تقارير ودراسات

مئتا بحث، خمس فرضيات، بدون إجابات واضحة!

 

كم من الحكمة لدى الجماهير العلمية؟!

  • كريستي أشواندين
  • ترجمة: ميساء العثمان
  • تحرير: لطيفة الخريف

 

إذا كان العلم وسيلة موضوعية للبحث عن الحقيقة، فهو يتطلب أيضًا أحكامًا بشرية. دعنا نقول إنك طبيب نفسي صاحب فرضية تقول: (ربما تفهم الناس أنهم قد يكونون متحيزين بطرق غير واعية ضد المجموعات التي توصم بالعار؛ سوف يعترفون بذلك إذا سألتهم). قد تبدو تلك فكرة بسيطة ومباشرة – سواء كانت فكرة صحيحة أو لا. لكن أفضل طريقة لاختبارها ليست واضحة بالضرورة. أولاً، ماذا تقصد عند وصف موقف ما بأنه صورة نمطية سلبية؟ ما هي هذه المجموعات التي تتعرض للوصم التي تتحدث عنها؟ كيف ستقيس مدى إدراك الناس لمواقفهم الضمنية، وكيف ستقيس استعدادهم للكشف عنها؟

يمكن الإجابة عن هذه الأسئلة بعدة طرق مختلفة؛ وهذا بدوره قد يؤدي إلى نتائج مختلفة إلى حد كبير. تثبت هذه النقطة تجربة جديدة في تعهيد الجمهور [1]crowdsourcing – تضم أكثر من 15000 شخص و 200 باحث في أكثر من عشرين دولة. عندما صممت فرق البحث المختلفة وسائلهم الخاصة لاختبار نفس مجموعة أسئلة البحث، توصلوا إلى نتائج مختلفة، بل متعارضة في بعض الحالات.

تعد دراسة تعهيد الجمهور بمثابة عرض دراماتيكي لفكرة نوقشت على نطاق واسع في ضوء أزمة القابلية للتكرار – الفكرة التي يتخذها الباحثون في القرارات الشخصية أثناء تصميم دراساتهم يمكن أن يكون لها تأثير هائل على نتائجهم المرصودة. سواء من خلال المسح الكلي أو من خلال الخيارات التي يتخذونها أثناء تجولهم في المسارات المتفرعة، ربما دفع الباحثون عن قصد أو عن غير قصد نتائجهم نحو استنتاج معين.

كان المؤلف الرئيسي الجديد للورقة العلمية، عالم النفس إريك أولمان في إنسياد في سنغافورة، قد قاد في السابق دراسة أعطت مجموعة واحدة من البيانات لـ 29 فريقًا بحثيًا، وطلب منهم استخدامها لإجابة سؤال بحثي بسيط: “هل يقدم حكام كرة القدم البطاقات الحمراء للاعبين ذوي البشرة الداكنة أكثر من اللاعبين ذوي البشرة الفاتحة؟”. ومع أن تحليل البيانات متطابق، إلا أنه لم يأت أي فريق بنفس الإجابة بالضبط. في هذه الحالة، مع ذلك، أشارت نتائج المجموعات بشكل عام إلى نفس الاتجاه.

أظهرت دراسة البطاقة الحمراء كيف يمكن للقرارات المتعلقة بكيفية تحليل البيانات أن تؤثر على النتائج، لكن أولمان تساءل أيضًا عن كثيرٍ من القرارات الأخرى التي تدخل في توصيات الدراسة. لذلك بدأ هذه الدراسة الأخيرة، وهي دراسة أكبر وأكثر طموحًا، والتي ستنشر في النشرة النفسية (تبادل البيانات والمواد يكون علنيًّا عبر الإنترنت). بدأ المشروع بخمس فرضيات جرى اختبارها بالفعل تجريبياً والتي لم تنشر النتائج عليها بعد.

بعيداً عن فرضية الارتباطات الضمنية الموصوفة أعلاه، إلا أنها تعلقت بأمور مثل كيفية استجابة الناس لتكتيكات التفاوض العدوانية، أو ما العوامل التي تجعلهم أكثر استعدادًا لقبول استخدام أدوية تحسين الأداء بين الرياضيين. قدم أولمان وزملاؤه أسئلة البحث نفسها لأكثر من عشرة فرق بحثية دون إخبارهم بأي شيء عن الدراسة الأصلية أو ما وجدته.

ثم أنشأت الفرق تجاربها الخاصة بصورة منفصلة لاختبار الفرضيات وفقًا لبعض المعايير المشتركة. سيتعين إجراء الدراسات عبر الإنترنت، مع مشاركين عشوائياً في مجموعة عامة. شُغِّل كل تصميم بحثي مرتين: مرة على الموضوعات التي سُحبت من Amazon’s Mechanical Turk ثم مرة أخرى على مجموعة جديدة من الموضوعات التي عُثر عليها من خلال شركة مسح تدعى Pure Profile

تُظهر المواد الدراسية المنشورة مقدار التباين في تصاميم البحث. ففي اختبار الفرضية الأولى، على سبيل المثال، أن الناس يدركون تحيزاتهم اللاواعية ، طلب فريق واحد ببساطة من المشاركين تقييم موافقتهم على العبارة التالية: “بصرف النظر عن معتقداتي الصريحة (أي الواعية) بشأن المساواة الاجتماعية، أعتقد أنني أمتلك الارتباطات السلبية التلقائية (أي اللاوعي) تجاه أفراد الفئات الاجتماعية الموصومة”. بناءً على إجابات هذا السؤال، خلصوا إلى أن الفرضية كانت خاطئة: لا يفصح الناس عادة عن إدراك وجود صور نمطية سلبية ضمنية.

اختبر فريق آخر نفس الفرضية من خلال مطالبة الأشخاص بتحديد هويتهم مع حزب سياسي، ومن ثم ترتيب مشاعرهم حول عضو افتراضي في حزب المعارضة. باستخدام هذا النهج، وجدوا أن الناس على استعداد تام للإبلاغ عن الصور النمطية السلبية الخاصة بهم. بينما عرض فريق ثالث صورًا لرجال ونساء من البيض أو الأسود أو يعانون من زيادة الوزن (وكذلك من الجِراء أو القطط) على مجموعة من الأشخاص، وطُلب منهم تقييم رد فعلهم “الفوري بجرأة تجاه هذا الشخص”. وأظهرت نتائجهم أيضًا أن الناس قد تعاملوا بالفعل مع وجود روابط سلبية مع أشخاص ينتمون إلى مجموعات موصومة.

عندما انتهت الدراسة، وجدت سبع مجموعات أدلة تؤيد الفرضية، بينما وجدت ست مجموعات أدلة ضدها. حين تؤخذ كل البيانات مجتمعة، فإنها لن تدعم فكرة أن الناس يتعرفون على ترابطاتهم الضمنية الخاصة بهم ثم يروونها. ولكن لو أنك رأيت نتائج من تصميم مجموعة واحدة فقط، فسيكون من السهل التوصل إلى نتيجة مختلفة.

وجدت الدراسة نمطًا مشابهًا لأربع فرضيات من أصل خمس: فرق بحثية مختلفة أنتجت تأثيرات ذات دلالة إحصائية في اتجاهين متعاكسين. حتى عندما قدّم سؤال بحثي إجابات في نفس الاتجاه، كان حجم التأثيرات المبلّغ عنها موجودًا في كل التفاصيل. قدّم أحد عشر فريقًا من أصل 13 فريقًا بيانات تدعم بوضوح الفرضية القائلة بأن العروض المبالغ بها تجعل الناس أقل ثقة في التفاوض، على سبيل المثال، في حين أن النتائج التي توصل إليها الاثنان الآخران كانت توحي بنفس الفكرة. ولكن وجدت بعض المجموعات أن العرض المبالغ به كان له تأثير كبير على الثقة، بينما وجد آخرون أن التأثير كان ضئيلًا للغاية.

تقول آنا دريبر، خبيرة اقتصادية في كلية ستوكهولم للاقتصاد ومؤلفة في المشروع، إن مغزى القصة هنا هو أن دراسة معينة لا تعني الكثير. “نحن الباحثون بحاجة إلى أن نكون أكثر حذراً الآن في كيفية قولنا: لقد اختبرت الفرضية”، وعليك أن تقول: “لقد اختبرت ذلك بهذه الطريقة المحددة للغاية، وما إن كانت قابلة للتعميم على سياقات أخرى فإن هذا يظل مرهونًا بإجراء المزيد من الأبحاث”.

هذه المشكلة -وهذا النهج لعرضها- ليست الوحيدة من نوعها في علم النفس الاجتماعي. بصورة مشابهة طلب أحد المشاريع الحديثة من 70 فريقًا اختبار تسع فرضيات باستخدام نفس مجموعة البيانات لصور الرنين المغناطيسي الوظيفية. لم يستخدم أي من الفريقين نفس الأسلوب بالضبط، وتباينت نتائجهم كما هو متوقع.

إذا كان المرء يحكم فقط على نتائج هذه المشاريع، فقد يكون من المعقول تخمين أن المواد العلمية ستكون مجموعة من النتائج المتعارضة. (إذا وصلت مجموعات بحثية مختلفة في كثير من الأحيان إلى إجابات مختلفة لنفس الأسئلة، فيجب أن تمتلئ المجلات بالتناقضات.) بالمقابل، فإن العكس صحيح. المجلات مليئة بالدراسات التي تؤكد وجود تأثير افتراضي، في حين تستبعد النتائج الخالية في أدراج الملفات. تفكّر في النتائج الموضحة أعلاه حول فرضية التحيز الضمني: وجدت نصف المجموعات أدلة لصالحها بينما وجد النصف الآخر أدلة ضدها. لو أن هذا العمل نُفّذ في نطاق النشر العلمي، لحظيت الأولى بالقبول في الأوراق العلمية الرسمية، في حين أن الباقي سيُدفن ويُتجاهل.

تشير برهنة أولمان وزملاؤه إلى أنه ينبغي اختبار الفرضيات بطرق متنوعة وشفافة. يقول دوروثي بيشوب، عالم النفس بجامعة أكسفورد: “نحتاج إلى إجراء مزيد من الدراسات في محاولة لإلقاء نظرة على نفس الفكرة بطرق مختلفة”. بهذه الطريقة، يمكنك حقًّا “توضيح كم هي صلبة قبل أن تقفز لأعلى ولأسفل وترقص الرقصة الكبيرة حولها.”

اقرأ ايضاً: التطور: نظرية فنّدتها الحقائق

 

[1] عملية الاستفادة من الجماهير للحصول على مجموعة معينة من المعلومات.

المصدر: wired

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى