الفلسفة

مارجريت كافنديش: فيلسوفة من القرن السابع عشر

  • جيلي جرينتاكي
  • ترجمة: يارا عمار
  • تحرير: شيماء السليم

مارجريت كافنديش، دوقة نيوكاسل الواقعة على نهر التاين؛ فيلسوفة وشاعرة وكاتبة مقالات وعالمة وكاتبة مسرحية ورائدة في مجال الخيال العلمي، عاشت في القرن السابع عشر.

كانت مارجريت كافنديش حالة استثنائية بين الفيلسوفات والمفكرات في القرن السابع عشر، حيث كان السائد هو اعتبار المرأة دون مستوى الرجل وأنها عاجزة عن التفكير العلمي والفلسفي. لكنها  تمكنت -بالرغم من عدم حصولها على التعليم العلمي أو الكلاسيكي- من تحصيل المعرفة الكافية لصياغة نظرية طبيعية ذاتية معارضة للثنائية الديكارتية التي كانت تحظى بشعبية آنذاك، كما كتبت إحدى أولى رواياتها في الخيال العلمي.

بواكير حياتها

نشأت مارجريت كافنديش (1623-1673) في فترة الحرب الأهلية الإنجليزية في بداية عصر التنوير، وكانت فترة مضطربة ومثيرة للغاية في التاريخ الأوروبي. تقلّد تشارلز الأول عرش إنجلترا عام 1625، وكان ملكًا متعجرفًا ومحافظًا ولم يستطع أن يكون على وفاق مع ملّاك الأراضي الذين اكتسبوا قوة وازدادوا ثراءً من بداية عصر النهضة.

ألغى تشارلز البروتستانتية لكونه كاثوليكيًا متعصبًا، وكان قد دعمها وأسسها -قبل أكثر من قرن- هنري الثامن؛ وقد كان تشارلز ملكًا قاسيًا عُرف بوحشيته و زيجاته المتعددة. لم يكتف تشارلز بالعودة إلى الكاثوليكية، لكنه تزوج أيضًا من امرأة كاثوليكية من نبلاء فرنسا تُدعى هنريتا ماريا. ولم يستطع أن يوفي بمقامه كحاكم، فقد كان متغطرسًا وغير مكترث بالقرارات النيابية -إن لم يكن عدوانيًا تجاهها- معتقدًا أن “الديمقراطية هي جعل آراء الناس على مرتبة واحدة، رغم تفاوت عقولهم”. ولأن البرلمان قد تألف بشكل أساسي من ملّاك الأراضي النبلاء الذين بدأوا للتو في إدراك مدى قوتهم؛ فقدَ الملك دعمهم المالي عام 1629 عندما حلّ البرلمان.

وبما أن الدولة الإنجليزية لم تكن قادرة على الصمود دون إسهامات النبلاء؛ عانى الشعب الإنجليزي من الجوع لأكثر من عشرة أعوام، واضطر تشارلز إلى إعادة عقد البرلمان عام 1640؛ لأنه لا يريد أن يُحرم من رفاهيته. كان البرلمان الجديد معاديًا صراحة للملك، وأصرّ الأسكتلنديون على تبنّي البروتستانتية. وبلغت هذه الاضطرابات أوجها إبان الحرب الأهلية الإنجليزية الأولى عام 1642، بين البرلمانيين والملكيين.

سنوات التكوين والزواج

ولدت مارجريت كافنديش -واسمها بالانتساب لأبيها مارجريت لوكاس- عام 1623 في كولشيستر بإنجلترا. كانت الطفلة الثامنة لإحدى أبرز العائلات الأرستقراطية الملكية، وتربّت على يد والدتها لأن والدها توفي وهي في الثانية من عمرها. ولم تتلق تعليمًا منهجيًا في طفولتها، لكن أخويها كانا علماء، فأتاح لها ذلك ميزة عقد محادثات متعلقة بالمسائل الفلسفية والعلمية ساعدتها بالتدريج على صياغة وجهات نظرها الخاصة. وبجانب الكتابة كانت تحب أن تصمم ملابسها بنفسها.

دخلت مارجريت بلاط الملكة هنريتا ماريا عام 1643 وأصبحت وصيفة شرف. ولما اندلعت الحرب الأهلية سافرت مع الملكة إلى فرنسا. كان هذا قرارًا حكيمًا منها بالرغم من صعوبة مغادرة بيئة منزلها الآمنة؛ لأن عائلتها لم تكن محبوبة في المجتمع.

لم تستطع مارجريت أن تستمتع بوقتها في البلاط الفرنسي لأنها كانت خجولة. ثم التقت بويليام كافنديش عام 1645 -وهو جنرال ملكي مشهور كان في المنفى آنذاك- وأحبا بعضهما بعضًا وتزوجا بالرغم من أنه يكبرها بثلاثين عامًا. كان ويليام ماركيز نيوكاسل مثقفًا وراعيًا للفنون والعلوم وصديقًا شخصيًا لعدد من العلماء الأفذاذ، بما فيهم الفيلسوف توماس هوبز. وقد احترم وأكبر –بصفته كاتبًا- روح مارجريت وتوقها إلى المعرفة، وشجعها على الكتابة ودعم نشر كتبها. وعلى الرغم من مقولات مارجريت الشهيرة عن الزواج مثل “الزواج لعنة تصيبنا، نحن معشر النساء” أو “الزواج مقبرة الحكمة”، فقد حظت بزيجة سعيدة وزوج مخلص، ولم تتوقف قط عن تكريمه حتى أنها كتبت سيرته الذاتية.

فيلسوفة في مجتمع القرن السابع عشر

تفقد النساء أهليتهن القانونية بعد الزواج، طبقًا لما ذكره جون مور (1632) في كتابه ” قوانين وقرارات حقوق المرأة”، وهو أقدم الكتب الإنجليزية التي تناولت الوضع القانوني للمرأة وحقوقها. فبموجب القانون العام لولاية الرجل، لم تكن المتزوجات مستقلات قانونيًا، ولم يكن لديهن حرية إدارة ممتلكاتهن؛ في حين أن العازبات كن يتمتعن بحقوق أكثر منهن بكثير، لكن مع ذلك كنّ مهمّشات ويتلقين معاملة أدنى من معاملة المتزوجات والأرامل، خاصة حينما يتعلق الأمر بإعانة الفقراء أو السماح لهن بإدارة مشاريعهن التجارية الخاصة؛ بعبارة أخرى: كانت النساء تعاني ثيبات وأبكارًا.

لقد كانت المرأة في أوروبا في القرن السابع عشر قضية متناقضة. فمن جهة كانت تُزدرى بشكل عام واعتُبرت “شرًا لا بد منه”، ومن جهة أخرى كانت تجرى مناقشات مستفيضة حول طبيعتها، ومحادثات عامة بشأن قدرتها على الدراسة، ومدح للشخصية الأنثوية النموذجية التي تمثل الحسن والجمال. وحتى تكبح هذه المرأة النموذجية ميولها الطبيعية نحو الشر، يجب أن تكون مقيدة وصامتة ومطيعة ومشغولة باستمرار لئلا يكون لديها أي فراغ يقودها إلى الفساد. بالإضافة إلى أنها لا ينبغي أن تتعلم؛ لأن المرأة المتعلمة تشكل خطرًا بسبب نقص الوازع الأخلاقي لدى المرأة.

كانت رغبة المرأة في التعلم والإبداع والكتابة والتفكير المنطقي الشخصي وحتى رغبتها في أن تكون فيلسوفة تعتبر جرأة فجة، وكانت تقابَل غالبًا بالازدراء والسخرية، باستثناء بعض الحالات القليلة جدًا مثل أرتيميسا جنتلسكي أو أفرا بين.

خلاصة القول، كانت النساء في القرن السابع عشر مواطنات من الدرجة الثانية، وكان لظهور المتشددين أثناء جمهورية كرومويل تأثيرًا بالغًا على هذه المقدمات.

قصائد وفلسفة وقصص خيالية

حوكم تشارلز عام 1649 بتهمة الخيانة العظمى، فكان أول ملك قطعت رأسه في التاريخ البريطاني. وخلال السنوات التالية من حكم أوليفر كرومويل الجمهوري، سافرت مارجريت مع زوجها عبر أوروبا لتدرس السياسة والفلسفة والأدب والعلوم بشكل أكثر منهجية. وكتبت كثيرًا -بدعم ويليام المستمر لها- ونشرت أول كتابين لها عام 1653 “قصائد وأوهام” و”خيالات فلسفية”. ثم أصبحت غزيرة الإنتاج ونشرت أكثر من 20 كتابًا من ذلك الحين وحتى وفاتها.

وبعد عودة ملكية ستيوارت عام 1660، عاد الزوجان إلى إنجلترا وأقاما بأملاك ويليام في ويلبيك، حيث واصلت مارجريت الكتابة ونشرت ما قد بدأت كتابته أثناء سفرها.

نشرت مارجريت ما كتبته باسمها، وكان هذا جرأة منها؛ فقد كان سائر النساء في هذا العصر ينشرن بأسماء مستعارة. كما ناقشت أثناء تواجدها بإنجلترا أفكار أفضل علماء عصرها العلمية والفلسفية، مثل توماس هوبز وروبرت بويل ورينيه ديكارت. وتجلّت تأملاتها الشخصية الفريدة في قصائدها ومسرحياتها ومقالاتها ومراسلاتها التخيلية، ومن ذلك رواية “وصف عالَم جديد-العالم المشتعل” (1666)، وهي إحدى أفضل روايات الخيال العلمي على الإطلاق.

تأملات مارجريت

كان تفكير مارجريت الفلسفي سابقًا لعصره؛ فقد كانت تعارض الديكارتية بشكل علني وبشجاعة في عصر هيمنة الديكارتية، فرأت أن العالم الطبيعي شيء واحد، وساوت بين قيمة الإنسان وباقي المخلوقات، بل اتهمت الإنسانية بالقسوة تجاه الطبيعة. قد تبدو مكافحة مركزية الإنسان وموقف المساواة بين العالم المادي أمرًا مستغربًا في هذه الفترة، خاصة عندما يكون متبني هذه الأفكار مناصرًا قويًا للملكية. لكن -بالنسبة لها- كان حاكم كافنديش المطلق هو الطبيعة وليس الإله؛ وهي فكرة ما بعد حداثية مثيرة للإعجاب.

يمكن اعتبار فلسفة مارجريت نسخة مبكرة من المذهب الطبيعي؛ فقد اعتقدت أن للمادة ذكاء، واعتبرت العقل جزءً من الجسد لا ينفصل عنه. كما أنكرت نظرية المُثُل الأفلاطونية والنظرية الآلية. وافترضت أن الأفكار قائمة بالعقل، واعتقدت أن الطبيعة متطورة ولا يمكن التنبؤ بها. وهكذا دافعت مارجريت عن جسدٍ يتطور باستمرار ونظام التفاعل العقلي الذي نرى فيه إرهاصات بفكرة سيمون دي بوفوار “الجسد باعتباره موقفًا متغيرًا”.

يبدو أن ماديتها كانت مستوحاة من فلسفة توماس هوبز، كما كانت تتنبأ أحيانًا بفلسفة جون لوك التجريبية. إنها تشير ضمنيًا، بافتراضها أن العقل متأصل في الجسد، إلى أن الأفكار التي نكتشفها ونعرفها إنما هي جزء من الطبيعة، وبالتالي فإنها قائمة على أساس مادي. تؤمن كافنديش بأن الطبيعة “قائمة بذاتها ومدرِكة” وأن هذه الصفات هي سبب عدم خروجها عن نظامها. تذكرنا هذه الفكرة بمصطلح “قوة الخلق” الذي صاغه هنري برجسون؛ ونظرًا لأنها تنسب الذكاء إلى المادة غير الحية، فيمكن تفسير نظريتها الحيوية بطريقة جيل دولوز.

ناقشت مارجريت في كتاباتها الأدوار الجندرية وطبيعة كل من الذكر والأنثى، وإن كان بطرق متناقضة بعض الشيء. فتناولت في بعض النصوص مسائل متعلقة بدونية المرأة في القوة الروحية والذكاء، وقدمت حججًا في نصوص أخرى مثل “خطب أنثوية” يمكن وصفها بأنها إرهاصات نسوية. فاعتبرت أن دونية المرأة تعود إلى التقصير في تعليمها، لا بسبب طبيعتها. كما رأت أن إبعاد المرأة عن دائرة التعليم كان قرارًا متعمَّدًا من بعض المؤسسات الاجتماعية لإبقائها تحت القهر.

وهي مع ذلك -وبالرغم من انتقادها معاملة الرجال للنساء- لم تعتقد أن قدرات الجنسين متكافئة، وكانت ترى أن بعض الصفات الأنثوية ضرورية وطبيعية (وكانت تشعر بالذنب لتجاوزها). على أي حال، ظلت مارجريت تؤمن بالحرية الشخصية، وأن أي امرأة ينبغي أن تفعل ما تريد وإن كان مخالفًا للأعراف الاجتماعية. وفي هذا السياق أيضًا يمكن اعتبارها نسوية مبكرة.

مادج المخبولة

كان من الصعب أن يُتقبل وجود فيلسوفة في القرن السابع عشر (لاحظت كيتي وتيكار كاتبة سيرة كافنديش الذاتية، أن نسبة كتب النساء المنشورة في الأربعين عامًا الأولى من القرن السابع عشر كانت 0.5% فقط من جميع الكتب). كانت مارجريت غريبة الأطوار ومصرّة على أن يُسمع صوتها، لكنها لم تكن اجتماعية ولم تستطع غالبًا أن تلتزم بمعايير الآداب العامة. وكان ذوقها في الملابس رفيعًا للغاية. وقد اعتادت أن ترتدي ملابس الرجال، فكان ذلك سببًا في إثارة التعليقات الساخرة ضدها. كما تناولت موضوعات لم تجرؤ النساء الأخريات على الخوض فيها؛ وكانت إحدى الفيلسوفات القليلات اللاتي عارضن ديكارت.

لذلك اشتهرت مارجريت باسم مادج المخبولة (خاصة بين الكتاب المتأخرين عنها)، واستُهزئ بها بسبب ما كانت ترتديه، كما استُهزئ بأفكارها وكتاباتها. فنّد كاتب اليوميات الملكي وعضو الجمعية الملكية صامويل بيبس أفكارَها، وانتقد جون إيفلين -وهو عضو في الجمعية أيضًا- تفكيرها العلمي، وأبدت بعض الفيلسوفات والمفكرات المعاصرات مثل: دوروني أوزبورن ملاحظات مهينة على أعمالها وأخلاقها. وعلى الجانب الآخر كان هناك عددًا لا بأس به من المعجبين بأعمالها، من ضمنهم النسوية الأولية والموسوعية باثسو ماكين. لكن المؤرخين لم يعيروا مارجريت أي اهتمام لسنوات عديدة بعد وفاتها عام 1673.

إرث مارجريت كافنديش

إن التناقض العام في كتابات مارجريت يضرب بجذوره في كتابات فيرجينيا وولف أيضًا. لم تكتب فيرجينيا عن الدوقة في “غرفة تخص المرء وحده”(1929) فقط، لكنها خصتها بمقال في “القارئ العادي”(1925).

بحثت فيرجينيا وولف في كتابها “غرفة تخص المرء وحده” في أسباب تردد المرأة في الكتابة. وباستخدام كافنديش كمثال مضاد –أي باعتبارها شبحًا لتخويف الفتيات الذكيات- خلصت وولف إلى حكم غير عادل على الفيلسوفات، فسخرت منها قائلة:

“يالها من صورة للوحدة والتمرد تلك التي توحي بها كتابات مارجريت، حتى أنها طغت على ما تمتعت به من ذكاء وفطنة، كما تتطفل نبتةٌ خبيثة على زهور حديقة مورقة حتى أزهقتها”.

كما كانت الانتقادات التي كتبتها وولف قبل سنوات أكثر رقة، لكنها لا تزال قاسية، فقالت: “تتمتع مارجريت ببعض النبل والخيالية والمعنويات العالية، ممزوجة بشيء من الغباء والرعونة. سذاجتها واضحة للغاية، وذكاؤها حاد، وتعاطفها مع الجنيات والحيوانات صادق للغاية. إنها فظيعة كالأقزام، وعديمة المسؤولية، وقلبها قاس، وفاتنة”.

هل تأثرت وولف بسخرية النقاد من قبلها بكافنديش، أم أن ذوقها لم يتوافق مع ذوق الدوقة المتهور الترِف؟ في كلتا الحالتين قد اعترفت أخيرًا بقدرات الدوقة: “كان يجب أن تمتلك مجهرًا وأن تتعلم النظر إلى النجوم والعقل علميًا. أفسدت الوحدة والحرية ذكاءها. لم يكتشفها أحد، لم يعلمها أحد”.

يبدو أن إرث مارجريت كافنديش قد اكتُشف اليوم. توجد الآن مؤسسة مخصصة لزيادة الوعي بحياة مارجريت وأعمالها (جمعية مارجريت كافنديش الدولية). كما كتبت عدة مقالات وكتب وأطروحات خلال العقود الماضية لاستكشاف حياتها وفلسفتها وفكرها الفريد.

أعجبني المقال

بواسطة
image anticstore
المصدر
thecollector

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى