فكر وثقافة

هل اللسانيات علم؟!

كثير من النظريات اللغوية تجريدية للغاية، وتعتمد على الأدوات النظرية التي قد يكون من المستحيل شرحها

  • أريكا أوكرنت*
  • ترجمة: عبد الباري العمري
  • تحرير: عبد الله أحمد الغامدي

“العلم” شيء معقد، ولكنه كباقي الأشياء ذات النهايات المفتوحة والحواف المتّسقة المحددة، نعمد فيه للتقسيم حتى نستطيع فهمه، فلدينا – مثلاً – سمات المنهج العلمي: الملاحظة، والتجريب، والقوانين المبنية على الاستقراء من خلال تسلسل أحداث طبيعية. ولكننا – بالمقابل – لدينا مصدر متجدد من النموذج السردي، وهو الأحداث التي تحدث مصادفة فينتج عنها – على حين غرة – كشوفات وفتوحات: فنسمع عن البطل الذي يسعى للحقيقة على الرغم من الصعوبات والتحديات التي قد تصل لوضعه في خطر محقق، وهي الحقيقة التي تتحدى الصورة النمطية والنظريات الشائعة فتضرب بها عرض الحائط.

أنتج لنا التداخل بين هذه النماذج حركةً ثقافية، فحصل جدل طويل ونقاش لم ينته حول طبيعة اللغة ومَنشَئها؛ ومؤخرًا، اشتعل الموضوع مرةً أخرى في الرأي العام بعد نشر كتاب “مملكة الخطاب” للكاتب توم وولف.

في طرح وولف الجديد: النظرية العلمية المسيطرة والسائدة هي مفهوم نعوم تشومسكي للقواعد اللغوية المشتركة، وهي تفترض أن كل اللغات بينها مشتركات أساسية أتت من طبيعة الإنسان البيولوجية عن طريق التطور. نقطة الفصل في الفرضية تكمن في أنها ترى أن اللغة مبنية على التَّكرار والتجدد، ومن هنا تملك القدرة على تركيب عبارات إزاء الأشياء بشكل لا نهائي، وبالتالي يمكنها التعبير عن أعقد الأفكار والعلاقات (كـ “محمد يقول أن أحمدًا يدّعي أن زيدًا يؤمن بكذا وكذا..”).

ولكننا نواجه تحدّيا كبيرًا أمام حقيقة وجود لغة ليست مبنية على التكرار، وهي لغة قبائل الأمازون الـ ” Pirahã بيراها“. النقاش العلمي يشبه قصة داود وجالوت، حيث تشومسكي هو المفكر المشهور القاطن في برجه العاجي مواجهًا التحديات للحفاظ على منصبه أمام مبشر مسيحي سابق اسمه دانيال إيفيريت.

نادرا ما تأتي القصص الدرامية في أي فرع من فروع العلوم، وهذا أقل بكثير – نسبيًا – عند الحديث عن مجال غامض كمجال اللسانيات النظرية. ولكن الحقيقة تبقى دائما معقدة أكثر من التصنيفات والمثاليات التي نضعها في محاولة الفهم. في هذه الحالة، التفاصيل تقود نفسها بشكل جيد إلى مكامن الإثارة، وبشكل عميق يميل إلى التبعية أكثر. المسألة ليست الخلاف بين إيفيريت ونظرية تشومسكي، بل هو التحدي القائم بين تشومسكي والمنهج العلمي.

ردّة الفعل المضادة هذه أخذت نفس شكل رد تشومسكي على إيفيريت؛ فهي تقول إنه حتى وإن كانت لغة أهل الأمازون “بيراها” لا تحوي تكرارا، فإنها لا تلغي – ولو قليلا – نظرية النحو الكلي التي يتبناها تشومسكي.[1] فالقدرة أو الملكة اللغوية كامنة وموجودة، حتى وإن لم تُستغل دائما. وكما صاغ تشومسكي وزملاؤه هذه النظرية في ورقة بحثية مشتركة، فإن “هيئات تعليم اللغات توفر لنا عددًا من أدوات بناء اللغات، ولكن ليس كل اللغات تستعمل جميع الأدوات”. هذا يبدو مثيرًا للريبة، فهو يبدو كتحدٍ للسمات الأساسية التي تخص الطراز العلمي الذي طُرح أول مرة من قبل الفيلسوف كارل بوبر، إذ لا تكتسب النظريات سمة “العلمية” حتى يكون لها سمة قابلية الدحض؛ فادعاؤك أن التكرار سمة أساسية للغة، بينما توجد لغات حيّة لا تملك هذه السمة، ولا ترى أن ذلك يدحض ادعاءك = إذن فما هو الشيء الذي يمكنه دحض هذا الادعاء؟[2]

في مقابلة صحفية أجريت عام 2007 مع منظمة edge ، قال إيفيريت أنه بعث بريدًا لتشومسكي يقول له فيه: “ما هو التكهّن الذي ينتج من النحو الكلي وأستطيع دحضه؟ كيف أستطيع اختباره؟”، قال إيفيريت بعدها أن تشومسكي رد عليه بأن النحو الكلي لا يُنتج أي تكهّنات، بل هو عبارة عن ساحة دراسة تشبه البيولوجيا. جوهر الخلاف هنا يتلخّص تماما بما يقوله اللغويون عن العالم، والسمات المناسبة التي يجب علينا تطبيقها لنخرج بشيء ذي معنى. لذا نريد أن نسأل: ما هو نوع الأسئلة التي يريد اللغويون جوابها؟ وما الذي يعتبرونه دليلا؟

هل النحو الكلي خصوصًا – واللغويات النظرية عمومًا – تُعتبر علمًا أصلا؟

عرض الفيلسوف كارل بوبر “معيار قابلية الدحض” كطريقة لتمييز العلم الحقيقي من العلم غير الحقيقي أو العلم الزائف. يقول بوبر أنه إذا خرجت باحثًا عن تعزيز وإثبات لنظرية أو فرضية فأنت غالبًا ستجد ذلك؛ لكن بالنسبة للعلم الزائف كـ “علم التنجيم”، فإنه يذكر التوقعات والتكهنات بطريقة غامضة جدًا، حيث يمكنه تفسير أي نقض له والتحايل عليه؛ وكذلك بالنسبة لـ “علم النفس الفرويدي”، فإنه لا يوجد أي نوع من السلوك الإنساني لا يمكن تفسيره من خلال محركات ودوافع لا واعية بداخله. على النقيض والطرف الآخر، فإن النظريات أو الفرضيات الجيدة هي التي يمكنك [تجريبيًا] أن تبحث عن دليل يفندها؛ وهكذا جعل آينشتاين نظريته المعروفة بـــ “النسبية” في غاية الوضوح والتبسيط فيما يخص تأثير الجاذبية على الضوء، فقد تم اختباره عند كسوف الشمس عام 1919. على عكس علم التنجيم والفرويدية، فإن النظرية النسبية قابلة للدحض والتمحيص والاختبار. كان من المُتصوّر والمُلاحظ أنه بالإمكان تفنيد توقعات آينشتاين (مع أن كسوف الشمس أثبتها في نهاية المطاف)؛ قابليتها للدحض هو ما يجعل النسبية العامة نظرية علمية.

وفق المنطق البوبري، إلى أي مدى يمكن اعتبار نظرية اللغويات علمية؟

أول ما يجدر أن يُقال هو أن اللغويات من الصعب التعبير عنها والكتابة فيها، لأنها كالأشياء البدهية التي يصعب التعبير عنها لسهولتها وبدهيتها. حينما يكون الحديث حول النسبية العامة، فإنه من المقبول أن نجد فيها مبادئ وقوانين معقدة ولا تُفهم مباشرة، ولكن الأصعب والأعقد لنا أن نتفهّم أن هذا ينطبق على اللغة التي نسمعها يوميًا وبشكل مباشر؛ أي المباني الأساس للغة: الكلمات، الأصوات، الجمل. لذلك لا يطلب اللغويون منك النظر لما تظن أنك تعرفه، بل على العكس، هم يطلبون أن تنظر للأشياء التي تظن نفسك لا تعلمها مع أنك تعلمها. هذه المعرفة الضمنية بقيت موضوع بحثٍ للغويين منذ عام 1950م ، وحينها فجر تشومسكي ثورة في هذا المجال عندما لاحظ أن قواعد اللغة عبارة عن نظام توليدي. وهو يقصد أن اللغة ليست مجموعة كبيرة من الكلمات والجمل التي يقولها الناس، ولكنها نظام عقلي مكون من قواعد لتوليد جمل مقبولة ومناسبة. نحن نملك القدرة على إنشاء جمل لم نسمعها بها من قبل، وتتوافق مع القواعد التي لم نتعلمها مباشرةً؛ ومن تعرضنا اللامحدود أثناء تعلمنا لغتنا الأم، نحن بطريقة ما نكتسب نظاما إنتاجيا لا محدود للقواعد.

محاولة تحديد هذه القواعد لا تعتمد على ممارسة الحدس عبر جمع أمثلة لما يقوله الناس، بل صياغة الجمل – بشكل دقيق – التي لا يقولها أحد عادة. على سبيل المثال هنا جملة تنتهك بعض القواعد بشكل صريح:

1- ” ماذا تعتقد مريم حول الشائعات التي تقول أن بدر كان يأكل؟”

مهمّة عالم اللغويات هي صياغة قاعدة تقول إن هذا التعبير ينتهك القواعد عن طريق مقارنته مع الجمل المقبولة الدارجة. هل المشكلة أن الجملة لا معنى لها؟ هذه جدلية من الصعب حلها خصوصا إذا كانت هذه الجملة مفيدة:

2- “مريم تصدق الشائعة التي تقول أن بدرًا كان يأكل لحما”.

إذا قال شخص هذه الجملة وأسقط منها “لحما” فإننا ننزعج فجأة، حيث لا يوجد سبب واضح يفسّر لماذا لا نستطيع الرد على السؤال في المثال (1) ربما المشكلة هي أن “ماذا” في المثال (1) تُشير لشيء يؤكل. لكن هل هذا من شأنه إظهار الأمر بشكل معاكس في نهاية الجملة إذا لم تكن كسؤال؟ الجواب: لا، لأنه في هذا المثال، المسافة بين “ماذا” والشيء بعيدة.

3- ماذا قالت مريم عن أن يحيى اعتقد أن بيل كان يأكل ـــــــــ؟

كل هذا يَفترض أن القاعدة لن تُشير لشيء يمكن ملاحظته بشكل مباشر- كترتيب الكلمات والمسافات بينهم – ، لكن لدرجة معينة أخرى من التحليل، لابد من الاستنتاج من طريق جمع الكلمات لبناء هيكل هرمي. إنه من غير المعتاد للعلم أن يعتمد بنفس الاعتماد الكبير لدى اللغويين على الانتهاكات المتعمّدة والأمثلة السيئة، فتحديد طبيعة هذه الهياكل اللغوية كان مشروعَ اللغويين لعقود. عالم اللغات يُشكّل فرضيات حول تكوين الكلمات (مريم[تصدق] الشائعات [عن أن بدراً كان يأكل لحما])؛ ووضع قاعدة بناءً على الهيكل الذي يُنتهك من قبل الجمل غير الدارجة (لا تستطيع تحريك لفظة “فعل” لتضعها مكان “ماذا” إذا كان عليها المرور على مستوى التعبير المركب “الشائعة”) واختبار الفرضيات عن طريق الخروج بجمل مفيدة أكثر وجمل سيئة. هذه الطريقة الحدسية غير مقبولة عند التفكير حول اللغة، التي هي بعد كل هذا شيء نعلم كيف نستخدمه عن طريق الحدس أصلًا، ولكنه يظل علمًا، فالجهد المبذول للكشف عن طبيعة شيء ما عن طريق تشكيل فرضيات واختبارها مقابل أدلة أمر مقبول؛ فالجملة رقم (3) دليل على أن الفرضية التي ذُكرت أعلاه غير صحيحة (والتي تتحدث حول شذوذ كلمة “ماذا” في السؤال). الأمر فقط أن الدليل هنا ليس اللغة المنطوقة في العالم، ولكن مجموعة مثالية من الجمل المولّدة والمفتعلة بوعي.

إن أمثلة الوعي الافتراضي المفتعل ليس شيئًا غير معتاد في العلم. الطائرات التي لا تملك قوة احتكاك، والغازات المثالية وغيرها، أشياء مفيدة للغاية في واقع فوضوي؛ ولكنه أيضا من غير المعتاد للعلم أن يعتمد اعتمادًا كبيرًا كاعتماد اللغويين على الانتهاكات المتعمّدة والأمثلة الافتراضية السيئة، التي عندما نقف أمامها نجدها عبارة عن مجرد انتهاكات تحكم عليها أحكامنا البدهية أنها كذلك.

من هذا المنطلق، فإن موضوع دراسة اللغويات ليست عبارة عن أشياء نستطيع مشاهدتها أو سماعها كدراسة الكلمات أو الجُمل أو سلوك التواصل البشري، بل هي نظام ضمني صوري وتجريدي. التجريد يصنع توقّعات وافتراضات، وليس بالضرورة أن يكون حول ما يقوله الناس، بل حول ما يفترض أن تكون عليه أحكام الناس الحدسية البدهية. في صياغة تشومسكي، نحن لا نسير خلف مجموعة من القواعد التجريدية التي تحسب الأشياء التي نستطيع سماعها ورؤيتها، بل التي تشرح لماذا هي بهذا الشكل وبهذه الطريقة. في أواخر سنة 1970م، بدأ تشومسكي بالإشارة لهذا الأسلوب في التحقيق باسم “الأسلوب الغاليلي” وهو مصطلح صاغه الفيلسوف الألماني إدموند هوسرل، وصار ذا شعبية من قبل الفيزيائي الأمريكي ستيفن واينبيرج. بالنسبة لغاليليو، فطريقة الوصول للحقائق الرياضية تتطلب امتلاك رؤية تجريدية بعيدة عن العالم الواقعي الذي يتدخل ويؤثر بملاحظات متوقّعة دارجة. فعلى سبيل المثال القوانين التي تتعلق بسقوط الأجسام يجب أن يُنظر إليها بعيدًا عن مقاومة الهواء أو الاحتكاك. مقاومة الهواء حقيقة من العالم الواقعي، ولكن من النظرة العلمية لحركة الأجسام الساقطة هي “قانونٌ أُثبِت”.

في عام 1976م عندما نشر واينبيرج ورقته البحثية قال “إن الفيزيائيين يعطون النماذج الرياضية المجردة لوصف العالم واقعية أكثر من الإحساسات العادية التي يبدو بها العالم لعامة الناس”.

رؤية تشومسكي الغاليلية – نسبة إلى غاليليو- تعني أن أحكامنا الحدسية البدهية تنبع من لغة فطرية كلّية، فالنحو الكلي يتأسس من الملَكة البشرية اللغوية. كان مشروعه هو تحديد طبيعة أسس النحو الكلي وليس طبيعة اللغة، وطبيعة مقدرة الإنسان اللغوية. الحدس شيء خفي، وكثير من اللغويين يستعملون الدليل نفسه – حدس متحدث اللغة الأصلي في الحكم على الجمل المقبولة والصحيحة – والطرائقَ نفسها – افتراض هيكلة وحدود – كما أنها ببساطة تهدف لكشف قواعد لغة معينة، أو اختبار ودراسة كيفية معالجة لغات مختلفة لظواهر مماثلة. يوجد -أيضا- العديد من علماء اللغة الذين ينظرون للغة المستخدمة في العالم الواقعي، ويريدون جوابا على أسئلة كـ: ما هي العوامل الاجتماعية التي تؤدي إلى استخدام شكل معين للغة دون آخر؟ ماذا تكشف لنا أخطاء الأطفال حول معرفتهم باللغة؟ بماذا يُساعد السياق في الفهم اللغوي؟ كل هذا بالإمكان علمه دون أي تدخل حول ما إذا كان الوصف جزءًا من طبيعة النحو الكلي أم لا.

ومع ذلك، فإنه يوجد التزام قائم لهذه الفكر بالنسبة لتشومسكي. النحو الكلي ليس نظرية قابلة للاختبار، وإنما افتراض مبني على أساس. كثير من الناس لديهم مشكلة مع هذا الافتراض، ولكن كافة أطياف اللغويين يتفقون عمومًا على أنه بالفعل يوجد كثير من الارتباك وعدم اليقين حول ماهية لغة الإنسان، فاللغة فعليًا لا تفعلُ شيئا. وقد حددوا من أين تأتي هذه الشكوك؛ فالمشتركات بين اللغة قد تأتي من المشتركات العلمية المعرفية، مثل الذاكرة وقدرة معالجة المعلومات، أو من المشتركات الإنسانية الاجتماعية أو الثقافية؛ لكن تشومسكي لا يؤمن بهذا. في كتابه “في أسلوب اللغة” الصادر سنة 2000، يقول تشومسكي: “في اللغة يوجد خصائص كلية، وهذا لا تجده عند غيرها، ليس فقط في عقل الإنسان، ولكن -حسبما نعلم- حتى عند بقية الحيوانات والمخلوقات الحية”. الجزء المحوري من القدرة الإبداعية اللغوية هو خاص باللغة وبالإنسان.

لذا، ما هو هذا الجزء المحوري؟ يعطي مصطلح “النحو الكلي” انطباعا أنه سيكون عبارة عن قائمة بخصائص مشتركة لكل اللغات، مشتركات كـ “كل اللغات تملك أسماءً” أو “كل اللغات تملك أفعالًا”، ولكن هذا قليل جدًا بين كل اللغات المعروفة، ربما الأسماء فقط. كلمة “الكلي” مضللة بمعنى ما، حيث يبدو منها أنه ينبغي أن تعني “موجود في كل اللغات” بينما هي في هذه الحالة تعني شيئًا كـ “موجود عند كل البشر” (لأنه إذا كان عكس هذا المعنى فإنهم لن يستطيعوا تعلم اللغة كما يتعلمونها الآن).

كل هذا يبدو كدوامة تقود للجنون أو في أقل الحالات يبدو هذا ضبابيًا. القواعد هي من خصائص اللغة، بينما النحو الكلي هو من خصائص البشر، والبشر قادرون على تعلم قاعدة معينة تحويها لغاتهم، لأنهم يملكون هذا النحو الكلي البشري. إذن، ما هي الآن الملاحظات المرتبطة بكل هذا؟ ما هو الدليل؟

قد تعتقد أنه من السهل شرح هذه النقطة، ولكن حتى اللغويون يعانون من فهمها. الحس الذي يملكه متحدث اللغة الأم حول أكبر مكان يجمع المتحدثين بهذه اللغة، يبدو مكانا جيدا للبدء منه. مع هذا، فإنه كلما زادت اللغات التي حاولت نظرية تشومسكي دمجها في جوهرها المجرد، فإنها تحصل على كثير من الفوضى. أُنتجت مجموعة كبيرة من الأبحاث النظرية في العقود الماضية القليلة، تضم التفاصيل المهيكلة، والقوانين التي تحسب للتفريق بين الجملة الصحيحة، والجملة الخاطئة بناءً على الكثير من الأمثلة في كثير من اللغات ومن خلال مجموعة مشتركة من الأُسس، ولكن في سبيل تحقيق هذا الإنجاز، ازدادت النظرية تعقيدًا من الناحية (التأسيسية)، وحصل هذا لازدياد الدرجات والمستويات والشروط التي تتطلب كثير من الخوارزميات النظرية لتصبح واضحة ومفسَّرةً بشكل جيد. كل البنود تتحرك بعيدًا عن المثالية الغاليلية للتفسير المبسّط. على أي حال، كان من غير المرجّح أن يكون هناك كثير من الأدوات والخوارزميات المعقدة في الدماغ البشري، وأيضا من غير المحتمل أنها قد تطورت.

في عام 1990م، عرّف تشومسكي ما سمّاه “برنامج الحد الأدنى”.[3] لم يُعرَض هذا الشيء على أنه نظرية لفهم ماهيّة النحو الكلي، بل على أنه مخطط لطريقة مثمرة للتفكير في الأشياء، أي أنه شيء يُعطي الأولوية للبساطة والأناقة والاختزال. استدعى تشومسكي جانبًا آخرًا من الأسلوب الغاليلي، وهو فكرة أن العالم يجب أن يُوجَّه من خلال التوقعات بأن أعمق القوانين الطبيعية ستكون الأسهل والأبسط. في مقابلة مع تشومسكي عام 1999م، قال فيها “إن الأنظمة المجرّدة التي تبنيها هي الحقيقة بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ وإن مجموعة الظواهر ما هي إلا تشويه للحقيقة بسبب كثرة العوامل. ولذلك فإنه غالبا ما يكون من المنطقي أن نتجاهل الظواهر ونبحث عن المبادئ والأسس التي يمكن أن تعطينا نظرة أبعد لـ “لماذا بعضهم بهذا الشكل”، مع الاعتراف بأن هناك بعض الأشياء التي لا تستطيع الانتباه لها”. بعبارة أخرى ولتبسيط المفهوم: مقاومة الهواء حقيقة، ولكنها ليست ذات صلة حقيقية بتساقط الأجسام.

ربما تظن أنه من السهل شرح وتبسيط هذه الدوامة للجمهور العادي، ولكنها ليست كذلك للأسف، فحتى اللغويون يجدون صعوبة كبيرة في فهمها. بصراحة، أنا لست متأكدةً حتى من فهمي الشخصي لها. التوجه نحو التبسيط هنا في حقيقة الأمر توجّه ودافع نحو التجريد، وبدون اختزال للحقائق، لنرى في ماذا يشتركون؛ ولكنه تجريد بعيد عن الملاحظات، إلى أن نصل إلى أن ما نملكه يصبح بعيدًا بحيث يتحدى الاحتكام والانجذاب لنماذج مادية، أو استعارات واضحة، أو حتى عبارات رياضية صريحة.

نحن بعيدون جدًا عن السمات المثالية للعلم في عصرنا الحالي. ماذا نقيس إذن؟ بل ماذا نلاحظ؟ ما هي النظرية؟ ما لوازمها وادعاءاتها؟ وكيف نستطيع اختبارها؟ هل هذا علم؟ أم فلسفة؟ وهل هذا مهم أصلا؟

الذي نملكه هو ساحة بها فكرة كبيرة ومُعبَّر عنها بشكل مثير – أن هناك سمة وخصيصة فطرية مشتركة بين البشر- ولكنَّ جزءًا كبيرًا من هذه الفكرة لا يمكن التدليل عليه وإثباته، وهي مجرد فكرة بُنيت على التنظير لدرجة يصعب فيها بل يستحيل عندها الشرح. لسانيات تشومسكي أصبحت كالنظريات الفيزيائية، بيد أنها نظريات لغوية، فنظرية النحو الكلي -بخلق شيء مشترك بشري- معقدة جدًا وصعبة الشرح والتفسير والإثبات. هل يعني هذا أنها لا تستحق العمل عليها؟ هل هناك أي قيمة وجدوى من العمل على نموذج تفسيري لمصلحة النظرية؟ فقط دعنا نرى إلى أين سيؤدي هذا. يؤكد عالم اللسانيات التوليدية سيدريك بويكس بجامعة برشلونة على أن “الاختزال/الاقتصار على الحد الأدنى” ليس نظريةً، بل نظامًا “ومثله لا يكون إما صحيحًا أو خاطئًا، ولكن إما منتجًا أو عقيمًا”، كما في كتابه  A Tale of Two Minimalisms’ (2010).

لابد لي أن أعترف، يوجد أوقات عند خوضي في بعض التحليل التجريدي التقني الرفيع لـ “لماذا” بعض الظواهر السطحية في لغتين مختلفة جدًا يُستطاع ملاحظتها وإمساكها بواسطة هيكل بنائي واحد، عندها تتلألأ عيني ورؤيتي لحقائق ولمحات أعمق عن اللغة. حقًا، إنها ليست حتى لمحةً، ولكن شبح يتميّز بقدرة ما ربما يستطيع أن يظهر للسطح، وفي الآنِ نفسه يمكن ألا يكون موجودًا على الإطلاق. أشعر بهذا، ولكني مع ذلك لا أشعر بأي حافز للمواصلة. أستطيع -مع ذلك- تفهّم لماذا الناس يشعرون بهذا الحافز.

أنا أيضا شعرت بنفس الشعور حول التحليلات التي تجذبك وتوجّهك لفكرة الانتظامية الناشئة من شيء آخر عدا القدرة اللغوية: من خلال تقريب الأنماط، وطبيعة البيئة الاجتماعية البشرية، والتراكم التاريخي للعادات والتقاليد الثقافية. عند هذه النقطة، أنا لم أعد ممارسةً للغويات وعالمةً لها، بل ملاحظةً ودارسةً لهذا الحقل العلمي. أنا لدي رفاهية في أنني لا أضطر أن أناقش أي وجهة نظر معينة، ومتابعة كافة حقائقها الخاصة المثيرة للاهتمام؛ لدي كل حافز للمتابعة.

عدم تضمين تعبير داخل تعبير ليس فقط هو الطريقة الوحيدة التي تملكها لغة الـ “بيراها” وتعطيها الأولوية، بل هذا ليس موضعًا مرضيًا للتوقف عنده. تقول لنا سرديات السمات الأولية “حسنا، كل الأشخاص يملكون أشياء خاصة بهم”، ولكن هذا غير مقنع على الإطلاق. ألا يجب أن يكون هناك أمر على المحك في تحديد أي وجهات النظر هي وجهة النظر الصحيحة؟ أليس الأمر كله حول معرفة ما هو الصحيح؟

متحدثو لغة الـ “بيراها” أنفسهم سيرفضون ذلك. في ثقافتهم -كما وصفها إيفيريت عندما عاش معهم وقتًا وألّف كتابه “لا تنم، هناك أفاعٍ”– يصف إيفيريت ثقافتهم بقوله: “هم لا يملكون الشغف للبحث عن الحقيقية كواقع متسامٍ تأملي”. تبعًا لأحكام ومفاهيم إيفيريت حول مبدأ “الخبرة الفورية”، فإنهم يعيشون اللحظة.

من المفارقات، أن مقالةً لإيفيريت نُشرت 2005 بدأت موضوع مناظرات ومناقشات تشومسكي وإيفيريت برمّته، بالكاد تطرّق إيفيريت لمسألة أن افتقار شعب الـ “بيراها” للتكرار قد يعد نقضًا لنظرية النحو الكلي. بدلًا من هذا، تركيز إيفيريت كان منصبًّا لإثبات وإظهار مدى التزام الـ”بيراها” الثقافي للفورية واللحظية التي يعيشونها، تدخّلت ثقافتهم هذه في بنية لغتهم نفسها: فعدم تضمين عبارة داخل عبارة أخرى هي طريقة من الطرق التي تُوضح لنا مدى التزامهم بثقافتهم اللحظية الفورية. وفوق هذه الأدلة على فوريّتهم ولحظيتهم في معيشتهم، أضاف إيفيريت أدلة منها: بساطة نظام القرابة، فلا يوجد الكثير منهم، وأيضًا غياب الأساطير والخيالات الأدبية. كان للانغماس في ثقافة الـ “بيراها” والوقت الطويل لفهمها تأثيرًا شخصيًا عميقًا على شخصية إيفيريت. ولهذا أعاد تفكيره في إيمانه بالله، فأصبح في النهاية ملحدًا، حصل هذا جرّاء مواجهته ومعرفته لمفهومهم حول الحقيقة. يتضمن تخليه عن نظرية “النحو الكلي” على خيبة أمل كبيرة مشابهة، حيث قد عمل في هذا الإطار طوال الخمسة والعشرين سنة الأولى في حياته المهنية. ومع هذا، فإن دراسة إيفيريت للـ “بيراها” لا تناقض النصرانية ولا نظرية النحو الكلي، لأنها ليست مصممةً أصلا لتنقض شيئًا. كلاهما طريق لمحاولة المقاربة وفهم الواقع.

فالنصرانية تطلب منك تصديق مجموعة افتراضات حول الإيمان لأنها الحقيقة، والنحو الكلي يقدم مجموعة افتراضات لتوليد طريقة استقصائية تؤدي إلى الحقيقة في نقطة ما. أنا لست متأكدةً فيما إذا كنت تستطيع أن تسمي نفسك نصرانيًا إذا كنت ترفض المبادئ الأساسية للنصرانية، ولكنك قطعًا تستطيع رفض افتراضات نظرية النحو الكلي، وتظل مع هذا تُسمي نفسك لسانيًا. في الواقع، أدت الحملة الرامية لدحض افتراضات تشومسكي إلى ازدهار العمل التجريبي في هذا النطاق. حتى لو انهارت النظرية، فإنها توفر وتقدم إطارًا ومجالًا للاكتشاف، ومكانًا لتوجيه النظر والبحث. بإمكانك تبسيط السمات والنماذج لكل الأنواع، بل وتبالغ في التبسيط، ومع هذا لا تختلف نظرية النحو الكلي. ولكن سواء كانت أساطير مختلقة أو محفزة للتناقش والنقض، فإنها تساعدنا على فهم أعمق للعالم.

اقرأ ايضاً: خدعة اللغة: لمَ يبدو العالم متماثلا في كل لغة؟


  • أريكا أوكرنت: عالمة لغويات وحاصلة على الدكتوراة في مجال اللغويات وعلم الأعصاب المعرفي من جامعة شيكاغو. ومؤلفة كتاب في أرض اللغات المخترعة (2009).

[1] النحو الكلي في علم اللغة الحديث: نظرية في العنصر الوراثي للملكة اللغوية، وتنسب عادة إلى نعوم تشومسكي. تقترح النظرية بأن قدرتنا على تعلم قواعد اللغة موجودة في الدماغ مسبقا. وبأن القدرة اللغوية تظهر بنفسها بدون أن يتم تعلمها، وأن هناك خصائص تشترك فيها جميع اللغات البشرية. ولتحديد ماهية القدرات الفطرية أو الخصائص التي تشترك فيها جميع اللغات فالمسألة لا تحتاج سوى الملاحظة والاختبار. -المراجع.

[2] يتبنى المؤلف هنا “المنهج العلمي” بمفهوم بوبر، أو بمعنى أدق يتبنى تأصيل بوبر لتمييز بين العلم واللا علم أو العلم الزائف، لكن لو تحولنا عن بوبر إلى توماس كون أو بول فايراباند، فسيكون الأمر مختلفًا؛ حتى أطروحة بوبر نفسه فيما يتعلق بقابلية الدحض لم تسلم من اعتراضات علماء مثل: ماريو بونجي ودونالد جيليز؛ الخلاصة: المنهج العلمي ليس شيئًا واحدًا متفقًا عليه؛ فعدم دخول اللسانيات تحت مظلة بوبر لا يعني أنها لا تدخل تحت أي مظلة علمية، لأن وسم العلمية ليس حكرًا على فلسفة بوبر. -المراجع.

[3] في اللسانيات برنامج الحد الأدنى هو خط رئيسي في التحقيق اللغوي تطور في مجال النحو التوليدي منذ أوائل التسعينيات من القرن الماضي ابتداءً من ورقة نشرها نعوم تشومسكي عام 1933. يقدم تشومسكي برنامج الحد الأدنى كبرنامج، لا كنظرية، بعد التفرقة التي وضعها إمري لاكتوض بين الاثنين؛ يعتبر برنامج الحد الأدنى طريقة تحقيق تتميز بمرونة الاتجاهات المتعددة الممكنة في ظل الحد الأدنى الخاص بها. في النهاية، يقدم برنامج الحد الأدنى إطارًا مفاهيميًا يستخدم لتوجيه تطور نظرية اللغويات. في برنامج الحد الأدنى، يحاول تشومسكي أن يقترب من نحو كلي من قاعدته الأولية، وهو ما يطرح السؤال “ما هي الإجابة المُثلى على ما يجب أن تكون عليه نظرية اللغة الداخلية؟”. بالنسبة لتشومسكي، هناك أسئلة للحد الأدنى، لكن الأسئلة يمكن أن تكون داخل إطار أي نظرية، هناك اثنان من هذه الأسئلة كلها يلعبان الدور الأكثر أهمية وهما:  ما هي اللغة؟ ولماذا تمتلك هذه الصفات؟ -المراجع.

أعجبني المقال

المصدر
aeon

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى