عام

الرياضيات المتقدمة نهضةٌ إسلامية في العصور الوسطى

  • ماري كارمايكل
  • ترجمة: أفنان نويد طيب
  • مراجعة: مصطفى هندي
  • تحرير: مريم سالم

السبق الإسلامي: اتضح أن البلاط في العمارة الإسلامية في العصور الوسطى يجسد رؤية رياضية يعتقد الغربيون أنهم اكتشفوها قبل 30 عامًا فقط.

حمل الماضي أسرارًا مقدسة، فعلى جدران المزارات في الشرق الأوسط، نقشت رسائل مشفرة عما يطلق عليه “النسبة الذهبية المقدسة”، ولا بد أن يتساءل قراء العدد الجديد من مجلة العلوم عن إمكانية التقاطهم لـ “شيفرة دافنشي” عن طريق الخطأ! فعلى امتداد البلاطات المبهمة والمنقوشة على مبان إسلامية عمرها حوالي 500 عام، اكتشف بيتر لو وبول ستينهاردت جزءًا كبيرًا من نمط رياضي لم يكن معروفًا لدى العلم الغربي حتى سبعينيات القرن الماضي. لقد قدم الإسلام “علم الجبر” للعالم، وكلمة الجبر هي مصطلح عربي يشير إلى ما يسمى بـ “المعادلة الأساسية”. لكن هذا النمط المكتشف بعيد كل البعد عن ما هو أساسي، إنه ناشئ من رياضيات أكثر تقدمًا وعمقًا. يقول كيث كريتشلو مؤلف كتاب “الأنماط الإسلامية”: “المضحك في الأمر، أن الغرب ظل يحدق بوجه هذا النمط طويلاً. بكل بساطة لإننا لم نكن قادرين على قراءته”، الآن و قد أصبحنا قادرين على ذلك، فإنه يقدم مؤشرًا مذهلًا على مدى الإنجاز الذي وصل إليه مسلمو العصور الوسطى.

لا أحد يعلم المصطلح الذي أطلقه المعماريون على الأنماط المعقدة في البلاطات قبل 500 عام، لكن العلماء اليوم يطلقون عليها اسم “الدوائر شبه البلورية ذات التناظر المحرم”، وهنا لا تشير كلمة محرم إلى أسباب دينية بالطبع، بل لأنه يبدو مستحيل البناء من النظرة الأولى.[1] خذ نمطًا من البلاط المثلث وقم بتدويره حوالي الثلث، سينتج عنه نمط مطابق. الأمر ذاته ينطبق على البلاط المستطيل (الذي يبدو مثلما كان عند تدويره بمقدار الربع)، وكذا السداسي (عند تدويره بمقدار السدس). لكن التشابكات الخماسية الخالصة لا يمكنها أن تتواجد ببساطة، فالأشكال ذات الخمسة أوجه لا يمكنها أن تتداخل مع بعضها البعض دون أن تترك فراغًا، ولا توجد طريقة لوضعها في نمط يكون مماثلًا لسابقه إن دُوّر بمقدار الخمس.

وفي عام 1973، حدث تقدم مفاجئ أدى إلى إزالة كلمة “محرم” من جملة “التناظر المحرم”، وذلك باستخدام شكلين بدلاً من واحد لبناء شبكة من خمس طيات، حدث ذلك عندما قام الرياضي -و الذي كان قد استستلم أمام الأشكال الخماسية- السيد روجر بينروز بتصميم نمط من خمس طيات يحتوي على أشكال أطلق عليها مسمى “طائرات ورقية” و”سهام”. لقد كان أول غربي (وفي ذلك الوقت اعتُقد أنه الأول على الإطلاق) يقوم بذلك، ومن ثم فإن ما أبدعه قد تحول إلى خواص رياضية مذهلة. أي قطعة منه، تحتوي على عدد من “الطائرات الورقية” و”السهام”، يمكنها أن تقسم بشكل لا نهائي إلى أنماط غير متكررة من طائرات ورقية وسهام أصغر.

وكلما زاد عدد الأشكال الصغيرة في النمط، اقتربت نسبة الطائرات الورقية إلى السهام من “النسبة الذهبية”، وهي عدد مقدس بشكل عملي عند الرياضيين اكتشفه فيثاغورس، كما أنه عدد دائري ما يعني أن بإمكانه الامتداد إلى عدد لا حصر له من الأرقام العشرية (الرقم الحقيقي هو 1.618033989 إلخ) وهو مرتبط بمتتالية فيبوناتشي المشهورة، ورأيناه في كتابات الفلكي يوهانز كيبلر وليوناردو دافنشي أيضًا. كما تواجدت هذه النسبة في المستوى الذري، ففي ثمانينيات القرن الماضي، اكتشف الفيزيائي ببرينستون ستينهاردت متسلحًا ببصيرة بينروز، أن ترتيب ذرات بعض المواد الكيميائية تكون على شكل “دوائر شبه بلورية” تمامًا كتلك الموجودة في الشبكة خماسية الطيات.

يبدو أن المسلمين في العصور الوسطى، كانوا على دراية بجزء من هذه الرياضيات. فعلى جدار أحد الأضرحة في إيران وجد لو نوعين من البلاطات الكبيرة المقسمة إلى أخرى أصغر منها من ذات الشكل  وبنسبة قريبة من النسبة الذهبية. ولا مجال للشك في أن البنائين كانوا على علم بهذه النسبة، كونهم ورثوا وطوروا كل العلوم عن اليونانيين كما يقول كريتشلو. أما أستاذ الفنون الإسلامية بجامعة هارفارد جورلو نيسيبوغلو فقد قال: “لم يكن إبداع الإنسان سوى تقليد مجرد لعجيب خلق الإله”، فعلى سبيل المثال، كانت بعض الأنماط الهندسية تصور النباتات والنجوم. وعلى مر العصور الوسطى وما بعدها يقول ستينهاردت أن المسلمين “كانوا مندهشين بتناظر الطيات الخماسية وحاولوا دومًا دمجها بتصاميمهم، وإذ تنتهي الأنماط بفراغات، فقد سدت بذكاء بالغ عن طريق وضع باب أو إطار نافذة حتى لا يمكن معرفة الثغرة”، وكان الأمر ناجحًا في المباني التي فحصها لو.

يقول لو إنه بالرغم من أن تاريخ بلاطات أنماط بنروز يعود إلى القرنين الرابع عشر والخامس عشر، كانت نفس الأشكال من نقوش البلاط “تستخدم في العالم الإسلامي في العصور الوسطى لخلق جميع أنواع الأنماط” لمئات السنين وما بعدها. إن زخرفة التوبكابي، وهي قطعة أثرية فنية فارسية تعود إلى أواخر القرن الخامس عشر وبدايات القرن السادس عشر، تظهر لنا تصاميم مشابهة. وربما تكون هناك مفاتيح عديدة تبين براعة المسلمين في نقوش البلاط في مساجد إيران وتركيا والمدارس الدينية ببغداد والأضرحة في أفغانستان والهند، وكلها ستلائم الصورة المعروفة عن المجتمع الإسلامي في العصور الوسطى بأنه مجتمع متحضر. يعلم العلماء الآن أن المسلمين في ذلك العصر كانوا قادرين على حل معادلات من الدرجة الثالثة وما فوق، وهي أصعب من معادلة الدرجة الثانية X2 المهمة جداً في علم الجبر. كما كان لديهم حواسيب ميكانيكية، وقد فاق علمهم في الطب والفلك علم الأوروبيين في ذلك العصر.

لسوء الحظ، لم تصلنا أية وثائق عن كيفية قيام المسلمين قديمًا بتصميم الأنماط خماسية الطيات وتصورهم للرياضيات الكامنة فيها، لإن القليل من علماء المسلمين من قام بنشر وكتابة اكتشافاته على نطاق واسع. يقول ديفيد سيلسين وهو عالم حاسوب من جامعة واشنطن” ليس عليك بالتأكيد أن تفهم الرياضيات المتقدمة لتكون قادرًا على تطبيقها”. يوافق لو أنه لا داعي لإيجاد تفسير حديث لوجود بلورة شبه دورية في حضارة قديمة، لكنه أيضًا يقول إن التصميم النمطي لم يكن صدفة، ويضيف: إنه إنجاز مذهل، بغض النظر عن طريقة بنائه” خاصة أن أعين العالم أصبحت قادرة على رؤيته.

اقرأ ايضاً: هل هناك مدينة اسلامية؟


[1] الأمر ببساطة لغير المتخصصين: هو أن الأنماط الخماسية شبه البلورية هي أشكال من القرميد أو الآجُرّ أو البلاط تغطي كل الحيز دون فراغات، ولكنها تفتقر إلى التماثل الانتقالي، والنظرية الكلاسيكية للبلورات تسمح فقط ب 2 و 3 و 4 و 6 مرات من التناظر الدوراني، ولكن شبه البلورة الخماسية تظهر درجات أكبر من التماثل (الطيات). يمكن أن تكون في حالة وسطية بين البلور والزجاج. وهي مثل البلورات، لكن بنية البلورات لها تكرار بسيط، في حين أن شبه البلورات هي أكثر تعقيدا. وهذه صورة توضيحية.

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى