العلم

كارل بوبر وقابلية الدحض

  • مايكل زيريلا
  • ترجمة: هبة المسلم
  • تحرير: بلال الخصاونة
  • مراجعة: أروى الشاهين

“ملايين التجارب الناجحة لا تستطيع إثبات صحة نظرية ما. بالمقابل، تجربة فاشلة واحدة يمكنها إبطالها”.

قد تكون سمعت شخصًا ما يستخدم هذه المقولة المبتذلة، يريد بها وصف الطريقة العلمية على أنها منهج صارم، ومناسب للفهم الصحيح للطبيعة. فجذور هذه المقولة تعود للفيلسوف (كارل بوبر) الذي قدم معيارا للحقيقة العلمية سماه (قابلية الدحض) في منتصف القرن العشرين. قد لا يكون مفاجئًا أن أراء كارل بوبر شائعة بين أنصار العلم؛ لكن إن قررنا اتباع نظرية قابلية الدحض كما قصدها الفيلسوف، فسنجد أن جوهرها خاطئ! فالنقطة المركزية في نظرة الفيلسوف للبنية المنطقية للاكتشاف العلمي لا تستطيع الوقوف في وجه التمحيص، مع أنّ بعض أجزاء المقولة أول الفقرة قد تبقى متماسكة.

نقد الفيلسوف بوبر بعض المجالات العلمية -أو التي رأى أن تسميتها “علمية” محض خطأ- في سلسلة من الأعمال المشهورة بدأها أواخر خمسينيات القرن الماضي، حيث وصفها بأنها تفتقر إلى الصرامة العلمية. بدا له أن الباحثين كانوا شديدي التركيز على إيجاد براهين تثبت نظرياتهم المفضلة، بدلاً من تعريضها لمحاولات الدحض والعثور على أدلة مضادة لها. فعلى سبيل المثال، علم النفس الفرويدي (نسبةً إلى سيجموند فرويد) زعم أنه نجح تماما بعد ما تبين أن مجالاً واسعًا من السلوك الإنساني يمكن تفسيره باستخدام النظرية الفرويدية في اللاوعي. لكن كما أشار الفيلسوف كارل بوبر، هو أنه يجب علينا الشك في ذلك النجاح المفترض بعد إدراكنا أن تلك النظريات مبهمةٌ جدا، ومرنة بحيث يمكن تشكيلها لتفسير أي سلوك إنساني يمكن تصوره.

أطلق بوبر على تلك النظريات أنها غير قابلة للتكذيب أو الدحض. وجادل أنه على النظرية العلمية أن تخبرنا بما “لن يحدث” بدلاً بما “سيحدث”، وإن فشلت محاولات متكررة لرصد ظاهرة تدحض النظرية، حينها فقط يمكننا قول إن النظرية اجتازت اختبارا حرجًا، واستحقت بعض الإشادة العلمية. لم يكن للنظرية الفرويدية القدرة على اجتياز هذا النوع من اختبارات الدحض، مما يعني أنها -وفقًا لبوبر- غير علمية.

إن آراء بوبر العلمية مدفوعة بتفضيله للمنطق الصوري، أي استخدام قضايا جزئية موجبة لدعم استنتاج كلي، وهذا الانتقال من الجزئي إلى الكلي يستوجب الاستعانة بالاستقراء. لكن الأمر المتفق عليه منذ زمن أن الاستقراء لا يمكن أن يثبت صحة استنتاج كلي عن الطبيعة إثباتًا حاسمًا. لكن على الجانب الآخر، عندما نستخدم القضية السلبية لدحض استنتاج كلي، فنحن نستخدم المنطق الاستنباطي، وعلى عكس الاستقراء، فالاستنباط يحقق دليلاً حاسمًا، من ثمّ نعود للمقولة المبتذلة المذكورة آنفًا في بداية المقال.

أدرك الفيلسوف بوبر أنه لكي يتسنى لأسلوب (قابلية الدحض) أن يكون تمثيلاً دقيقًا للتحقيق العلمي، يجب عليه أن يصف ممارسة علمية واقعية. من هذا المنطلق اختار الفيلسوف تجربة إدينجتون من عام 1919 ميلاديًا، التي لوحظ بها أن ضوء النجوم يتبع مسارًا منحنياً حول الشمس. نظرية نيوتن[1] الفيزيائية السائدة في ذلك الوقت تقول -قضية كلية- أن الضوء لا يتبع مسارًا منحنياً أبدًا عبر الفراغ، ومع ذلك رُصدت هذه الظاهرة. وفقًا لبوبر فالمشاهدة وحدها كانت كافيةً لدحض نظرية نيوتن، مما مكن نشأة نظرية النسبية العامة لآينشتاين.

إن كان وصف بوبر للتفكير العلمي صحيحًا، فستكون حادثة عام 1919 ميلاديًا دعمًا هائلاً لأسلوب قابلية الدحض. لكن اكتُشِف فيما بعد أن وصفه لم يوافق الممارسة العلمية تمامًا. حيث دافع المجتمع العلمي عن نظرية نيوتن آنذاك، حيث كانت مألوفة لهم وناجحة في نفس الوقت، بدلاً من رفضها مباشرةً. وأسندوا تلك الظاهرة إلى قدرات القياس المحدودة في ذلك الوقت، حيث يمكن أن هالة الشمس امتدت بعيدًا بما يكفي لعكس الضوء عندما يمر منها. بقي رأي المجتمع العلمي على ذلك، إلى أن أتت أعمال دقيقة وموثوقة، واستمرت بدعم نظريات آينشتاين بدلاً من نيوتن، فتحول المجتمع العلمي (تدريجيًا) إلى النسبية العامة. إن أردنا الدفاع عن الفيلسوف بوبر، فيمكن القول إن مناصري نيوتن عنيدون فحسب، وإن كانوا اتبعوا المنطق العلمي السليم للفيلسوف بوبر لرفضوا نظريتهم القديمة وتوقفوا عن محاولة تقديم براهين جنونية للدفاع عن نظرياته. سنذكر بعض الأمثلة لممارسات علمية صحيحة وأخرى خاطئة لا جدال فيها، لنكتشف لمَ يعتبر ذلك تشخيصا خاطئًا.

افترض أن طالبًا بفصل الكيمياء يجري تمرينًا مختبريًا، فوجد أنَّ سائلاً ما بأنبوب اختبار يفترض أن يتحول للون الأزرق. لكن بدلاً عن ذلك يتحول للأخضر، فيدعي الطلاب -اتباعا لمنطق بوبر- أنهم دحضوا النظرية السائدة في الكيمياء. هذه بالطبع ممارسة خاطئة لأن الاستنتاج متسرع للغاية. التفسير المعقول أن القائم بالتجربة أخطأ بشيء ما، وهذا ليس حكرًا على المبتدئين وحدهم. بعد أن قام علماء معهد سيرن للأبحاث بتشغيل مصادم الهدرونات الكبير على أقصى طاقة لأول مرة، فشلوا في إيجاد جسيم بوزون هيجز. ولو اتبعوا منطق بوبر، لاستنتجوا أن النموذج القياسي لميكانيكا الكم كان خاطئًا، وتوقفوا عن البحث. لكن مجددًا، لو حدث لكان هذا تسرعًا أهوج. لكنهم قرروا عوضًا عن ذلك استمرار البحث إلى أن يستنفدوا الأمور التي يمكن أن يلقوا عليها لوم فشل الأبحاث، كالمشاكل المتعلقة بالطريقة العملية والمعدات، وآتت جهودهم ثمارها بنهاية المطاف بشكل عظيم.

المشكلة الرئيسية بأسلوب التحري العلمي لبوبر (قابلية الدحض) أن عملية الاستنتاج لا يمكن أن تعطينا تفنيدًا واضحًا لنظرية ما. يوجد دائًما احتمال لصحتها، وإمكان وجود تفصيلة خاطئة بالتجربة نفسها هي المسؤولة عن نتائجها السلبية. قد يكون الفيلسوف على صواب حين أصر على وجوب تعريض النظريات العلمية لاختبارات تفندها، لكنه تمادى حين أصر أن الممارسات العلمية ما هي إلا عملية إقصاء مستمر.

لعله يجب علينا أن نصوب المقولة المبتذلة المذكورة بداية المقال لتصبح كالتالي: (ملايين التجارب الناجحة لا يمكن أن تثبت صحة نظرية ما، لكن تجربة فاشلة “يمكن” أن تثبت خطأ النظرية، أو أن خطأً ما حدث في التجربة، أو أنه حدث شيءٌ آخر وغير متوقع). هذه مقولة طويلة جدًا ومربكة لوصف الطريقة العلمية، لكن الطبيعة التي نصوغ النظريات عنها تبدو لنا مربكة أيضًا. لذا، لربما علينا ألا نتوقع أن يكون استكشافنا لها مختلفًا عن ذلك.

اقرأ ايضاً: التطور نظرية فنّدتها الحقائق


[1] في الواقع لا تنفي نظرية نيوتن ذلك وإنّما نظرية ماكسويل الكهرومغناطيسية، لكنه يقصد الفيزياء الكلاسيكية و أبرز أعلامها نيوتن. لكن من نظرية نيوتن نستنتج ان الضوء لا يُجذب من الاجرام لأنه لا كتلة له وهذا التصور النيوتوني هو المفند من تجربة ادينعتون لا استقامة مساره في الفراغ إذ تلك نظرية أخرى.

أعجبني المقال

المصدر
1000wordphilosophy

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى