركة. (المراجع)

[2] حسب كون نفسه، لا نستطيع أن نقول أن هذا التفسير أقرب للواقع وأكثر عقلانية من سابقه، لأن ما حدث كان تغييرا للنموذج/الباراديغم، أما أن التفسير اللاحق أقرب للحقيقة من السابق فهذا لم يعنيه كون بتغير النموذج. (المراجع)

[3] هنا استعمل الكاتب معنيين لكلمة matter، فهي تشير إلى المادة، ومن ناحية أخرى تشير إلى ما يهم، وعليه فعندما تقول عن شيء أنه غير مادي immaterial فكأنك تعكس كلمة  matter إلى doesn’t matter، فكأنك عندما تقول (غير مادي) تقول (غير مهم). (المراجع)

[4] تعتبر مناقشات كون لتقدم العلم السبب الرئيسي وراء اعتبار وجهة نظره العلمية في كثير من الأحيان “نسبية”، وكثيرًا ما اُعتبر كتاب كون أحد الخطوات الرئيسية الأولى في أطروحات النصف الثاني من القرن العشرين التي تبنت نسبية العلم والمعرفة، بينما صُدم كون نفسه عندما فُسرت نصوصه بهذا المعنى. (المراجع)

[5] هذه وجهة نظر الكاتب ولا يتبنى أثارة جميع الأفكار الواردة في المقال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق