مراجعة كتب

أعمال جوزيف لوري عن الشافعي

  • إسماعيل العبودي
  • تحرير: أسامة خالد العمرات

قبل البداية:

في العقدين الأخيرين زاد اهتمام الجامعات الغربية -والأمريكية بالذات- بالدّراسات الشرعيّة خاصّة الأصولية منها، وشارك بعض الباحثين المسلمين بقسط جيد من هذه الرسائل، فهناك رسائل عن الآمدي والقرافي والرازي والشاطبي، ومواضيع العرف والمصلحة، والسنة والقرآن، وتخريج الفروع على الأصول، والفروق والتقليد المذهبي ومذهب الظاهرية وغيرها من المذاهب، ومن هذه المؤلفات أعمال جوزيف لوري عن الشافعي، ويرتكز اهتمامهم بمباحث أصول الفقه وتاريخ الفقه أكثر من اهتمامهم بالمسائل الفقهيّة الجزئية، خفت في هذه البحوث كثير من الاطلاقات التعسفيّة على الفقه والشريعة، إلّا أنّ جوزيف شاخْت وكالدر وجولدزيهر ما زالوا في الظل يوجّهون المسار البحثي، ولم تتعدّى هذه البحوث منطلقات شاخْت، وأوّل منطلق هو النظرة إلى الفقه الإسلامي من منطلق فقه اللغة (الفيلولوجيا)، وهي بطبيعتها ومنشأها متحيزة، وتبحث عن الجانب الإنساني (العلماني) والعقلي في أي تاريخ ثقافي تدرسه؛ ولذا، تقع في منزلقات لعدم اهتمامها بطريقة نظرة أهل هذه الثقافة أو الدين إلى أنفسهم، وهذا النّقد لا يلغي عمل هؤلاء كلياً، لكنه يضيئ مساحة تفيد في التفطن لمواطن الضعف في بعض تحليلاتهم وأحكامهم.

ليس من المبالغة القول إن جوزيف لوري أهم باحث اهتم بالإمام الشافعي ورسالته، فرسالته للدكتوراه عن رسالة الشافعي، وترجمت رسالة الشافعي للغة الإنجليزية وحققها أيضاً هنا، وكتب ستّة بحوث عن الشافعي؛ إلّا أنه لم يترجم ولم يراجع شيئاً من كتبه أو مقالاته في اللغة العربية، وهذا البحث يحاول أن يملأ هذا الفراغ، فيراجع مجمل عمل الرجل عن الشافعي، فيبدأ بكتابه ثم أهم بحوثه.

 

من هو جوزيف لوري؟

يحمل جوزيف درجة الدكتوراه من جامعة بنسلفانيا، درس القانون ومارس المحاماة، كتب رسالة للماجستير عن الإجماع عند الآمدي[1] تحت إشراف جورج مقدسي، والآن يعمل أستاذً مساعداً في قسم لغات الشرق الأدنى وحضاراته، ومن أهم مؤلفاته:

1- كتاب النظرية الفقهية الإسلامية المبكرة: رسالة محمد بن إدريس الشافعي

Lowry, J. (2007). Early Islamic Legal Theory: The Resala of Muhammad ibn Idris al-Shafi’i. Brill

 

في أول رسالته يرى لوري أن أهداف الشافعي من كتابة الرسالة هي: ترتيب مصادر الأحكام الشرعية، وتوضيح العلاقات بين النصوص والمصادر والترجيح عند التعارض، وتنظيم هذه المصادر مع مناهج استنباط الأحكام الشرعية في ضوء الوحي. تحوي الرسالة على سبعة فصول ومقدمة وملحق وخاتمة، يعقد الفصل الأول مفهوم البيان، والثاني مناهج الاستنباط، وفي الثالث السنة في الرسالة، والرابع القرآن في رسالة الشافعي، وفي الخامس تجد نظرية المعرفة عند الشافعي، والسادس عن الجدالات وأطرافها داخل الرسالة، وفي السابع الإجماع.

1-1 الفصل الأول: البيان

يرى لوري أنّ كتاب الرسالة للشافعي يدور حول مصطلح البيان، وهو التأكيد أنّ مصدر الأحكام الشرعية هو القرآن والسنة أو بالعلاقة ببعضهما، وبالإمكان ربط جميع أبواب الرسالة بمصطلح البيان. ثم ذكر الوجوه الخمسة النصية لبيان الأحكام الشرعية (ورد في القرآن، في السنة، في القرآن والسنة، ذُكر في القرآن ووضّحته السنة، لم يذكر في أيهما فيرجع فيها للاجتهاد).

من خلال هذا التعريف يتضح أنّ الشافعي يرى أنّ استنباط الأحكام الشرعية لا يصح إلّا من هذه الوجوه، أي من القرآن والسنة فقط، ثمّ ناقش مسائل علاقة القرآن بالسنة، ثم سأل سؤالاً: لماذا ركّز الشافعي في أغلب الأجزاء التي كتب فيها عن البيان على السنة وعلاقة السنة بالقرآن؟ ثم أجاب لوري عن هذا السؤال بأنّ القرآن مصدر للأحكام الشرعية، وأيضاً السنة تحوي أحكاماً شرعية أكثر مما يحوي القرآن لوحده.

في نقاش الشافعي للسنة، كثيراً ما أراد أن يردَّ فيه على المخالفين له ممّن لا يرى حجية السنة، فيقول إن السنة لا تأتي بما يعارض القرآن، بل بما يكمّله؛ ولهذا أمكن القول إن من أهدف الشافعي في الرسالة تثبيت حجية السنة في مقابل المخالفين.

بعد أن وضّح لوري مفهومه للبيان عند الشافعي، ناقش فهم بعض أراء الباحثين في الغرب للبيان، فرأى أن جورج جراف وخدوري وأركون وأحمد حسن وقعوا في مشكلة أنهم فهموا الشافعي من خلال المصادر الشرعية الأربعة (الكتاب والسنة والإجماع والقياس)، وكما بيّن هو سابقاً، لم يكن الشافعي يقصد بالبيان المصادر الأربعة، إنمّا الوجوه الأربعة، ورأى أن بورتونز هو الذي فهم معنى البيان بشكل متميز.

ناقش المؤلف المتأثرين بمفهوم الشافعي للبيان، واعتمد في هذا النقاش على بحث مونتقموري الذي ركز كثيراً على تأثر الجاحظ بمفهوم البيان عند الشافعي، وسمّى كتابه (البيان والتبيين)، ومدح الجاحظ لغة الشافعي، ويحتمل أنّه قد قابله، إلا أنّه من المتوقع أنّه قابل بعض تلامذة الشافعي، وكتب الجاحظ رداً عليهم في كتابه (النابتة).

ولإثبات تأثر الجاحظ بمفهوم البيان للشافعي، ذكر لوري أنّ تعريف كليهما للبيان يبدأ بكلمتي “اسمٌ جامعٌ …”، والعجيب أنّ الجاحظ قسّم البيان إلى خمسة أقسام كما قسّمها الشّافعي، زد على ذلك أنّ النوع الخامس للبيان عند الجاحظ هو النّسبة، وهي متقاربة مع الوجه الخامس عند الشافعي (الاجتهاد)، ومع كل هذه القرائن إلّا أنّ المؤلف يشعر بالحيرة من هذه العلاقة، بحكم أنّ هدف الشافعي والجاحظ مختلفان، فهذا يهتم بفهم الوحي، والأخر بالنظر البلاغي والتواصل بين الناس.

بعد هذا، ناقش لوري موقف الأصوليين ممّن أتى بعد الشافعي مِنْ فَهمه للبيان، فتطرق لنقد الجصّاص لمعنى البيان عند الشافعي، وعرّفه بأنّه: “البيان إظهار المعنى وإيضاحه للمخاطب منفصلا مما يلتبس به ويشتبه من أجله”[2] وهذا التعريف هو الذي اُعتمد في علم أصول الفقه، والحسن السيرافي -مع أنه شافعي- إلّا أنّه اتّبع الجصّاص في تعريفه، وأشار إلى أنّ الباقلّاني ذكر أنّ ناقش البيان بكتاب هو مفقود الآن، وألمح إلى نقد الحسن البصري له، وأنّ الجويني أعاد توضيح بعض وجوه البيان، وذكر أنّ ابن عقيل الحنبلي فهم معنى البيان عند الشافعي جيداً إلا أنّه أخذ بتعريف الجصّاص.

الفصل الثاني: أدوات الاستنباط.

من الأدوات التي ذكرها لوري عند الشافعي هي ثنائيات العام والخاص، والنص والمجمل ثم النسخ، حيث أنّ أوّل الأدوات التي ناقشها هي العام والخاص، وقال إنّ من وظائف العام والخاص رفع التناقض بين القرآن والسنة، فما يذكره القرآن عاماً؛ يُذكر بالسنة خاصاً.

يقول لوري إنّ هذا المعنى اُستخدم عند الخليل وسيبويه في اللغة، وأيضاً عند الفراء في كتابه (معاني القرآن)، وفي كتاب (الخراج) للقاضي أبي يوسف، وأيضاً أبو عبيده القاسم بن سلام، والحارث المحاسبي. أما عند الأصوليين ما بعد الشافعي، فبالتأكيد كان العام والخاص مهماً، إلّا أنّ الشّافعي يعني بالعام والخاص معنىً مختلفاً عن بقية الأصوليين المتأخرين، فالشافعي ما زال مخلصاً لمشروعة كما بيّن في مفهومه للبيان، وهو العلاقة بين القرآن والسنة، فالعامّ والخاصّ أكثر ما يهمه هو نزع أي احتماليّة للتناقض بين القرآن والسنة، إلّا أنّ الأصولييّن قد يعنون بالعام بالقرآن فقط أو السنة فقط وليس بالعلاقة بينهما، يقول لوري أنّ كلّ الأمثلة الفقهيّة التي ذكرها الشافعي في الرسالة للعموم والخصوص هي من باب ذكر العامّ في القرآن وتخصيصه بالسنة.

في النسخ، عمل الشافعي كما عمل في العام والخاص، وهو محاولة إزالة التعارض بين الآيات من خلال النّسخ، لا يرى الشافعيّ أنّ السّنة تنسخ القرآن ولا العكس أيضاً، ومن الأسباب التي ذكرها لوري إنّ القول بجواز نسخ القرآن بالسنة نقض لمفهومه للبيان الذي يعني أنّ القرآن والسنة لا يتناقضان، وأنّهما مكملان لبعضهما، فلا يمكن فهم واحد منهما بمعزل عن الآخر.

وكما يقول لوري إنّ وظيفة النّسخ هو وضع قاعدة للنصوص التي تحمل أحكاماً متعارضة، ثم ضرَب مثالاً بمناقشة الشافعي لمسألة رجم الزاني، وربَطها بالسنة ثم ختم نقاشه بقوله إنّ النسخ سمح للشافعي أن يجمع بين القرآن والسنة، وأنهما يقولان بنفس الأحكام الشرعية، وأنهما يقومان بشكل متناسق لبناء الفقه.

ثم في أداة المجمل والنص، يفرق لوري بينهما كما يراه الشافعي، فالنص ما استغنى عن الحاجة للبيان، أمّا المجمل فهو ما يحتاج إلى بيان، ومصطلح التفسير يطلقه الشافعي ويريد به النص، وفرق الشافعي بين البيان والمجمل، حيث أنّه قد يرد نصٌّ في القرآن، إلّا أنّه يبيّن في السنة، مثل الصلاة، فهذا بيانٌ ليس بمجمل، والمثال: “فأقيموا الصلاة” نص وليس بمجمل، إنمّا السنة بينته.

ثم ذكر ثلاثة أنواع من الأحكام: ما ذكر في القرآن نصاً وكاملاً، بمعنى أنّه لا يحتاج بيان السنة، مثل صوم شهر رمضان. وما ذكر في القرآن والسنة. وما ذكر أغلب حكمه في القرآن نصاً وأكملته السنة مثل اللعان، فالتفريق بين المتلاعنين لم يذكر في القرآن، إنّما ذكر في السنة، إلا أنّ في القرآن ما يكفي لتبيين حكم اللعان ولم تضف السنة إلا الشيء القليل.

علّق لوري على مثال اللعان، أنّ هذا المثال في العلاقة المعقدة والمتشابكة في تبيين الحكم الشرعي بين القرآن والسنة، من الأمثلة القليلة التي وردت في رسالة الشافعي: ذِكْر أحكام زائدة في السنة على ما ورد في القرآن، وذَكَر الشافعي مثالاً بالوضوء، وخرّجها على ثلاثة أوجه، الأول: أنّه رُوي عنه صلى الله عليه وسلم أنّه توضأ مرة واحدة، وهذا وافق ظاهر القرآن، والزائد على الثّلاث سنة واختيار من المكلّف، الثاني: حديث الثلاث غسلات والصلاة ركعتين وأنّه يغفر له ما تقدم من ذنبه، فهذا فيه توضيح لحكم آخر، وهو غفران الذنب في صلاة ركعتين دون تحديث النفس. الثالث: لتوضيح هل المقصود بالغسل إلى المرفقين هل هو يشمل المرفقين أو إليهما وليس داخلاً فيهما، كان هذا فيما يخصَ النص.

أمّا فيما يخصُّ المجمل، يَذكُر لوري أنّ الشافعي ذكر أمثلة كثيرة للمجمل، وكتب في عنوان مبحث المجمل: التعبير عن الحكم الشرعي بالقرآن والسنة مجتمعين، ويقول أنّ المجمل مشابه لعمل الخاصّ والعامّ في التّداخل بين القرآن والسنة، فالسنة أحياناً تكون موضحة لما في القرآن، مثل الزواج بعد الطلاق الثلاث، فالسنة بيّنت أنّ العقد لا يكفي للحلّ، بل يجب الجماع لكي تحلّ للزوج الأول، أمّا الحالة الأخرى، فيقول لوري أنّ السّنة حوّرت في حكم القرآن، وذكر مثالاً من المواريث وهو أنّ آية المواريث لم تذكر أنّ قتل المورّث يمنع القاتل من الإرث، وأيضاً أوردت السّنة أنّ الرق من موانع الإرث، وتلك الحالتان لم ترد في آيات الميراث.

استنبط الشافعي من هذا الحكم، كما يقول لوري، أنّ النّص الذي له الحجيّة أن يغيّر في الحكم الشرعي الذي ورد في القرآن، فيجب أن تكون سنّة مؤيّدة بالوحي أيضاً، أمّا القاعدة الأخرى التي استنبطها الشافعي -بحسب لوري- إذا كانت السّنة غيّرت في حكم قرآني فمن باب أولى أن توضح حكم ورودها في القرآن، وأولى من ذلك أن تستقل السّنة عن القرآن بحكم شرعي، ويكون لزاماً على المسلمين اتباعه، هنا نستعيد كلام الشافعي عن البيان، بالأخص الأمور الثلاثة التي تنصّ على علاقة السنة بالقرآن، وكما يقول الشافعي “أحكام الله ثم أحكام رسوله لا تختلف”، يرى لوري أنّ العامّ والخاص قريبة جداً في المعنى للمجمل والنّص، واستخدمهنّ الشافعي في بعض المواضع بنفس المعنى.

في نهاية نقاشه للعام والخاص والمجمل والنص، وضح فرقاً بينهما من ناحية علاقتهما بالقرآن والسنة، فيقول إنّ العامّ كثيراً ما يأتي في القرآن وتُخصّصه السنة، في المقابل، فالقرآن يأتي نصّاً، فلا يحتاج إلى السنة، أمّا إذا كان مجملاً فتأتي السّنة وتوضحه، وقد تأتي السنة نصاً أيضاً.

خصّص المؤلف مبحثاً فيما يتعلق بأدوات الاستنباط، خاصة من الحديث، في هذا الفصل وضع المؤلف مسألة الأحكام المخصصة للاستنباط من السنة، يقول إنّ الجزء الأكبر من رسالة الشافعيّ مخصّصة للسنة ومباحثها، اهتم الشافعي كثيراً بمسألة حجيّة السّنة وبنى نظريّةً واضحةً ومهمّة في حجيّة السّنة، بل وعرض حجج الآخرين المعارضة لحجيّة السنة وردّ عليها، عرض الشافعي لعدة مسائل، اثنتان في العلاقة بين القرآن والسنة، مثلها للنسخ، ومثلهما في دلالة السّنة على التحريم أو الكراهة، وواحدة عن صحة الحديث، وقبل أن يذكر المسألة الأخيرة، علّق لوري على هذه المسائل بأنّها تتعلق بمفهوم البيان عند الشافعي، بأنّه ليس هناك تعارض في الوحي، أمّا المسألة الأخيرة فهي القياس في السنة ومتى يعتبر ومتى لا يعتبر.[3]

ثم ردّ الشّافعي على هذه الاعتراضات إجمالاً، أمّا علاقتها بالقرآن والسنة، فالسنة بالنسبة للقرآن هي إمّا موافقة أو مبيّنة، أمّا إذا استقلت بحكم فالله أمرنا بطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم.

أمّا في مسألة النّسخ، ردّ الشافعي بقوله إنّ النّسخ يقع في السّنة ويقع في القرآن، وأحال على نقاش سابق، ثمّ ردّ على اعتراض المعترض أنّ في السنة ما لا نعلم أيّهما الناسخ وأيهما المنسوخ، فردّ بردٍّ طويل، إلّا أنّه قال رحمة الله “أنه موتفق (هكذا في طبعة شاكر) صحيح لا اختلاف فيه”[4] وذكر بعض الاحتمالات منها أن بعضها يكون عاماً والأخر خاصاً[5]، أما رده على دلالة السّنة على الكراهة والتحريم، فقال: الأصل التحريم، ثم نافش القياس وصحة الحديث، ولخصهما لوري كما ذكرها الشافعي.

ثم عاد الشافعي -كما يقول لوري- لنقاش النسخ، وقال إنّ النّسخ ليس حلاً للتعارض بين الكتاب والسنة مثل الخاص العام، إنّما هو في تحديد المتأخر تاريخياً، وأيضاً، فليس الخاص والعام والنص والمجمل يأتي من باب حل التعارض، وتأكيد علاقة القرآن والسنة التداخلية والتفاعلية، يقول لوري إنّ الشافعي في ردّه على المناظر في مسألة التعارض بين نصوص القرآن والسنة، أعطى أمثلة كثيرة لعدم وجود التعارض، إنّما هو تفاعل، إلّا أنّه لم يعطِ مثالاً حقيقياً على التعارض، يقول المؤلف إنّ الشافعي أراد من نقاش هذه المسألة الأخرى تذكير القارئ أنّ الشريعة ليست نصوصاً متعارضةً، إنّما نصوص متناسقة مكملة لبعضها من خلال أدوات الاستنباط التي ذكرها، ويعيد التذكير أنّ عدم اعتبار السّنة فيما يتبادر إلى الذهن أنّه متعارض مع نصوص من القرآن؛ كان مبطلاً لعامة سنة رسول الله.

ثم ناقش المؤلف مختلف الحديث في الرسالة، وأشار إلى أنّ الشافعي يرى أن الاختلاف ظاهرياً وليس حقيقياً، وذكر أمثلة على أنّ الاختلاف ظاهري فقط وليس حقيقياً، ناقش لوري -ضمن مباحث مختلف الحديث- النهي في الحديث عند الشافعي، وأنّ النّهي قد يكون عاماً وقد يكون خاصاً، وضرب مثلاً بأوقات النهي عن الصلاة، مثل ما بعد العصر، فهناك على قول جواز الصلاة في بعض هذه الأوقات ذوات الأسباب، مثل ركعتي الطواف.

معرفة سبب التحريم يعين على فهم وتأويل الحديث، مثل النهي عن ادخار لحوم الأضاحي لأجل الدافّة أو الفقر، فحينما عرفنا سبب التحريم انتفى التعارض بين الحديثين، وهناك أيضاً نهي الكراهة، وفي النهاية يعيد الشافعي أنّ التعارض بين الأحاديث ليس حقيقياً. علّق لوري على عمل الشافعي مع باب النهي في الحديث بقوله إنّ الشافعي من خلال ما رأينا استخدم عدة أدوات استنباطية، في الحقيقة استدلالاته معقّدة ومتقنة وتراعي اعتبارات كثيرة في نفس الوقت.

بحث لوري أيضاً رأي الشافعي بالقياس والاجتهاد، في أول المبحث فرّق لوري بين استخدام الشافعي لمصطلح الاستدلال، وقال إنّه يدخل في الأوجه الأربعة للبيان، أمّا الاجتهاد فيدخل في النوع الأخير فقط. أمّا القياس فهو أخص من الاجتهاد، فالقياس يدخل بالاجتهاد، قد يعني الاجتهاد تقدير حكم معين بناءً على معلومات غير مكتملة، أمّا القياس فهو أداة واضحة المعالم.

أول مسألة ناقشها المؤلف هي علاقة الاجتهاد والقياس بالبيان، من أهداف الشافعي في البيان حصر باب استنباط الأحكام الشرعية ضمن قواعد البيان، وأيضاً بمفهومه للعلاقة بين الاجتهاد والقياس، وأنّهما بمعنىً واحد حاول أن يقيد الاجتهاد في القياس على النص، وذلك لإخراج الاستحسان من معنى الاجتهاد، ومن ثم إخراجه من البيان، استدل الشافعي على القياس بالاتجاه للقبلة، فهو ظنٌّ، ومع ذلك يجب على المسلم الاجتهاد في اتجاه القبلة، فهو اجتهاد مع الظن، والاجتهاد في معرفة الأحكام الشرعية يماثل هذا الاجتهاد في معرفة اتجاه القبلة، والإذن في الاجتهاد في تحديد اتجاه القبلة يدل صحّة الاجتهاد في معرفة الأحكام الشرعية. ويستدل الشافعي أن الله عز وجل لم يترك الناس سدى، فلم يجعل الناس بدون أحكام شرعية، وإذا لم يوجد نص في الكتاب والسنة؛ فنذهب إلى الاجتهاد ليتحقق معنى الآية.

ومثل الاجتهاد في اتجاه القبلة، إذا صلّى كل إنسان لاتجاهٍ حسب اجتهاده، مع أنّ صلاتهم صحيحة، إلّا أنّ واحداً منهم على صواب، والبقية مأجورون، إلّا أنّهم على خطأ، كذلك الاجتهاد في الأحكام الشرعية؛ واحدٌ من المجتهدين على صواب، والاجتهاد قد يكون إلى غير قياس، مثل الاجتهاد في اتجاه القبلة، وعدالة الشهود فيه لا تقاس على الحكم الشرعي، بناءً على كلام لوري، يرى الشافعي أنّ الاجتهاد يجب أن يعتمد على قاعدة ليكون صحيحاً.

يرى المؤلف أنّ الشافعي يقسم القياس إلى قسمين، الأول: قياس المعنى، وهو إلحاق حكم لم ينصّ عليه على معنى ورد في القرآن والسنة، والثاني: قياس الشبه، وهو إذا شابه الحكم شيئين، ألحق بأقربهما شبهاً، مثل الحكم في صيد المحرِم.

يستخلص لوري نتيجة من القياس، أنّ الأحكام الشرعية بالضرورة متناسقة بقوة بين سياساتها العامة وأحكامها التفصيلية؛ ولذلك جاز قياس جزئيٍّ على جزئيٍّ؛ لأنّها بالضرورة علاقة سياسة عامة شرعية، وهذه النتيجة التي توصّل إليها -يقول- أن تستجيب لقاعدة الشافعي في البيان وأنّ النصوص الشرعية لا تتعارض، وأنّها بعضها يأخذ برقاب بعض.

ثم تعرض لقياس الأولى، وأنّ بعض العلماء يرى أنّه يقاس، وآخرون لا يرون ذلك، وتطرّق إلى بعض الأحكام القياسية، وبعضها ليست قياسية مثل الرخص. وبالعودة إلى نقاش الشافعي للقياس؛ يرى لوري أنّ قياس الشبه ليس واضحا ًبما فيه الكفاية وبعبارته “ضبابي”.

من خلال نقاشه لمسألة قياس الأولى؛ شرح قول الشافعي في مسألة العاقلة، وهل يجب على العاقلة ضمان الجناية غير العمد إذا كانت ما دون الثلث، فيقول المخالف إنّها لا تضمن، لأنّ الأصل عدم ضمان العاقلة، وأنّ الإنسان يضمن جنايته إلا في حالة جناية الخطأ، ويردُّ الشافعي أنّها إذا ضمنت ما هو أكثر من الثلث، فمن باب أولى أن تضمن الأقل لوجود نفس المعنى، وهنا يوضح لوري معنى الأصل، وهو القاعدة العامّة، أنّ الإنسان يضمن جنايته، في مقابل المعنى في تضمين العاقلة الذي هو الخطأ، والشافعي يرى الأخذ بالمعنى، ومن خلال هذه الملاحظة هناك ترابط بين قياس الأولى وقياس المعنى، فاستخدم الشافعي قياس المعنى الذي هو تضمين العاقلة في القتل الخطأ، على قياس الأولى الذي هو تضمين العاقلة فيما دون الثلث؛ لأنه أولى بالتضمين من قتل الخطأ.

في الخاتمة، علق لوري على عمل الشافعي في أدوات الاستنباط، أنّه استطاع أن يستفيد من كثرة النصوص الشرعية وتعارضها الظاهر، وعدم النص في بعض الأحكام، واستخدم كل هذا في بناء قواعد استنباطية متناسقة تُنتج نفس الأحكام الشرعية.

يرى الشافعي أنّه لا يوجد تعارض صَعُبَ حلُّه بين النصوص الشرعية من خلال الأدوات الاستنباطية، استطاع الشافعي أن يستدل على قواعده واستنباطاته، وأنّ الشريعة متماسكة في أحكامها، كل هذا في ضوء ما شرحه من مفهومه للبيان.

الفصل الثالث: السنة والحديث في الرسالة.

مع أن الرسالة تقوم أساساً على مفهوم البيان، إلّا أنّ الرسالة يمكن اعتبارها الاستدلال على الحجية بالسنة، يشعر الشافعي بالقلق تجاه حجيّة السنة؛ ولذا أغلب مسائل الرسالة هي في العلاقة بين القرآن والسنة، أو أنّ السنة حجة شرعية مستقلة، ثمّ راجع لوري سريعاً إطلاقات السنة قبل الشافعي.

بعد هذه المقدمة، انتقل لوري لعرض أدلة الشافعي على حجية السنة، الدليل الأول: أنّ في القرآن بعض الآيات التي تُوجِب طاعة النبي صلّى الله عليه وسلم، والدليل الثاني: مفردة الحكمة، التي يرى الشافعي أنّها تعني السنة، واستدل الشافعي على هذا بسبعة أدلة من القرآن، والحكمةُ وردت مع مفردة الكتاب، وذلك للإشارة إلى أنّهما يكمّلان بعضهما، وأنّه كثيراً ما يرد بعدهما أو معهما ألفاظ: (ينزل، يتلى، ذكر) وهذه كلها تدل على حجية السنة.

علق المؤلف على تفسير الشافعي لمعنى الحكمة في القرآن، أنّه لم يكن هذا التأويل منتشراً عند العلماء المتقدمين، وذكر مجاهد وغيره أنّهم لم يفسروا الحكمة بالسنة، أمّا مَنْ أَوّل الحكمة بالسنة فهما مقاتل وعبد الرزاق الصنعاني، ومن خلال دراسة مشايخ مقاتل وعبد الرزاق، افترض لوري أنّ تفسير الحكمة بالسنة أول ما ظهر في البصرة في منتصف القرن الثالث، وردّ المؤلف على بعض الادعاءات التي تقول أنّ معنى الحكمة أخذها الشافعي من اليهود، والدليل الثالث: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان الحاكم والقاضي بين الناس، الدليل الأخير: ربَطَه الشافعي بمفهومه للبيان، فيجب التسليم لحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا يحتل الوجه الثالث من أوجه البيان، وهو حينما لا يكون هناك نصٌّ قرآني لحكم معين فيجب أن نرجع للسنة.

يوضح لوري أهمية السنة عند الشافعي، حيث إنّه في مقدمة الرسالة دائماً ما يقرن كتاب الله عز وجل بسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، بل إنه لم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم بدون اقتران، إلا في أخر النقاش حينما قال إنّ النبي صلى الله عليه وسلم عنده السنة، وأنّ لله عز وجل القرآن. ركّز الشافعي في المقدمة أنّ النبي صلى الله عليه وسلم يحتلّ مكانة مهمة في الدين، وأنّ الله عز وجل أمر المسلمين باتباعه وطاعته، وحرّم معصيته، وأنّ الإيمان هو الإيمان بالله ورسوله.

ثم انتقل المؤلف لمناقشة خبر الواحد عند الشافعي، وأوّل مسألة ناقشها هي مسألة حجية خبر الواحد، وهو أنْ يروي حديثاً راويٌ واحد عن راويٍ واحد، وأول حجة ذكرها الشافعي هي رسائل النبيّ صلى الله عليه وسلم، وتعيين إمام واحد للمسلمين، وأنّ الصحابة غيروا اتجاه القبلة بناءً على قول واحد. ذكر لوري شروط الشافعي لقبول خبر الواحد، ومن خلال تحديد هذه الشروط يرجح حديث على حديث بحسب اكتمال الشروط في أي الحديثين، ثم نافش قياس الشافعي على الشهادة، ثم ناقش الإسناد عند الشافعي، وعرّج على المنقطع والمرسل. وعَمَلُ الشافعي في السنة في تحديد الحديث المقبول من غيره يأتي ضمن هدف الشافعي في تعريف معنى البيان، فكل ما كان وحياً دخل في مفهوم البيان وإنْ كان غير ذلك؛ أُخرِج من مفهوم البيان، هو بالضبط في وضع حدود للوحي.

الفصل الرابع: القرآن في رسالة الشافعي.

دور القرآن في الرسالة ينحصر في ثلاث مسائل من جانب نظرية الشافعي، الأولى: أنّ الشافعي لم يناقش كثيراً مسألة الحجية مقارنة بالسنة؛ لأنّه ليس بحاجة لذلك كما هو في السنّة، الثانية: أنّ القرآن أعلى حجيةً من السنًة، ومن الصعوبة أنْ نجد حكماً شرعيّاً نصَّ عليه القرآن فقط من غير السنة، المسألة الأخيرة هي أنّ حجيّة القرآن في الرسالة أثارت مسألة حجية القرآن في المرحلة المبكرة لنشأة الفقه.

في مبحث مستقل، بحث لوري مسألة علاقة القرآن بالسنّة، وقال أنّ الشافعي يرى أنّ السنّة تابعة للقرآن، وهذه النتيجة لم يناقشها الشافعي مباشرة، إنّما توصّل المؤلف إليها بناءً على قول الشافعي أنّ السنّة لا تعارض القرآن، وفي مسألة النّسخ رفض الشافعي أن تَنْسخ السنّة القرآن ولا القرآن السنة، فكل نصّ ينسخ بعضه بعضاً.

قَلَقُ الشافعيِّ أن تعلو السنة على القرآن في الحجية؛ هو الذي جعله يرفض نسخ القرآن بالسنة، عملياً، وبالرغم من ذلك فالسنة حورت من بعض أحكام القرآن كما مر معنا في مسألة الخاص والعام، قد يكون هدف الشافعي من وضع الحجة في العلاقة بين القرآن والسنة تأكيدَ أنّ مرجع الفقه هو القرآن والسنة فقط، والقرآن هو المرجع في جعل السنة حجة في الاستدلال، وليس العكس، وأيضاً في عدة مواضع من الرسالة إذا ورد حكم شرعي في القرآن والسنة يقدم القرآن على الشافعي، فالقرآن يعتبر مصدراً رئيساً في التشريع، فلا يحتاج للاستدلال على حجيته.

من المسائل التي ناقشها الشافعي، مسألة عربية القرآن، وهذا دليل على أنّ المسألة محل جدل زمن الشافعي، ومرة أخرى، ذكر لوري أنّ الشافعي لم يعتمد على القرآن فقط في أي من الأحكام الشرعية التي أوردها، وفي موضع آخر قال أنّ الشافعي ناقش اثنين وعشرين مسألة فقهية لها علاقة بالنسخ والخاص والعام والمجمل والنص، كان القرآن مستقلاً في مسألة واحدة فقط، وبقية المسائل يناقشها بالقرآن والسنة مقترنين، في أكثر المسائل التي ناقشها الشافعي، يذكر الآيات أولاً ثم الأحاديث، ويأخذ في الغالب بما دلّت عليه السنّة، وفي مسألة العام والخاص دائماً ما يكون القرآن عامّاً والسنة خاصاًّ.

يقول لوري إنّ الشافعي تميّز عن المعاصرين له من العلماء بمنهجيّته في إدخال القرآن في الاستدلال الفقهي، فيقول إنّ منهجيّة العلماء المتقدمين إمّا أنّ يذكر العالِم جملة من الأحاديث النبوية في باب معين، أو يذكر مسألة بشكل مختصر، ثم يذكر الأحاديث التي لها علاقة فيها، أمّا بالنسبة للشافعي فهو يذكر المسألة الفقهية، ثم يذكر الآيات القرآنية التي لها علاقة بها ويناقشها، إلّا أنّه سيكون مخطأً من كان يقول أنّ معاصري الشافعي لا يذكرون القرآن في مناقشتهم، إنّما ظهور استدلال الشافعي بالقرآن أكثر من معاصريه، وعرض مثال صلاة الخوف، واستدلال الشافعي بالقرآن مقارنة باستدلال معاصريه بالقرآن، وأوضح أنّ استخدام الشافعي للقرآن بالمقارنة مع العلماء المعاصرين له كان أوضح وأكثر.

قارن المؤلف بين الشافعي ومالك والشيباني وبشر الخارجي وعبد الرزاق، في مقارنة هؤلاء يقول لوري إنّ الشافعي من خلال ربط القرآن بالسنة جعل الفقه متناسقاً بشكل أنيق، فبعض هؤلاء رجح صيغة على صيغة، وبعضهم ناقش بعض الآيات التي لها علاقة بمسألة صلاة الخوف، إلا أنّه لم يناقشها كلها. سأل لوري سبب تقديم السنة على القرآن في هذه الحالات عند هؤلاء العلماء، رد عليه بقوله احتمال أنّه في مرحلة من المراحل كانت السنة هي المصدر الأول للأحكام.

الفصل الخامس: نظرية المعرفة عند الشافعي

في هذا الفصل، يعيد لوري التأمل في الفصول السابقة ليستكشف مفهوم العلم عند الشافعي من خلال الأسئلة المعاصرة في نظرية المعرفة، فيجيب على خمسة أسئلة: كيف يتصور الشافعي العلم؟ وهل هناك إجابات صحيحة على الأسئلة الفقهية؟ وما هي العوائق والشروط لمعرفة هذه الإجابات؟ وما هو معنى الذاتية في التفسير الفقهي؟ وأخيراً ما هي آثار مفهوم الشافعي للاجتهاد على نظريته المعرفية؟، قد يكون من الخطأ القول أنّ الشافعي بنى نظرية للمعرفة في كتاب الرسالة، إلّا أنّه من المقبول القول إنّ الشافعي عبّر عن مسائل متماسكة ومطردة في نظرية المعرفة، وهذه المسائل أثّرت في بنائه لأصول الفقه.

يقول لوري أنّ هدف الشافعي العام من رسالته، هو التغلّب على الجهل والمشاكل التي تواجه المسلم لمعرفة أوامر الله عز وجل، النجاة في النهاية معتمدةٌ على الاتّباع والطاعة، والطاعةُ تحتاج إلى معرفة الأوامر الشرعية، بناءً على هذا؛ ينتهي لوري إلى أنّ هدف الشافعي ليس بناءَ عمل نظريٍّ، إنّما هدفه عملي، وهو الإجابة عن أسئلة صعبة في الوحيين للنجاة بطاعة الله عز وجل.

في الإجابة عن سؤال ذاتية العلم، يرى لوري أنّ الشافعي في حالة صعوبة تحديد الحكم الشرعي يُرجع تحديد الحكم إلى المسلم نفسه، بمعنى أنّه ليس كل حكم شرعي منفصل ينطبق على كل الحالات والأشخاص، وبناءً على هذا؛ قسّم الشافعي العلم إلى قسمين: أحكام مدركة لكل المسلمين وأخرى مدركة فقط للمجتهدين والعلماء، وبالنسبة للمؤلف؛ يرى أنّ وضع الشافعي للمكلّف دور مهم في تحديد بعض الأحكام الشرعية، إلّا أنّه في النهاية يرى أنّ التقسيم يرفع من قدر طبقة العلماء الذين يملكون الاختصاص في تفسير النصوص الشرعية.

مفهوم العلم عند الشافعي هو العلم بالإحكام الشرعية، وتحت هذا المفهوم أربعة أمور: النصوص الشرعية، والنصوص غير الشرعية التي تساعد في فهم النص الشرعي مثل اللغة والآثار والمغازي والإجماع، وأدوات الاستنباط من النصوص الشرعية وغير الشرعية، والأحكام المستنبطة. من خلال هذه التصنيفات ناقش لوري أنّ الأحكام الشرعية قد تكون نصيّة؛ -ولذا لا تحتاج المرور بالنقطة الثانية والثالثة- أو قد تكون استدلالية؛ ولذا تحتاج معرفة لغوية -مثلاً- وبعضها يحتاج إلى قياس، فالأحكام الشرعية نوعان: نوع نصّيّ وآخر استدلالي.

في مبحث مستقل، حاول لوري أن يبحث في رأي الشافعي بإمكانية وجود رأي شرعي صحيح، هو يرى أنّ الشافعي ميتافيزيقي واقعي، يقول بأنّ هناك قولاً شرعياً صحيحاً، وبقية الأقوال خاطئة، وهي المسألة الموسومة في كتب الأصوليين بـِ هل كل مجتهد مصيب؟، واعتمد المؤلف على قول الشافعي في مسألة اتجاه القبلة وعدالة الشهود، وقال بأنّه يرى أنّ قول واحد هو الصواب، هذه المسائل لها علاقة بالواقع وليس بالنصوص؛ ولذا الصواب موجود، فقد لا نعلم اتجاه القبلة، إلّا أنّه هناك اتجاه واحد صحيح للقبلة.

ليس هدف خطاب الشريعة من خلال هذه الأمثلة من وجهة نظر الشافعي، كما يرى لوري، توسيع عقل المجتهد، ولا يعتمد على ما نملكه من أدوات للوصول للحكم الشرعي، إنّما يعتمد الخطاب الفقهي على ما نملكه من اعتقاد وأدلة تعكس الحقيقة الواقعيّة كما هي، هذا ما يقصده لوري بالميتافيزيقيا الواقعية، وهي مدرسة في فلسفة التأويل القانوني في الغرب. الصواب عند الشافعي ينقسم إلى صواب في الظاهر والباطن، قد يكون الحكم صواباً في الظاهر والباطن أو الظاهر فقط، لكن لا يكون في الباطن فقط، فحكم القاضي بناءً على ما ظهر له من الأدلة والبينات هو صحيح ظاهراًـ وإنْ كان الحق في الباطن على خلافه.

بناءً على تصنيف المؤلف للشافعي بأنّ نظرته القانونية ميتافيزيقية واقعية، حدّدَ ثلاث عقبات من وجهة نظر الشافعي لتحديد ما هو الحكم الشرعي المثالي، الأول: اللغة، وتأتي من خلال بعض الألفاظ والصيغ التي قد تُشكَل على المجتهد، مثل الألفاظ المترادفة، الثانية: الجهل في بعض النصوص الشرعية، خاصة بالأحاديث، الثالثة: عندما يكون النصّ كافياً، لكن يحتاج إلى إعادة تقدير، مثل لحوم الأضاحي في مسألة النهي عن ادّخارها أكثر من ثلاثة أيام، وهناك أحاديث تجيز ذلك.

في حالة عدم وجود أدلة شرعية على قول المجتهد في حكم شرعي معين، فيرى لوري أنّ الشافعي قريب من المنهج “الذاتيّ المتواضع”، ويقصد بها أنّها ليست مقابلة للموضوعية، بمعنى أنّها صواب في الحقيقة، و أيضاً ليست ضدّاً للموضوعية، بمعنى أنّها خالية من النظر الشخصي، فالمجتهد ملزم باتباع ما وصله من السنّة على الأحكام، حتى لو كانت هذه الأدلة غير كافية في معرفة الحكم، أو أنّ هناك أدلةً أخرى مبينةً للدلالة التي وصلت لهذا المجتهد لم تصل إليه، في هذه الحالة، فإنّ المجتهد المثالي هو الذي يعرف بقيّة الأدلة التي تدل على الحكم، مثل وجود ناسخ أو مخصص، إلّا أنّ المجتهد الأوّل يستند إلى ما وصل إليه من السنّة في استنباطه للحكم الشرعي، هذا ما يدعوه لوري بالذاتية المتواضعة، فهي ليست ذاتيّة كليّة معتمدة على قناعة أو نزوة شخصيّة، وليست معتمدة على كامل الأدلة التي تدل على الحكم، إنّما اعتمد على ما وصل إليه من أدلة فقط، وهو واجب عليه اتباعها.

عرّض لوري للاجتهاد، وقسّمه إلى قسمين؛ من ناحية نقص المعلومات أو النصوص، الأول نقص معلومات عرضي، مثل اتجاه القبلة، فبالإمكان تحديد اتجاه القبلة من خلال السؤال مثلاً أو التعرف على الجهات بعد تأمل، إلّا أنّ نقص المعلومات أو النصوص الهيكلي مثل قياس الشبه في جزاء صيد المحرم، فتحديد الشبه بين الصيد وبهيمة الأنعام لا نستطيع الجزم بصوابه، فالأول نقص عرضي، والثاني نقص هيكلي صعب تغطيته والجزم بحصول الشبه.

أعاد لوري نقاش نظرية الشافعي الثنائية المعرفية، ويقصد بها أنّ  هناك نوعان من المعرفة؛ نوع يختص بها العامة، وهو يشمل المسائل العامة والظاهرة والنصية والمتفق عليها، أمّا بالنسبة لأدلّة هذه الفئة، معرفة القرآن والسنة المجمع عليها، أمّا المعرفة الخاصة، فهي تشمل الخاصّة والباطنة والمجمل والمختلف فيه، أمّا أدلتها فهي خبر الواحد، وتزيد هذه الفئة عن الأولى أنّها تمتلك أدوات التفسير، كالقياس والاجتهاد. ثمّ ربط تقسيم الشافعي لهذه الفئات بمفهوم البيان، وهو أنّ وظيفة الفئة الثانية هي التنسيق بين مصادر الشريعة؛ ولذلك امتلكت أدوات أعلى من الفئة الأولى.

في أخر الفصل عرض لوري لرأي آرون زيسو، أنّ الاحتمال واليقين صنفان أساسيان في أصول الفقه وأنها تناقش في كل حكم شرعي، في الجانب الآخر يرى لوري أنّ الاحتمال غير موجود، فالمسائل إمّا صحيحة ميتافيزقياً واقعياً “باطناً” أو معتمدة على ما توصل إليه المكلّف بجهده، وإن لم يصل إلى الحق، والأول يسمى موضوعي، والثاني يسمى ذاتي مقبول.

الفصل السادس: الجدالات وأطرافها داخل الرسالة.

ذكر الشافعي عدداً من مجموعات العلماء أهل العلم والمغازي والحديث والقرآن وأهل العلم باللسان وأهل الفقه وأهل الفتيا. فيما يظهر للوري أنّ الشافعي يرى أنّ أهل العلم والعلماء والخاصة وأهل الفقه مترادفة، وهناك مصطلح (الامام) يرد عند الشافعي بمعنى (الأمير) وآخر بمعنى (الإمام في العلم)، من التقسيمات التي ذكرها المؤلف أيضا ًالتفريق بين الفقهاء والمحدثين ودور كل منهما.

تحدث الشافعي في موضعين عن أهل العقل، واحد منها في مقابل أهل العلم، وأهل العلم هم الموثوقون في علمهم، أما أهل العقل هم الذين يستخدمون الاستحسان، فليسوا من أهل العلم ولا يوثق بعلمهم، ووردت أهل العقل في وصف الراوي شهاب، بأنّه من “أهل المروءة والعقل” فناقش لوري ماذا يُقصد بأنّه من أهل العقل، هل يقصد أنّه من المعتزلة؟ أم أنّه يعني بها أنه حسن التصرف؟، إلّا أنّ المؤلف لم يصل إلى نتيجة. وآخر مجموعة تحدث عنهم الشافعي هم الشعوبية، وتكلّم عنهم الشافعي حينما ناقش عربية القرآن.

في مبحث مستقل، ناقش لوري موقف الشافعي الكلامي من معاصريه، وهناك قولان عند الباحثين الغربيين الأول: يقول أنّه من المحدثين، وهذا قول جورج مقدسي ونورمان كالدر، والثاني: يقول أنّ الشافعي يقع قوله بين المحدثين والمعتزلة، وهذا قول وائل حلاق وأريك جومانت، وكريستوفر ميلشرت، أما رأي لوري فبعد أن ناقش قول الشافعي بثلاث مسائل: صفات الله عز وجل، والقدر، وعدالة الله عز وجل، بالرغم من عدم وضوح رأي الشافعي بهذه المسائل على الأقل في كتابه الرسالة وبالذات في مسألة الصفات، انتهي لوري إلى أنّ الشافعي معارض للمعتزلة، وهذا وصف سلبي وليس إيجابي.

الفصل السابع: الإجماع في الرسالة.

الإجماع ليس له دور كبير في فكر الشافعي الفقهي، هذا رأي لوري في أول سطرين من هذا الفصل، فالشافعيّ يستخدم الإجماع بشكل عَرَضي وفضفاض، فرّق الشافعي بين الاجماع والسنّة، والعمل، وبالذات عمل أهل المدينة، الذي لا يراه حجة، ويرى لوري أنّ التفريق بين هذه المصطلحات كان ضبابياً عند العلماء المتقدمين على الشافعي، ولذا حدد الشافعي الإجماع على أنّه إجماع العلماء على قول. ربط الشافعي الإجماع بالسنة، وإن كان فرّق بينهما ولم يدخل الإجماع في مفهومه للبيان، حيث أنّ وظيفة الاجماع عند الشافعي تقريباً في جميع المواضع التي ذكر، هي تصحيح تفسير معين للوحي، والحكم بالأجماع ومعه القياس أضعف من الحكم بالقرآن والسنة.

وردّ الإجماع عند الشافعي في اثنا عشر مواضعاً في الرسالة، تسعة منها على فروع فقهية، وأربعة (هكذا كتب) منها على قضايا نظرية، بالذات عن حجية السنة وعلاقتها بالبيان، في ثلاثة مواضع ذكر فيها الشافعي إجماع الناس وإجماع المسلمين، وستة مواضع في إجماع أهل العلم، واثنان ذكر فيها جميع العلماء والناس، إلّا أنّ لوري يرى أنّ الشافعي يقصد بالإجماع إجماع أهل العلم فقط، يقول بهذا لأنّ الشافعي ناقش جميع المسائل الاثني عشر، وجميعها تأتي تحت مظلة وظيفة أهل العلم والخاصة كما ذكرها الشافعي، ثم ناقش قول شاخت أنّ الشافعي يرى أنّ هناك إجماعاً للعامة وإجماعاً للخاصة، وكالدر قسّمها إلى ثلاثة أقسام: إجماع الخاصة، وإجماع العامة على مسائل فيها وحي، وإجماع العامة في المسائل التي ليس فيها وحي، وردّ لوري عليهما من خلال ما ناقشه من الأمثلة الاثني عشر، وأثبت أنّ الشافعي يقصد بالأجماع إجماع العلماء فقط.

 

الخاتمة: الرسالة وعلاقتها بأصول الفقه المتأخرة.

بعد أن لخص بإيجاز وأعاد الحديث عن أهمية السنة عند الشافعي كمصدر تشريعي، ومسألة البيان، قارن بين عمل الشافعي وبعض الكتب الأصولية المتأخرة من خلال عدة مسائل:

الأولى: علاقة أصول الفقه بالفروع الفقهية:

ربط الشافعي أصول الفقه بالفروع الفقهية من خلال كتابه (الرسالة)، في الجانب الآخر، ذكر لوري رأي حلاق، أنّ عمل الأصوليين يأتي بأثر رجعي على عمل الفقهاء، بمعنى أنّه ليس له أثر كبير على عمل الفقهاء في الفروع، ثم ثنى بالقول إنّ عمل الأصوليين أكثر تعقيداً، من خلال نقاشهم لعدد من العلوم، من عمل الشافعي؛ ولذا وصولهم للحكم الشرعي كان أكثر صعوبة.

المسألة الثانية: القدرة على تجريد المسائل:

اعتمد الشافعي في رسالته على الاستقراء، أمّا الأصوليون فقد اعتمدوا على الاستنباط؛ ولذا أظهروا قدرة على التجريد أكثر مما في رسالة الشافعي.

المسألة الثالثة: ورود المسائل الكلامية:

لم يناقش الشافعي مسائل كلامية، إلّا ما له علاقة أصيلة بأصول الفقه، وبالذات حجية السنة، في مقابل كتب الأصوليين المليئة بالجدل الكلامي.

المسألة الرابعة: اللغة:

يقول لوري أنّ الشافعي لم يناقش أي مسألة لغوية أو نحوية في كتابة الرسالة أو إجماع العلم أو اختلاف الحديث أو إبطال الاستحسان، ويرى الشافعي أنّ عمل الشرع تقريباً مقارب لعمل اللغة، وإن كان لم يصرح بذلك، إلّا أنّها واضحة من طريقة عمل الفقه من وجهة نظره، فما كان ضمنياً عند الشافعي أصبح صريحاً عند الأصوليين المتأخرين؛ ولذلك يطلق لوري على علم الأصوليين المتأخرين في اللغة بــ “المنعطف اللغوي” وهو مصطلح فلسفي يطلق على كثير من أعمال الفلسفة الغربية في النصف الثاني من القرن العشرين؛ حينما أصبحت اللغة تقوم بدور رئيس في تنظيراتهم الفلسفية.

بقي سؤال مهم: من أين بدأ هذا المنعطف؟، أورد المؤلف رأي برنارد وايس في كتابه عن الآمدي، أنّ الأشعري هو أول من أعمل الجانب اللغوي في اجتهادات الأصولية والكلامية، وأنه نظر إلى القرآن والسنة بصفتهما نصاً، إلا أنّ لوري ردّ عليه بأنّ الشافعي يرى هذا الرأي أيضاً، إلا أنّ المؤلف رجح أنّ المعتزلة هم أول من أثّر في إعمال اللغة في أصول الفقه، من خلال بحثهم في التفريق بين الحقيقة والمجاز، محاولةً منهم للفرار من التجسيم.

كان هدف الأصوليين من المنعطف اللغوي هو الوصول إلى الشكلية القانونية، كما يقول شارمان جاكسون، ويرى جاكسون أنّ الشافعي لم يكن شكلياً، إلا أنّه كان يملك نظرة ثاقبة، بَيْد أنّها غامضة، لكن الشكلية القانونية هي مذهب غربي في التفسير القانوني، ويرى أنّ الأحكام تستنبط من القوانين بطريقة منطقية صورية استنتاجية، وفي الجانب الأخر يرى لوري أنّ الأصوليين كانوا يطمحون للوصول للشكلية القانونية، إلّا أنّهم لم يصلوا؛ لأنّ طريقة عمل الفقه مختلفة عن طريقة عمل اللغة، فسيكون عمل اللغة مطابقاً لعمل الفقه إذا كان كل نهي هو للتحريم، إلا أنّه ليس كذلك؛ ولذا فعمل الفقه ليس مطابقاً لعمل اللغة.

المسألة الخامسة: الوظيفة:

يقصد المؤلف بوظيفة أصول الفقه هو بعلاقته بالجوانب الأخرى من النظام الفقهي ككل، مثل التعليم والقضاء، برر المؤلف عدم استطاعته أن يدرس الرسالة من هذه الناحية؛ لعدم وجود مصادر كافية في عصر الشافعي عن الوضع الاجتماع والاقتصادي للحكم على وظيفة أصول الفقه، أشار لوري إلى رأي حلاق وديفيد بورز أنّهما يريان أنّ لأصول الفقه عملاً مهماً من القضاء من خلال دراستهما لحالات معينة، ولم يخالف لوري هذا الرأي إلّا أنّه أقل حسماً من هذين الكاتبين.

أما بالنسبة للتعليم، فأصول الفقه المتأخرة اندمجت بالتعليم المذهبي؛ ولذا وجب على طالب العلم أن يدرس هذه الكتب؛ ولذلك هناك احتمال كبير أنْ يكون لأصول الفقه تأثير مهم في الفتيا والقضاء عند هؤلاء الطلاب، أمّا بالنسبة لرسالة الشافعي فقد أُلّفَت أبكر من هذه الكتب، فلم يكن لها الحظ في الدخول للمنهج الدراسي المذهبي، ومناقشة الشافعي للقضايا الواقعية ليست واضحة، فأغلب نقاشات الشافعية نظرية دينية عليا، وقد تكون أعلى من المسائل الكلامية.

في النهاية يرى لوري أن العلاقة بين النظرية والممارسة في الفقه الإسلامي ككل سواءً في أصول الفقه أو غيره تحتاج إلى دراسات أعمق.

 

2- البحوث:

كتب لوري ستة بحوث مستقلة عن الشافعي وفكْره، وإنْ كان بعضها نشر قبل نشر الكتاب؛ فهي تحمل بعض الإضافات المهمة، ولذا خصص هذا المبحث لمراجعة بعض هذه البحوث بشيء من الاختصار، وذلك رجوعاً إلى ما وضحة المؤلف في كتابه.

2 -1 التفسير القانوني عند الشافعي وابن قتيبة، إعادة نظر

Lowry, J. (2004). The Legal Hermeneutics of al-Shafi’i and Ibn Qutayba: A Reconsideration. Islamic Law and Society, 11(1), 1-41.

أصل البحث أتى في معرض ردّ نورمان كالدر الذي يرى أنّ رسالة الشافعي كتبت بعد كتاب تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة، والمؤلف يرى أنّ التاريخ الصحيح لا يختلف كثيراً عمّا هو مدوّن، ويرى كالدر أنّ رسالة الشافعي أكثر تنظيماً من كتاب تأويل مختلف الحديث.

لم يورد ابن قتيبة قاعدة العام والخاص في كتابه؛ ولذا وجب أن تكون الرسالة كتبت بعد كتاب التأويل، فَسَرَدَ لوري أدلة تاريخية تثبت قوله، وأيضاً من خلال تحليل نصوص الكتابين؛ خرج بأنّ الفرق بينهما بسيط، نعم، الشافعي تفوّق على ابن قتيبة في التنظير والترتيب، ويرى لوري أنّ هدف الشافعي من الرسالة غير هدف ابن قتيبة من كتابه تأويل مختلف الحديث، فالأول بنى نظرية متكاملة في طريقة الاستنباط من الوحيين، أمّا الآخر فهدفه الدفاع عن السنّة؛ ولذلك لم يورد ابن قتيبة في كتابه إلا ثمانية وثلاثين مسألة فقهية من أصل مئة وتسع مسائل، والباقي مسائل عقدية، في المقابل، ناقش الشافعي ستين مسألة، جميعها -تقريباً- تناقش مسائل فقهية، ويرى لوري أنّ ابن قتيبة يعرف مسألة العام والخاص، وأنّه ذكرها في كتابه (مشكل القرآن). في آخر البحث، سرد بعض القواعد التي يعلم بها الشافعي ولا يعلم بها ابن قتيبة.

 

 

2-2 هل للشافعي نظرية في المصادر الأربعة للتشريع؟

 Lowry, J. E. (2002). Does Shafi’i Have A Theory of ‘Four Sources’ of Law? Studies in Islamic Legal Theory, 23-50.

جواب لوري هو لا، ليس للشافعي نظرية المصادر الأربعة في التشريع، التي هي القرآن والسنة والقياس والاجماع، ذكر لوري أنّ أغلب المؤلفين الغربيين يقولون بأنّ للشافعي نظرية المصادر الأربعة للتشريع، ومنهم شاخت وحلاق، يقول لوري إنّ أغلب هؤلاء المؤلفين اعتمدوا على مصادر ثانوية في حكمهم هذا، أمّا أساس هذا الخطأ فيقول المؤلف إنّه أتى من جهتين الأولى: أصول الشافعية أنفسهم، الثاني: من بعض نصوص الشافعي توهّم فيها بقوله بالمصادر الأربعة.

ركّز لوري في نقاشه على نصوص الشافعي الموهمة أنّها تدلّ على قوله بالمصادر الأربعة، ذكر عدة نصوص للشافعي تذكر عدة أرقام من المصادر، مرة اثنان، مرة ثلاثة وأربعة، وأخرى خمسة، فهي لا تدل على شيء، والفكرة الرئيسة لرسالة الشافعي هي البيان، والبيان كما مر معنا ليس له علاقة بالمصادر، إنّما يهتم أساساً بوضع آلية للتناسق والتناغم بين القرآن والسنة،ـ وأيّ محاولة لأسقاط المصادر الأربعة على نظرية الشافعي الأصولية هو تدمير لها.

2- 3 ملاحظات أولية عن الشافعي والاصوليين المتأخرين في مفهوم البيان

Lowry, J. (2008). Some Preliminary Observations on al-shafi’i and Later Usul al-Fiqh: The Case of the Term bayan. Arabica, 55 (5), 505-527.

في أوّل البحث، أوضح المؤلف مقصود الشافعي بالبيان، وقال إنّه يختلف عن مفهوم البيان عند متأخري الأصوليين، فهو عندهم لبيان المجمل كي يصبح مبيناً، ثم انتقل للجاحظ وشرح مفهوم البيان عند الجاحظ، ورأي أنّ الأصوليين تأثروا بمفهومهم للبيان بمفهوم البيان عند الجاحظ، أكثر من تأثرهم بالشافعي، ثم ناقش الجصّاص ونقده لبيان الشافعي، ثم شرح وجهة نظر أبو الحسين البصري صاحب كتاب (المعتمد) وأنّه نقد الشافعي، إذ لم يجعل الشافعي في مفهومه للبيان الأدلة العقلية، ثم انتقل لتوضيح رأي الجويني في بيان الشافعي، يقول المؤلف إنّ الجويني أول مؤلف ينظر لبيان الشافعي بتقدير، إلّا أنّه اختار تقسيما ًللبيان غير تقسيم الشافعي، فقد تأثر بتقسيم أبو بكر الباقلاني، ورأى أنّ البيان هو الدليل، وقد يكون عقلياً أو سمعياً، بالرغم من تحمّس ابن عقيل لتعريف الشافعي للبيان وفهمه له، إلا أنّه اختار تعريف الجصاص للبيان، وهو أنّ البيان مراتب وليس وجوهاً.

دافع الزركشي عن فهم الشافعي للبيان، إلا أنّه شرح مفهوم البيان عند الشافعي من خلال الجويني، نقد داود الظاهري الشافعي، بأنّه لم يورد الإجماع من مراتب البيان، فهم الأصوليون المتأخرون البيان بأنّه موضوع لغوي يتعلق بمراتب وضوح النص، في المقابل، نظر الشافعي للبيان من ناحية علاقة القرآن بالسنة، وفهم هو أنّه اهتمام تفسيري وليس لغوي، وفهم الأصوليين فهماً مقارباً لاهتمام الجاحظ؛ ولذا لوري يرى أنّ المنعطف اللغوي في أصول الفقه تأثر بمفهوم الجاحظ للبيان أكثر من مفهوم الشافعي للبيان.

 

ترجمة الرسالة:

أول ترجمة للرسالة إلى اللغة الإنجليزية كانت عام 1961 على يد مجيد خدوري، وقد حذف خدوري أبيات الشعر فلم يترجمها، وأعاد ترتيب أبواب الرسالة، يقول لوري إنّ مترجم الرسالة لا ينظر للرسالة على أنّها متناسقة وتحمل فكرة واحدة.

 

الخاتمة:

حولت هذه المراجعة الدخول إلى الفرضية الأساسية التي يريد لوري أن يوصلها عن الشافعي، وقد أفلح كثيراً في توضيح نقاط مهمة في رسالة الشافعي، فتأكيده على أهمية مفهوم البيان عند الشافعي وتوضيحه باقتدار كان عملا ًناجحاً إلى حد كبير، أكّد لوري أنّ هدف الشافعي من البيان ليس لغوياً، إنّما تفسيريٌّ، وبالذات في العلاقة بين القرآن والسنة من خلال الأوجه الخمسة للبيان، وأتمّ لوري عمله بمراجعة مفهوم البيان عند الأصوليين المتأخرين، وتوصّل إلى أنّ هناك منعطفاً لغوياً أثّر فيه المعتزلة وبالذات الجاحظ؛ وذلك لاهتمامهم بالتفريق بين الحقيقة والمجاز، فالبيان عندهم درجات، وبعض هذه الدرجات تحتاج تأويلاً، لأنها مجاز وليست حقيقة لتتناسب في النهاية مع أقوالهم الكلامية.

ركز لوري في كتابه على مفهوم البيان، ومن خلاله شرح بقية مباحث الرسالة، وقارن بعض هذه النتائج، لو استخدم الشافعي للبيان في توضيح أصول الفقه، بالبيان عند بقية الأصوليين لخرج بنتيجة مهمة جداً على أهمية ما قام به، وهذا العمل ما زال يحتاج بحثاً وتنقيباً أكثر، لنرى تأثير هذا المنعطف اللغوي على بقية المباحث الأصولية، وبالذات مباحث دلالات الألفاظ، فهي أساس من أساسيات أصول الفقه، خاصة مع وجود بعض الشكوى من بعض التعقيدات المنطقية في مباحث الدلالات وهو ما يؤثر على ضعف إمكانية تفعيل هذه الأدوات.

كما أنّه حصل منعطفٌ لغويٌ في نشأت العلوم الإسلامية أسهم فيه المعتزلة، فإنّنا في الوقت المعاصر نشهد منعطفاً لغوياً آخر، سواءً أتى تأثراً بالغرب ومنعطفهم اللغوي، أو إيماناً من بعض العلماء والباحثين بأهمية اللغة في فهم نصوص الوحي، وهذا المنعطف تتضح صورته من جانبين: القراءة اللغوية للقرآن، سواءً من خلال التفسير الموضوعي أو المصطلحي أو الدلالي، وإعادة البحث في دور اللغة بتفسير الوحيين وحدوده يحتاج إعادة نظر، أمّا الجانب الآخر في المنعطف اللغوي الإسلامي المعاصر؛ فهو قراءة أصول الفقه قراءة تداولية.

اقرأ ايضاً: كتاب أحكام القُرَان للإمام الشافعي


[1] Lowry, Joseph Edmund. Sayf Al-Dīn Al-Āmidi’s Doctrine of Ijmā\: A Translation and Critical Introduction. Diss. Graduate School of Arts and Sciences, University of Pennsylvania, 1991.

[2] الجصاص، أحمد بن علي أبو بكر الرازي الجصاص الفصول في الأصول، وزارة الأوقاف الكويتية، الطبعة الثانية، 1414هـ – 1994م، 2/6.

[3] راجع الرسالة 268.

[4] راجع الرسالة لشاكر270، وأثبتها لوري “متفق” راجع الشافعي، محمد ابن إدريس، الرسالة، تحقيق جوزيف لوري، 69.

[5] المصدر السابق، 270.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق