الفلسفة

“جاك دريدا” وأطروحة فلسفة التباين “الاختلاف”

  • د. عبد الرحمن طعمة*
  • تحرير: عبير الغامدي

تعوّد الفيلسوف الفرنسي “جاك دريدا” على التلاعب بالألفاظ، خصوصًا بهدف التورية، فقام بالتلاعب بالفعل الفرنسي Differer بمعنى أخّر، أو أرجأ، أو بايَنَ، فنراه يستخدمه مرة بمعنى يُرجئ أو يؤجِّل، ومرة بمعنى يعوق. اتضح ذلك الأمر في الفقرات الأخيرة من كتابه (الكلام والظواهر Speech and Phenomena) عام 1967م؛ إذ أفرده للحديث عن فيلسوف علم الظاهراتية “إدموند هوسّرل” Husserl. وكان قد بدأ سَكَّ مصطلح “التباين” في كتابه الشهير (في علم الكتابة De la grammatologie) في العام نفسِه، إلى أنْ نشر المقالة التفصيلية المُطوّلَة (التباين) عام 1968م.

وفي كل هذه الأطروحات يُبيّن “دريدا” أنّ المصطلح يشير إلى مراوغة المعنى وانزلاقه وتبدّله من علامة إلى علامة، ومن لحظة إلى لحظة، على طول سياق السلسلة اللسانية. وبناءً على ذلك، يرى “دريدا” أنه يستحيل تحقيق ما أراد “هوسرل” إتمامه من وضع تصور شامل وثابت لأبنية الوعي الإنساني وحالاته، من حيث ارتباطه بالوجود وبالزمن، أو- بكلمات أخرى- صعوبة إقامة علاقة بين ما يعنيه المتكلم وما تعنيه الكلمات المستخدمة، وبخصوص ذلك يرى أنه لا سبيل إلى تقييد هذه اللعبة اللانهائية من التباين وتحول المعاني؛ فلا يمكن تثبيت المعنى، ولا يمكن تحديد رصيف ترسو عليه سفينة الوعي أو المعنى أو الحقيقة في رحلة الذات والجسد الإنساني.

هدم “دريدا” في مشروعه التفكيكي كله الأساس المنطقي للفلسفة واليقين الديني والعلمي المتمثل في مبدأ “الهوية”؛ فهذا الأساس- وفقا لــ “رَسل”، مع التحفظ على كثير من أطروحاته- قائم على قوانين ثلاثة: قانون الهوية، الذي يرى أنّ كل كائن هو كائن بصورة ما، وقانون التناقض؛ إذ لا يمكن لشيء أنْ يكون موجودًا وغير موجود في آنٍ واحد، وقانون الوسط المستحيل؛ إذ كل شيء لا بد أنْ يكون موجودًا أو غير موجود. فزعم “دريدا” أنّ هذه القوانين تهدف إلى تحقيق التماسك المنطقي للوعي بالوجود، وتغرس- في الوقت نفسه- التوهم بوجود حقيقة واقعية تمثل الأصل الذي تشير إليه هذه القوانين، وأنّ هذا الأصل بسيط، وغير مُركب، وخالٍ من التناقضات، ومتجانس، ولا يشبه غير ذاته وجوهره فقط. ومن هنا شطح بإلغاء ما أبدعه الفكر الديني والعلمي على مر التاريخ، حتى في الثقافات الغربية نفسها، وأوصله تفكيره إلى نتيجة غريبة: فوجود هذا الأصل- عنده- يفترض ألا يحتاج الإنسان إلى وسيط لمعرفة العالم، ولكن الإنسان لم يعرف العالَم إلا بعد أنْ اكتسب اللغة، أداة العقل، التي يستخدمها في تحديد المعرفة (المعلومات والأفكار) وتجريدها واختزالها… إلخ. وبذلك فصل “دريدا” بين الإنسان والعقل! وجعل اللغة والمعرفة شيئًا مستقلاً عن الإنسان وعن العقل، وأطلق على كُلٍّ من الوعي واللغة صفات مثل: وسطاء، أو مرايا عاكسة، يتوسل بها الإنسان لأجل معرفة العالم؛ فالوعي واللغة عنده ليسا صفتين أساسيتين من الصفات الأصلية للإنسان! مُمهدًا- بذلك- لما أطلق عليه لاحقًا مصطلح (التباين).

هذه الفكرة التقطها “دريدا” من “دي سوسير”؛ إذ أكد “سوسير” أنّ اللغة بوصفها منظومة ليست مستقلة عن المعاني والأفكار التي تشير إليها، وأنها تمتلك -من حيث كونها منظومة- منطقًا داخليًّا يتيح لها أداءً منطقيًّا وبُنية داخلية متماسكة. فرأى “دريدا” أنّ التعارضات والتباينات في منظومة اللغة تُفقدها منطقيتها وتماسكها الداخلي، واللغة بهذا الشكل غير قابلة لتكوين مفاهيم، ولا يمكنها التوصل إلى حالة اليقين؛ بمعنى أن العقل الإنساني المتمثل
في اللغة لا يملك الحق في أنْ يزعم أنه يعرف شيئًا ما، أو أنه يملك يقينًا ما، وأنّ التباين نفسه لا يمكن أنْ يتحول إلى مفهوم مطلقًا.

يرى المفكرون ما بعد الحداثيون، أمثال “فوكو” و”جيل دولوز” و”فرانسوا ليوتار”، وغيرهم كثيرون، أنّ السبب في اتجاههم إلى نفي اليقين وإلغاء المنطق وإنكار إمكانية المعرفة يعود إلى النزعة العدمية Nihilism  التي أشعلها “نيتشه”. ويوضح كثيرون منهم أنّ فلسفة التباين التي أطلقها “دريدا” ليست إلا محاولة لإزالة القوانين الرئيسية للفكر الإنساني، التي تريد أنْ تقيد التفكير بحالات محددة من اليقين المادي أو الروحي.

ويقرر هؤلاء جميعًا أنّ فلسفة التباين تركز على تجزئة كل ما توصلت إليه نظم المنطق من حقائق وتفكيكه بصورة كلية، مع ملاحظة أن هذه الفلسفة لا يمكنها ضمان التوصل إلى حقيقة جديدة أو إلى عقل جديد يمكن أنْ يحل محل ما اختفى وتبدد!

هذه الفلسفة من حيث التحليل الجينيالوجي للخطاب الثقافي ليست سوى وجه من وجوه العدمية الأوروبية، الناجمة عن حالة الإحباط والقنوط التي أصابت مفكري أوروبا من الشباب
في أواخر القرن التاسع عشر، فاتجهوا جميعًا إلى التركيز في خطابهم الثقافي على تحويل الحقيقة إلى مجرد قيمة تتخذ أي شكل كان، العقيدة أو الرأي أو المنطق أو الفكرة… إلخ.


  • أستاذ اللسانيات والدراسات الثقافية، قسم اللغة العربية، آداب القاهرة

المراجع والإحالات:

– أحمد عبد الحليم عطية: جاك دريدا والتفكيك، دار الفارابي، بيروت، طـ1، 2010.

– سامي بلقاسم غابري: تفكيك الميتافيزيقا وبناء الإيتيقا في فلسفة جاك دريدا، دار الخليج، الأردن، 2017.

– سامي خشبة: مصطلحات الفكر الحديث، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2006.

– سعاد طيباوي: نيتشه والعدمية، العالم من التأويل الأنطولوجي إلى التأويل الأكسيولوجي، رسالة ماجستير، بإشراف: أحمد زيغمي، جامعة قاصدي مرباح، ورقلة،
كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، الجزائر، 2015.

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى