عام

عزلة في روبن آيلاند

  • محمد أحمد بارحمة
  • تحرير: عبير الشهري

كنت قد عزمت على زيارة جزيرة -روبن آيلاند- التي سُجن فيها نيلسون مانديلا.

مثل هذه الرحلة تحتاج إلى رفقة؛ سقفُ حديثها ناضج.

 اخترت الرفقة.

الصديق (خ)؛ حديثه ممتع. شطحاته لا تُمل، لديه كل مرة ما هو جديد، لكن الكمال عزيز، يؤخذ عليه أنه من فئة الأصدقاء الذين (يومهم بسنة) وكان يزورني في أيام، الساعة 9 أو 10 مساء، ويكون على الدوام _غفر الله له_ جائعاً؛ ويلتهم عشائي!

ولا أملك إلا أن أتمتم داخلي: سأخبر الله بكل شيء!

وفي العصرية يأتي وقد كساه الوقار يقرأ حديث: “إن الأشعريين إذا أَرْمَلُوا في الغزو، أو قلَّ طعام عِيَالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسويّة، فهم مني وأنا منهم”

وهذا مثال صارخ في تكييف النصوص وفق درجة جوع المعدة!

(خ) تحمس للفكرة ولكنه لم يخطو خطوة.

لدي قناعة أعتبرها مُحدّداً أساسياً في قراراتي، ممثلة في مقولة تقول: “إذا أمضيت حياتك تبحث عن أناسٍ لينضموا إليك في كل خطوة تخطوها، فهناك فرصة كبيرة أنك لن تحقق ما تحلم به أبدًا.”

كان لابد من رفقة جديدة أو الذهاب وحيداً، ودون سابق ترتيب في يوم ما؛

عرَضت السيدة (بيترا) وابنها _نسيت اسمه أظن جوليان_ الفكرة، فتشابهت الرغبة!

الألمان إذا قالوا التزموا.

 حُدّدَ الموعد، توجهت السيدة بيترا لشباك التذاكر، بقيتُ وابنها البالغ من العمر وقتها 23 سنة نتأمل الطبيعة، عادت تلوّح بالتذاكر، ركبنا العبّارة، الشمس عمودية والهواء يلفح وجهك، وهذه نذارة سخونة، وتحقق لاحقاً ما خفته للأسف.

نصف ساعة حتى الوصول إلى هناك؛ قامت السلطات التي كان يسيطر عليها البيض حينها بنفي معارضي سياسة التمييز العنصري من الأفارقة، والأعراق الأخرى إلى هذه الجزيرة!

تاريخ الجزيرة يعود للقرن الرابع عشر مع المستعمرين الهولنديين الذين كانوا يتخذونها محطة يتزودون منها.

ثم في (القرن السادس عشر) تم استغلال الجزيرة _وهي تبعد 12 كيلو عن كيب تاون_ كمكان لمكب النفايات البشرية “في نظر المستعمر”.

فكل من كان غير مرغوب فيه، كزعماء القبائل المعارضين، والمصابين بمرض الجذام والأمراض الخطيرة يتم نقلهم إليها، وبها مقبرة؛ يتم دفن هؤلاء المرضى بها.

ربع قرن قضاها نيلسون مانديلا في السجن؛ ثمانية عشر عاما منها منفياً في هذه الجزيرة!

قارن هذا ونحن في (عزلة آمنة) هذه الأيام؛ حيث أدركنا قيمة الاختلاط، والتحرّك بحرية، ونعمة التعرض لشتائم الأصدقاء، وطرب أبواق السيارات، ومتعة الدفاع عن حقك عند طوابير الفول، وقبح التردد لو دُعيت إلى عريكة أو سيريه!

وكل صغائر البهجة منقوصة لو فُقد الناس الذين تستعرض أمامهم قوائم الابتهاج.

نعمة الخُلطة بالناس ذاقها الشيخ علي الطنطاوي -رحمه الله- يوم أتاه عيد الفطر وهو في (جاكرتا) بعيدًا عن أهله وأصدقائه، يقول: (كان عندي كل ما يشتهي امرؤ أن يكون له، المال في جيبي والسيارة على بابي والمرافق قيد أمري، ولكن شيئاً واحداً لم يكن عندي؛ هو بهجة النفس. كنتُ وحيداً! ).

وصلنا إلى الجزيرة.

 من الصدفة وعند البوابة سمعت اسمي ممطوطاً (مهميييد) تلفّتُّ؛ وقلت دون أن أقول: يالبيه.

(آنجي) من الكونغو. قالت لي: (ستبكي.. أعرفك)

هذه الوغدة تعرف أني أكتب أحياناً وأحب الأدب _سرّب صديقا هذا الأمر_ووقتها أكتب باستمرار في صحيفة ما.

يظن الناس بمن يمتلك اهتماما فنّيا كالرسم والشعر والكتابة والموسيقى بأنه رقيق وكيوت!

ولا يدرون أن هتلر كان أديباً، وموسيقياً، وشنق نصف الكرة الأرضية!

شدّني أن المرشد الذي استقبلنا وصاحبنا طيلة الرحلة هو واحد من رفاق مانديلا في الحبس!

التقطت له آنذاك صورة؛ حاولت الرجوع لاسمه المكتوب على “التيشرت” لأضعه لكم هنا، لكني لم أستطع.

كانت فنيلته مهترئة، أعني _بصراحة_ تصويري مهترئ.

هنا زنزانة نيلسون، السجين الذي يحمل الرقم (46646)، والحُرّ الذي يحمل الرقم (1) في التأثير على قومه!

هنا فراشه وغطاء النوم؛ يليها طاولة صغيرة يعلوها إناء الطعام، وبجانبها مباشرة برميل قضاء الحاجة.

في الخارج باحة لأداء الأشغال الشاقة، صخور كبيرة مكدّسة يقومون بتحطيمها.

توجهنا بعدها إلى حيث الزنزانة الجماعية، والتي تحوي العديد من الأسرّة والمراتب.

أخذ صديق نيلسون يحدّثنا عن حياتهم؛ وأثناء إصغائنا له، قامت إحدى السيدات بغلق الباب بقوة، طلب منها أن تتعود إغلاق الباب برفق (جنتلي)!

قال: لأن هذه الطريقة تذكّره بالسجّان!

تأمل كيف لمزلاق الباب أن يمزق طبلة الأذن وأوردة الفؤاد؟!

وكيف لمشهدٍ بسيطٍ أن ينزحَ من بئرِ الذاكرةِ مواقفَ مالحة؟!

يتباهى رفيق “مانديلا” بدورهم في إنشاء مدرسة لتعليم السجناء والمجرمين، وردِّ بريق الحياة فيمن حولهم وإعادة تهذيب الإنسان.

يُذكرنا هذا بتجربةٍ لمالك بن نبي في فرنسا؛ يحكي عنها:

“لقد سنحت الفرصة لأقوم بتجربة مع فريق من العمال الجزائريين الأميين، حين اضطلعت بمهمة تعليمهم القراءة والكتابة في فرنسا (1938) وكلما تقدمت التجربة شيئا فشيئا _والتي تابعتها تسعة أشهر_ كنت أرى وجوه تلاميذي تتغير، كانت الوجوه ذات وميض وحشي، وقد (تأنّست) تدريجيا، لقد اختفى بريقها الحيواني؛ ليحلّ محلّها شيء ما، ينم عن فكرة داخلية، عن حضور فكرة”

والتعلم والتعليم في ساعات السّعة أو العسرة شأن الرهيبين!

ونحن هذه الأيام في وقت يشبه الذي عناه علي عزت بيجوفيتش؛ نعاني من:

“نقص في المكان وفائض في الزمان”

وتدريب النفس على الذاتية في الإنجاز، والتعلم مع الالتزام بشيء يسير لن يجعلنا (واو) جدا، ولن يخرجنا ابن حجر أو البخاري!

لكنه يضمن لنا أن نسجل أسماءنا في قائمة المحترِمين لذواتهم.

وأكره المثالية والإفراط في النصائح؛ وهي تثبّط أكثر مما تحفز.

وقرأت لصديق على تويتر يسخر من الذين يريدون فجأة أن ينالوا الثريا:

خططت أن أنجز (فتح الباري) و (فتح القدير) وأكمّل على (فتح الأقصى)!

لكن _كما تعلمون_ السير الأعرج والبطيء أفضل من التوقف.

وأعيذكم بكلمات الله التامّة أن تكونوا ممن يغني مع جوليا “وبكرة بيخلص هالكابوس، وبدل الشمس بتضوي شموس”

ثم يتقلبون على الأريكة لا شغل ولا مشغلة.

وهذه الأيام ثروة، وصدق أجدادنا العرب: عند “الصباح” سيحمد القوم السُّرى!

وأما “الليل” يعيدنا لقصة (الخال) نيلسون مانديلا.

هؤلاء (الخوال) يصدق فيهم ما خطّه غازي القصيبي رحمه الله في كتاب (الزهايمر): وراء كل إنجاز عظيم؛ إيمان عظيم.

ولا يقف الأمر عند الإيمان فحسب، إذ أن النضال والنزاهة كافيين في استرداد الحقوق؛ لا استحقاق المسؤوليات وتوليها.

وإذ تأتي المُلاءمة والكفاءة كحجر زاوية عند تبوّء المسؤوليات!

ونيلسون ورفاقه نجحوا في الأمرين: النضال قبل الحكم والكفاءة الإدارية بعد توليها.

وهذه المعضلة والانفصام بين الأمرين؛ عبّر عنه مرّة الشيخ محمد بن راشد:

“لدينا فائض من السياسيين في العالم العربي ولدينا نقص في الإداريين”

وأحيل لأفضل ما قرأت بهذا الصدد عن طريقة إدارة نيلسون في كتاب:

(إدارة التنوع والاختلاف، تجربة جنوب أفريقيا في التعايش السلمي) من إصدارات نماء.

في تلك الأيام (2016) كانت مظاهرات متكررة تخرج منددة بالفساد ومعارضة للرئيس (زومبا)، وهذا الآخر هو أحد الذين خلَفوا نيلسون؛ وقد شاكل وشابه نيلسون في النضال وذاق السجن معه، لكنه كان متهمًا بالفساد أثناء الحكم، (وخُلع) من منصبه.

وأحسبها “لعنة الخيانة” التي استلهمها مالك بن نبي فقال: الأفكار التي خانها أصحابها تنتقم!

في فيلم (papillon) أعجبني حوار قصير “لبابي” ورفيقه “ماتوريت” يوم وصلا لمكان بهي وجميل أثناء رحلة نضالهم، فأخذ يحضّهُ على البقاء:

بابي (إنّها جنة)!

فأتاه الجواب: (ولكنها ليست الوطن)!

وأحسب أن هؤلاء الخيلان آثروا التعب وما ملّوا، وربطوا العمائم، وشدوا الحبوة، وأخذوا ينكتون بعودٍ على الأرض، ينشدون مع البدوي القديم:

بلادي وإن جارت علي عزيزة!

ونحتوا على ضمير الأيام بأن كِسرة (خبز) الأوطان خيرٌ من (بان كيك) المهجر.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. جزاك الله خير
    “وتدريب النفس على الذاتية في الإنجاز، والتعلم مع الالتزام بشيء يسير لن يجعلنا (واو) جدا، ولن يخرجنا ابن حجر أو البخاري!
    لكنه يضمن لنا أن نسجل أسماءنا في قائمة المحترِمين لذواتهم.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق