عام

تأديب الحياة

للأدب وظيفته الكبرى في تهذيب الحياة، وتحسين التعايش مع كبَدِها، وهو الذي يطرّي خشونتها، ويؤنس المستوحشَ السائر في أحراشها، ولكن، ماذا عن المبالغة في هذه الوظيفة، وجعلها مركزية، كأن يُنقَل الأدب من حقوله الجمالية والإمتاعية والتأملية إلى أن يكون مذهبًا تطبيقيًا في الحياة؟!..

 

الأدب مُهذِّب، يهذّب النفس ونوازعها، ويسمو بالنظر والفكر، حرس منظومةَ الأخلاق، وحامى دون الفضائل، وله أثره الكبير في إذكاء المكارم، وحفظ المحامد، وسيظلّ منبرًا خالدًا للتقويم الأخلاقي، ويطول الحديث عن الوظيفة الاجتماعية للأدب في مختلف الأقاليم؛ لأن تأثيره غير منازَع ولا منكَر.

والأدب متنفّس، فقارئه المحبّ ما يزال مكتومًا حتّى يتنفّس قصيدة أو رواية أو أي شكلٍ أدبي آخر، في الأدب منافذُ تهوية حين يشتدّ الشعور بالاختناق، ومُلَحُ الأدبِ هي إحماض لثقل دروس الحياة، وفي الأدب ريٌّ ورونق يقاوم جفاف المعايش اليومية، وهذا خاص فقط بالأدب الذي يتغلغل في تجربة إنسانية فردية، تجعل الكثيرين يظنون أنهم أصحابها أو أنهم شهودها العدول.

والأدب مُسكّن، فيصغي الثاكل لأنين الثكالى قبله ومعه، فيأنس ويسلو، “ولولا كثرة الباكين حولي.. على إخوانهم لقتلتُ نفسي”، ففي البكاء الجماعي مسكّن حين لا مسكّن،  والأدب مُداوٍ، وكثير مثل الأول “وما أُنشدُ الأشعارَ إلّا تداويا”، فالوظيفة العلاجية للأدب لا تخفى، حين يجد المتعبون أثر الوصفات الأدبية مساويًا للعقاقير، يقول جون ستيوارت ميل: “مرّت بي سنوات أُسمّيها الانهيار القاسي، إزاء كلّ متعة وإزاء كل إحساس لطيف، وأصبح كل ما أُعجَبُ به سابقًا -في لحظات أخرى- عديم الطعم ولا يثير الانتباه، وكانت العلاجات لا تُجدي، حتى قرأت بالصدفة مجموعة (ووردزوورث) الشعرية، فوجدتُ فيها منهلًا أعاد إليّ الحياة”.

ماء الحياة هذا يتدفق في لحظة يصعب توصيفها أو تعميمها؛ لأنها مزيجُ حالة خاصة بين كاتب ونص وقارئ، قد لا يجدها غيره أبدًا، سقاء الأدب يبترد به قرّاء، ويظل الأوار متّقدًا متزايدًا عند آخرين، تتحقق الوظيفة العلاجية -مثلًا- عند من يقرأ رواية ويتبصّر بعدها في سلوكه فيغيّره، أو يتأمّل قصيدةً فيتقدّم في قرارٍ أو يتأخر، يتخذ خطوات تصحيحية علاجية صرفها له الأدب.

 

إلا أن من الأدب ما هو مدمّر وحارق وحروفه مادة كاوية، وهو أثر معاكس للسابق، فمن النسائم ما يهبّ فيطيب للنفس ويؤنسها، ويقابلها ما يهبّ فيصدع “القلب هبوبها”،  أو كما يقول ابن فطيس عن هواءٍ كأنّه “يداوي الجرح بالشبريّة” ذلك لأنه كان ممّن “صدّق قصة الحوريّة”، كأنّ علينا أن نستمتع بالأدب، ونُحلّي أيّامنا بثماره، ونحذر كلّ الحذر أن نصدّقه، تصديق الأدب والثقة به والاطمئنان إلى أحكامه مَواعدُه التعبُ والكدر وطول تتبُع السراب، وتجرّع مرارات أسئلة من نمط “ما صحّة عشق الشعراء”!.

كافكا يقول: “كل ما ليس أدبًا يُقلق راحتي ويجعلني أكرهه”، ومن يصدّق كافكا سيكره أشياء كثيرة، يتعنّت ليؤدّبها، أي يكسوها حُلل الأدب، وهي شديدة الضيق والصغر على حجم الحياة، صبغ الحياة بصبغة الأدب عملٌ غير صالح، حتى للأدباء أنفسهم، من الحكمة والسلام إبقاء الأدب في حقوله بألوانه المختلفة، فلا يدّعي محبّ الأدب الحشد أمام مفاوز الحياة، لكيلا يعدو الواقع فوق أنقاض احتشاده، كما تصوّر البردّوني ذات ألم.

الأدب العالي أحيانًا حفّارٌ قاسٍ في مناطق منكوبة، تكاد تئنّ أنْ (لا مِساس)،  يهيض ما جبر، ويقضّ ما هنأ واستمرّ، وقد يعيش المرء دهرًا وهو سعيد بظنّه أنه سلا وتعافى، مسرور بأن برجه الخشبي يعلو قطعة بعد قطعة، يومًا بعد يوم، ثمّ يأتي نصٌ أدبي لا يُعلَم من أي ركنٍ أتى، فيسحب قطعة تهوي بالبناء من أقطاره، ولا يفيده أن يقول: “راجعٌ من صوب أغنيةٍ.. يا زمانًا ضاع في الزمنِ..أيُّ وهمٍ أنت عشتُ به..كنتَ في البالِ.. ولم تكنِ”..

 

وبعض الأدب ضارّ، حين يكون هو الخزّان المركزي الضخم القابل للانتشار أو الانفجار عند أدنى اقتراب، خزان متعطّش للانسكاب في أي حيّز متاح يستقبل المخزون الموّار، هذا الأدب شديد الضرر بقارئيه وعشّاقه، الذين يبحثون عن سياقات واقعية تتيح نقل المخزون المجازي الجمالي، وكثير من الخيبات إنما كانت حقيقتها المتوارية في ذاك التعطش، لا للأواني نفسها المخيّبة، العتب أولى أن يكون للاستعداد العاطفي الداخلي قبل أن يكون للمستقبلات الخارجية.

من الأدب “ما يضرّ ويؤلمُ” إن كانت الغايات أن يتمثّله القارئ، ويعيشه كما عاش أهله في خيال كاتبه، مضرّ أن يطبّق الخيال في الحياة الواقعية، فيعتمد أحكام الأدباء، أو يصبح القارئ كتلة أحاسيس ملتهبة مستوفزة للحظة الارتماء، وما علم أن الروايات والقصائد، والأفلام، محسّنات لنكهة الحياة، ومعلوم ضرر المحسّن حين يصبح العنصر الأصل في الوصفة، أو يزيد مقداره، هي مُعينات على فهم الظروف الحياتية، وليست هي الأدوات الممكنة لتغييرها، ومن يوقن أن (پروست) يمكن أن يُغيّر حياته كما يقول عنوان كتاب، فسيُمضيها في “البحث عن الزمن المفقود”، توهُّمُ أن الأدب يمكن أن يغيّر الحياة إشكالية كبرى، وحسبه أن يُساعد على المضي فيها.

وأضرّ من ذلك، نوعٌ من الأدب، مثل نبتة زاهية الألوان، ناعمة، نديّة، جميلة، شديدة السُّمّية، وما الانحرافات التي تنجم عن بعض الأفكار الأدبية هي الشاهد الوحيد على تلك السُمّيّة، ولكن جماليات سامّة عدمية قد تبقى قارّة في الروح، تتحول مع النماء إلى أشكال أخرى تخفي بذرتها الأصل: مقروء أدبي.

 

في كتاب “العيش مع الألم” كانت باربارا وولف تعاني من آلام زراعة ناقلات عصبية تحت الجلد في كلتا اليدين، وبعد تجارب كثيرة قرّرَت أنّ التشتيت الواعي للألم كان أفضل سلاح ممكن وأرخصه، اعتادت أن تُلغي نشاطاتها إذا شعرت بالألم، لكنّها وجدت أن التحرّر من الألم كان في ساعات دروس اللغة الإنجليزية التي تقدّمها للطلاب، فأوصَت بالعمل والقراءة، وإلقاء النكات، وممارسة الرياضة، والعمل التطوعيّ، أو أيْ شيء آخر يُمكن أن يعزل ذهنَ المُعاني عن الألم، تقول: “إذا ما ضرب الألم بحِدّتِهِ في منتصف الليل كنتُ أنهض وأخطّط لمحاضرة الغد”. كما تنصح من يشكو تبريح الألم أن يبحث عن الأنشطة التي تمتصّه كلّيا، ذهنيًا وجسديًا، تقترح كأن يُنظّف دولابًا، أو يسقي حديقة، فالتشتيت الواعي وانضباط النشاط أداتان ناجعتان في محاربة الألم.

ما يقوم به الأدب -أحيانًا- هو الإجراء المعاكس تمامًا لهذه المعالجة، بدلًا من التشتيت الواعي يقوم بالتجميع اللاواعي، يجمع حزمة الأشعّة فوق المحتملة من الذكريات ويركّزها في بؤرة النفس فتكون شديدة الأذى، ومن الأشعة ما يقتل خلايا الألم أو يستأصلها، ووظيفة الأدب التأثيرية هنا ليست من أيّهما.

 

أسوأ إهداء يمكن أن يُقدّم للناجين من ألم: نصوص أدبية تذكّرهم بتفاصيل دقيقة للجراحات الماضية. لا قاعدة، لكن في حالات كثيرة يصدق فيها قول قيس في أحد الشواهد العذبة للحياة لا للنحاة وحدهم: “تزوّدتُ من ليلى بتكليم ساعة.. فما زاد إلا ضعفَ ما بي كلامُها”.. الأدب يضاعف الكسور البسيطة، ومضاعفات الجروح الأولى أشدّ وأخطر.

وما أحسن نصيحة باربارا! فأهلًا بالانغماس في كل عمل يقرّب من المحفزات العُليا للإنسان، حتى لو كانت محفزات ماديّة، أهلًا بترتيب الأدراج، وكنس السجّاد، ونفض الستائر، وتلميع الزجاج، وسقاية الغراس. أهلًا بالتخطيط للدروس، والتدقيق في الأعمال، والإجهاد المثمر، وازدحام الأعمال المُسلّي، وبُعْدًا لتأثيرية الأدب المهيضة للجناح.

 

يقال إنّ مراقبًا ساخرًا قال مرّة: “من المهم أن تعرف نوع الفلّاح المصاب بالجرثومة، لا أن تعرف الجرثومة المصاب بها الفلّاح”، وربّما قال مراقبٌ جادٌّ للأدب: من المهم أن تعرف نوع قارئ الأدب لا الأدب الذي يُقرأ.. من المُهمّ ألّا  تُعالَج متاعب الأوهام بالمزيد من الأوهام، فنقل الأدب من حقوله إلى معترك الحياة غير مُجدٍ “في ملّتي واعتقادي”، وتأديب الحياة وعجمُ عود واقعها المعوَجّ لن ينبئ إلا بكسرها، وكسرها شقاؤها.

خاسر من يُنازل الحقائق بالمجاز..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى