الدين

اليوم الآخر.. قراءة جديدة

(اليوم الحاضر) و(اليوم الآخر).. هل لليوم الآخر دور في تعزيز الهوية وحماية حقوق الإنسان؟

  • الخضر سالم بن حليس
  • تحرير: حنان عاطف

التناولات الكثيرة والمساحات الواسعة لقضايا (اليوم الآخر) في القران الكريم والسنة النبوية، تجعلنا نلتفت جيدا لهذا الطرح المكثف ونتساءل عن البرمجة التي يود الوحي الإلهي غرسها في الذهن البشري.

ذكر القرآن الكريم (اليوم الآخر) بصورة مكثفة، فذُكرت (الآخرة) بنحو (114) مرة. و(اليوم الآخر) بنحو (26) مرة. أما أسماء اليوم الآخر وتفاصيل أحداثه فقد احتلت مساحة كبيرة جدا، مما يُحدث في عقل القارئ برمجة قوية جدا يصعب تجاهلها، وترسم في مخيلته صورة دقيقة لمجريات أحداثه بطريقة شمولية واسعه. فضلا عن السنة النبوية التي بثت حشدا هائلا في ثنايا أحاديثها الصحيحة عن تفاصيل ذلك اليوم.

ويرصد الخطاب القرآني لقطات دقيقة مصورة عن اليوم الآخر من خلال تسمياته المختلفة (يوم الدين، يوم القيامة، يوم الحسرة، يوم البعث، يوم الفصل، يوم التلاق، يوم الآزفة، يوم الحساب، يوم التناد، يوم الجمع، يوم الوعيد، يوم الخلود، يوم الخروج، الدار الآخرة، الآخرة، الساعة، يوم التغابن، الواقعة، الحاقة، القارعة، الطامة الكبرى، الصاخة، الغاشية).

و(اليوم الآخر) قضية هامة من قضايا الفكر العقدي الإسلامي، فهو يمثل حركة انتقال كاملة إلى عالم آخر مختلف الأفكار والمفاهيم. والتركيز على ذلك التحول ورسم معالمه مبكراً في (اليوم الحاضر)؛ هو لتثبيت قناعات، ورسم تصورات كاملة عن طبيعة المستقبل القادم، وضرورة بناء فكرة كاملة عنه.

إن الإبصار في (اليوم الحاضر) هو امتداد للإبصار في (اليوم الآخر)، قال تعالى: ﴿وَمَن كانَ في هذِهِ أَعمى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعمى وَأَضَلُّ سَبيلًا﴾ [الإسراء: ٧٢]. وفي هذا التناول الثري في مفردات الحضارة الإسلامية بمصادرها المعرفية العليا، القرآن الكريم، والسنة النبوية، وإضافة لأدوار أخرى؛ يتكشف لنا دوران عظيمان يتجليان بين سطور تلك التناولات العميقة، ويُظهران في ثناياها البرمجة التي يود ذلك التناول المتكرر إحداثها في الذهن الإنساني.

 

– الدور الأول: تعزيز الهوية وتعميق الانتماء: (إذا لم يكن هناك مستقبل فلا قيمة للحظة الحاضرة.)

(اليوم الحاضر) و(اليوم الآخر)، هذا الدور يتجلى في تناولات الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية لكلا اليومين.

فيكشف لنا النص القرآني في سورة الروم طبيعة الانشغال بالحضارة المادية، والاستغراق في تعاطي هذا الطرح الأحادي الخاص بـ(اليوم الحاضر)، وانعدام الرؤية والغفلة الشديدة عن قضايا (اليوم الآخر) وتفاصيله، يقول الله تعالى: ﴿يَعلَمونَ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنيا وَهُم عَنِ الآخِرَةِ هُم غافِلونَ﴾ [الروم: ٧].

إن الإغراق الظاهر في تفاصيل المادة المشهودة أفقد المستغرقين النظر إلى عالم الغيب وهي نتيجة طبيعية حتمية، فقد اتجهت العقلانية لاستبعاد الوحي من مصادر المعرفة الإنسانية، فظلت تحاول تقحم مناطقه المجهولة بأدواتها القاصرة دون وصول، فعادت لإنكارها حين ارتدت نتائجها خائبة حسيرة.

في محاضرة له بالقاهرة عام 1983م يقول المفكر الفرنسي المسلم روجيه جارودي: “الحضارة الغربية تموت؛ لأنها تفتقر إلى الغايات”.

ويتساءل الباحث البريطاني (كولن ولسون) في كتابيه المعروفين (اللامنتمي) و(سقوط الحضارة)، إلى أين يريد أن يصل الغرب بالإنسان؟ ثم أجاب: “لقد امتلكوا العالم” ثم “ماذا بعد؟”.

لقد أغرقوا في (اليوم الحاضر) لكن لا جود في مفرداتهم (لليوم الآخر). وهذا جعل الإنسان الغربي في حالة قلق وضيق وتخبط وانتحار. إن الحضارة الإسلامية بهذا التناول الثري تغرس الأمل في النفس من خلال رسم ملامح المستقبل القادم، بينما الحضارة الغربية تنشر الإحباط واليأس في نفوس معتنقيها حيث المجهول والعدم السحيق والقلق الخائف.

تلك الوجودية العدمية التي قادها “سارتر وكامو” حيث صورا الإنسان الحر كائنا قلقا معزولا محطما، لا يرى سبيلا إلى حريته غير تحطيم حريات الآخرين، والتي أوحت للإنسان أن يعبث بقوانين الكون وسنن الحياة. وطالما أن مصيره مجهولا، ومستقبله النهائي منعدما؛ فليعش في حدود لحظاته الحاضرة مستخدما كل ما يمكنه الوصول إليه، من كسر للقيود وتحطيم لقوانين الكون.

ويحكي الفيلسوف الفرنسي الكبير روجيه جارودي ظاهرة العزلة التي يعيشها الإنسان الأوروبي المعاصر، فيقول: “الإنسان في مجتمعاتنا الأوروبية محكوم عليه بالعزلة والانفراد عن باقي الناس، بفردانية لا تزال تتفاقم منذ عصر الفاتحين[1] حتى الانحطاط الأخير للجماهير المنعزلة بسبب اتساع منافسات اقتصاد السوق الوحشية”.[2]

إن الحضارة الإسلامية تدعو لاستثمار (اليوم الحاضر) والتخطيط لليوم الآخر، قال تعالى: ﴿وَلتَنظُر نَفسٌ ما قَدَّمَت لِغَدٍ﴾ [الحشر: ١٨]. وهنا يتجلى موضوع تعزيز الهُوية المعرَّضة للذوبان، وسط جيل اليوم الذي يتعرض لتضليل فكري ثقافي، وتوجيه يدعوه للتخلص من حضاريته الأبدية، وميراثه المتين، والتلبس بحضارة قاصرة لاتدرك أبعاد فطرة الإنسان، وتبتعد عن مقاصد وجوده على هذا الكوكب.

إن ثلاثية (التوحيد والتزكية والعمران) التي استهدفها الوحي الإلهي بشقيه، تعبر عن مدى التوازن الذي تود الحضارة الإسلامية إحداثه في عمق الإنسان. وهذا التوازن يلبي حاجة الروح والمادة التي يتكون منها هذا الإنسان، هذه الثنائية التي لم يستطع الفكر الغربي تصورها جيدا؛ فتاه في أحادية متطرفة، كما عبر عنها الرئيس علي عزت بيجوفيتش في كتابه الرائع (الإسلام بين الشرق والغرب).

 

– الدور الثاني: حفظ حقوق الإنسان

قدم الإسلام تصوراً دقيقاً مفصلا عن ذلك المستقبل، ورسم لنا تفاصيله ليضبط من خلال تلك التفاصيل مسار سلوكياتنا، وطبيعة تصرفاتنا، ومآلات الفعل البشري المكتسب على كوكب الأرض.

إن قضايا العدالة والظلم والحقوق في كل مجالات الحياة، تم ضبطها قرآنيا من خلال (اليوم الآخر)، فتطبيقات الفلسفة المادية في تصور الحضارة الغربية، تمنح الأقوياء صلاحية العبث بضعفاء البشرية، وتسويغ استعبادهم، والسيطرة الامبريالية على ثرواتهم، كما تحدث عن ذلك في أسىً نعوم تشومسكي، والمسيري، وعلي عزت بيجوفيش، وروجيه جارودي، ومالك بن نبي، وغيرهم.

أما مرسوم الحضارة الإسلامية فيعلن الوحي الإلهي الأخير للبشرية، أن هناك مستقبلا يقوم فيه الإنسان لرب العالمين، يحاسب فيه على جميع خطواته التي خطاها على ظهر الكوكب عبر مسيرة حياته الوحيدة الممنوحة له، وتكشف له كاميرات المراقبة عن تسجيل مصور له. ﴿وَوَجَدوا ما عَمِلوا حاضِرًا﴾ [الكهف: ٤٩].

إن محورية اليوم الآخر في الدرس العقدي الإسلامي، تلزم الإنسان بالانضباط الصارم لحفظ مصالح الإنسانية الفضلى، وتتناغم تلك المحورية مع التوازن الذي يمثل مبدأ الكون، فكلما اتزن الإنسان في تصرفاته وتصوراته؛ تناغم مع مبدأ الكون. ولن يحمله على هذا الاتزان من الوقوع في الشطط إلا توعده بأنه لن يفلت من يوم قادم في الانتظار.

بحث القرآن الكريم أحداث (اليوم الآخر)، بتفصيل دقيق، مصحوبا بكميات من الوعد والوعيد، والترغيب والترهيب، وهو ما يمثل ردعا قويا للسلوك الإنساني المنحرف، ومكافحة للأفكار المحركة له، وإيقافا لينبوع تدفقها.

ففي قضية اقتصادية تخل بميزان العدل، وتعبث بالحقوق المالية الإنسانية، يتوجه القرآن الكريم محذرا من مغبة ممارستها، مذكرا بالمستقبل المنتظر للفعلة المعتدين على حق الإنسان المالي، حيث يقول الله تعال: ﴿وَيلٌ لِلمُطَفِّفينَ  الَّذينَ إِذَا اكتالوا عَلَى النّاسِ يَستَوفونَ  وَإِذا كالوهُم أَو وَزَنوهُم يُخسِرونَ  أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُم مَبعوثونَ  لِيَومٍ عَظيمٍ  يَومَ يَقومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمينَ﴾ [المطففين: ١-٦].

وفي قضايا القيم والأخلاق، يدعو البشرية لتغليب نفسية التسامح بعيدا عن الأحقاد، وحب الانتقام في سنوات العيش على الأرض، فيقول تعالى: ﴿وَإِنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصفَحِ الصَّفحَ الجَميلَ﴾ [الحجر: ٨٥].

وغيرها من الأمثلة التي امتلأ بها الخطاب القرآني حماية لحقوق الإنسان، ووقاية لمحاولات الاعتداء عليها، وقطعا للأهواء الشريرة، والأفكار المنبعثة المحرضة على حقه في الحياة. ونلحظ ذلك جليا في تفاصيل العلاقات الاجتماعية والأسرية، التي تنشط فيها الاشتباكات وتتغول، فقد ذكّر القرآن بأن التوغلات الظالمة لن تمر دون حساب،كقوله تعالى في ثنايا قضايا الطلاق: ﴿وَإِذا طَلَّقتُمُ النِّساءَ فَبَلَغنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعضُلوهُنَّ أَن يَنكِحنَ أَزواجَهُنَّ إِذا تَراضَوا بَينَهُم بِالمَعروفِ ذلِكَ يوعَظُ بِهِ مَن كانَ مِنكُم يُؤمِنُ بِاللَّهِ وَاليَومِ الآخِرِ ذلِكُم أَزكى لَكُم وَأَطهَرُ وَاللَّهُ يَعلَمُ وَأَنتُم لا تَعلَمونَ﴾ [البقرة: ٢٣٢].

وفي القضايا الاقتصادية وموضوعاتها الشائكة عاد الخطاب القرآني محذرا ﴿وَاتَّقوا يَومًا تُرجَعونَ فيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفسٍ ما كَسَبَت وَهُم لا يُظلَمونَ﴾ [البقرة: ٢٨١].

إن هذين الدورين يُمثلان أمامنا بصورة رائعة في ثنايا الخطاب الإسلامي بشقيه الكتاب والسنة في موضوع (اليوم الآخر)، حيث تُمزج مكونات التوحيد بقضايا القيم، وتصبغ حركة الحياة بصبغة الله، بعيدا عن استهلاك مفردات الدرس العقدي، في أبعاد معرفية مصطلحية وتقسيمات مجردة، مبتعدا في طرحه الحاضر عن البعد القيمي الفاعل في حركة الحياة التي يخلط فيها الفكر بالإنفعال.


[1] أي المغامرين الإسبان الذين غزوا أمريكا

[2] روجيه جارودي، وعود الإسلام، ص64

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى