عام

أسلمة العلوم الاجتماعية: مراجعة نقدية

  • سي هون بيو SEE Hoon Peow
  • ترجمة: مصطفى هندي
  • تحرير: بدر الحربي

منذ المؤتمر الدولي الأول للتعليم الإسلامي -الذي عُقد في مكة المكرمة عام 1977م- ونحن نشهد جهودًا حثيثة بين العلماء والباحثين المسلمين للانخراط في حركة اتخذت من “أسلمة المعرفة” وسمًا لها. وحسب ما ذكر إبراهيم رجب (1999Ragab)، فمن الواضح أن أسلمة العلوم الاجتماعية -لعدد من الأسباب الإبستمولوجية والمنهجية- تقبع في قلب اهتمامات هذه الحركة الفكرية.

ولمناقشة أبعاد هذه الحركة بشكل أفضل، من المهم تقديم مراجعة للجهود التي بُذلت في أسلمة العلوم الاجتماعية.

يُقدم هذا المقال مراجعة لثلاثة كتب وإحدى عشرة مقالة، كتبها علماء اجتماع مسلمون في هذا الموضوع. وهذه القائمة، بطبيعة الحال، ليست شاملة؛ إلا أن هذه الأعمال تُمثل طيفًا واسعًا من المواقف، التي اتخذها علماء الاجتماع المسلمون إزاء مشروع أسلمة تخصصهم العلمي. كما أنها تعكس الاستراتيجيات الإبستمولوجية والمنهجية، التي توسلوا بها لإجراء عملية الأسلمة.

ولتقديم فهم أفضل لهذه الأعمال، ربما يتعين علينا تصنيف المواقف والاستراتيجيات التي تبناها علماء الاجتماع المسلمين في فئات محدودة، وهذه الفئات ستعكس بشكل أساسي مواقفهم تجاه “العلوم الاجتماعية الغربية”[1] والاستراتيجيات المنهجية المرتبطة بها.

هناك كُتّاب -مثل: دايفيز (1988Davies)- ينتقدون “الأنثروبولوجيا الغربية”، ويعتبرون أنها منبتة الصلة بالمسلمين، ومن ثم يدعون إلى إعادة بناء “أنثروبولوجيا إسلامية”، تكون نابعة من السياق الإسلامي، ومنسجمة مع مفاهيمه. وعلى هذا الأساس، تقبل دايفيز بعض مصطلحات “الأنثروبولوجيا الغربية” من باب التنزُّل والمجاراة فحسب، وتقترح استخدام “علم العمران” بديلًا “للأنثروبولوجيا الغربية”.

على صعيدٍ آخر، هناك كُتّاب -مثل كريم عشوي Karim Achoui (بدون تاريخ)- يتخذون مقاربة أكثر تعاطفًا مع العلوم الاجتماعية “الغربية”، ويقبلون مقولة: أن هذه العلوم الاجتماعية أكثر انفتاحًا على التعددية مما يعتقده كثير من الباحثين المسلمين، مثل جميل فاروقي (2002 Farooqui) وإبراهيم رجب (1992 ؛ 1996 أ ؛ 1996 ب ؛ 1996 ج ؛ 1997 ؛ 1999) الذين ينتقدون تيارات واتجاهات غربية محددة.

وإذا كان ما يجمع هؤلاء الباحثين -فاروقي ورجب ومن دار في فلكهم- هو المناداة بدمج وتضمين العلوم الاجتماعية لتتواءم مع تقاليد إسلامية محددة؛ إلا أنهم مختلفون أيما اختلاف، حول الاستراتيجية المثلى لتحقيق هذا الاندماج. ويجب أن لا يغيب عن أذهاننا، أن هناك كُتّاب آخرون أخطأوا، تمامًا، في فهم وجهة نظر حركة أسلمة المعرفة، وروَّجوا لمواقف واستراتيجيات لا ترقى إلى مستوى الكفاءة المهنية لعالم الاجتماع.

بنظرة أعم، يتعامل جميع الكُتاب، تقريبًا، مع موضوعهم بالطريقة الآتية: انتقاد التقاليد الغربية، استكشاف المعايير الإسلامية ذات الصلة، ثم تقديم استراتيجية إبستمولوجية ومنهجية، إما لدمج المنظورَين [الغربي والإسلامي]، أو لإعادة بناء تخصصات جديدة. وستكون مراجعتنا لتراث حركة أسلمة المعرفة انطلاقًا من هذه الجوانب.

 

نقد العلوم الاجتماعية “الغربية”

عادة ما يتركز النقد في مسألتين رئيستين؛ الأولى: الاعتماد المفرط على البيانات الحسية والتجريبية، واستبعاد الوحي (القرآن) من البحث العلمي الاجتماعي. الثانية: أن العلوم الاجتماعية ليست محايدة، بل هي مبنيةٌ اجتماعيًا، وعليه فهي محمّلة بالقيم الغربية، ومتحيزة لمصالح الغرب.

ويرى فاروقي (2002: 3 Farooqui) أن علم الاجتماع الكونتي [نسبة إلى أوغست كونت] يتناول الظواهر الاجتماعية بطريقة علمية، كتلك المتبعة في دراسة الظواهر الطبيعية، حيث يكون جل اعتماد الباحث على المعرفة الحسية، كما تتجاهل هذه الطريقة حقيقة أن الوجود البشري يتشكل من المعنى الذي يفهم به الناس الواقع الاجتماعي؛ وبناء عليه فإن المعرفة التي يقدمها علماء الاجتماع عن الظواهر الاجتماعية باتباع هذا المنهج محكومٌ عليها بأن تظل معرفة ناقصة؛ وفي نفس الوقت، فإن هذه المعرفة غير الكاملة، هي أيضًا نتيجة لحقيقة أن علماء الاجتماع لا يكلفون أنفسهم عناء دراسة الجوانب المعرفية والأنطولوجية، للظواهر الاجتماعية (أو “الطبيعية” من وجهة نظرهم) لأنهم يرونها صعبة أو إشكالية أو غير ذات صلة (Farooqui, 2002: 6-8).

ومن ناحية أخرى، يُركّز رجب (1992 و 1996 C) على نقد التيارات الوضعية/التجريبية في العلوم الاجتماعية، حيث يرى أن هذا الاتجاه أدى إلى عدم الاعتراف بوجودٍ آخر غير وجود “المادة”، واعتبار “المادية” جزءًا لا يتجزأ من المنهج العلمي نفسه، مما أدى إلى صياغة نظرة “ميكانيكية” للكون. كما أدى هذا الاتجاه أيضًا إلى استبعاد شبه كامل للأبعاد “الروحية” والدينية، في المجتمع البشري. وبعبارة أخرى، لن تقدم العلوم الاجتماعية -بهذا المنهج- سوى فهم غير مكتمل للظاهرة البشرية. ولذلك يسمي فاروقي (2002: 8) الصورة التي رسمتها العلوم الاجتماعية الغربية للواقع الاجتماعي بـ”الواقع المتمركز حول المادة” في مقابل “الواقع المتمركز حول الروحانية أوالله”.

إلا أن عشوي (بدون تاريخ: 23) يشير إلى أن: الاتجاه الوضعي التجريبي في العلوم الاجتماعية، لا يمثل إلا أحد التيارات “الإلحادية” في العلوم الاجتماعية. ولجهل بعض الباحثين المسلمين؛ فإنهم ينتقدون الاتجاهات الأخرى غير الإلحادية، التي ينبغي أن تكون مقبولة لدى المسلمين. كما أخذ على عاتقه بيان خطأ انتقادات بعض الباحثين المسلمين، تلك الانتقادات التي رأى أنها كانت عاطفية وسطحية. ويبدو أن هذا النقد كان قويًا، خصوصًا بعد قراءة أعمال مثل: “الإسلام وعلم الاجتماع: دراسة مقارنة للإسلام ونظامه الاجتماعي” لمصلح الدين Muslehuddin (1999). حيث ينقسم كتاب مصلح الدين إلى قسمين: ينتقد في الأول علم الاجتماع الغربي، ثم يَعرض في الثاني النظام الاجتماعي الإسلامي. إلا أن نقده لعلم الاجتماع، يكشف عن ضعف في الطرح وسطحية في المناقشة، إذ أن انتقاداته الرئيسية موجهة بشكل أساسي إلى نظريات اجتماعية عفا عليها الزمن، مثل نظريات: كونت وسبنسر، وهي نظريات لا تمثل الآن أهمية تاريخية إلا للمبتدئين في علم الاجتماع.

ويعترف فاروقي (2002: 3) بأن ماكس فيبر استطاع أن يلفت النظر إلى أهمية تعقيد الظواهر الاجتماعية التي يعزو الأفراد إليها معانٍ متعددة، فقد “لاحظ فيبر أن علم الاجتماع يجب أن يَدرس ويُحلل المعنى [لدى الأفراد] من أجل فهم الطبيعة الحقيقية للفعل الاجتماعي” (Farooqui، 2002: 3).

ويشير رجب (1996 C) إلى أن التطورات الجديدة في العلوم أدت إلى البحث عن نماذج ومناهج بديلة في العلوم الاجتماعية، مثل: التأويلية والظاهراتية. كما وجد رجب أن: “النظرية التكاملية للحقيقة والواقع، التي قدمها سوروكين -على وجه الخصوص- تزودنا بأكثر الأسس المعرفية الواعدة لتقديم إجابات شافية على الأسئلة التي يطرحها نقد التيارات الوضعية/التجريبية. فهي لا تساعد على تحريرنا من قيود التقاليد الوضعية/التجريبية فقط، بل تسمح لنا أيضًا بتجاوز الأخطاء التاريخية السياسية للصراع بين الكنيسة والعلم”. (Ragab, 1996c: 11). بقي أن نرى ما إذا كان إيمانه بنظرية سوروكين قد آتى ثماره أم لا، لكنه -على كل حال- محق في الإشارة إلى أن التيار الوضعي/التجريبي في العلوم الاجتماعية كان ثورة ضد هيمنة الكنيسة واحتكارها لبنية المعرفة؛ لذلك فإن التيار الوضعي/التجريبي -في أقصى صوره- هو بالضرورة مناهض للدين، ونتيجة لذلك فلن يقبله المؤمنون ما لم يعاد ترميمه.

وتذهب دايفيز (1988) في كتابها العميق “لتعارفوا: نحو بناء أنثروبولوجيا إسلامية” إلى أن العلوم الاجتماعية عموما، والأنثروبولوجيا خصوصا، ليست محايدة أو خالية من المعيارية القيمية، بل هي مبنية اجتماعيًا؛ وعليه فهي محملة بالقيم الغربية ومتحيزة لمصالح الغرب. وتشير دايفيز إلى أن مفاهيم مثل: “الآخر” و”البدائي” في الأنثروبولوجيا تقوم بالأساس على اعتبارات عرقية، وتستند إلى منظومة القيم الغربية، حيث ينطوي مفهوم “الآخر” على التمييز بين الغربيين -باعتبارهم مستعمِرِين ومبشِّرِين- وبين المجتمع الذي يتناولونه بالدراسة. وانطلاقًا من هذه النظرة فـ”المعرفة” تسير في طريق أحادي الاتجاه، حيث يشير مفهوم “البدائي” إلى: الغرب المتقدم والمتفوق [في مقابل الآخر البدائي المتخلف]. ومن هنا ترى دايفيز أن مشروع الأنثروبولوجيا بأكمله يهدف بالمقام الأول إلى خدمة مصالح الغرب، ومن ثم فإن ما يُقدَّم في هذا الحقل من دراسات لا تلتفت إلا إلى ما يريد الممولون معرفته؛ ولا يمكن لحقل معرفي نشأ وتطور في ظل هذه الظروف المتحيزة أن يكون ذا قيمة بالنسبة للمسلمين، الذين يؤمنون بالحوار المتبادل.

وردًا على النقد الذي وجهته دايفيز، شعر عشوي (بدون تاريخ: 30) أن مصدر المشاكل لا يكمن في العلوم الاجتماعية بحد ذاتها، بل في “التمركز حول الذات”، وفي تحيزات أو أيديولوجيات علماء الاجتماع، أو المنظمات التي يعملون بها؛ التي تفرض عليهم الاستجابة إلى استراتيجيات معينة وتحقيق متطلباتها الخاصة. ومع ذلك، يجب على المرء أن يكون حذرًا من أن حركة “أسلمة المعرفة” نفسها يمكن أن تُنتَقد، أيضًا، بأنها تخدم احتياجات القوى السياسية المهيمنة. (Noor, 2003; Horstmann, 2004).

 

المعايير الإسلامية: الحياة الاجتماعية والعلوم الاجتماعية

تتفق عامة أدبيات أسلمة العلوم الاجتماعية على أن العلوم الاجتماعية يجب أن “تتواءم” مع المعايير الإسلامية للحياة الاجتماعية، وإلا يجب إعادة بنائها لتتماشى مع هذه المعايير.

من الصعب على غير المسلمين الحكم على صحة أو صلاحية التمثلات المختلفة للمعايير والمفاهيم التي وضعها الإسلام للحياة الاجتماعية. ومع ذلك، فمن بين المفاهيم الإسلامية المتعددة يبدو أن مفهوم التوحيد هو قطب الرحى؛ فلا يقبل الإسلام فصل فضاء “الحقيقة” عن فضاء “المعرفة”.

والأهم هنا، هو كيف يمكن استخدام المعايير الإسلامية للحياة الاجتماعية لإعادة بناء العلوم الاجتماعية، أو تعديلها لتتلاءم معها؟ وما هي آثار هذه العملية (إعادة البناء أو الملاءمة)؟ وهنا يتفرق الباحثون المسلمون أيدي سبا.

يقدم فاروقي (2002: 41-44) ملخصًا جيدًا لمقاربات أسلمة العلوم الاجتماعية؛ أولى هذه المقاربات هي “مقاربة إعادة البناء”. ووفقًا لهذا النهج، يجب أن تتعرض العلوم الاجتماعية لتحليلٍ نقدي وتتحرر من التأثير الغربي. ثم يجب “إعادة بنائها عن طريق تفكيك الاتجاهات الحالية في الفكر الاجتماعي الإسلامي، والأفكار الغربية الاجتماعية” (Farooqui ، 2002: 42).

وفي حين نرى فاروقي يقبل بعض الأفكار الاجتماعية الغربية، فإن دايفيز (1988: 113-172) تدافع عن تأسيسٍ للعلوم الاجتماعية يقوم حصريًا على المفاهيم الإسلامية، وتقول: “إننا نؤكد أن الأنثروبولوجيا الإسلامية يجب أن تستهدف فهمَ طبيعة، وشروط، ومعنى، وآثار الانسجام في دراستها للبشرية باعتبارها وجودًا جمعيًّا” (Davies, 1988: 113). وصحيحٌ أنها اقترحت مخططًا مفاهيميًا؛ لكنها لم توضح كيف يمكن الوصول إلى ذلك.

هناك جانب آخر مهم؛ فمن أهداف الأنثروبولوجيا الإسلامية -وفقًا لدايفيز- هو أن هذه الانثروبولوجيا تهتم بدراسة البشرية باعتبارها أمة، بمعنى أننا “نسعى لاستكشاف كيفية عمل المجتمع كنظامٍ من شأنه أن يُسهِّل التجسيد المتناغم للقيم الأخلاقية، مشكلًا بذلك بيئة محفزة على السلوك القويم. أو كيف يتحول إلى بيئة تُعيِق التشكلات التي يتطلبها التزام القيم الأخلاقية داخل أسلوب الحياة؛ وبناء عليه تضعف القدرة على ممارسة السلوك القويم”.(Davies، 1988: 129) لذلك، الأنثروبولوجيا الإسلامية هي معيارية بالضرورة، وغايتها خدمة الهدف النهائي الذي وضعه الله للبشرية؛ وبعبارة مختصرة: الأنثروبولوجيا الإسلامية غائية، وهذه نقطة محورية في كتاب دايفيز.

من الآثار المترتبة على تأسيس هذه الأنثروبولوجيا الإسلامية، هي أنه لن يكون هناك أي تمييز بين المجتمعات المتقدمة والحديثة والبدائية، ولا أي تمييز بين علم الاجتماع والأنثروبولوجيا. في الواقع، تخلى علماء الأنثروبولوجيا عن مصطلح “بدائي” منذ فترة طويلة، كما ضاقت الهوة الفاصلة بين الأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع على مر السنين.

وما يثير الفضول، هو كيف يمكن للأنثروبولوجيا الإسلامية تطبيق مفهوم الأمة على كل من المجتمعات المسلمة وغير المسلمة على حد سواء، ودراستها كما لو كانت أمة واحدة؛ في الوقت الذي يأسف فيه علماء المسلمين من سوء فهم العالم للمجتمعات الإسلامية، وتجاهل شخصيتها المميزة، وهذا ما لم يرد ذكره في كتابها.

إن المشترك الذي لا يزال قائمًا بين الأنثروبولوجيا الغربية والأنثروبولوجيا الإسلامية، هو اسم “الأنثروبولوجيا”، لكنه في الجانبين يشير إلى معانٍ مختلفة تمامًا؛ ويبدو أن المصطلح نفسه يستخدم بدافع ملاءمة ومضاهاة المصطلحات الغربية!

يأمل المرء أن تكون الأنثروبولوجيا الإسلامية الجديدة ممارسة ثنائية الاتجاه، وحوارًا بين أولئك الذين يَدرِسون والذين يُدرَسون، وبين الأنثروبولوجيا الإسلامية والأنثروبولوجيا الغربية، وأن تقدم لعلماء الأنثروبولوجيا فرصة للتفكير في مجتمعهم وثقافتهم (في هذه الحالة: المجتمعات والثقافة الإسلامية)؛ بما يقوض البناء الأحادي الاتجاه للمعرفة (Davies, 1988: 6-7). كما أن نهجها ونطاقها سيكونان خاليين من كراهية الأجانب. ولكن إذا فُهِم بأن “نهج إعادة البناء” يعني، بالضرورة، تجاهلًا تامًا لإنجازات الغرب= فقد يؤدي ذلك إلى نتائج عكسية.

والمقاربة الثانية -وفقًا لفاروقي (2002: 43)- “طورها (مكتب الجمعيات التمهيدية لموسوعة العلوم الإسلامية) ووصفت بأنها “سوسيولوجيا فيغاتي الجديدة Fighati’s New Sociology “. ووفقًا لهذا النهج، يجب على علم الاجتماع أن يكتشف القواعد الربانية التي وضعها الله لسلوك سبيله، وتحقيق التميز الأخلاقي وابتغاء مرضاته، و”يتوجّب -حسب ما ترى المجموعة- الوصولُ إلى المنهجية العلمية وفق قواعد الحياة الاجتماعية المبنية على (القوانين المعيارية) و(الأحكام التكليفية) و(القوانين الوصفية)، وهذه القوانين والأحكام موجودة في الفقه التقليدي الذي يمكننا أن نستنبط منه القوانين الإلهية، وأن نعتبرها قاعدة المعرفة والإدارة الاجتماعيتين”.

ويدعو فاروقي (2002: 20) إلى قبول المستويات الإسلامية التقليدية الثلاثة للمعرفة في علم الاجتماع، وهي: (1) المعرفة بالاستدلال. (2) المعرفة بالإدراك الحسي. (3) المعرفة بالحدس والبديهة. أما كيف يمكن أن يكون الحدس -الذي يُقصد به “يقينٌ ينقدح في القلب”- علميًا فهو أمر غير واضح. قد تُرمى هذه المقاربة بتهمة الدعوة “لسيطرة منهج البحث الفقهي على العلوم الاجتماعية، وهو منهج أكثر قدرة على التعامل مع النصوص والأشكال النظرية”(Achoui، بدون تاريخ: 24). كما قد يقال: إن في هذه المقاربة خلطًا بين الفلسفة الاجتماعية، والعلوم الاجتماعية؛ فالفلسفة الاجتماعية (الفقه) تهدف إلى: توضيح القواعد الإلهية، أو المبادئ الأخلاقية، واستنباط قواعد السلوك منها؛ وهي “ليست مصممة لشرح الظواهر الاجتماعية والعلاقات السببية بينها، ولا لتتبع واستخراج القواعد التي تحكم هذه الظواهر. لذلك من الظلم أن يُطلب من الفقه أن يتحمل عبئًا لا يستطيع تحمله” (Achoui، بدون تاريخ: 18)؛ بمعنى: أننا يجب ألا نخلط بين “ما يجب أن يكون” و “ما هو كائن حقيقة”.

والمقاربة الثالثة، التي تبناها معظم علماء الاجتماع المستقلين، هي دراسة الأفكار الاجتماعية في أعمال المفكرين المسلمين (Farooqui، 2002: 43)؛ فمن الواضح أن هناك اهتمامات واسعة بالأفكار الاجتماعية في أعمال عدد من المفكرين المسلمين، مثل: ابن خلدون، وشاه ولي الله الدهلوي؛ حتى أن فاروقي (2003) نفسه مهتم بعمل الدهلوي.

وقد نعود، الآن، إلى المقاربة أو الاستراتيجية الأصلية لأسلمة العلوم الاجتماعية، تلك التي دعا إليها إسماعيل الفاروقي، والتي دافع عنها رجب (1992 ؛ 1996 A ؛ 1996 B ؛ 1996 C ؛ 1997 ؛ 1999) بقوة في سلسلة من المقالات؛ ولعلها الاستراتيجية الأكثر قبولًا بين علماء الاجتماع، على الرغم من أن بعض الباحثين المسلمين قد يرون أنها ليست “إسلامية” بدرجة كافية.

وبالنسبة إلى رجب (1999: 41-49) فإن عملية أسلمة المعرفة تنطوي على مرحلتين، هما: بناء متكامل بين التنظير والتحقق من الصحة؛ وذلك من خلال البحث والممارسة؛ ثم بناء تصور يراعي “العلاقة الديالكتيكية بين النظرية والبحث”. ويعد التفاعل بين هذه المراحل مهمًا لأنه يغطي الأساس النظري والتطبيقي للعلوم الاجتماعية الإسلامية.

والهدف في المرحلة الأولى، هو صياغة إطار نظري متكامل لتوجيه التطبيق لاحقًا. ويتضمن ذلك مراجعة نقدية ومنهجية وشاملة لأدبيات العلوم الاجتماعية ذات الصلة، والمواد الإسلامية المتعلقة بالموضوع محل البحث، وذلك بهدف بناء إطار نظري متكامل. ولسنا هنا أمام نظرية شاملة على مستوى عالٍ، بل هي أقرب إلى نموذج يمكن التحقق من صحته بالبحث.

وفي المرحلة الثانية، تُصاغ بعض الفرضيات من الإطار النظري المتكامل؛ لاختبارها باستخدام منهجيات تحليلية مقبولة، مثل التحليل الإحصائي والمقارنة والتفسير. وبناءً عليه فإن الفرضيات التي يتم تأكيدها ستُنتِج ملاحظات جديدة ومُثبَتة، وإذا رُفِضت كافة الفرضيات ستتكرر العملية بأكملها حتى يتم الوصول إلى استنتاجات صحيحة.

ووفقًا لما ذكره رجب (1999: 46-47) فإنه: “لا يمكن اعتبار هذه الصيغ صحيحة بداهة؛ فحقيقة أنها تستند إلى آيات من القرآن وأحاديث صحيحة لا تجعلها مقدسة، لسبب بسيط، وهو أننا عادة لا نبني تنظيرنا المتكامل على آية واحدة من القرآن أو حديث صحيح له معنى محدد”. من ناحية أخرى، باستخدام هذه الطريقة، فإننا ندرس ما هو غير مرئي من خلال التركيز على تفاعل غير التجريبي مع التجريبي”، وقد يعني هذا صقل بعض أساليبنا وتقنياتنا الحالية، لجعلها حساسة بدرجة كافية لتتمكن من اكتشاف هذه “الإشارات الداخلية”. (Ragab، 1999: 48).

ويُوضِح رجب (1992، 1996 C) كيف تعمل هذه الطريقة في بناء النظرية، كما يوضح كيف ستعمل في الممارسة العملية من خلال تطبيقها على دراسة المشاكل النفسية والاجتماعية (رجب، 1997). إلا أن رجب يعترف أن هذه الطريقة ليست ثورية كما تبدو، لأن هذه الطرق معروفة ومتبعة من قبل في العلوم الاجتماعية، وما هذه إلا صورة معدلة منها (Ragab، 1996 B). وعلى الرغم من أنه ينتقد فيبر في مقالته عن الإسلام والتنمية، إلا أن الطريقة التي يقترحها هي أساسًا طريقة فيبر (Ragab، 1980)، ويمكننا فهم إطاره النظري على أنه نمط مثالي داخل السياق الفيبري[2].

في الواقع، يمكننا أن نرى من خلال ما أنتجته حركة أسلمة العلوم الاجتماعية، أن علماء الاجتماع المسلمين هم أقل حدة في نقدهم لفيبر من دوركايم وفريقه، فهم ينتقدون “قراءته الضعيفة” للإسلام والمجتمعات الإسلامية، أكثر من نقدهم للمنهج الذي اتبعه. ويبدو أن تبني منهجًا فيبيريًا معدلا هو أحد أكثر الخطوات حكمة بالنسبة للبحث الإسلامي في العلوم الاجتماعية، وذلك لكسب قبول المسلمين وعلماء الاجتماع على حدٍ سواء؛ وإلا فقد تضطر الدراسات الإسلامية إلى اتباع المسار الذي دعت إليه دايفيز (1988)، والمكافحة من أجل مواكبة الغرب.

ولعل تبني “موقف التكامل” سيضمن أن تتمتع الدراسات الإسلامية في العلوم الاجتماعية بأفضل ما في العالمين الإسلامي والغربي.

 

خاتمة

ما يزال مشروع أسلمة المعرفة في العلوم الاجتماعية في مهده بالفعل، وسواء سلك العلماء المسلمون طريق إعادة البناء، أو مسار التكامل= فإن الرحلة ستكون بالتأكيد طويلة جدًا، وستواجه العديد من العقبات. وأكبر هذه العقبات هي: النزعة المحافظة، وكراهية الأجانب. كما أن المناخ السياسي الحالي بين الدول الإسلامية والغرب بعيد كل البعد عن كونه مواتيًا، كما تُشِير سيتيا Setia (2005: 1).

وبعد ما يقرب من ثلاثة عقود من رفع شعار أسلمة المعرفة، أشعر أن هذا الإنتاج الفكري بحاجة إلى مزيد من التوضيح، وذلك باستخدام مصطلحات يمكنها أن توفر توجيهًا عمليًا للعلماء ممن هم غير مطلعين على تاريخ وفلسفة العلوم الإسلامية والحديثة.

إن الشيء الوحيد الذي أدركته جميع أطراف النقاش هو: أن حركة أسلمة العلوم يجب أن تقدم ما هو أكثر من مجرد الاستشهاد بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي لها صلة بالموضوع؛ لأن التحدي الفكري الحقيقي يكمن في توضيح المساهمة التي يمكن أن يقدمها النص الديني، باستخدام مصطلحات مفاهيمية غنية بما يكفي لبلورة وتشكيل محتوى واتجاه البحث العلمي التجريبي القائم بالفعل.


الهوامش

[1] – مسألة اعتبار العلوم الاجتماعية “غربية” أو “إسلامية” هي موضوع نقاش بحد ذاته.

[2] – وهو ما فعلته دايفيز (1988, 11-26).

المراجع

  1. Achoui, M. (undated). Social Sciences and religion: what is the relationship? Occasional Paper , Department of Psychology, International Islamic University Malaysia.
  2. Davies, M. W. 1988. Knowing One Another: Shaping An Islamic Anthropology , London and New York: Mansell Publishing Limited.
  3. Farooqui, J. 2002. Towards An Islamic Sociology , Kuala Lumpur: International Islamic University Malaysia.
  4. —– 2003. Sociological thought of Shah Wali Allah Al-Dehlawi, The Islamic Quarterly , Vol. XLVII, No. 3.
  5. Horstmann, A. 2004. Mapping the terrain: politics and culture of Islamization of knowledge in Malaysia, Kyoto Review , issue 4. http://kyotoreview.cseas.kyoto-u.ac.jp/issue/issue4/article_339_p.html.
  6. Muslehuddin, M. 1999. Sociology and Islam: A Comparative Study of Islam and Its Social System , Kuala Lumpur: Islamic Book Trust.
  7. Noor, F. A. 2003. Review of Mona Abaza, Debates on Islam and Knowledge in Malaysia and Egypt: Shifting Worlds , H-Net Reviews. http://www.h-net.msu.edu/reviews/showrev.cgi?path=28021106983086.
  8. Ragab, I. A. 1980. Islam and development. The Islamization of Social Sciences: English Papers. http://www.ibrahimragab.com/ebooks-16.
  9. —– 1992. Islamic perspectives on theory-building in the Social Sciences. Paper submitted to the 21st Annual Conference, Association of Muslim Social Scientists, East 10. Lansing, Michigan, Oct 30-Nov 1, 1992; Jumada Alwal 3-5, 1413. http://www.ibrahimragab.com/ebooks-15.
  10. —– 1996a. On the nature and scope of the Islamization process: towards conceptual clarification. The Islamization of Social Sciences: English Papers. http://www.ibrahimragab.com/ebooks-14.
  11. —– 1996b. Creative engagement of “modern” Social Science scholarship: a significant component of the Islamization of Knowledge effort. Paper Submitted to the Workshop on Islamization of Knowledge, Organized by the Kulliyah of Islamic Revealed Knowledge and Human Sciences, in Port Dickson, Negeri Sembilan, Malaysia, June 7-11, 1996. http://www.ibrahimragab.com/ebooks-13.
  12. —– 1996c. Towards a new paradigm for Social Science research. Paper submitted to the Fourth International Social Sciences Methodology Conference, University of Essex, Colchester, UK, July 1-5, 1996. http://www.ibrahimragab.com/ebooks-1.
  13. —– 1997. Dealing with psychosocial problems: application of the Islamization of Social Science methodology. Paper submitted to the Second Integration Workshop, organized by the Kulliyah of Islamic Revealed Knowledge and Human Sciences, Sept 1997. http://www.ibrahimragab.com/ebooks-17 (revised).
  14. —– 1999. On the methodology of Islamizing the Social Sciences, Intellectual Discourse , 7 (1): 27-52.
  15. Setia, A. 2005. Islamic Science as a scientific research program: conceptual and pragmatic issues, Islam & Science , Summer. http://findarticles.com/p/articles/mi-m0 QYQ/is13/ai_n13826894.

 

أعجبني المقال

المصدر
malaysian-chinese

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى