عام

كيركيغارد وتفاهة الانشغال الدائم

  • جاك مادن
  • ترجمة: امتنان الدغيشم
  • تحرير: محمد عبيدة

يرى الفيلسوف الدنماركي سورين كيركيغارد من القرن التاسع عشر أن الانشغال الدائم رذيلة؛ وهذا المقال يستكشف حججه، ويناقش السؤال التالي: لماذا يكون الانتباه إلى نفسك أمرا بالغ الأهمية، حتى عندما لا يتوفر لديك إلا الحد الأدنى من الوقت؟

أأنت مشغول اليوم وغارق بالمواعيد؟ يعد عدم توفر الوقت أحد أعراض الحياة العصرية، وغالبًا ما ينظر للانشغال بوصفه علامة على شرف المنزلة؛ لكن الفيلسوف الدنماركي سورين كيركغور (1813 – 1855) يرى أن الانشغال ليس سوى تفاهة ورذيلة.

في أطروحته بالغة الذكاء 1843 “إما / أو: شذرة من الحياة” كتب كيركغور:

“إن الأكثر تفاهةً من بين كل الأمور التافهة هو أن أصبح مشغولًا؛ أن أصبح شخصًا مهمومًا بشأن طعامه وعمله. ولذا، كلما رأيت ذبابة استقرت في اللحظة الحاسمة على أنف أحد هؤلاء، أو إذا لُطخ بالطين من جراء عربة مرت بسرعة بجانبه، أو فُتح الجسر من أمامه، أو سقط قرميد أرداه ميتًا، أضحكُ بحرارة”.

يعتقد كيركغور أن الضحك يشكل الاستجابة المناسبة للشخص المشغول، لأنه الوسيلة المثلى لتقليل أهميته الذاتية.

وفي الواقع، يملأ الأشخاص المشغولون وقتهم بغطرسة، ويجدون دائمًا أشياء ليقوموا بها – لدي الكثير من العمل – لكن هذا النشاط الذاتي مجرد وسيلة تافهة للهروب -كما قرر كيركغور-؛ إنهم أشخاص يستغلون جداول أعمالهم لتجنب مواجهة الفراغ، ولإلهاء أنفسهم عن الأسئلة المهمة حقًا، مثل: من هم وما هو هدف حياتهم؟

“كل شيء مهم، ولكن لا شيء ذو أهمية”؛ لقد وصل الأشخاص المنشغلون إلى هذا الحد من التفاهة.

 

ولكن ماذا لو كنت مشغولًا؟

قد يُقال: ليس كل شخص مشغول يكون مشغولًا باختياره، فأحيانًا تحتد الظروف فيصبح الوقت ضيقا بشدة وذا قيمة. لكن، بعد يوم حافل وطويل، لا يكون التفكير فيمن أنت وما هي حياتك على رأس قائمة مهامك، بل تُفضل الاسترخاء والاستلقاء أمام التلفاز. ولكن لا ننسى تشخيص كيركغور لـ “الشخص التعيس”، والذي جاء في فصل لاحق من كتابه، حيث يقول:

“الشخص التعيس هو الشخص الذي يقع نموذج حياته ومضمونها وكامل وعيه وجوهر وجوده -بطريقة ما- خارج نفسه؛ فالرجل التعيس غائب دوماً عن نفسه، ولا يكون حاضرًا لنفسه أبداً”.

إن استثمار كل ما لديك في الفعاليات الخارجية، أو في الأشخاص، أو في الأشياء، لهو وسيلة مضمونة للتعاسة، كما يرى كيركغور.

من المهم أن تركز على نفسك، وأن تكون حاضرًا لاحتياجاتك ورغباتك الخاصة، وأولى خطوات الوصول إلى كيف تجعل حياتك أقل “انشغالاً”: هي فهم ما يهمك، ومعرفة ما الذي يجب التخلص منه، وما الذي يجب أن توليه اهتمامك ورعايتك.

إذن: من أنت وما هو هدف حياتك؟

 

قراءة متعمقة

إذا كنت تريد استكشاف كيركغور أكثر من ذلك، فإن كتابه ” إما/أو: شذرة من الحياة” يمثل نقطة انطلاق رائعة، فهو عبارة عن عمل رائع في مجال الازدواجية، كُتب القسم الأول من الكتاب من منظور شاب جميل وقاس يحمل الاسم “أ”؛ أما الثاني، فهو من منظور القاضي فيلهلم الأخلاقي والعقلاني.

يدعونا كيركغور إلى استكشاف مواضيع مثل الملل، والرومانسية، والمعنى، والثقافة، انطلاقا من هذين المنظورين اللذين يبدوان متعارضين، ومن غير الممكن التوفيق بينهما. كما كتب بعض النثر المشوق والبارع جدًا، والذي لا ينسى. وبالتالي، فمرافقته في هذا الكتاب وسيلة مثلى لكسر الانشغال.

اقرأ ايضًا: أربعة أسباب غير متوقعة لمتلازمة الاحتراق النفسي

أعجبني المقال

المصدر
philosophybreak

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى