عام

الأدب والمنطق والجهة المنفكة

  • فيصل الحربي

كان داعي هذه الكلمة، عندما دعاني مدير الإدارة لمكتبه وسألني عن عبارةٍ وردت في الرأي القانوني الذي قدمته لهم حول قضيةٍ ما، وذكر لي أن رأيي قد قرأه ثلاثة مديرين، وكلهم استفسروا عن معنى هذه العبارة الغريبة الواردة في الدراسة، فأخذت أسترجع في ذهني ما قد يستشكل عليهم في رأيي .. فلم أصل لنتيجة.

فعرض لي ورقاتي التي قدمتها وأشار للعبارة محل الاستشكال، وإذا بها “الجهة منفكة”!

فشرحت له معناها ففهمه مباشرة، ولكنه أصر على أن أعيد صياغة المعنى بعبارة أوضح، فشقّ علي ذلك في البداية، ولكني استطعت في نهاية الأمر أن أعيد الصياغة ولكن بعبارة أطول وأكثر تشعبًا، بحيث حاولت مقاربة المعنى من كل جهة حتى غلب على ظني أن المعنى المراد تحقق.

عدتُ لمكتبي وأخذت أتأمل هذا الموقف.. ما الذي حدث؟

إن المعنى الذي أشارت له عبارة “الجهة منفكة” قد فهمه مدير الإدارة، ولكن الصياغة أشكلت عليه، فقد استخدمتُ عبارة أصولية يذكرها الأصوليون في كتبهم للتعبير عن هذا المعنى، إذ كأنّ الأصوليين تواضعوا على أن هذا المعنى الذي قد تطول عبارةُ شرحه وتختلف باختلاف الشارح والمشروح له =يُعبّر عنه بـ “الجهة منفكة”.

ثم أسلمني تأمل “الجهة منفكة” لبحر من المصطلحات والعبارات التي لا تتحصّل إلا بالاطلاع والقراءة والتعلم والتي تصفُ معانٍ متحققة عند الأغلب لكنهم يجهلون التعبير عنها، وقد يحتاجون كذلك لمن “يُنقّح” لهم المعنى ويخرجه لهم خاليًا من كل شائبة.

إن تأملي هذا لم يقف بي عند حدود القانون وأصول الفقه، بل أخذني لمساحات أوسع ومعارفَ وعلومٍ أُخَر، فإن ما قررته بعد تأمل فيما يخص “الجهة منفكة” صار بإمكاني أن أراه جليًا في كل المعارف والآداب وأستطيع أن أقرره على كل مجالٍ معرفي، فخرجتُ بنتيجة مفادها: أن الاطلاع والعلم والمعرفة في الغالب تساعد على كشف المعاني المتحققة في النفس ولا تخلقها، فهي تساعد على إيضاح الصورة، ولمّ شعث المعنى في عبارة مسبوكة مختصرة تصفُ بدقة وترسم بإبداع المعنى المراد دون أي حاجة للشرح والتطويل، عبارة مفهومة تُتَداول بسهولة، فتكون أشبه بـ “عُمْلة معنى” تعبّر عن الكثير لكنّ التعاطي بها لا يكلّف سوى كلمة أو كلمتين.

وأجد مصداق ذلك في كل مجال معرفي، وأوضح ما يكون -بالنسبة لي- في علم المنطق.

قالوا في تعريفه: “آلةٌ تعصم مراعاتها الذهنَ من الخطأ عند التفكير”، ثم قالوا إن قيد المراعاة إنما وضع ليبيّن أن مجرد تعلم المنطق وقواعده لا يمنعك من الخطأ والزلل، بل يجب عليك مراعاة وتطبيق هذه القواعد التي تعلمتها عند ممارستك للتفكير.

وأحب دائمًا إذا ما تحدثت عن هذا القيد أن أمثّل له بمثال عصري لعله يكون أقرب لأذهاننا الإلكترونية:

فالمنطق بعد تعلمه لا يكون (سوفت وير) منصّب، بحيث تتغير بعده برمجةُ العقل، بل يجب عليك استخدامه وتطبيقه بنفسك بشكل يدوي.

فهو إذن لا ينشئ فينا قدرات عقلية لم تكن لدينا قبله، بل يوجهنا للطريق الأقوم والسبيل الأرشد لاستخدام ما لدينا مسبقًا، ولعل شيخ الإسلام -رحمه الله- التفت لهذا المعنى في المنطق حين قال: “لا يحتاجه الذكي ولا يستفيد منه البليد”، وبعيدًا عن اتفاقنا مع مسألة الحاجة للمنطق من عدمها، إلا أن عبارة ابن تيمية -رحمه الله- تشير لهذا المعنى، معنى عدم الإنشاء ولكن الكشف.

وقل مثل هذا في الأدب شعرًا ونثرًا، فالأدب لا ينشئ فينا مشاعرَ ومعانٍ لا نعرفها ولا نشعر بها، ولو كان الأمر كذلك، لكان ما يقال كالعدم، ولكن الأدب يتفاضل في وصف مكنوناتنا بأجمل عبارة وأقربها لما نشعر.

فعندما نقول أن هذا الشعرَ جيّد؛ ذلك لأننا وجدناه قد وصف أمرًا نشعر به، ولو كان هذا الشعر أو النثر قد جاءنا بأمر لا نستشعر صداه في دواخلنا، لكان عبثًا لا معنى له، والشعور بالجدّة ليس شعورًا صادقًا، بل يبدو كذلك، إذ إن إيضاح المعنى الذي غمرته معانٍ أُخَر واختلط بها، وعلق به منها ما علق بعبارة واضحة يشعرك أنه معنى جديد، ولو كان جديدًا كليًا لما وجدت العبارة مصداقًا لها في داخلك ولاستحالت عدمًا.

فالأدب لا يعلمنا الحب، ولكن يصفه لنا ويشرح شعورنا به، والمنطق لا ينشئ فينا مَلَكات فكرية لم تكن موجودة، بل يضبط الموجود من هذه المَلَكات ويضع لها المصطلحات والمفاهيم ليسهل استحضار هذه المعاني واستخدامها.

إذن ما دامت هذه المعارف والعلوم لا تُنشئ جديدًا وتبتدعه.. فلمَ كل هذا؟ لمَ نسلخ أعمارنا بين مجلدات الكتب، ونحرق أموالنا في المكتبات والمواقع الإلكترونية؟ ألنختصر العبارة في شرح فكرة أو شعور فقط؟

الجواب: لسنا باطلاعنا وتعلمنا نختصر الحروف، ونتفنن في ضغط المعاني في أضيق عبارة. إن سبك المعنى في عبارة محددة يعني غالبًا: تمحيص المعنى وتنقيحه من الشوائب كي يثبت في نفوسنا خالصًا وواضحًا جليًا ومن ثمّ سبكه في عبارة واضحة دالة موصلة لهذا المعنى.

إن التعبير عن المعاني لا يكون إلا بعد وضوحها، وتنقيحها من الشوائب المعنوية التي قد تعلق بها، وهذا الفهم والوضوح في الرؤية يفيد جديدًا في تجربة الحياة.

إن الحياة التي يعيشها المرء بصورة ضبابية عن نفسه وما تكنّ، وعن الدنيا وما فيها، إذ المشاعر عنده مختلطة، والأفكار مشتتة، والمعاني يشعر بها ولا يستطيع التعبير عنها =حياةٌ يهرب منها القارئ الذي بذل لكتبه وقته وماله، لتتضح له الرؤية، ويسهل عليه معرفة دواخله والخارج عنه.

من هنا تكون حياة القارئ غير حياة غيره، فالمشاعر عنده أجلى، والأفكار لديه أوضح، والمعاني في حياته أكثف.

عندما تعلمنا صغارًا أن “العلم نور” فهمت بعد “الجهة منفكة” معنى هذا المثل، أو أحد معانيه على الأقل .. فالعلم نورٌ ترى به العالم بشكل أفضل، ولكنه لا يخلقه لك.

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى