عام

الاستقلال الذاتي المحلي في السياق العالمي

  • ديان دنسمور فارلي*
  • ترجمة: سميرة الحارثي
  • تحرير: محمد أنس المودني

يدخل الاقتصاد العالميّ في جميع جوانب حياتنا اليوميّة، من الملابس التي نرتديها، إلى الطعام الذي نتناوله، إلى خياراتنا السياسيّة؛ حيث وصف “ديكن” (Dicken) وآخرون قدرةَ أنظمةِ الإنتاج العالميّة على «التّغيير، والإرجاف، والتّحطيم»، مُوضِّحًا أنّ التصدُّعات غير المُتوقّعة المرتبطة بالاقتصاد العالميّ تجعلنا غيرَ قادرين على إدراك تأثيرها وكبح أنشطتها!؛ فكيف يتمكّن المواطنون من تخيُّل حَوْكَمَةِ أنفسهم؟! في ظل مقولة “جايلز باكيه” (Giles Paquet): «لا أحد يبدو مسؤولًا بعد الآن!». وكيف يمكن لِفَهْمِنا لأجهزةِ الدّولةِ – التّشريعات واللّوائح والسياسات- وصفَ تجربة الناس اليوميّة في مجتمعاتهم؟ إنَّ عملي الميدانيَّ الجديد، الذي يُركِّز على ثلاث مجتمعات ريفيّة صغيرة في كولومبيا البريطانيّة وكندا، التي يعتمد تاريخها على استغلال الموارد (الحَراجة[1] والتَّعدين)، يطرح سؤالين عريضين:

كيف تستجيب المجتمعات للتصدُّعات الخارجيًة المرتبطة برأس المال العالميّ؟

وكيف تُدير نفسها كرَدَّة فعلٍ على ذلك؟

وأوَدُّ توخِّي الحذر بعدم الإيحاء بأنَّ «العولمة» أو «اقتصاد السوق» هي وحدها المسؤولة عن المشاكل التي واجهَتها المجتمعات المعنيَّة بدراسة الحالة. قد يكون رأس المال العالميُّ وعمليَّات الإنتاج المكثَّفة من العوامل التي تُحفِّز التصدُّعات الاقتصادية في المجتمعات، إلَّا أنَّ العولمة بصورة عامَّة قد قدَّمت أيضًا العديد من الفوائد لملايين الناس. ولا تزال هناك عواملُ خارجية أخرى تؤثِّر على المجتمعات بما في ذلك: الانتشارُ العالمي لفيروس “كورونا” مؤخَّرًا ، وتغيُّر المناخ (غالبًا ما يكون بسبب عوامل متداخلةٍ مثل إزالة غابات “خُنْفُساء الصَّنوبر الجبليَّة” في وسط وشمال كولومبيا البريطانية)، والمفاوضاتُ المتعلقة بالمعاهدات مع السكان الأصلِيِّين، أو مع الدول القوميَّة المعترف بها دوليًا، والأنماطُ الديموغرافية المُتفاوتة.

ومع أنَّ أحداثَ التصدُّعاتِ التي شهِدَتْها المجتمعات المعنيَّةُ بدراسةِ الحالةِ كانت مرتبطةً بفترات ركودٍ دوريّة -إن لم تكن متوقعة- إلا أنّه من الممكن أن تحدث هذه التصدعات بشكلٍ عرضيٍّ أو عشوائيٍّ. وعلى الرغم من طبيعة التصدُّعات ومصدرها أو سياقها الزَّمني، فإنَّ تجارب المجتمعات الثَّلاثِ المعنيَّة في دراسة الحالة توفِّر فهمًا أعمقَ للطريقة التي تحكم بها المجتمعات، وتُحْكَم؛ من خلال أعمال غالبا ما قد تكون أعمالَ فسادٍ أو مزعزعة للاستقرار.

إشكاليَّة «الاقتصاد»

أفضت قلَّة وعيِ أفراد المجتمع بالعلاقاتِ المترابطة المعقَّدة للعناصر المكوِّنة للاقتصاد إلى عرقلةِ الاستجابة المتسقة مع الأزمات الاقتصاديَّة، ثم إلى التَّوجُّه لتَصوُّر الدولة على أنها المصدر الرئيسيُّ للحُكم؛ وأسفرَ عن ذلك فهمُ الاقتصاد على أنَّه ظاهرةٌ فرديَّة، وهو ما تفاقم بسبب هذا التَّوجه، والنَّتيجةُ المترتِّبة على هذا الفهم هي الشعور بتقييد الإمكاناتِ التي يمكن للشَّخص أن يَحكُم بها من خلال هذا التَّعقيد، إضافةً إلى ما ينجم عن ذلكَ من انخفاضٍ في شعورِ أفراد المجتمع بالقوَّة والاستقلاليَّة، وهو ما يُؤثِّر في نهاية المطافِ على اختيار الاستراتيجيَّات التي توَظِّفها المجتمعات لمعالجة هذه الأزمات. حيث أفرز ذلك في اثنينِ من المجتمعاتِ المعنيَّةِ بدراسة الحالةِ توجُّهًا إلى الاعتقاد بأنَّ الحلولَ كانت بشكل حصريٍّ تقريبًا من اختصاصِ سلطاتٍ مختلفة. وعلى الرَّغم من تلك القيود، فقد كانتِ المجتمعات الثَّلاثُ تُنْفِذ حلولاً مبتكرةً للحكم الذاتيّ.

ولاختبار هذا؛ قمت بتفكيك مفهوم الاقتصاد باستخدام تصنيفٍ يُفهَم منه أنَّ الاقتصاد يشمل أربعةَ عناصرَ رئيسيةٍ بدلاً من عنصرٍ واحدٍ، وهي: العنصر الرأسماليُّ، والسياسيّ، والاجتماعيّ، والأسريّ؛ حيث تضَمّن اقتصادُ رأس المال إنتاجَ وتوزيع السلعِ والخدمات، والاتجار بها، واستهلاكها؛ وتضمّن الاقتصاد السياسيّ برامجَ الدولةِ، والخدمات، والاستثمارات، والبنية التحتية المادية، والأنشطة التنظيميَّة؛ وتضمّن الاقتصاد الاجتماعيُّ كياناتِ وأنشطةَ المجتمعِ المدنيّ؛ وأظهر الاقتصاد الأسريُّ أنشطةَ النموِّ الديموغرافيِّ التي تحدث في الأُسْرة والمحيط العائليِّ على وجه الخصوص. ومن خلال هذا الإجراء الاستكشافيّ، طورتُ فهْمًا أكثر دقَّةً لتصوُّر مفهوم الاقتصاد من طرف المجتمعات المعنيةِ بدراسة الحالة. وكانت النتيجةُ عبارةً عن استجاباتٍ محدَّدةِ السياق والمكان لكيفيَّة فهم أفراد المجتمع المحليِّ للاقتصاد، ومجالِ استراتيجيَّات الحَوْكمة الذَّاتيَّة التي وضعوها لمعالجة آثار الانكسار الاقتصاديّ. حيث ظهرتْ ثلاثة أنواع من الاستجابات: العمل المستقلُّ الفرديُّ (النَّشاط المستهدف)؛ والعمل المستقل الشبكي (العمل التَّعاونيّ غيرُ الهرميِّ وغيرُ المنظم)؛ والعمل المستقلُّ المنظَّم (المنشآت الرسميّةُ غيرُ الحكوميَّةِ التي جسّرتْ بين مصالح الدولة والمجتمعات المحليَّة).

أصبح من الواضح أنَّه لتخيُّل اقتصادٍ مختلف، علينا أن نتصدَّى لما نفهم حالياً أنه الاقتصاد؛ وهذه خطوة ضروريَّة لبدء عمليةِ إضفاءِ الطابع الدِّيمقراطيِّ على رأس المال. وعلى نحوٍ مماثل؛ لكي نتصوَّر مفهوماً مختلفاً للدولة، علينا إيجادُ مساحة نُدرك من خلالها أنَّ الحُكمَ الذاتيَّ لا يقلُّ أهميَّة عن الحكم المؤسَّسيّ المركزي.

وتُعَدُّ النَّظريَّات الحالية مثل «إيديولوجيا ألتوسير» و «حَوْكمة فوكو» مفيدةً لفهمِ كيفيَّةِ انخراط الأفرادِ في عمليَّاتٍ قد لا تَخدُم احتياجاتِهم الفرديَّة أو المجتمعيَّةَ في نهاية المطاف؛ إلا أنَّها إذا أُخِذت كلًّا أو بعضا، لا يمكنها أن تفسِّر بشكل كاف سببَ التوجُّه إلى فردنة الاقتصاد الرَّأسماليِّ وإلى تمييز الدَّولة كمركز للحلول المجتمعيَّة.

واستجابةً لذلك، أقترحُ تفسيراً اجتماعيًّا مكمِّلًا لعدم قدرةِ الفرد على تمييز العلاقات الداخليَّة المتزامنةِ عمَّا يُفهَم بوجه عامٍّ على أنَّه: «الاقتصاد». إنَّني أستخدم هذه النظريَّة، التي أُسمِّيها: النظريَّةَ الاجتماعيَّةَ للتَّزامن، لشرح سبب التَّقصير في التَّصوُّر السَّائد للاقتصاد باعتباره قوَّةً فريدةً راسخةً وليس مجموعةً مُتغيِّرة من الأنظمة المترابطة. وتستند هذه النظريَّة على إيديولوجية “ألتوسير”، التي تُشير أنَّ الأفرادَ خاضعون لإيديولوجية مُهَيمِنة يشاركون فيها بشكل كامل، ممَّا يُؤدِّي إلى تصوُّر مشترَكٍ للحقيقة. ومِن خلال نظريَّتي، فبالإضافة إلى كونِها ـ أي النَّظريَّة ـ خاضعةً لإيديولوجيةٍ تُعزِّز مفهومًا فريدًا للحقيقة، فإني أقترح أَنَّه عندما يواجه أفراد المجتمع أنظمة متعددة متشابكة في وقت واحد، ويكونون غير قادرين على تمييز عناصرها المتشابكة؛ فإنهم يحرمون أنفسهم من الأدوات الضرورية لتجاوز الإيديولوجية. وهذا يجعلهم يختزلون جميع الدلائل الآتية من مصادر شتَّى، والتغيُّرات التي ترمز إليها، إلى إشارات يُفترض صدورها عن مصدر واحد فقط. وعند ذلك؛ تظهر خطورة عدم رؤية تغيُّرات أصغر في الأنظمة المختلفة، مِمَّا يُولِّد شعوراً زائفاً بالاستقرار والقدرة على التفرد. ومع مرور الوقت؛ قد تتنامى عموماً تحوُّلاتٌ طفيفةٌ في كل عناصر الاقتصاد بعضها البعض (في مجالات السوق، والسياسة، والاجتماع، والأسرة) كأحداث تَصدُّع مُزعزعة للاستقرار (مثل الانتكاسات الاقتصادية) أو كأحداث ثورية (مثل تغيير النظام الحكومي). حيث أن العجز عن تمييز العناصر الأساسية الفاعلة جرّاء التَّبسيط الخاطئ للتعقيدات (واقع الحال عدم القدرة على الحكم) يحول دون إمكانية قيام أفراد المجتمع بفرز الفروق الفردية داخل الأنظمة وبين بعضها البعض، وقد يحُدُّ هذا الفهم الخاص من الخيارات التي يعتقدون أنها متاحة.

ممارسات لاختراق التزامن

تُشير الدروس العملية المستخلصة من هذا البحث إلى أهمية تطوير الطاقة الإنتاجية النظرية والعملية في خمسة مجالات هي: بناء قدرات المجتمع المحلي لتطوير منصات تقوم بشدَّة على المعرفة، وإنشاء علاقات تُشرِك الأفراد والمنظمات من خلال المصالح والطبقات الاجتماعية، وتوظيف استراتيجيات غير مبنية على كيانات حوكمة معيارية موجودة، وتبنّي طُرق وإجراءات تقوم على التدرج دون التوقع بأن تلك الإجراءات ستسفر عن تغيير جذري أو ثوري، ودراسة تطلعات الشعوب الأصلية المجاورة للحكم الذاتي، وأن الإجراءات المتخذة محلياً ليس لها تأثير محلي فحسب؛ بل لها القدرة على خلق إحساس بالفاعلية بين أفراد المجتمع قد يكون له وقع وتأثير يتجاوز الوسط المحلي.

بالنسبة للمجتمعات الصغيرة التي تتخبَّط في الازمات، قد تبدو المهمَّة شاقَّةً، ومن السَّهل الشعور باليأس وعدم الجدوى. ومع ذلك، يلعب ممثِّلو المجتمع المحلِّيِّ دورًا هامًّا، إما: في الحفاظ على الوضع الراهن في الشَّبكة الاقتصاديَّة المعقَّدة، أو من خلال العمل على معالجة السلوكيَّات والعمليَّات والأنظمة التي لا تصب في مصلحتها الذاتية الجماعية ابتداءً. وبدلاً من النَّظر إلى التَّعقيد الاقتصاديِّ على أنَّه مُعضِلة، قد يتصوَّر الشَّخص عوضاً عن ذلك أنه نعمة، فهو يقدم نقاط دخول متعددة لتعديل الأنظمة الموجودة وإعادة تشكيلها وحتى قلبِها. وتتيح هذه المعرفة للناس اتخاذَ خياراتٍ حول كيفية التعامل مع الأنظمة المختلفة، وعملَ مجموعة من الإجراءات التي تمتد من الصعيد الفردي إلى المؤسسيِّ ومن المحلي إلى العالمي. إن ما يزيد من فرص فعَّاليَّتنا هو أن نخطِّط استراتيجيًّا حول كيفيَّة استهداف جهودنا كمواطنين، حيث ترفعُ الفعاليةُ إحساسَنا بالكفاءة وتشجِّعنا على بذل المزيد.

قد يقول المشككون: «أجل، ولكن هل من الممكن استمرار عادة المواطنين الذين يعملون بشكل تعاونيٍّ من أجل المصلحة المشتركة وليس ضدَّها؟». أُشير هنا أَنَّ ما نَفهمه من معنى “الاستمرارية” كثيراً ما يُنظر إليه من خلال منظار تمسُّكنا بالهيكل والسُّلطة كتعبير عن الدَّيمومة، وبالتَّالي جودةِ الحكم الرشيد التي لا نزاع فيها. حيث أَنَّ الأطراف الأساسيَّة في المجموعات المعقَّدة العالمية والمحلية تتغيَّر باستمرار، فلا شيء يدوم إلى الأبد!. وإزاء إمكانيَّة الحفاظ على عادات المواطنين الذين يعملون سويًّا من أجل المصلحة المشتركة، فإنَّ الطرقَ التي يحدث بها ذلك ستكونُ في تطور دائم؛ ولو لم يكنِ الأمر كذلك، لصرنا نُعيد إحياء البرامج والعمليَّات التي قد تقيِّدنا في نهاية الأمر، متجاهلين بذلك الاتِّساع الكافي للحَوْكمة!.


  • ديان دونسمور فارلي: حصلت على درجة الدكتوراه من جامعة فيكتوريا، مع درجات جامعية في الموسيقى (جامعة كولومبيا البريطانية) وفي دراسات متعددة التخصصات تشمل علم الاجتماع، والعلوم السياسية، والتاريخ، والجغرافيا البشرية (جامعة آثاباسكا وجامعة فيكتوريا). ويستعرض عملها متعدد التخصصات استراتيجيات بسيطة عن الحكم الذاتي المجتمعي للرد على التصدعات الناجمة عن رأس المال العالمي. شغلت ديان مناصب عُليا في حكومة كولومبيا البريطانية قبل بدئها في دراسة الدكتوراه، وكان لها ممارسة استشارية ناجحة نالت من أجلها على جائزة المواطن المتعاون من قبل جمعية الصحة العامة في كولومبيا البريطانية (2018).

[1] – الحَراجة: قطع الأخشاب

أعجبني المقال

المصدر
e-ir

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى