الإدارة

عقليات قيادية للاقتصاد الجديد

الشركات الناجحة شغوفة بتبني جماعة من القادة ذوي العقليات الجديدة

  • دوجلاس أ. ريدي
  • ترجمة ميسون تركي
  • مراجعة: مصطفى هندي
  • تحرير: أثير الحربي

“المنظمات بحاجة إلى إعادة التفكير بالكامل لما هم عليه ولمعنى القيادة. لم تعد القيادة تتمحور حول شخص واحد أو حتى حول المستقرين في القمة. في عالم اليوم، على الجميع أن يتبنى عقلية القائد. لابد أن نفكر بأنفسنا كأعضاء لمجتمع القادة”.

باتي مكورد الرئيسة السابقة للموظفين الموهوبين في نتفليكس.

هل أنت قادر على تغيير ثقافة منظمتك؟ لعل الأمر ممكن إذا كنت قادرًا على معرفة ماهية ثقافتكم أو إذا كنتَ الرئيس التنفيذي أو أحد المدراء التنفيذيين. لكن دعني أسأل سؤالًا مُختلفًا: هل أنت قادر على وضع نمط وعقلية جديدة لكيفية عمل فريقك أو أعضاء مشروعك أو موظفيك مع بعضهم أو مع الآخرين، سواءً كان العمل داخل أو خارج المنظمة؟ الجواب في هذه الحالة على الأرجح سيكون “نعم” بملء الفم.

طرحت هذين السؤالين على آلاف المدراء والقادة من حول العالم في مقرراتي التعليمية الإدارية بكلية سلوان للإدارة في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا خلال السبع سنوات الأخيرة. بالنسبة للسؤال الأول، قِلة فقط من أجابوا بنعم حتى وإن كانت المجموعة تضم قادة كبار. لكن عندما سألت عن قدرتهم في وضع أسلوب وعقلية جديدين في منظماتهم، يشعر الجميع تقريبًا بأن الأمر ضمن حدود إمكانياتهم وواجباتهم، ولذا هناك الكثير ممن أجابوا بنعم.

لماذا لا نُحدث تغييرًا في الثقافة من خلال تحدي القادة بتبني عقلية جديدة تُظهر تطورًا ملموسًا نحو تحقيق ما تعتبره الأغلبية الهدف الأكثر صعوبة؟ كيف سيبدو ذلك على أرض الواقع؟ فلنفترض أنك قائد قسم مصرفية فردية لبنك عمره ١٧٠ سنة، وأن هذا البنك يتبّع ثقافة تجنب المخاطر بشكل حازم. الفقرة القادمة مبنية على مثال من واقع الحياة، وهي توضح كيف تقوم بتحدي قيادتك لتبني عقلية جديدة:

“نحن نخسر مشاريعنا التجارية لصالح منافسينا المبتدئين، يعتقد زبائننا بأننا بطيئون جدًا ونفتقر للإبداع. أعتقد بأننا قادرون على فعل ما هو أفضل بكثير. إن كنت أمنعكم عن التحليق، فهذا خطئي، وأنا أريدك أن تخبرنا عما نستطيع فعله على مستوى فريق القيادة لتغيير طريقة عملنا. دعنا نبدأ بتغيير طريقة تعاملنا مع زبائننا وعملائنا، لطالما كان تعزيز أهمية الزبون هدفًا مركزيًا لنا لفترة طويلة، لنُعيد تكريس أنفسنا لتحقيق هذه المهمة، ونجد حلولًا جديدة إبداعية لحل تحديات زبائننا معًا هذا العام في جميع جوانب العمليات المصرفية الفردية. أعدك بأنه لن تكون هناك ملامة ولا عواقب سلبية للتجارب التي لن تحقق مرادنا. دعنا إذن نتشارك تلك الدروس والنجاحات والفشل، على مستوى المصرفية الفردية أولاً ثم على مستوى البنك بأكمله. أحتاج مساعدتك، وأعلم بأننا نستطيع معًا تحقيق ذلك”.

تجسد هذه المقولة العقليات القيادية التي تقود الاقتصاد الجديد؛ القادة الذين يُصرحون بشغف أنهم جماعة يُكرسون أنفسهم للعمل من أجل رضا العملاء، جماعة تقودهم غايات محددة وتمتلك علاقات كبيرة ومدفوعة بالفضول.

خلال العام الماضي؛ عملت كمحرر لمشروع البحث التعاوني لمجلة كلية سلوان للإدارة في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، المشروع المُسمى مستقبل القادة في الاقتصاد الرقمي، بالشراكة مع (Cognizant). أجرينا دراسة إستقصائية شملت أكثر من ٤ آلاف مدير وتنفيذيين من أكثر من ١٢٠ دولة، وأجرينا مقابلات مع العشرات من أعضاء مجلس إدارة، بهدف فهم الكيفية التي يؤثر بها عالم الأعمال المتغير على معنى أن يكون الفرد قائدًا عظيمًا. إحدى النتائج المذهلة لهذه المبادرة للبحث الجاري هي أن كل المشاركين في الاستطلاع ومن حاورناهم يعتقدون بأن قادتهم يفتقرون للعقلية اللازمة لتحقيق التغيرات الثقافية والاستراتيجية المطلوبة للقيادة ضمن الاقتصاد الجديد، في الحقيقة؛ نسبة من أصرّوا بأن قادتهم مستعدون للتقدم بمنظماتهم للأمام لم تتجاوز ١٢٪. ومن المثير للإهتمام أن قلة قليلة ممن حاورناهم تحدثوا عن الإحتياج للتغيير العميق للثقافة، وقد يعود ذلك لأسباب شبيهة بالمثال الذي ذُكر آنفًا: ينظر لمسألة إحداث تغيير للثقافة على نطاق واسع بأنه فوق مستويات أجور أغلب الناس، لكن جميعهم تقريبًا يؤكدون على أهمية تبني عقليات وسلوكيات جديدة، بالإضافة إلى أهمية إيجاد طرق قد تعزز وترسّخ تلك العقليات والسلوكيات كسمة مميزة جديدة للقيادة، لكن ماهي العقليات الجديدة التي على القادة تبنيها؟

 

 

هناك أربع عقليات قيادية تحرك الاقتصاد الجديد

 

العقليات عبارة عن خرائط ذهنية تعكس وترشد الكيفية التي يتصرف الناس بها في المنظمات، أي أنها تشير إلى الكيفية التي يعمل بها الناس وما يفعلونه، إذًا ما هي العقليات القيادية التي شعر المشاركون في الاستطلاع ومن حاورناهم أنها حاسمة في إنجاح الاقتصاد الرقمي؟ بعد تحليل بيانات الدراسة الاستقصائية وإجراء تحليل البيانات وتحليل المقابلات التي أجريناها، حددنا أربع عقليات: عقلية المُنتجين، وعقلية المُستثمرين، وعقلية الوسطاء، وعقلية المُستكشفين.

 

عقلية المنتجين:

هذه العقلية تجمع بين الهوس بإنتاج وصنع قيمة للعميل، مع التركيز على التحليلات والدهاء الرقمي والتنفيذ والنتائج، يستخدم المنتجون التحليلات من أجل تسريع الإبتكار المُتعلق بالتغيرات في تفضيلات الزبائن، مما يحسن تجارب الزبون والمستخدم.

برين هاليقن، وهو الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي لHubSpot، يفسر توجه المنتجين:

عندما كنت في كلية إدارة الأعمال في سلوان لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، كان الشعار أن على منتجك أن يكون أفضل ب١٠ مرات من المنافسين. كان هذا الشعار معقولًا حينذاك، لكن اليوم؛ الشعار الجديد هو أن على تجارب زبائنك أن تكون أفضل بـ١٠ مرات، على الشركات اختبار كل نقطة اتصال لديهم مع العميل وتفعيل الوسائل لجعلهم جميعًا راضين عن الخدمة”.

 

عقلية المستثمرين:

يسعى القادة أصحاب عقلية المُستثمرين لأن يكون هدف المنظمة أبعد من زيادة عائد الأسهم. إنهم يركزون على النمو، لكن النمو بطريقة مستدامة. يهتمون بالمنظمات التي يعملون بها ويستمرون بتطوير موظفيهم، كما يستثمرون في تعزيز أهمية العملاء عوضًا عن إعتبارهم مجرد مصدر للأرباح.

سوسان سوبوت، وهي الرئيس التنفيذي السابق والمدير العام لـ American Express Global Commerical Services تُعبّر ماذا يعني لها أن تكون بعقلية المستثمر:

 

“إحدى الأشياء التي واجهتُ صعوبة معها عندما تكلمت عن أهدافنا للمنظمة كانت فكرة وضع الهدف والمبادئ والأرباح بناءً على ضروريات الشركات، وجدت نفسي أتحدث عن تحقيق معدل نمو بنسبة ١٥٪ أو انخفاض تكلفة بنسبة ٢٠٪ إحقاقًا للحق؛ حتى أنا لم أتحمس لذلك. لذا بدأت أتحدث عن كيف يمكننا تغيير حياة الملايين من الزبائن، وكيف يمكن لهؤلاء الزبائن تغيير مجتمعاتهم واقتصادهم، من خلال عملنا معًا كفريق. حينها بدا الأمر كما لو إنه ضغطة زر، بدأنا نرى التحفيز وفريق العمل ينموان بشكل كبير بسبب الهدف الأكبر الذي طمحنا إليه، قادنا ذلك الهدف للأرقام، صار النمو نتيجة بدلاً من أن يكون غاية”.

 

عقلية الوسطاء:

يدرك القادة بعقلية الوسطاء أن بناء العلاقات والشبكات هو العملة الجديدة التي تقود فاعلية المنظمة بالاقتصاد الجديد، يأخذ الوسطاء هذا الأمر كأساس لهم، فهو يصف كيفية عملهم. إنهم يجمعون بإستمرار ما بين مُلاك الأسهم من داخل الشركة ومن الخارج على السواء. يُدرك الوسطاء أن القوة تكمن في إنشاء حس بالجماعية والانتماء، وهما أمران مهمان جدًا في عالم اليوم مُتسارع الخطى، حيث إنه من السهل فقدان التواصل الإنساني.

يمكنكم أدناه رؤية الكيفية التي وضحت بها لوري بير، وهي كبير مسؤول المعلومات العالمي لـ JPMorgan Chase، أهمية إمتلاك عقلية الوسيط:

بما أن عالم الشركات أصبح أكثر واقعية ونماذج الأعمال أكثر رقمية، فالمفتاح الذي يحدد النجاح المستدام هو ليس القوة الحسابية للشركة بقدر ما هو كفاءة العلاقات التي شكلناها”.

 

عقلية المُستكشفين:

القادة بعقلية المُستكشفين فضوليون ومبدعون، ويعملون جيدًا برغم ضبابية الأمور أحيانًا، إنهم ينخرطون بالتجريب المُستمر والتعلم من خلال الاستماع للعديد من الأصوات المتنوعة. تتضمن الدلالات القوية على عقلية المستكشف تأسيس معايير سلوكية تتقبل وتُشجّع فعلًا على المخاطرة وحتى على الفشل، ودلالات أخرى كالتوجيه العكسي والفضول العميق حول تشكيل القوى الجديدة لبيئة المنافسة.

وضح دان شابيرو (Dan Shapero)، وهو نائب رئيس الحلول العالمية على لينكد إن، معنى امتلاك عقلية المستكشفين:

“أنا لا أعلم من أين يأتي الفضول أو الشغف، لكن لو كان بإمكانك بيعه فإني سأشتريه. إنه لشيء ذو قيمة كبيرة -مع تغير الأشياء بسرعة كبيرة- أن تملك في فريقك أناسًا يحاولون كل يوم فهم العالم من حولهم بشكل أفضل”.

 

في الاقتصاد الجديد، القادة الذين يصوغون الأساليب بهذه العقليات الجديدة يطمحون لإعادة تخيل ما يجب أن تكون عليه القيادة الناجحة، إنهم أقل تمسكًا بصورة القائد-البطل- وأكثر تركيزًا على بناء مجموعة رائعة من القادة على جميع الأصعدة في منظماتهم، بفعل ذلك؛ يدلوننا على إستنتاج أن بناء كفاءة قيادية مُشتركة هو الطريق الأمثل والأقوى لتحقيق التنافسية في عالم اليوم سريع الخُطى.

المصدر
mit.edu

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق