عام

التعلُّم عن طريق التفكير

(حوار مع تانيا لومبروزو)

  • نشر: edge
  • ترجمة: صلاح حسين
  • تحرير: مصطفى بن علي فتحي

في بعض الأحيان تعتقد أنكَ تفهم شيئًا ما، ولكن عندما تحاول تفسيره لشخصٍ آخر، فإنك تدرك أنكَ ربما اكتسبتَ رؤيةً جديدةً لم تكُن لديك من قبل. ربما تدرك أنك لم تكُن تفهمُ الأمر جيدًا كما كنت تعتقد. ما أراه مثيرًا للاهتمام حول هذه العملية هو أنها عمليةُ تعلُّمٍ عن طريق التفكير. عندما تفسِّر لنفسك أو لأشخاص آخرين دون الحصول على استجابةٍ أو ردٍّ منهم، فبقدر ما تكتسب رؤيةً جديدة أو فهمًا جديدًا، لا يكون أيٌّ منهما مدفوعًا بأي معلومات جديدة. بطريقةٍ ما، كلُّ ما فعلتَه هو أنك أعدْتَ ترتيب ما كان يدور في رأسك بالفعل من أجل الحصول على رؤية جديدة فقط.

إن عملية محاولة التفسير لنفسك تشبه إلى حد كبير التجارب الفكرية في العلوم. يعتقد أغلب الناس أن الطريقة التي يتقدم بها العلم هي الخروج وإجراء التجارب والحصول على بيانات تجريبية جديدة، وما إلى ذلك. لكن في بعض الأحيان في تاريخ العلم، تخرج فلتة من فلتات الدهر، مثل: جاليليو، وآينشتاين، وهَلُمَّ جرًّا، حينما يكتشف شخصٌ ما رؤيةً جديدة حقيقية عن طريق الانخراط في تجربة فكرية.

تانيا لومبروزو أستاذة علم النفس في جامعة كاليفورنيا في بيركلي، وكذلك عضو في قسم الفلسفة وعضو في معهد العلوم المعرفية. وهي إحدى المساهمين في موقع《Psychology Today ومدونة «NPR blog 13.7: Cosmos and Culture».

التعلُّم عن طريق التفكير

الأسئلة التي تحثُّ بحثي تتعلق بكيفية فهمنا للعالم الاجتماعي والمادي بالطريقة التي نفهمه بها. لماذا نتحمس لهذه الدرجة لفهم العالم؟ ماذا يفعل هذا الفهم لنا؟ هذه أسئلة واسعةٌ جدًا تُنُووِلَت من قِبل العديد من وجهات النظر لمختلف التخصصات.

إن عملي غالبًا ما يسترشد بعدد قليل من التخصصات المختلفة. أحدها علم النفس، حيث يهتم الناس بآليات التعلُّم التي تسمح لنا بفهم جوانب العالم، والآخر هو الفلسفة. يهتم علماء الإبستمولوجيا وفلاسفة العلم على نحو تقليدي بكيفية فهم ما يحدث في العالم بشكل جيد، وكيف يمكننا التفاعل بشكل فعَّال مع العالم، ومتى نصل إلى نتيجةٍ نعتقد أنها مبرَّرة وصحيحة، وهلم جرًّا.

هذه أسئلة واسعةٌ جدًا، وجزء من الطريقة التي حاولتُ بها فهمها بشكل تجريبي هو التركيز على مسألة التفسير. يتحمس الناس كثيرًا للتفسير. إذا بدأت في التنصُّت على أصدقائك وجيرانك، فستلاحظ أن الكثير ممّا يفعلونه هو محاولة تفسير الأشياء التي حدثت في تجاربهم. يحاولون تفسير سبب شعور شخصٍ ما بالسعادة أو الانزعاج، أو سبب حدوث الأشياء بالطريقة التي حدثت بها.

فكرةُ أننا نقضي الكثير من وقتنا في البحث عن تفسيرات هي أمرٌ محيِّرٌ من بعض النواحي. التفسير نشاطٌ رجعيٌّ، في ظاهره على الأقل. إذا كنت مُنصرِفًا إلى محاولة التنبُّؤ بالأشياء، فمن الواضح سبب أهمية التفسير بالنسبة لك. إذا كنت تحاول معرفة سبب حدوث الأشياء حتى تتمكن من التنبُّؤ بها، فستكون قادرًا على تنظيم حياتك للقيام بالأشياء بشكل أكثر فعالية. إذا كنت تحاول معرفة كيفية التحكُّم في العالم أو التدخُّل فيه لتحقيق نتائج مُحدَّدة، فمن الواضح لماذا يكون للتفسير قيمةٌ جوهريةٌ من نوعٍ ما.

لكن لماذا نحن مهتمون جدًا ومُنصرِفون بشدة إلى عملية التفسير؟ بمجرد حدوث الشيء بالفعل، ما القيمة التي نحصل عليها من محاولة تفسيره وفهمه؟ الإجابة التي أيَّدناها أنا والعديد من الأشخاص الآخرين هي أن هناك شيئًا جوهريًّا لكيفية قدرتنا على التدخُّل والتنبُّؤ بالمستقبل- حول عملية التفسير، وعملية محاولة فهم شيءٍ ما. شيءٌ ما حوّل هذه العملية الرجعيّة لمحاولة فهم سبب حدوث شيءٍ ما- يعطينا نوع المعلومات التي نحتاجها لنكون قادرين على قيادة العالم بشكل أكثر فعالية.

من أجل دراسة التفسير، نقوم ببعض الأشياء المختلفة. إحدى الأشياء التي أجدها رائعةٌ في هذه العملية هي أنها تعطينا رؤيةً عن الطريقة التي يعمل بها التعلُّم والاستنتاج، ولكنها تفعل ذلك بطريقةٍ تختلف عن الطريقة التي نفكِّر بها عادةً في تلك العمليات. عندما يفكِّر الناس عادةً في التعلُّم، فإنهم يتخيلون أن هناك شيئًا لا تعرفه، لذلك تبحث عنه في العالم بطريقةٍ ما. تبحث عنه في كتابٍ، تسأل خبيرًا، تحصل على ملاحظاتٍ جديدةٍ من العالم الخارجي، وتتعلَّم شيئًا جديدًا لأنك حصلت على هذه المعلومة الخارجية الجديدة من شخصٍ آخرٍ.

ومع ذلك، إذا فكَّرتَ في عملية التفسير، فستدرك أنها تغطّي حالاتٍ لا تتناسب مع ذلك النموذج الاعتيادي للتعلُّم من بيان شخصٍ ما أو التعلُّم من الملاحظة. عملية التفسير تصوِّر ظاهرةً أشير إليها بمصطلح «التعلُّم عن طريق التفكير». هذه هي الظاهرة التي يمكنك من خلالها أحيانًا تعلُّم شيءٍ ما أو فهم شيءٍ جديدٍ في غياب أي بياناتٍ خارجية أو مدخلاتٍ من شخصٍ آخَرٍ. الطريقة التي ترتبط بها هذه العملية بالتفسير هي من خلال تجربةٍ أعتقد أن معظم الناس مرّوا بها من قبل، وهي تجربة التوصُّل إلى فهم شيءٍ ما بشكلٍ أفضل كنتيجةٍ لتفسيره لنفسك.

يخوض المعلِّمون هذه التجربة بشكل روتيني، وكذلك الآباء. في بعض الأحيان تعتقد أنكَ تفهم شيئًا ما، ولكن عندما تحاول تفسيره لشخصٍ آخر، فإنك تدرك أنكَ ربما تكون قد اكتسبت رؤيةً جديدةً لم تكُن لديك من قبل. ربما تدرك أنك لم تكُن تفهم الأمر جيدًا كما كنت تعتقد. ما أراه مثيرًا للاهتمام حول هذه العملية هو أنها عملية تعلُّم عن طريق التفكير. عندما تفسِّر لنفسك أو لأشخاص آخرين دون الحصول على استجابةٍ أو ردٍّ منهم، فبقدر ما تكتسب رؤيةً جديدة أو فهمًا جديدًا، لا يكون أيٌّ منهما مدفوعًا بأي معلومات جديدة. بطريقةٍ ما، كل ما فعلتَه هو أنك أعدْتَ ترتيب ما كان يدور في رأسك بالفعل من أجل الحصول على رؤية جديدة فقط.

إن عملية محاولة التفسير لنفسك تشبه إلى حد كبير التجارب الفكرية في العلوم. يعتقد أغلب الناس أن الطريقة التي يتقدم بها العلم هي الخروج، وإجراء التجارب، والحصول على بيانات تجريبية جديدة، وما إلى ذلك. لكن في بعض الأحيان في تاريخ العلم، تخرج فلتة من فلتات الدهر، مثل: جاليليو، وآينشتاين، وهَلُمَّ جرًّا، حينما يكتشف شخصٌ ما رؤيةً جديدة حقيقية عن طريق الانخراط في تجربة فكرية.

تحدث تلك العملية كثيرًا في مجرى الحياة اليومية: اكتساب أنواع أكثر اعتيادية من الفهم. نفعل ذلك عندما نفسِّر لأنفسنا، عندما ننصرف إلى العديد من عمليات المحاكاة العقلية أو التدريبات التخيُّلية، ونفعله أيضًا عندما نتوصَّل إلى استنتاجاتٍ تناظريةٍ مُحدَّدةٍ. إن تلك العملية رائعةٌ حقًا ومثيرةٌ للاهتمام من منظور علم النفس.

ما  نتائج تلك العملية على قدرتك على تعلُّم الأشياء حول العالم ووضع التنبؤات؟ إنها تطرح أسئلةً مثيرة للاهتمام من منظور الإبستمولوجيا (نظرية المعرفة) وفلسفة العلم أيضًا. ما الدور الذي تلعبه هذه العمليات في الاكتشاف العلمي؟ إلى أي مدى يمكن أن تكون الرؤى التي نحصل عليها عندما ننخرط في هذه العمليات- انعكاساتٍ موثوقةً لصورة العالم في الواقع؟ عندما ننخرط في عمليةٍ كالتفسير لأنفسنا، متى يمكن أن ينتهي بنا المطاف بنتيجةٍ صحيحةٍ أو مبرَّرةٍ؟ متى نضلِّل أنفسنا؟ ومتى يحتمل أن نعزِّز معتقداتنا السابقة ومفاهيمنا الخاطئة فقط؟ أحد الأشياء التي قام بها مختبري هو جلب هذه الأفكار والأسئلة إلى المختبر لدراستها بطريقةٍ تجريبيةٍ باستخدام وسائل علم النفس المعرفي.

هناك تاريخٌ طويلٌ لفكرة اهتمام الناس بالتفسير ومتى يكون ذا قيمة؛ يتحدث الشعراء عنه، ويتحدث المؤرخون عنه، ويتحدث العلماء، وبالتأكيد قد تحدث أرسطو عنه. هناك تطوُّرٌ جديدٌ نسبيًا في هذه المسألة وهو القدرة على التفكير في كيفية دراسة التفسير باستخدام وسائل علم النفس المعرفي وعلم النفس الاجتماعي وعلم النفس التنموي.

ربما يمكنني أن أعطيَك مثالًا لتوضيح الأمر. هذا مثالٌ نتج عن مجموعة من الدراسات التي نظرنا فيها إلى كيفية تعلُّم الناس -ولا سيما الأطفال الصغار- استخلاصِ تعميمٍ مجرَّدٍ من حالةٍ معينة محدَّدة. كانت النظرية أن الانخراط في عملية التفسير قد يكون أحد الطرق الأساسية التي يمكنك من خلالها فعل ذلك. قد تكون تلك إحدى الآليات التي يمكننا من خلالها الخروج من تجاربنا الخاصة المحدِّدة ومعرفة المبدأ الأساسي الذي سيسمح لنا بالتعميم في حالات أخرى.

في هذه الدراسة، استفدنا من ظاهرةٍ معروفةٍ جيدًا، وهي أن الأطفال سيئون جدًا في استخلاص مغزى القصص. إذا أعطيتهم قصةً مثل «حكايات إيسوب» أو قصةً قصيرةً أخرى تهدف إلى تعليمك درسًا مثل «الصبر فضيلة»، أو «يجب أن تكون أكثر لطفًا مع الأشخاص المختلفين عنك»، فما تجده عادةً هو أنهم يتعلَّمون شيئًا من القصة بالفعل، لكنهم يتعلَّمونه على مستوًى جامدٍ ومحدَّدٍ للغاية. لا يتعلمون أنه من الجيد عمومًا أن تكون لطيفًا مع الأشخاص المختلفين عنك. ما يتعلمونه هو أن هذه الكلاب يجب أن تكون لطيفةً مع الكلاب ذات السيقان الثلاثة. إنهم يستخلصون بعض الدروس من القصة بالفعل، لكنها جامدةٌ ومحدَّدةٌ.

أثناء قراءتكَ قصة مثل هذه، إذا انصرفت إلى عملية سؤال نفسك عن سبب حدوث شيءٍ ما، فإن جزءًا ممّا تفعله هو محاولة ربط المواصفات المُحدَّدة لتلك القصة بمبدأٍ عام أو تعميمٍ. أثناء فعل ذلك، ربما ستصل إلى ذلك التعميم لأول مرة، لكنك ستدرك أيضًا كيف أن الشيء الذي تفسِّره هو مجرد حالة أو مثال على ذلك.

قد تساعد عملية محاولة فهم شيءٍ ما أو تفسيره هؤلاء الأطفال الصغار على استخلاص المزيد من الدروس العامة. هذا ما وجدناه عندما جعلنا الأطفال يقرأون هذه الكتب القصصية. حفَّزنا نصف الأطفال على تفسير سبب وقوع أحداثٍ معينةٍ في القصة. لقد قدموا تفسيراتٍ في نقاطٍ معينةٍ من القصة، لكنهم لم يحصلوا على أي رد أو تقييم على ما إذا كانت هذه التفسيرات صحيحةً أم خاطئةً، جيدةً أم سيئةً. في المجموعة المرجعية من الأطفال، سنتوقف عند نفس النقاط في القصة ونطرح عليهم أسئلة تكون إجابتها بنعم أو لا من شأنها أن تلفت الانتباه إلى نفس الجانب من القصة. في النهاية وجدنا أنه عندما سألنا الأطفال ما هو الدرس المستفاد من القصة برأيهم «الشيء الذي أراد المؤلِّف أن يخرجوه من القصة»، كان الأطفال الذين حفَّزناهم على تفسير السبب أكثر قدرةً على صياغة المغزى المجرَّد من القصة مثل الصبرُ فضيلة، أو يجب أن تكون لطيفًا مع الأشخاص الذين يختلفون عنك.

سببٌ من أسباب تناسُب تلك الدراسة مع هذه القصة الأشمل حول دور التفسير في إدارة حياتنا وتوجيهها- هو أنك بحاجة إلى هذه المبادئ المجرَّدة إذا كنت تريد أن تكون قادرًا على التعميم على نطاق أشمل، أو إذا كنت تريد خوض تجربة أو قصة واحدة محدَّدة وتعلُّم شيءٍ منها لتتمكن بعد ذلك من تطبيقه على سياقٍ مختلفٍ خارجيًّا فقط. على سبيل المثال، بدلًا من الصبر في سياق زراعة بذرة وانتظار نمو الشجرة، أنت الآن بحاجة إلى فهم قيمة الصبر في سياقٍ قد ينطوي على مشروعٍ كبيرٍ في العمل.

من أجل معرفة التشابه بين هذَين الموقفَين المختلفَين خارجيًّا فقط، يجب أن تكون قادرًا على التفكير في الأشياء من حيث هذه التعميمات أو الخصائص المجرَّدة. يبدو أن التفسير يلعب دورًا مهمًا في السماح لنا بالانصراف إلى هذا النوع من التجريد، وبالتالي نعتقد أنه يؤدي إلى تنبؤات مستقبلية.

~ ~ ~ ~

يمكن أن يحتوي مختبر في علم النفس المعرفي على الكثير من الأشياء المختلفة. غالبًا يكون مجرد محطة عمل بها أجهزة كمبيوتر. سيأتي بالغون إلى المختبر ويجلسون أمام الكمبيوتر ويؤدون وظيفةً معينة. عندما نقوم بدراسات مع الأطفال، غالبًا ما نذهب إليهم. هذا يعني الذهاب إلى متحف العلوم أو الحضانة، ثم إنشاء تجربةٍ تشبه إلى حد كبير نشاطًا تفاعليًّا أو لعبةً ليرغب الطفل في المشاركة فيها معنا. من وجهة نظر الطفل، فإنهم يلعبون لعبةً مع شخص بالغ فقط، أو يقرأون قصةً مع شخص بالغ فقط. بالطبع، صُمِّمَت الموادُ الموجودةُ في تلك اللعبة أو في ذلك الكتاب القصصي بعناية للسماح لنا باختبار فرضيات معينة حول كيف يتعلَّم ويفكِّر الأطفال.

على نحو متزايد، أصبح من الشائع في نوع الأبحاث الذي أقوم بها، وفي المجال بشكل عام، جمع البيانات عبر الإنترنت من خلال منصات التعهيد الجماعي. يوجد الكثير من المزايا لذلك الأمر من حيث عدد وتنوُّع المشاركين الذين يمكنك الوصول إليهم، ولكنْ له أيضًا قيود.

تاريخيًا، ركَّزتِ الكثيرُ من دراسات علم النفس على طلاب الجامعات لتمثيل المجتمع. كان ذلك مناسبًا للغاية، كما أنه منحهم فرصة لمعرفة شكل البحث النفسي. ولكن بعد ذلك يساورك القلق من أنك تدرس فقط  طلاب الجامعات الغربية، وليس شيئًا أعمَّ حول الإدراك البشري.

مع عينات الإنترنت، التي نستخدمها كثيرًا في مختبري، هناك تنوُّعٌ أكبر من حيث العمر والخلفية الاجتماعية والاقتصادية. ومع ذلك، فأنت تختبر الأشخاص الذين يختارون قضاء وقتهم في المشاركة في التجارب عبر الإنترنت، والتي لن تكون عينة تمثيلية للسكان الأمريكيين، وبالتأكيد ليست عينة تمثيلية للأجناس البشرية.

من أهم الأشياء التي يجب أن ننتبه إليها هو التفكير في الأشخاص الذين نختبرهم، وكيف يمكننا تعميم نتائجنا على أي مجموعة سكانية نعتقد أنه من المناسب التعميم عليها، سواء كانت فئة عمرية معيَّنة أو مجتمع ثقافي معيَّن. إحدى المسائل المهمة التي ظهرت من خلال هذا البحث هو المدى الذي نحدِّد فيه ما إذا كان الشيء الذي ندرسه ينطبق على التفكير البشري بشكل عام، أم هو خاصٌ بالمجتمعات التي ندرسها فقط.

في العقد الماضي، وربما حتى في السنوات القليلة الماضية فقط، كان هناك تقدير متزايد في مجال علم النفس لمبدأ أننا بحاجة إلى التفكير بعناية أكبر حول الأشخاص الذين نختبرهم. نحن بحاجة إلى أن نكون أفضل في اختبار أشخاصٍ في ثقافاتٍ مختلفة وسياقاتٍ مختلفة. بالنسبة لنوع الظواهر التي أدرسها، هناك أسئلة مثيرة للاهتمام في هذا الشأن.

هل ستعثر على اختلافاتٍ ثقافية كبيرة في مدى تحفُّز الناس للتفسير، أو في مدى اعتقادهم بأن أنواعًا معينة من التفسيرات مناسبة أو مُرضيَة؟ البحث الذي أُجرِي حتى الآن يشير إلى وجود اختلافات من هذا القبيل بالفعل.

على سبيل المثال، لن يقبل الكثير من البالغين المتعلِّمين في الغرب ما يسمى بالتفسيرات الغائية أو الوظيفية للعديد من جوانب العالم الطبيعي. إذا قلتُ إن الزلازل تحدث من أجل تخفيف الضغط على سطح الأرض، ذلك السبب في ذلك الإطار هو شيءٌ لن يقبله الكثير من البالغين المتعلِّمين في الغرب كتفسيرٍ منطقيٍّ. أظهرت الأبحاث التي أجرتها ديبورا كليمان وزملاؤها أنه في الثقافات الأخرى، حيث يكون الناس أقل تعرُّضًا للتعليم العلمي على النمط الغربي، يكون البالغون أكثر استعدادًا لقبول هذه الأنواع من التفسيرات.

وجدتُ في دراسةٍ أجريتُها مع بعض الباحثين المتعاونين أن مرضى (ألزيهايمر) مستعدون تمامًا لقبول هذه الأنواع من التفسيرات. يبدو أن هناك شيئًا مقنعًا للغاية بشأن هذا النوع من التفسير، لكنك تجده بشكل أقل لدى البالغين المتعلِّمين في الغرب مقارنةً بالسكان الآخرين. هناك طريقتان مختلفتان لفهم هذه النتيجة.

أحد الآراء هو أن الآلية المعرفية الأساسية تختلف اختلافًا جوهريًا في هذه المجموعات المختلفة؛ كلٌّ منهم يفعل شيئًا مختلفًا تمامًا عندما يتعلق الأمر بتقييم التفسيرات. قد يكون هذا صحيحًا، لكن هذا ليس نوع التفسير الأكثر منطقية. ما هو أكثر منطقية هو أن -في كثير من النواحي المهمة- الآلية المعرفية هي نفسها بشكل أساسي في كل المجموعات، ولكن عندما يتعلق الأمر بتقييم التفسيرات، فأنت تحاول ربط الأمر بمعتقداتك السابقة حول الطريقة التي يسير بها العالم. الشيء المختلف بين هذه المجموعات هو معتقداتهم السابقة حول الطريقة التي يسير بها العالم.

إذا كنت شخصًا يؤمن بأن اللهَ خلق العالم، وصمَّم خصائصه المحدَّدة، ويدير الطريقة التي تتطوَّر بها الأمور، فقد تكون سعيدًا تمامًا لقبول أشياء مثل حدوث الزلازل لهذا السبب بالذات، أو أن سببَ وجود الجبال هو تسلُّقها، أو أن سبب وجود الشمس هو توفير الوقود للنباتات حتى نتمكن من أكلها. هذا تفسير معقول تمامًا إذا كان لديك بالفعل هذا الاعتقاد المعيّن حول بُنية العالم، إذا كنت تعتقد بالفعل أن هناك خالقًا ابتكر كل شيء.

إذا لم يكُن لديك هذا الاعتقاد، وكنت تعتقد أن الشمس هي نتيجة للقوانين والعمليات الفيزيائية، وأن أشياءً معينة تحدث بسبب العمليات الجيولوجية والانتقاء الطبيعي، فلن تجد هذه الأنواع من التفسيرات مقنعةً تمامًا للعديد من جوانب العالم الطبيعي.

الطريقة التي أصف بها بعض هذه الاختلافات بين الثقافات ليست أن الناس يبحثون عن أشياءٍ مختلفةٍ جوهريًا في التفسيرات، ولا أنهم يختلفون بشكل أساسي في الطريقة التي يفكِّرون بها في التفسيرات؛ بل هي أن لديهم معتقداتٍ مختلفةً عن البنية السببية للعالم. العلاقة بين تلك المعتقدات والسبب الذي يجعل من شيءٍ ما تفسيرًا جيدًا هي نفسها إلى حدٍ كبيرٍ.

هذه فرضية تجريبية، لا أعتقد أنها اُختبرت بشكل كافٍ حتى الآن، لكنني أعتقد أنها تتوافق مع البيانات التي لدينا إلى الآن. سأراهن على تلك الفرضية، بدلًا من أن أراهن على الرأي القائل بأن هناك شيئًا مختلفًا حول الآلية التي ينطوي عليها التفكير التفسيري.

لقد صادف أني نشأتُ بالقرب من «جامعة كاليفورنيا في سان دييغو»؛ وتبيَّن أن هذه النشأة لعبَت دورًا مهمًا في تعرُّفي على العلوم المعرفية عندما كنتُ صغيرةً جدًا. عندما كنتُ صغيرةً في المدرسة الثانوية، قرأتُ كتاب «الغريزة اللغوية» لستيفن بينكر. في ذلك الوقت، كانت مادتي المفضلة في المدرسة هي الرياضيات واللغة الإنجليزية. جزءٌ ممّا أدهشني في هذا الكتاب هو أنه كان يطبِّق علمًا صُوريًّا/مُجرَّدًا مثل الرياضيات على دراسة اللغة، كان ذلك جذّابًا. كانت أول عتبة لي في التعرُّف على فكرة أنه يمكن أن يكون هناك علمٌ دقيقٌ لجانبٍ من السلوك والحياة العقلية.

أثناء قراءة هذا الكتاب، ظل (ستيفن بينكر) يذكر (نعوم تشومسكي) كما لو كان شخصًا مهمًا حقًا يجب أن أكون قد سمعتُ به من قبل. عندما كنتُ صغيرةً في المدرسة الثانوية، لم أكُن أعرف شيئًا عن (نعوم تشومسكي)، لكنني اعتقدتُ أنه شخصٌ مهمٌ يجب أن أتعرف عليه. ذهبتُ إلى مكتبتي المحلية «DG Wills»، والتي كانت مصدرًا رائعًا، وبحثتُ عن شيءٍ من تأليف نعوم تشومسكي. بالصدفة البحتة، وجدتُ كتابًا عن اللغويات وليس السياسة. اخترتُ أقصر كتاب بدا لي الأقلَّ صعوبةً. كان هذا أحد كتبه التي يسهل الوصول إليها، وكان اختيارًا جيدًا. في ذلك الكتاب استمر في الحديث عن الثورة المعرفية، وبدا ذلك مهمًا.

انتهى بي المطاف بقراءة الكثير من الكتب، والتي أدركتُ في وقتٍ لاحقٍ أنها كانت اختيارات غير اعتيادية بشدة. كنتُ أبحث بشكلٍ أساسيٍّ عن كتب يحتوي عنوانها على كلمة المعرفة أو العلم المعرفي أو شيءٍ من هذا القبيل. أثناء ذلك، اكتشفتُ أن الجامعة التي نشأتُ بجوارها «جامعة كاليفورنيا في سان دييغو» كانت واحدةً من أفضل الأماكن لدراسة العلوم المعرفية. كانت من أول المؤسسات التي أنشأت قسمًا للعلوم المعرفية، والتي بيَّنَت أنه تخصُّصٌ مهمٌ لجمع الناس معًا.

خلال قراءتي، تعرَّفت على آل (تشيرشلاند)، الفيلسوفَين (بول تشيرشلاند) و(باتريسيا تشيرشلاند). لقد قدَّموا إسهاماتٍ مهمةً في فهمنا للعقل والفلسفة. اكتشفتُ أن بول تشرشلاند كان يدرِّس محاضراتٍ تحت اسم «فلسفة العلوم المعرفية». ذهبتُ إليه في وقت الدوام كطالبةٍ في المدرسة الثانوية وسألتُه عمّا إذا كان بإمكانه أن يسمح لي بحضور هذه المحاضرات. لقد وافق بأعجوبة. بصفتي طالبة في المدرسة الثانوية، تمكنتُ من حضور هذه المحاضرة الرائعة مع بول تشرشلاند ومحاضرات أخرى في جامعة كاليفورنيا، والتي كانت تجارب رائعة.

كما أُتيحت لي فرصةُ العمل في مختبر في جامعة كاليفورنيا في الصيف الذي سبق ذهابي إلى الكلية. استطعتُ فعل ذلك عن طريق مُدرِّسةٍ في مدرستي الثانوية، والتي قد تطوَّعَت للعثور على مختبر يكون على استعداد للسماح لي بالعمل معهم. طلبت مني أن أذهب إلى موقع جامعة كاليفورنيا الإلكتروني وأن آتيَ بقائمةٍ لأعضاء هيئة التدريس الذين أرى أنهم مثيرون للاهتمام، ففعلتُ هذا. اتصلتْ بمعظمهم، وأغلبهم قالوا إنهم غير مهتمين بعمل طالبةٍ في المدرسة الثانوية معهم.

الوحيدة التي وافقت كانت تُدعى (مارتا كوتاس)، وهي باحثةً استثنائيةٌ. تعمل على دراسة اللغة، باستخدام الجهد المتعلِّق بالحدث، عن طريق أجهزة تخطيط كهربية الدماغ التي تُوضع على فروة الرأس، وذلك لدراسة جوانب المعالجة اللغوية. خُضتُ تجربةً استثنائيةً في العمل في مختبرها عندما كنت في المدرسة الثانوية. عند هذه النقطة، أدركتُ أنّي أريد أن أفعل شيئًا متعلِّقًا بالعلوم المعرفية. كنتُ أعرف أنّي أحب البحث، لكنّي لم أعرف الاتجاه الذي يجب أن أسير فيه.

بعد ذلك ذهبتُ إلى جامعة ستانفورد. في سنتي الأولى هناك، حدث شيئان. أحدهما أنني حضرتُ محاضرات فلسفة العلوم وأحببتها. كان معلِّمي في هذه المحاضرات هو (بيتر جودفري سميث)، الذي أصبح مستشار أطروحتي الأكاديمية كطالبةٍ جامعيةٍ. حضرتُ أيضًا محاضرات حول الإدراك البصري. قضيتُ بعض الوقت في تلك الفترة أحاول معرفة ما إذا كنت أرغب في أن أصبح عالِمةً في علم النفس المعرفي، أو فيلسوفة في فلسفة العلم، أو متخصِّصةً في الفيزياء النفسية البصرية. يبدو أن هذه كانت الخيارات الرئيسية.

جزءٌ ممّا اكتشفته في تلك الفترة هو أن الأسئلة التي كنتُ مهتمةً بها بشكل أكبر كانت هي المضمون الحقيقي، أسئلة علم النفس المعرفي التي لها علاقة جذرية بالفلسفة: أسئلةٌ حول كيفية تعلُّمنا، وكيف نستخلص الاستنتاجات، وما هي مفاهيمنا، وكيف نتعلَّم مفاهيم جديدة. ما جذبني إلى دراسة الإدراك البصري هو أنه كان مجالًا يمكننا فيه طرح أسئلة محدَّدة وإحراز تقدُّمٍ علميٍّ منهجيٍّ في الإجابة على هذه الأسئلة. إنه مثالٌ رائعٌ لقصص النجاح، ولحالةٍ حققَّنا فيها قدرًا كبيرًا من التقدُّم في فهم كيفية عمل النظام البصري البشري، وربط ذلك بعلم الأعصاب الأساسي.

كان ذلك جذَّابًا للغاية، وأردتُ أن أفعل ذلك ولكن مع الأسئلة التي دفعتني في الأساس، والتي نشأت إلى حد أكبر من علم النفس المعرفي والفلسفة. أثناء محاولتي اكتشاف كل هذا، أدركتُ أنه في علم النفس، الكثير من الأفكار التي كنتُ مهتمةً بها بشكل أكبر، والكثير من وجهات النظر النظرية التي كنتُ مهتمةً بها بشكل أكبر- كانت تميل إلى دور التفسير باستمرار. هناك منظورٌ أتعاطف معه في كلٍّ من التطور المعرفي وعلم النفس الاجتماعي، وإلى حد ما في علم النفس المعرفي، وهو أن هناك تشابهًا مهمًا بين الطريقة التي يعمل بها الإدراك البشري والطريقة التي تعمل بها العملية العلمية.

إذا فكَّرنا في النموذج المُبسَّط للعلوم، تتخيل أن العلماء يرصدون ملاحظاتٍ عن العالم، وينشئون نظرياتٍ على أساس تلك الملاحظات، ويراجعون تلك النظريات أثناء قيامهم برصد ملاحظاتٍ جديدة، وهذه النظريات هي التي توجِّههم بعد ذلك ليكونوا قادرين على فعل أشياءٍ مثل التدخُّل الفعَّال في العالم. منظور علم النفس -على سبيل المثال- هو التفكير أو النظر إلى الشخص كأنه عالِم، أو التفكير أو النظر إلى الطفل كأنه عالِم، وهذا أحد أقوال الناس (وهو قولٌ مرتبط بشدة بأبحاث زميلتي أليسون جوبنيك).

الفكرة هي أنه في بعض النواحي، وعلى غرار الطريقة التي يعمل بها العلم، نأتي كأفرادٍ إلى العالم ونرصد ملاحظاتٍ، نبني نظرياتٍ حدسيةً أو شعبيةً حول الطريقة التي يعمل بها العالم، ونراجع تلك النظريات عندما يكون لدينا تجارب جديدة وملاحظات جديدة، ونستخدم هذه النظريات في الطريقة التي نقرِّر بها الإجراءات التي يجب اتخاذها. عندما تدفع الناس لمحاولة التعبير عن ذلك المنظور، فهناك شيءٌ مهمٌ لمحاولة الحصول على توضيح أفضل يُعرَف بالنظرية الحدسية.

عندما نقول أن هناك شخصًا لديه نظرية حدسية عن العالم الاجتماعي، نظرية حدسية عن كيفية عمل عقول الناس، نظرية حدسية عن الفيزياء أو علم الأحياء، ماذا نعني بالنظرية هناك؟ بالتأكيد، ما نعنيه بالنظرية في هذا السياق لا يمكن أن يكون هو نفسه ما نعنيه بالنظرية في العلم، حيث تكون النظرية في العلم واضحةً ومُفصَّلةً جيدًا.

هذه النظريات الحدسية عادةً ما تكون عن أشياءَ ضمنيةٍ وأكثرَ فوضوية. ما سيقوله الناس عادةً هو أن أساس النظرية أنها تجسِّد بطريقةٍ ما تفسيراتِنا لكيفية عمل الأشياء. المبادئ التفسيرية السببية: هذا ما تفعله النظريات، مساعدتنا في تفسير الأشياء. التفسيرات هي التي تميِّز النظريات عن الأنواع الأخرى من التمثيلات العقلية. النظريات مهمة بسبب التفسيرات التي تكون في محتواها.

قد يبدو ذلك صحيحًا، ولكن بعد ذلك ستريد طرح سؤلًا آخَرَ بالطبع. حسنًا، كان لدينا لغزٌ واحدٌ وهو ماهية النظرية، والآن لدينا هذا اللغز الجديد. ماذا نعني بـ«تفسير» في هذه الحالات؟ لم يعالج علماء النفس هذا السؤال بعدُ بمحاولة صياغة نظريات مختلفة لماهية التفسير، ثم محاولة اختبارها. في المقابل، في فلسفة العلم، كان الناس مهتمين بهذا السؤال لفترة طويلة، وبالتأكيد منذ أرسطو وما قبله.

من زاوية الأدب المعاصر، بدءًا من الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي، كان هناك جهدٌ هائلٌ في فلسفة العلم لمحاولة صياغة تعريف رسمي لماهية التفسير. ما الذي يجعل من شيءٍ ما تفسيرًا جيدًا؟ لماذا يلعب التفسير دورًا كبيرًا في العلم؟ لماذا يبدو أن هذا جزءٌ مهمٌ من العملية العلمية؟

كانت هناك مبادارتٍ تكميلية، لكن لم تُجمَّع بشكلٍ كافٍ حتى الآن. كان هناك فلاسفة يصُوغون هذه النظريات بطريقةٍ منفصلةً إلى حد كبير عن اعتبارات كيفية عمل الإدراك البشري اليومي، وكيفية عمل التفسير في حياتنا اليومية. كانوا يفكِّرون في التفسير العلمي، ولكنهم كانوا يفكِّرون في الأسئلة المعيارية أيضًا: كيف يجب أن يعمل التفسير في العلم؟ ما الذي يجب اعتباره تفسيرًا؟

ومن ثَمَّ في الناحية الأخرى، كانت هناك هذه المشاريع النفسية، حيث كان الناس يتذرعون بفكرة التفسير ولكن دون التحقيق بشكلٍ تجريبيٍّ. هذا جزءٌ ممّا جعلني مهتمةً بدراسة التفسير. كانت هناك هذه الأسئلة الرائعة التي نريد الإجابة عنها، ونحن لدينا بعض الأدوات المفاهيمية التي قدَّمَتها الفلسفة بالفعل لكيفية طرح هذه الأسئلة. الكثير من أبحاثي الأولى اشتملت على تمييزاتٍ كان الفلاسفة يقدِّرونها لعقود من الزمن واستخدامها لطرح أسئلة تجريبية حول الطريقة التي تعمل بها الأحكام التفسيرية اليومية.

أحد الأمثلة على ذلك هو شيءٌ مثل مفهوم البساطة. بشكلٍ حدسيٍّ، نحن نحب التفسيرات البسيطة. بالتأكيد أقرَّ العلماء بذلك، وأقرَّ الفلاسفة بذلك. لقد امتدح الكثير من الناس فضائل التفسيرات البسيطة. لكن بما أن الفلاسفة قد قدَّروها لفترة طويلة، فمن الصعب إعطاءُ وصفٍ دقيقٍ لماهيَة البساطة.

إذا أخذتَ شيئًا مثل البساطة كمثالٍ، فنحن بشكلٍ حدسيٍّ لدينا فكرة عن معناه. أحد الأشياء التي تجيد الفلسفة فعله هو اتخاذ مفهومٍ حدسيٍّ من هذا القبيل، ثم دفعه وإجبار الناس على التعبير عنه بأشياءَ متعددةٍ قد تقصد بها ذلك المفهوم، وأن تكون دقيقًا بشأن تلك التعريفات البديلة. أحد الأشياء التي قمتُ بها هو محاولة التفريق بين الأشياء التي قد تقصدها بالبساطة، ثم الاختبار التجريبي لتحديد أي منها يؤثِّر على أحكام الناس حول مدى جودة التفسير.

إحدى الطرق التي فعلنا بها ذلك هي سياق التفسير السببي. ببساطة، كنّا نحاول تفسير سبب ظهور بعض الأعراض المرضية على شخصٍ ما. أنت تريد أن تفسِّر ذلك عن طريق تحديد مرضٍ أو مجموعة من الأمراض المختلفة. قد تعتقد أن هذا من شأنه أن يجعل تفسيرًا مثل ذلك بسيطًا. يتعلق الأمر فقط بعدد الأمراض أو الأسباب المختلفة في هذه العملية السببية التي تستدعيها في التفسير. إذا استدعيت خمس خطواتٍ سببية مختلفة في هذا التفسير، فسيكون ذلك أكثر تعقيدًا من التفسير الذي يستدعي خطوتَين أو ثلاث.

هناك طريقةٌ بديلةٌ وهي أنه ربما ليس المهم هو العدد المطلق لهذه الأسباب التي تستدعيها في التفسير، ولكن كم من هذه الأسباب نفسها غير مفسَّرة؟ وكم من هذه الأسباب عليك فقط أن تطرحها وتفترض أنها صحيحة؟ يتماشى ذلك مع فكرة أن ما نهتم به حقًا في التفسير البسيط ليس أنه يحتوي على قليلٍ من الأسباب، ولكن أنه يحتوي على القليل من الأجزاء المستقلة التي نحتاج إلى قبولها. نريد تقليل الأجزاء إلى أقل عدد من الأجزاء غير المفسَّرة بأقل عدد من الافتراضات.

وضعنا هاتين الفكرتين أمام بعضهما البعض وتوصَّلنا إلى بعض التفسيرات. على سبيل المثال، إذا كنت ترغب في تفسير حقيقتَين محدَّدتَين، فإن أحد الاحتمالات هو أنهما قد فُسِّرا من خلال سببَين مستقلَين؛ فالسبب الأول أنشأ الحقيقة الأولى، والسبب الثاني أنشأ الحقيقة الثانية. إذًا فتلك الحالة تنطوي على سببَين. الآن سأجعل الأمر أكثر تعقيدًا بمعنى أنني سأقدِّم سببًا آخَر. سأقول أن كلا السببَين لهما سبب مشترك. لقد قدَّمتُ الآن سببًا ثالثًا.

إذا كان ما يهمك هو مجرد عدد الأسباب في التفسير، فقد جعلتُ الأمر أكثر تعقيدًا لأنني أضفتُ سببًا آخَر. ولكن إذا كان ما يهمك هو عدد الأسباب نفسها غير المبرَّرة، فقد جعلتُ الأمر أبسط لأنه يمكنني الآن شرح هذين السببَين هنا (السبب الأول والثاني) من خلال التماس السبب المشترك. هذا السبب المشترك هناك هو وحده غير المُفسَّر. ما وجدناه هو أن الفكرة الأخيرة عن البساطة هي التي يستجيب إليها الناس ويهتمون بها. لم نعثر على أي دليل على أنهم يهتمون بالعدد الإجمالي للأسباب.

في تجربةٍ من هذا القبيل، وضعنا مفهوم تفضيل الناس للتفسيرات التي تنطوي على عدد أقل من الأسباب بشكل إجمالي مع مفهوم تفضيل التفسيرات التي تنطوي على أقل عدد من الأسباب غير المُفسَّرة. تشير الدلائل المُستمَدة من تلك الدراسات إلى أن الأشخاص ليسوا حسّاسين على الإطلاق لعدد أسباب التفسير فقط، لكنهم حسّاسون جدًا لعدد الأسباب غير المُفسَّرة. نحن نُظهر تفضيلًا منهجيًّا للتفسيرات التي تنطوي على عددٍ أقل من الأسباب غير المُفسَّرة.

هذا مجرد توضيح واحد لطريقةٍ يمكنك أن تأخذ بها العمل المفاهيمي القياسي في الفلسفة، حيث تحاول تحديد الفروق المختلفة داخل مفهومٍ ما، ثم تستخدم تلك الأدوات المفاهيمية لمعالجة سؤال تجريبي. في هذه الحالة، لا نتطرق إلى السؤال حول ما الذي يجعل التفسير جيدًا، ولكن إلى السؤال عن السبب الذي يجعل الناس ترى في أحكامهم البديهية اليومية بعض التفسيرات أفضل من غيرها. ما هو مفهوم البساطة الذي يستجيبون له في تلك الحالات؟

هناك العديد من الطرق التي قد تحاول بها اقتحام مشهد علم النفس المعرفي. تتمثل إحدى النقاط المهمة في التفكير في المدى الذي يعتقد فيه الناس أن العمل التفسيري المهم في محاسبة جوانب الإدراك البشري التي نهتم بها- فطريٌّ أم مكتسب. في مثل معظم هذه الانقسامات، تكون كلا نقطتَي النهاية غيرَ متماسكتَين.

بقدْرٍ ما أميل لطريقةٍ أو لأخرى، فأنا مفتونةً بآليات التعلُّم وحقيقةِ أننا متعلِّمون مرِنون لدرجة أن باستطاعتنا الإبلاءَ بشكل جيد في البيئات المختلفة. عادةً ما أنجذب أكثر إلى المنظورات التي تحاول تفسير كيف يمكننا تعلُّم شيءٍ ما عن بنية البيئة. بصيغةٍ أخرى، يجب أن تكون اللبنات الأساسية التي لدينا لآليات التعلِّم هذه موجودةً في الأصل للبدء بها. لا يمكننا الحصول على شيء من لا شيء. لكن يمكننا أن نفهم ما هي هذه الآليات وكيفية نشرها واستخدامها بمرونة في سياقات مختلفة. سيكون هذا جزءًا أساسيًّا من تفسير الذكاء البشري.

بعض الانقسامات الأخرى في هذا المجال ليست إلا مسائل تستدعي التركيز. أحد أكثر الأشياء التي تُناقش في وسائل الإعلام هو إلى أيِّ مدىً البشرُ عقلانيون، أو جيدون في التفكير أو سيئون في التفكير. هذه مسألة تستدعي التركيز إلى حد ما. إذا أصبنا في 80 بالمئة من الأوقات، فهل هذا رائعٌ لأننا أصبنا في 80 بالمئة من الأوقات؟ أم أن هذا سيئٌ بسبب أن هناك 20 بالمئة من الأوقات قد أخطأنا فيها؟

في كثير من الأحيان عندما تنظر إلى بعض النقاشات حول هذه القضايا، لا يختلف الناس حول الحالات التي يصيب فيها الناس أو يخطئون. إنهم يختلفون حول مدى أهمية هذه الحالات، وإلى أي مدى يقوّض ذلك الأمر ادعاءَ أن البشر متطوِّرون جدًا ومتعلِّمون رائعون.

أنا أميل إلى النظر إلى النصف الممتلئ من الكوب، حيث أعتقد أنه من المهم الاعتراف بالحالات التي نخطئ فيها. هذه الحالات مهمةٌ جدًا عمليًّا؛ لأننا نريد أن نكون قادرين على تحديدها وتحسين التفكير البشري. لكن بشكل عام، أنا معجَبةٌ كثيرًا بمدى جودة التفكير البشري. أنا معجبةٌ بالاستنتاجات التي نرى حتى الأطفال في سن الثالثة والرابعة والخامسة قادرين على الوصول إليها، أو بحقيقة أن معظم البالغين قادرون على قيادة بيئة معقَّدة للغاية بشكل فعّال.

مع وضع ذلك في الاعتبار، يمكننا بعد ذلك التفكير في كيفية تحسين جودة عملنا. من المهم ألا تغيب عن بالنا حقيقةُ أننا متعلِّمون مثيرون للإعجاب للغاية، وربما -ليس لفترةٍ طويلةٍ- أفضل مُتعلِّمين في العالم على حد علمنا. في أغلب الحالات، لا يمكن للأنظمة الاصطناعية منافسةُ البشر عندما يتعلق الأمر بالكثير من هذه المهام.

~ ~ ~ ~

أحد الأشياء التي تُمثِّل تعارضًا في فكرتي عن دور التفسير- هو أنه بتعاقُب الأيام، أروح ذهابًا وإيابًا بين منظورَين. ما يهمني هي المشاكل التي يكون لدى الناس فيها كميةٌ محدودةٌ من المعلومات وعليهم استخلاص بعض الاستدلالات التي تتجاوز تلك المعلومات. هذا ما يُسمى بالاستدلال الاستقرائي: حل المشكلات الاستقرائية. المعيار المرجعي لكيفية حل هذه المشكلات هو ما يسمى ب(قانون بايز)، أو (الاستدلال البايزي). إنه قانون أو نظرية في الإحصاء يخبرك بكيفية أخذ المعلومات التي لديك ومعتقداتك السابقة ودمجها لتحديث معتقداتك بشكل مناسب. هذا مقبول على أنه الطريقة الصحيحة لفعل ذلك إلى حد كبير. هذه هي الطريقة الصحيحة لفعل ذلك، ويمكننا أن نرى ما إذا كان البشر يقومون بذلك بشكل جيد أم لا.

هناك بعض الشكوك حول ما إذا كان ينبغي لنا أن نعتبر ذلك المعيار المرجعي صحيحًا أم لا. الشيء الذي أذهب إليه ذهابًا وإيابًا في بحثي هو التفكير في علاقة التفسير بهذا النوع من الاستدلالات. أحد الآراء التي يمكنك اتخاذها، وهو نفس الرأي الذي كان لدي في وقت سابق من مسيرتي المهنية- هو أن هناك الكثير من الحالات التي يكون فيها السلوك البشري مقاربًا ل(الاستدلال البايزي) بشكل معقول. يبدو أننا نتعلَّم من البيئة بطريقة تكاد تكون أمثل طريقة للتعلم.

ومع ذلك من الواضح أننا لا نفعل ذلك من خلال تطبيق هذا القانون صراحةً. الفكرة ليست أن الناس يعرفون بشكلٍ حدسيٍّ قانون بايز ويتجولون حول العالم للحصول على الملاحظات ويقولون: «سأربط هذا بقانون بايز» ويقومون بالحسابات في رؤوسهم. من الواضح أن هذه ليست الطريقة التي يعمل بها التعلُّم. حتى الأشخاص الذين يدافعون عن فكرة أن أغلب الإدراك إدراك بايزي- يعتقدون أن هناك عملية معرفية نصل من خلالها لشيءٍ مقارب لهذا النوع من التفكير، ولن يكون كتطبيقٍ صريح لهذا القانون الرياضي.

في وقت مبكر من مسيرتي المهنية، اعتقدتُ أن عملية محاولة تفسير الأشياء هذه هي إحدى الآليات الرئيسية التي نصل من خلالها إلى استدلال بايزي مقارَب. ربما تكون الطريقة التي يعمل بها هذا الأمر هو أنه عندما تقابل بعض الملاحظات الجديدة، يكون عليكَ تحديثُ معتقداتك في ضوء تلك الملاحظة. من خلال محاولة تفسير هذه الملاحظة في ضوء ما كنت تعتقده بالفعل، تقوم بإجراء هذا الحساب لدمج الأدلة الجديدة مع معتقداتك السابقة من أجل تحديثها بطريقة ستصبح بمثابة وكيل جيد لاحتمال بايزي بعدي أو خلفي، أي ما يجب أن تصدقه بعد هذا النوع من عملية التحديث.

من وجهة النظر تلك، التفسير هو في الأساس وسيلة للاستدلال البايزي. لكن على نحو متزايد، بدأت أعتقد أن ذلك ليس الطريق الصحيح للتفكير في ما يفعله التفسير. ذلك الاعتقاد مدفوعٌ ببعض النتائج التجريبية التي خرجت من الأدب، والتي تشير إلى أنه عندما تفسِّر، فإنك تبتعد عن حساب احتمال بايزي بعدي أو خلفي أكثر ممّا تفعل عندما لا تفسِّر، وكذلك تبتعد عن التفكير في نطاق الأهداف المعرفية والاجتماعية التي لدينا.

المنطق الذي يجعل من الاستدلال البايزي هو المعيار المرجعي، أو المعيار الأمثل، هو أنه إذا كنت تريد على المدى الطويل تقليل عدم دقتك، فمن المحتمل أنك ستحدِّث معتقداتك في ضوء قانون بايز. سيكون هذا أمرًا جيدًا بالنسبة لك إذا كان ما تريد القيام به هو تقليل عدم الدقة على المدى الطويل. لكن هذا ليس الشيء الوحيد الذي نهتم به. هو أمرٌ مهم نهتم به، ولكن في بعض الأحيان تريد فقط أن تكون على حق في الغالب وبسرعة، لذلك أنت على استعداد للتضحية بقدر من الدقة مقابل الكفاءة، حتى لو كان ذلك يعني أن تخطئ في بعض الحالات.

في بعض الأحيان ما نريده هو أن نكون مُقنِعين. في بعض الأحيان، ما نريده هو التوصُّل إلى طريقة ملائمة لحل نوع معين من المشكلات. ستكون خاطئة في بعض الأحيان، ولكنهل ستكون أسهل بكثير في التنفيذ في حالات أخرى. هناك أنواع مختلفة من الأهداف المعرفية والاجتماعية التي قد تكون لدينا. على نحو متزايد، أعتقد أنه ربما لا يكون للتفسير هدف واحد فقط؛ ربما لديه أهداف متعددة. أيًّا كان، فربما لا يقتصر الأمر على الشيء الذي يتتبعه الاستدلال البايزي، من المحتمل أنه يتتبع بعض الأشياء الأخرى.

فهناك بعض ميزات التفسير التي لدينا في الأصل؛ لأنها من النوع الذي يُسهِّل تطوير التمثيلات العقلية، والتي يمكن استخدامها أو توصيلها بسهولة. سيقودنا هذا إلى بعض الانحرافات المنهجية عن الدقة، ولكن ربما تكون هذه المقايضات جديرة بالاهتمام في حالات مختلفة. هذا سؤال أروح إليه ذهابًا وإيابًا. لا أعتقد أن لدي وجهة نظر واضحة حول هذا الموضوع، إلا أني سأقول أني أبتعد عن وجهة النظر التي كانت لدي في وقت سابق من حياتي المهنية.

لقد تأثرتُ بالعديد من الأشخاص. ذكرتُ اثنين منهم بالفعل. أحد الذين أثَّروا في تفكيري بشكل كبير هو مستشارة الدكتوراه الخاصة بي سوزان كاري. اشتهرت بإسهاماتها في التطوُّر المعرفي والتفكير في أنواع التمثيلات التي يولَد بها الأطفال. كان أحد أهم الأشياء التي تعلَّمتها منها هو كيفية أخذ أسئلة كبيرة ومعقدة حول طبيعة تعلُّم التمثيل المفاهيمي، ومحاولة معالجة هذه الأسئلة بشكل تجريبي وبطريقة تنخرط في أساس القضايا الفلسفية التي حفَّزَت الأسئلة الأولية. هي شخص يواصل الإبداع في عمله أيضًا.

جزء كبير من إلهامي للطريقة التي أفكِّر بها في التفسير يأتي من بعض التطوُّرات الأخيرة في مجالٍ الإبستمولوجيا الصورية؛ علم الإبستمولوجيا الصورية هو امتداد للبحث في نظرية المعرفة والفلسفة. تتعلق الإبستمولوجيا بأسئلة ماهية المعرفة، وكيف نعرف متى تكون معتقداتنا مبرَّرة، وما إلى ذلك. على مر التاريخ وبشكل كبير، كان ذلك المجال يتناول بنفس الطريقة التي تُتناوَل بها المجالاتُ الفلسفيةُ الأخرى: أيْ بنوع معين من التحليل المفاهيمي والنقاش.

ما يفعله علم الإبستمولوجيا الصورية هو محاولة الإجابة على بعض تلك الأسئلة والأسئلة القريبة لتلك الأسئلة، باستخدام الوسائل الصورية (التجريدية) الخاصة تاريخيًّا بمجالاتٍ مثل الإحصاء وعلوم الكمبيوتر والرياضيات. في هذا المجال بدأ بعض الناس في اتباع نهجٍ صوري للتفكير في التفسيرات. هذا لطيف لأنه يسمح لك بالحصول على الموضع الكمي الذي تحتاجه في التنبُّؤ لتكون قادرًا على اختبار التنبؤات مقابل السلوك البشري، وأيضًا لأنه يتيح لك أن تكون دقيقًا جدًا في وصفك لما تقصده بالتفسير وكيف يرتبط ذلك بشيءٍ مثل قانون بايز.

ضمن ذلك المجال، هناك شخصان: (إيغور دوفن) و(جونا شوبباخ)، اللذان كانا يستكشفان ما يُسميانه «التفسُّر» أو «explanationism» كبديل لفكرة أن الطريقة التي يجب أن نحدِّث بها معتقداتنا هي فقط من خلال اتباع شيء مثل قانون بايز. أثِّر هذا في تفكيري بشدة مؤخرًا. لا أستطيع أن أقول بالضبط إلى أين يمكن أن يصل هذا الأمر من حيث الدراسات التجريبية أو الصورة النظرية التي ستظهر منه، لكنه بالتأكيد يثير احتمالات مثيرة للاهتمام بشكل أكبر في هذا المشهد.

هناك سؤال منطقي يمكن لشخصٍ ما أن يتساءل عنه، وهو ما إذا كان هناك أي آثار في العالم الحقيقي لهذا النوع من الأبحاث. لماذا يجب أن نهتم بالقدرة على التعبير عن البنية الدقيقة المُفصَّلة للأحكام التفسيرية للناس وحقيقة أننا نفسِّر بطرق معينة؟ هناك عدة أسباب مختلفة لأهمية ذلك. الشيء الذي يحفِّز بحثي بشكل كبير حتى الآن هو شيءٌ أكثرُ تعمُّقًا في العلوم المعرفية، وله علاقة بالآثار النظرية.

ماذا يعني هذا بالنسبة للطريقة التي نفكِّر بها في التعلُّم؟ إذا أخذنا ظواهر التعلُّم هذه بجدية من خلال التفكير، أو التعلُّم بدون بعض البيانات الجديدة، فنحن بحاجة إلى إعادة التفكير في نظريات التعلُّم لدينا. هذا هو سبب أهمية هذا للعلم المعرفي. يتعلق العلم المعرفي بالتعلُّم والاستدلال والتفكير والتفسير أساسيُّ لذلك.

هناك أيضًا مجالان حيث يكون هذا مهمًا للعالم الحقيقي. يتعلق أحدهما بالحالات التي نرتكب فيها أخطاء، والقدرة على فهم التفكير البشري بشكل أفضل للسماح لنا بتصحيح تلك الأخطاء، والانخراط فيما يسمى أحيانًا «نزع التحيُّز» أو De-biasing»» إذا استطعنا فهم الأخطاء المعرفية التي نرتكبها بشكل أفضل، فربما يمكننا التدخُّل في العالم الحقيقي لإنتاج قرارات أفضل. إذا عرفنا أن الناس يفضِّلون التفسيرات الأبسط، حيث يكون للبساطة تعريفٌ مُعيَّنٌ، وأنهم يفعلون ذلك حتى عندما تكون تلك التفسيرات ليست أفضل تفسيرات تدعمها الأدلة، فإننا نعرف أنهم يرتكبون خطأً هناك.

هل نرى أشخاصًا في العالم الحقيقي يرتكبون هذا الخطأ؟ عندما يواجه الأطباء قرارًا، أو مشكلةً في التشخيص ويقفون أمام تفسيرٍ أبسط مقابل تفسيرٍ مُحتملٍ أكثر في ضوء البيانات، هل نراهم هناك يتخذون القرار الخاطئ؟ إذا كان الأمر كذلك، فربما نعرف أين نبحث عن تلك الأنواع من الأخطاء، بناءً على هذه النظرية والعمل التجريبي، ويمكننا التفكير في كيفية تصحيح هذه الأخطاء. أحد الأهداف العامة هو تطوير بعض الوسائل التي تحدِّد أخطاء العالم الحقيقي وكيفية تصحيح هذه الأخطاء، لأن هذه القرارات يمكن أن تكون ذات أهمية بالغة.

الطريقة الأخرى التي قد يكون لها بعض الآثار المترتبة هي الذكاء الاصطناعي. هناك طريقتان للتفكير في ذلك. إحداهما، إذا اتضح أن ذلك التفسير هو مجرد جزء مهم من كيفية تعلُّم البشر، فربما يساعدنا فهم كيفية لعب التفسير لهذا الدور في بناء أنظمة تعلم آلي أفضل، على سبيل المثال. نحن نعلم أن البشر قادرون عل حل مشاكل معينة أفضل بكثير من أفضل ذكاء اصطناعي. نريد أن نكون قادرين على فهم المدى الذي يستخدم فيه البشر أشياء مثل التفسير في حل تلك المشكلات؛ حتى نتمكن من بناء أنظمة اصطناعية أفضل.

الطريقة الأخرى التي يتناسب معها ذلك التفسير هي من خلال ما يسمى الآن بالذكاء الاصطناعي القابل للتفسير. يشير هذا إلى التحدي الذي ظهر من التطوُّرات الأخيرة التي رأيناها في مجالات الذكاء الاصطناعي والتعلُّم الآلي، وهو أنه يمكن أن ينتهي بك الأمر بأن يكون لديك -على سبيل المثال- نظام تعليم عميق معيَّن: شبكة عصبية معقَّدة للغاية تحلُّ مشكلتك بشكلٍ جيدٍ للغاية. قد يكون لها دقةٌ تنبؤية جيدةٌ للغاية، ولكن إذا سألت شخصًا ما عما يفعله ذلك النظام أو لماذا أصاب أو لماذا أخطأ، يكون الأمر مُبهَمًا للغاية. يمكن حتى أن يكون مُعتمًا للشخص الذي صمَّم وأتم النظام.

هناك شيء تفعله هذه الأنظمة، لكنها وصلت إلى مستوى من التعقيد يجعلها نفسها قادرة على التعلُّم من البيانات التي يمكن أن تجعلها مبهمةً للغاية وغير واضحة. أحد التحديات التي تواجه الذكاء الاصطناعي القابل للتفسير هو التفكير في كيفية فهم هذه الأنظمة. كمهندسين، كمستهلكين، كأطباءَ نحتاج إلى معرفة مدى جدية التعامل مع مخرجات بعض الأنظمة التي تُقرُّ علينا بعض التشخيصات المحتملة.

من أجل فعل ذلك، نحتاج إلى معرفة الكثير حول ما يلزم للشعور بشعور الفهم هذا. ما الذي يحدث عندما نتلقى تفسيرًا؟ ما الذي يجعله تفسيرًا جيدًا؟ كيف يؤثِّر ذلك على سلوك السير مع التيار؟ كل هذه الأنواع من الأسئلة التجريبية التي أتناولها تنتهي بالحصول على هذا التطبيق العملي عندما يتعلق الأمر بالتفكير في أحدث التقنيات التي نطوِّرها وكيف يجعلونها تتفاعل بشكل فعّال مع البشر.

تتمثل إحدى الطرق التي حاول بها الأشخاص فهم السبب الذي يجعل من التفسير تفسيرًا جيدًا- هي تمييزه عن الأشياء الأخرى التي نفعلها. التفسير مقابل الوصف، التفسير مقابل التنبُّؤ. لا أعتقد أنني رأيت طريقةٌ مُرضية للتعبير عن ماهية ذلك التمييز بوضوح، ولكن ما يبدو أنه أساسيُّ للتفسير-والذي أعتقد أنك قد لا تحصل عليه من هذه الأشياء الأخرى مثل التنبؤ أو الوصف- هو شعور الفهم.

يذهب بعض الناس إلى حد القولِ بأن ما يجعل من شيءٍ ما تفسيرًا هو أنه يُنتج الفهم، والبعض الآخَر سيعرِّفون الأمر بشكل معكوس. سيقولون إن ما ينتج الفهم هو وجود تفسير. ليس لدي وجهة نظر واضحة المعالم عن أي شيءٍ يأتي أولًا، التفسير أو الفهم، لكن يبدو لي أنهما مرتبطان بشكل وثيق. ليس بالضرورة أن تفهم من الوصف، وليس بالضرورة أن تفهم من التنبُّؤ.

أحد الأسباب التي تجعلني أعتقد أن هذه المشكلات التي تنشأ مع هذه التكنولوجيا الجديدة وبالأخص الذكاء الاصطناعي القابل للتفسير مرتبطةٌ على وجه التحديد بالتفسير- هو أن التفسير هو الشيء الذي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالفهم. لقد كنت أتحدث كثيرًا عن التفسير لأنه موضوعٌ ثريٌّ نظريًا، وموضوعٌ مهمٌ وخطيرٌ، ولكن ما أريد التأكيد عليه من خلال الحديث عن التفسير هو الطرق التي يمكن من خلالها الجمع بين الفلسفة وعلم النفس بشكل مثمِر لمعالجة هذه المواضيع.

ما يميِّز الطريقة التي تناولتُ بها التفسير في بحثي هو أنها تحاول استعارة أفضل الوسائل المفاهيمية التي نحصل عليها من الفلسفة ودمجها مع الوسائل التجريبية التي نحصل عليها من علم النفس. ذلك النهج لا ينطبق فقط على حالة التفسير، إنه ينطبق على نطاق واسع للغاية. هناك العديد من مجالات الاتصال الثري والمثمِر بين الفلسفة وعلم النفس.

تتضمن بعض الأشياء التي أركِّز عليها في بحثي الخاص: جوانب التفكير الأخلاقي وجوانب من التفكير السببي أيضًا، والتي تتعلق بالتفسير، ولكنها أيضًا تختلف عنه في حالات متعددة. لماذا لدينا المعتقدات الأخلاقية المحدَّدة التي لدينا حاليًّا؟ كيف نقيِّم ما إذا كان هناك شخصٌ ما يستحق اللوم ومتى تجب معاقبتُه؟ ترى هذا أيضًا في العديد من الحالات الأخرى: جوانب اللغة وجوانب كيفية تفكيرنا في عقول الآخرين وجوانب كيفية تفكيرنا في البنية الاجتماعية. هذه كلها موضوعات نستفيد منها من رُؤى الفلسفة وعلم النفس.

أعجبني المقال

المصدر
edge

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى