مراجعات كتب

ممداني والأقليات الدائمة

  • يوسف عسيري


  • اسم الكتاب: لا مستوطن ولا أصلي، صناعة وتفكيك الأقليات الدائمة
  • المؤلف: محمود ممداني
  • الناشر: جامعة هارفارد
  • عام النشر: 2020
  • عدد الصفحات: 401


يعتقد الأكاديمي الأوغندي محمود ممداني أن أسباب الحروب الأهلية والإبادات الجماعية والعرقية مازالت موجودة في البنية السياسية للدولة القومية الحديثة، لأن جذورها الفكرية والمعرفية والسياسية مازالت قائمة إلى اليوم و بعض الدول بما فيها من صراعات واقتتال هي نتاج للدولة القومية الحديثة. وهو بهذا يجادل أن الأفكار المجردة لا تغير شيئاً ولكن فقط الأفكار التي تُفعل مجتمعياً ومؤسساتياً.

يناقش البروفيسور ممداني في كتابه لا مستوطن ولا أصلي فرضية أن نشأة الدولة القومية لم تكن في سنة 1648م مع صلح ويستفاليا ولكن نشأتها الفعلية كانت سنة 1492 م وهي السنة التي انتهى بها آخر حكم للمسلمين في الجزيرة الإيبيرية (الأندلس). فهذا الحدث وما تبعه كان أول توطئة لصنع ما عرف فيما بعد بالدولة القومية Nation-State التي كان شعارها. “شعب واحد، أرض واحدة، دين واحد” فكل من كان على غير دين الدولة أجبر بالقوة لاعتناق دين الدولة فكل مسلم ويهودي أجبر للتحول إلى دين الدولة.

أما خارج الحدود الأوروبية فانطلق عصر الاستعمار من هذه السنة باحتلال أمريكا وإبادة ٩٥ بالمئة من سكانها الأصليين. يقول ممداني إنه بذلك يلاحظ أن نشوء الدولة القومية تميز بشيئين بارزين: الأول الإبادة العرقية والثاني التسلط والسيطرة على البحار وما وراءها. فكانت القومية والاستعمار توأمين في هذه السنة 1492م

يقسم ممداني الاستعمار والحكم على المستعمرات الى جزئين: حكم مباشر وحكم غير مباشر،فالحكم المباشر للمستعمرات وإن كانت تحت مسمى “حملات تحضير” civilizing missions أي أن مهمة أوروبا الذرائعية لاستعمار ونهب الأراضي الأخرى كانت إدخال الناس في الحضارة وهنا المقصود بالطبع الحضارة الأوروبية بكل أو جل تفاصيلها.

أما أوروبا فكانت أرض حروب طاحنة عرفت باسم الحروب المقدسة وهي حروب مذهبية بين البروتستانت والكاثوليك. كان الحل لهذه الحروب الدينية في أوروبا هو صلح ويستفليا 1648م الذي نص على حرية الدين في داخل الدولة القومية وعلى سيادة الدولة مقابل سيادة باقي الدول.

ومن أهم الحلول الناتجة عن صلح ويستفليا هو تحمل الأغلبية للأقلية بشرط الولاء فمثلا الغالبية هم البروتستانت في إنجلترا فلذلك يجب عليهم تحمل الأقلية الكاثوليكية ولكن بشرط أن تعطي هذه الأقلية الكاثوليكية الحق بالحكم لهذه الأغلبية البروتستانت وألا تقدم إخلاصها للبابا وإنما للسلطة التي تتمثل أصلا في الغالبية وبذلك الأقلية يكون ولاءها فقط للدولة.

يستخلص ممداني من ذلك أنه “الغالبية تحكم وفي المقابل الأقلية تعترف بولاء لسيادة هذه الغالبية” هذا كان جزءا من صلح ويستفاليا.وأما الجزء الثاني من صلح ويستفاليا أنه على كل الدول الاعتراف بسيادة كل دولة قومية على حده.

يعتقد ممداني أن ‏الخطيئة الأولى للنظرية الليبرالية كانت في هذا التصور “السيادة للغالبية على اللا سيادة للأقلية”. مما خلق أقلية مهددة دائمًا بالعنف والإبادة والحروب؛ فجاءت فكرة “التسامح”. وهي هنا بمعنى “تحمل الآخر”. فما دامت هذه الأقلية لا تهدد الأغلبية، أي “الدولة” فهم متسامحون. من هنا بدأ التشكل الفعلي لبنية الأغلبية بإزاء الأقلية وهو ما يرى إلى اليوم في الدولة الليبرالية الحديثة. وبأخذ عين الاعتبار بمركزية الأيديولوجية الأوروبية في الخطاب السياسي فإن الحداثة لا تتطلب “تسامحًا” تحملًا Tolerance خارج حدود أوروبا لأنه “فقط المتحضرين من يتسامح معهم” وغير الأوروبيين يعتبرون غير متحضرين فيجب أن يدخلوا الحضارة أولاً ومن ثم يمكن أن يتسامح معهم.

حاولت الحملات الأوروبية التوسعية الاستعمارية خارج حدود أوروبا أن تصنع من المستعمرات أمثلة لدول أوروبا ولكنها كانت تفشل دائما. ففي منتصف القرن التاسع عشر أجبر المستعمر بقوته فرض قوانينه وعاداته ولغته وطرائق تدريسه على السكان الأصليين سواء في أفريقيا أو غيرها، لكن السكان المحليين ثاروا على هذه الأنظمة والطرائق المفروضة عليهم بالقوة فاضطر المحتل إلى مهمة أخرى غير مهمة “التحضير” وهي مهمة مساعدة أصحاب الأرض لأن يحافظوا على طرق معيشتهم و”ثقافتهم”. فإذا كانت civilizing mission طريقة مباشرة لحكم المستعمر على المستعمرات. فإن مساعدة الناس للحفاظ على طرائق معيشتهم “ثقافاتهم” هي الوسيلة غير المباشرة لحكم المستعمر. وهذه من الأفكار الأساسية في الحداثة السياسية أنه لا انفكاك بين الثقافة والسياسة وهذا التمركز كان صفة بارزة خصوصًا في القرن التاسع عشر.

في المستعمرات كان الأسلوب المتبع أنه لا يجب أن يكون هناك أغلبية تمثل الناس ولكن أقليات ولكل أقلية قيادة مستقلة وعليه فكل أقلية توالي نفسها فقط ولا تتعاون مع جميع الناس في المستعمرة. كانت هذه طريقة بريطانيا في حكم المستعمرات ولكن صاحب السبق في هذا الأسلوب هي أمريكا.

لذلك في المستعمرات امتثال الحداثة السياسية يعني امتثال المنهج المعرفي الذي صنعته أوروبا لتمييز الدولة كمتحضرة ومن ثم تتوسع على حساب غير المتحضرة

المستعمرات في ما بعد الاستعمار كانت مليئة بالعنف والحروب الأهلية والإبادة العرقية. يقول ممداني أن جوهر هذا الوضع معرفيًا هي الذاتية السياسية بمعنى أن المستعمرات خلقت ذات لا تفهم نفسها إلا على أنها جزء من هذه الدولة القومية الحديثة. ويكمل فيقول أن هذا النوع من الفهم لم يكن معروفاً قبل فرض القشتاليين دين الدولة على المسلمين واليهود وغيرهم، وهكذا فعل الأوروبيون من بعدهم. إذن “فالعنف في حداثة ما بعد الاستعمار إنما هو مرآة لعنف حداثة أوروبا واستعمارها المباشر”

أحد النماذج التي استخدمها ممداني لتدعيم فرضيته كانت فلسطين وإسرائيل فهو يعتقد أن الصهيونية تعتبر أوضح مثال عبر عن الحداثة السياسية الأوروبية في سياقها الإستعماري فالصهيونية مع أنها عانت من ظلم الحداثة الأوروبية لليهود في أوروبا إلا أنها كانت متحمسة جدًا لتشريع نفس الحداثة الأوروبية في فلسطين.

فمفهوم الدولة القومية جعل من الحضور اليهودي مستحيلًا في أوروبا ولكن على النقيض قررت الصهيونية أن تتخذ من نفس الأيدولوجية الأوروبية الحداثية منهجًا لإنشاء دولة خاصة باليهود في خارج أوروبا وعندما أسسوا دولتهم القومية كانوا هذه المرة هم الظلمة؛ لأنه في “الدولة القومية هناك فئتان فقط إما ظالمًا وإما مظلوما، إما غالبية وإما أقلية.”

يرى ممداني أن فكرة حل الدولة بإزاء حل الدولتين إنما هي فكرة أمريكية بالأصل ونتاج للتجربة الاستعمارية الأمريكية على أرض “الهنود” السكان الأصليين لأمريكا, ففي بداية الأمر عزلت أمريكا السكان الأصليين في أراضي خاصة بهم بمعزل عن الأوروبيين وأطلقت عليها اسم Indian Reservation وكان الدستور الأمريكي لا يعتبر هؤلاء السكان الأصليين يمثلون الدولة الامريكية بل يعدهم أعداء للدولة ففي عام 1964م سن قانون لحقوق المواطنة للدستور الأمريكي لم يشمل السكان الأصليين وحتى القانون الذي سن في عام 1968م كان فقط كتوجيه غير ملزم في الدستور الأمريكي. كانت الأراضي الهندية المعزولة خارج السيادة الامريكية. فكانت بمثابة أمة محلية تابعة للسيادة الأمريكية.

السكان الأصليون لأمريكا والمستعبدون الأفريقيون هاتان الطائفتان تمثلان تجربتين مريرتين للظلم الاستعماري الأمريكي فالسكان الأصليين تحت حل الدولتين بعزلهم في أراض خاصة بهم وأما الافريقيين فكانوا تحت حل الدولة أي أنهم كانوا مدموجين داخل الدولة الأمريكية ولكن في إطار عنصري فقد كانوا عبيداً وخدماً داخل آلاف الحقول الأمريكية وبذلك كان الأفريقيون معزولين عنصرياً داخل الدولة.

نتائج هاتين التجربتين كانت مختلفة: الهنود كانوا تحت حل الدولتين و الأفريقيون كانوا تحت حل الدولة الواحدة.

يرجح ممداني أن هتلر تعلم من هذه التجربة درسين: الدرس الأول أن الإبادة ممكنة في الدولة القومية والثاني أن المواطنة تتمايز وبالإمكان أن يكون هناك طبقات مختلفة من المواطنين. مواطن أول ومواطن ثاني وهكذا. شكل هتلر فريق من المحامين لدراسة قانون المواطنة الأمريكي.

بعد هتلر وبعد الحرب العالمية الثانية جاءت محاكمة نيومبرغ ومحاربة النازية. ولكن محاولة نزع النازية فشل لأن الحلفاء تجنبوا السبب السياسي الرئيسي لما أفضى الى النازية.

من هذا السياق تُرى إسرائيل على أنها نتاج تطبيقي لأفكار حل الدولة وحل الدولتين فإسرائيل في حل الدولة الواحدة هي التمييز العنصري وإسرائيل في حل الدولتين هي العزل الاستعماري تحت الحكم الصهيوني.

أخيرا يدعو ممداني إلى التفكير في العنف على أنه ناتج سياسي أصالة والتفكير في العنف على أنه نتيجة لصناعة خاصة للدولة نفسها. لأن التوقع بأن الدولة هي التي تسن القوانين، فلا يمكن أن تكون مجرمة، ولا يوجد في خطاب حقوق الإنسان الاتهام الموجه سياسيًا للدولة. ولكن قد يوجه الاتهام للأفراد ولكن لا يوجه للدولة. الدولة تبقى حالة محايدة بالرغم أنها هي الفاعل الأساسي للأفكار التي أدت إلى الجرائم ولذلك يرى ممداني أنه يجب إعادة التفكير في الدولة القومية الحديثة.

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى