عام

هل يجعلنا جوجل أغبياء؟

ماذا تفعل الإنترنت بعقولنا

  • نيكولاس كار
  • ترجمة: يوسف داوود
  • مراجعة: مصطفى هندي
  • تحرير: ماريا الخميس

 

“دايڤ، هلا توقفت؟ توقف، ألن تتوقف! كف عن هذا، دايڤ ألن تتوقف؟ دايڤ” بهذه العبارات ترجّى الحاسوب الخارق “هال” رجل الفضاء متصلب الرأي دايڤ بومان في المشهد المعروف الذي طغى عليه الحزن طغيانًا غير مألوف في نهاية فيلم “2001: ملحمة الفضاء” من إخراج ستانلي كوبريك.

بومان -الذي أوشك أن يرسله الحاسوب ذو نظام التشغيل المعطوب ليلقى حتفه في الفضاء البعيد- قام بكل هدوء وبرود بفصل دوائر الذاكرة التي تتحكم في (العقل الاصطناعي) لهذا الحاسوب. وبصوت ينم عن قلة حيلة؛ نطق الحاسوب قائلا: “دايف، إنني أفقد عقلي، أشعر أنني أفقده!”.

ينتابني الشعور عينه أحيانًا، فعلى مدار الأعوام القليلة الماضية استبد بي قلق بأن شيئاً أو أحدًا ما يعبث بعقلي مغيرًا تركيب دوائره العصبية ومعيداً برمجة ذاكرتي. إنني لم أفقد عقلي -ليس بعد على حد علمي- لكنه حتمًا وقع به تغيير! إنني لم أعد أفكر بنفس الطريقة التي اعتدتها في غابر أيامي ويظهر هذا على نحو بَيّن حين أشرع في القراءة؛ لطالما كان غمر نفسي في كتاب أو مقال طويل أمرًا هينًا، وكان من شأني أن أنغمس في رواية أو في متابعة الأخذ والرد لجدال ما، وكان بوسعي أن أتصفح على مهل صفحات الكتابات النثرية إلا أن ذلك كله لم يعد له وجود الآن إلا نادرًا. بات تركيزي يتشتت بعد صفحتين أو ثلاث ثم ينتابني التوتر وينقطع حبل أفكاري وينتهي بي الحال بالبحث عن شيء آخر لأقوم به؛ الأمر يبدو وكأن عليّ أن أجر عقلي المتصلب جرًا مرغمًا إياه على قراءة النص. لقد أصبح لزامًا عليّ أن أكافح لأحظى بالقراءة المتعمقة التي كانت تجود بها قريحتي بكل سهولة فيما مضى.

أعتقد أنني على دراية بما يحدث؛ فلأكثر من عقد -وحتى الآن- كنت أقضي جل وقتى نشطًا على الإنترنت باحثًا أو متصفحًا وأحيانًا مضيفًا لمحتوى قواعد بيانات الإنترنت الضخمة. ولأنني كاتب، فإن الإنترنت تعد بمثابة هبة من الله لي، فالبحث الذي كان يفرض عليّ قضاء أيام بين أكوام الورق وحجرات الدوريات الصحفية بات الآن يُقضى في دقائق. فمن خلال البحث على جوجل مرات معدودة وببعض النقرات السريعة على الروابط المدمجة أجد الذي أبحث عنه؛ واقعة كانت أم فضيحة أو حتى اقتباسًا حكيمًا. وحتى بعد قضاء عملي تجدني نشطًا على الإنترنت، إما باحثًا عن ما أقرؤه من معارف متشابكة، أو أكتب الخطابات البريدية، أو ألقي بنظرات سريعة على عناوين الأخبار ومنشورات المدونات، أو أشاهد الڤيديوهات وأستمع لإحدى الإذاعات، أو أتنقل بين رابط وآخر وهلم جرًّا.

ويعد الإنترنت -بالنسبة لي كما لغيري- بمثابة القناة عالمية التي تجري فيها معظم المعلومات لتمر أمام الأعين وعبر الآذان حتى تستقر داخل العقول. وثمة مميزات كثيرة لإمكانية الوصول الفوري لمثل هذا الكم الهائل من المعلومات لاكتها الألسن في شتى الأصقاع واستحسنها الجميع. وكتب (كلايف طومبسن) -الصحفي في موقع وايرد- مبينًا: “إن أفضل ما أنتجته ذاكرة السيليكون -أي الإنترنت- قد يكون ذا منافع عدة لعملية التفكير” ولكن تلك المنافع تتخللها مثالب بحسب ما أشار إليه عالم نظريات وسائل الإعلام (مارشال مكلوهان) في الستينيات؛ فوسائل الإعلام -حسب رأيه- ليست مجرد قنوات لنقل المعلومات دون التأثير فيها، فدورها لا يتوقف عند تقديم المعلومات، بل لها يد في تشكيل الكيفية التي يفكر بها المتلقي في ما قدمته من معلومات. وبالنسبة لي على ما يبدو، فإن ما يقوم به الإنترنت هو تفتيت قدرتي على التركيز والتأمل؛ فهو يوزع المعلومات كأنها مجرد حروف تجري في تدفق سريع بلا معنى، وبات عقلي يتعاطى المعلومات على نفس النحو. فيما مضى، كنت السابر أغوار الكلمات المحسن فهمها، أما الآن فلا يتراءى لي من الكلمات سوى الضحل من معانيها، حتى بت لا أفهم ولا أعي شيئًا.

والحق أن هذه ليست مشكلتي وحدي، فقد وقع كثير من أصدقائي ومعارفي بمشاكل مثل مشاكلي مع القراءة وخاصةً قراءة الكتب الأدبية. وفوق ذلك، تزداد حدة معاناتهم في الإبقاء على تركيزهم في كتابة أشياء طويلة كلما كثر استخدامهم للإنترنت. كما أن ثمة بعض المدونين الذين أتابعهم ممن ذكر نفس الظاهرة، من بين هؤلاء المدونين مدوّن يدعى (سكوت كارب) -وهو يدون عن وسائل الإعلام العاملة عن بعد- وقد ذكر مؤخرًا أنه توقف عن القراءة كليًا كنتيجة للظاهرة آنفة الذكر. ومن تدويناته: ” كنت أدرس الأدب أيام الكلية وكان شأني بالقراءة أنني كنت قارئًا نهمًا، ولكن ما الذي حدث؟ هل بت أقرأ على الإنترنت لأن طريقة قراءتي قد تغيرت، أم لأنني أبحث عن الراحة؟ الحق أن هذه ليست الأسباب، بل السبب أن الطريقة التي أفكر بها قد تغيّرت”.

ووصف (بروس فريدمان) -الذي يدون عادة عن استخدامات الكمبيوتر في الطب- وصفًا يبين فيه كيف أن الإنترنت سببت تغيرات في نمط تفكيره حين قال: “لقد فقدت قدرتي على قراءة واستيعاب أي مقالة طويلة سواء كانت مقالة ورقية أو مقالة على الإنترنت، وأوضح لي فريدمان -أخصائي علم الأمراض بكلية الطب بجامعة ميشجان- في مكالمة هاتفية أن تفكيره أخذ صفة التقطع والعجلة مشيرًا إلى أنه أصبح يجري عيناه على قطع النصوص القصيرة من مختلف المصادر بلا أناة ولا صبر على الاستيعاب. ومن ضمن ما قاله: “لم يعد بإمكاني قراءة رواية الحرب والسلم، لم يعد أمرًا أقدر عليه الآن، بل حتى التدوينات التي تزيد عن ثلاث أو أربع فقرات باتت كثيرة علي لأستوعبها وأفهمها، لا يسعني غير أن أمرر عيني عليها سريعًا”.

غير أن مثل هذه التجارب الشخصية لا يمكن أن تجري مجرى البراهين ونحن في انتظار التجارب طويلة الأمد لعلم الأعصاب وعلم النفس التى ستمدنا بفكرة واضحة عما يسببه استخدام الإنترنت في العمليات المعرفية. إلا أن ثمة دراسة أجراها مؤخرًا باحثو جامعة لندن ونتج عنها أننا قد نكون في غمرة تغييرات واسعة في نمط قراءتنا وتفكيرنا. وتفقد الباحثون تسجيلات الدخول لدى اثنين من المواقع المشهورة توثق سلوك المترددين على هذه المواقع التي تدير أحدهما المكتبة البريطانية والموقع الآخر تديره الجمعية البريطانية التعليمية، وتوفر هذه المواقع مقالات للصحف وكتب إلكترونية ومصادر عدة لغيرها من المكتوبات. وبينت المراقبة أن زائري تلك المواقع يمرون أعينهم سريعًا على ما يُعرض أمامهم وينتقلون من مصدر لآخر وقلما عاد أحدهم إلى أيٍ من المصادر التي سبق له الانتقال منها. وكان من شأن معظم الزائرين ألا تزيد قراءتهم عن صفحة أو صفحتين من مقالة أو كتاب؛ فلا يلبثون إلا أن يرتدوا كالكرة إلى موقع آخر. وفي أحيان أخرى يحفظ أحدهم مقالة طويلة غير أنه لم يظهر أن أيًا منهم قد عاد وقرأها في وقت لاحق. وقد استنتج الباحثون: “إن من الواضح للعيان أن مستخدمي تلك المواقع لا يقرؤون القراءة الحقة التي جرت عليها العادة، فثمة أشكال من القراءة لم نشهدها في غابر أيامنا تظهر الآن بين القراء، فهم ينتقلون من قراءة ضحلة لأخرى أضحل منها عبر مختلف العناوين والصفحات والملخصات ساعين نحو مكاسب يحظون بها سريعًا وتفر من ذاكرتهم أسرع، وأما قراءتهم هذه على الإنترنت فليست لشيء إلا لتفادي القراءة الجادة.”

وبفضل انتشار النصوص انتشارًا واسعًا عبر الإنترنت -ناهيك عن شعبية التواصل على الهواتف الخلوية- بات حظنا من القراءة الآن أكثر من الذين سبقونا في السبعينيات أو الثمانينات رغم أن مظان الإلهاء وقتها اقتصرت على التلفاز. غير أن قراءتنا ليست كقراءتهم، وأدى ذلك إلى اختلاف تفكيرنا عن تفكيرهم وربما تعدى الأمر إلى تباين طريقة نظرتنا لأنفسنا عن طريقتهم. وتقول (ماريان ولف) عالمة النفس التطوري بجامعة توفتس ومؤلفة كتاب “علم العقل القارئ وقصته”: “لا يقتصر تشكيل هويتنا على ما نقرأ، بل يتعدى الأمر إلى كيفية قراءتنا له”. وينشغل خاطر ولف بأن أسلوب القراءة الذي ينشره الإنترنت والذي يقدم السرعة على التأني والفحص، قد ينجم عنه إضعاف قدرتنا على القراءة المتعمقة التي أتى ظهورها مع ظهور تكنولوجيا الطباعة القديمة والتي نشرت الأعمال النثرية الطويلة والمعقدة بين العامة. فنحن، أبناء هذا الزمان، عند قراءتنا على الانترنت، لا تعدو قراءتنا عن كونها إدخال للمعلومات على هيئة أكواد مجردة؛ فقدرتنا على فهم نص وتحليله أو على اكتشاف الروابط العقلية التي تتكون عندما نقرأ على نحو متعمق وبدون مشتتات قلما أشركها أحد حين القراءة.”

ووضحت ولف أن القراءة ليست مهارة غريزية للإنسان فهي ليست محفورة داخل جيناتنا على عكس مهارة التحدث إذ علينا أن نفسر الحروف الرمزية ونعطيها معنى في إطار اللغة التي نستخدمها. ولوسائل الإعلام أو التقنيات التي نستخدمها في تعلم وممارسة مهارة القراءة دور مؤثر في تشكيل الدوائر العصبية داخل أدمغتنا.

وكان مما أظهرته التجارب أن قُراء الرموز أو الإيديوغرام كتلك التي في اللغة الصينية يحوزون على دوائر عقلية للقراءة تختلف عن الدوائر العقلية التي توجد في أدمغة قراء اللغات التي تُستخدم فيها الحروف وليس الرموز. وتظهر هذه الاختلافات بين الدوائر العقلية في عدة مناطق في الدماغ، من هذه المناطق ما يتحكم في وظائف معرفية أساسية مثل الذاكرة وتفسير المثيرات البصرية والسمعية. ولنا أن نخمن أن تلك الدوائر التي يشكلها الإنترنت قد تختلف عن تلك التي شكلتها قراءتنا للكتب والمطبوعات الأخرى.

في عام ١٨٨٢، ابتاع (فريدرك نيتشه) آلة كاتبة. كانت قدرته على الرؤية في تدهور حد أن إبقاء عينيه مركزتان على ذات الصفحة يؤلمه ويتعبه وينغص عليه يومه بنوبات صداع لا ترحم، واضطره ذلك في كثير من الأحيان لأن يقلص من كتابته لحد خشي معه أن الأوان قد اقترب لأن يهجر الكتابة، حتى أتت الآلة الكاتبة وخلصته من بؤسه، على الأقل في تلك المرة. وفور أن أتقن الكتابة بلمس الأزرار، يُسرت له الكتابة وهو مغمض عيناه مستخدمًا أنامله فقط وبهذا عادت الكلمات تتدفق مجددًا من عقله إلى الأوراق.

إلا أن تلك الآلة كان لها تأثير خفي على كتاباته؛ إذ لاحظ أحد أصدقائه -وكان ممن امتهنوا عزف وتأليف الموسيقى- تغيرًا في أسلوب كتابته؛ فأسلوبه المقتضب غدا أكثر اقتضابًا وشبيهًا بخطابات التلغراف. فبعث لنيشته خطابًا يقول فيه ملاحظاته على أسلوبه الكتابي: “لربما تكون هذه الآلة سببًا في استهوائك أسلوبًا جديدًا، فالأفكار في الموسيقى واللغة غالبًا ما تعتمد على جودة الورقة والقلم”.

ورد عليه نيتشه قائلًا: “أنت على حق، إذ أن أدوات كتابتنا لها نصيب في تشكيل أفكارنا”. وكتب باحث وسائل الإعلام (فريدرش كيتلر) في كتابه “تحت حكم الآلة” أن كتابات نيتشه النثرية تحولت من نظريات إلى حِكم، ومن أفكار إلى تلاعبٍ بالكلمات، ومن بلاغة إلى أسلوب مشابه لخطابات التلغراف!

إن من صفة العقل البشري (المرونة) وهو عقل طَروق[1] تشكله كل مطرقة كما شاءت. غير أن الناس قد آمنوا أن شبكة تفكيرنا العقلية -أي الروابط هائلة العدد التي تشكلها قرابة مائة مليار خلية عصبية- تصل لأوج استقرارها وثباتها مع بداية البلوغ. وعلى عكس هذا الاعتقاد؛ بينت دراسات الدماغ أن هذا ليس حقيقة الأمر. فقد أوضح (جيمس أولدز) بروفيسور علم الأعصاب ومدير معهد كارزنو للدراسات المتقدمة بجامعة جورج ماسون، أن “حتى وإن كان العقل بالغًا، فهو طيِّعٌ لينٌ قابل للتشكيل”، إذ أن الخلايا العصبية تهدم الروابط القديمة وتعيد بناء روابط جديدة على نحو منتظم. ووفقًا لأولدز: “للدماغ القدرة على إعادة برمجة نفسه في طرفة عين مغيرًا طريقة عمله”.

وعندما نستعمل “تقنياتنا الفكرية” -كما أسماها عالم الاجتماع (دانيل بيل)- وهي تلك الأدوات التي تعزز من قدراتنا العقلية بدلًا من الجسدية، فإننا لا نلبث أن نأخذ صفات تلك التقنيات ونضيفها لأنفسنا، ولنا في الساعة الميكانيكية -التي غدت قيد استخدام العامة في القرن الرابع عشر- خير عبرة ودليل؛ وصف المؤرخ والناقد الثقافي (لويس ممفورد) في كتابه “تقنيات وحضارة” كيف أن تلك الساعة بددت الصلة بين الزمن والأحداث الإنسانية وساعدت على تشكيل الإيمان بعالم مستقل وذا تسلسلات يمكن حسابها رياضيًا. وكيف أن الإطار الافتراضي لتقسيم الزمن أصبح هو المرجعية التي يُبنى على أساسها الفعل والفكر.

ساهمت دقات الساعة المنتظمة أيضًا في تشكيل العقل العلمي والإنسان العلمي لكنها سلبت من الإنسان شيئًا في المقابل. ولاحظ عالم الكمبيوتر في معهد ماساتشوستس للتقنية (جوزيف وزينبيم) في كتابه “قوة الكمبيوتر ومنطق البشر” الصادر في عام ١٩٧٦ أن “مفهوم العالم الذي ظهر على إثر الاستخدام الواسع للساعات لا يزال نسخة متآكلة من المفهوم القديم للعالم، وهذا لأن المفهوم الجديد يقوم على رفض الخبرات والتجارب المباشرة التي شكلت أساس الحقيقة القديمة. فعند الحاجة لأخذ قرار يتعلق بمتى نأكل أو نعمل أو ننام أو نستيقظ؛ فإننا لا نستعين بحواسنا وإنما نفعل ما تمليه علينا الساعة”.

وتنعكس عملية تأقلمنا على “التقنيات الفكرية” على الأمثال التي تبدلت وبتنا نستخدمها للتعبير عن أنفسنا لأنفسنا. فعندما ظهرت الساعات الميكانيكية، غدا الناس يتعاملون مع عقولهم كأنها تعمل على نفس منوال الساعة. أما اليوم، في زمن البرمجيات، فنحن نتعامل مع عقولنا على أنها حواسيب. إلا أن علماء الأعصاب يروون أن هذه التأثيرات والتغيرات أكثر عمقًا من مجرد التغير في الأمثلة التي نستخدمها في التعبير عن أنفسنا. إذ أن التغيير يمتد ليكون له تأثير بيولوجي نظرًا لمرونة أدمغتنا.

ويتوقع الباحثون أن الإنترنت سيكون له تأثيرات بعيدة المدى وعميقة الأثر على عملية الإدراك والمعرفة. وبرهن عالم الرياضيات البريطاني (آلان تورنج) في ورقة بحثية نُشرت عام ١٩٣٦ أن الكمبيوتر الرقمي -الذي وُجد فقط على الأوراق والنظريات آنذاك- يُمكن برمجته بحيث يكون قادرًا على القيام بأي وظيفة تقوم بها أيٌ من الآلات الأخرى. وهذا ما نشهده اليوم بأم أعيننا؛ فالإنترنت، الذي يُعد نظام حوسبة قوي على نحو لا يمكن قياسه، يضم تحت جناحيه معظم تقنياتنا الفكرية. فقد بات الإنترنت خريطتنا وساعتنا وصحافتنا وآلتنا الكاتبة وآلتنا الحاسبة وهاتفنا وإذاعتنا وتلفازنا.

وعندما يمتص الإنترنت وسيط ما، يُعاد تشكيل هذا الوسيط في هيئة الإنترنت. إذ أن الإنترنت يملأ ذلك الوسيط بالروابط المدمجة والإعلانات المومضة والخصائص الرقمية الأخرى ويحيط محتواه بمحتويات كل الوسائط التي امتصها الإنترنت مسبقًا. كمثال، قد تظهر رسالة بريدية في نفس الوقت الذي كنا نتابع فيه آخر عنوان أخبار في موقع جريدة ما. ويأتي كعاقبة لكل هذا بعثرة انتباهنا وتشتيت تركيزنا.

ولا تحسبن أن تأثير الإنترنت يقتصر على شاشة الكمبيوتر، فعندما يألف الناس النسق المسعور الذي يعمل به الإنترنت، تضطر وسائل الإعلام الأخرى لأن تتأقلم بحيث يلبي محتواها حاجات وتفضيلات الناس الذين شكّل الإنترنت عقولهم. فتجد البرامج التلفزيونية تضيف الشريط النصي والإعلانات المنبثقة وتجد المجلات والصحف تقصّر من طول مقالاتها وتضيف الملخصات (الكبسولية)، وتجد صفحاتها مكتظة بالمعلومات المقتضبة سريعة التصفح. وعندما قررت صحيفة “النيويورك تايمز” أن تخصص الصفحتين الثانية والثالثة من كل إصدار للملخصات، وضح رئيس التصميم (توم بودكين) آنذاك أن إضافة اختصارات من شأنه أن يقدم للقراء المتسرعين فكرة عما يجري في اليوم ويعفيهم من الأسلوب الأقل سرعة في تقليب الصفحات وقراءة كل مقالة. إن وسائل الإعلام القديمة ليس لديها خيار سوى أن تلتزم بقوانين الإنترنت الجديدة.

لم يسبق أن عهدت نظام تواصل له في كل أنحاء حياتنا أدوار كثيرة أو له مثل هذا التأثير العميق على أدمغتنا كما للإنترنت في عصرنا. وعلى الرغم من كثرة ما كُتب عن الإنترنت، فقلما أولت الكتابات اهتمامًا بالكيفية التي يبرمجنا بها الإنترنت، إذ أن أخلاقية الإنترنت الفكرية لا تزال مبهمة.

تزامنًا مع اقتناء نيتشه للآلة الكاتبة، أخذ شاب مجد يدعى (فريدريك وينسلو تايلور) ساعة إيقاف إلى معمل الصلب في ميدڤل في فيلاديلفيا وشرع في سلسلة من التجارب التاريخية التي انصب اهتمامها على تحسين كفاءة العاملين بالمعمل. وبعد نيل موافقة مُلاك ميدڤل، أخذ تايلور يجمع ثلة من الأيدي العاملة بالمصنع ليوزعهم على ماكينات معادن شتى ثم بدأ بتسجيل وتوثيق كل تحركاتهم وكل حركات الماكينات. وبعد أن جزّأ كل وظيفة إلى سلسلة من الخطوات الصغيرة والمنفصلة واختبر كل طريقة ممكنة للقيام بهذه الخطوات، توصل تايلور إلى مجموعة من التعليمات الدقيقة أو ما ندعوه اليوم “خوارزمية” تبيّن الكيفية المُثلى لأداء كل وظيفة. أما العمال فقد تأففوا من النظام الصارم الجديد مشتكين من أن هذا النظام قد حوّل كل واحدٍ منهم إلى ما يشبه الإنسان الآلي، إلا أن إدارة المصنع فرحت بإنتاجية الطريقة الجديدة.

بعد أكثر من مائة عام على اختراع محركات البخار، عثرت الثورة الصناعية على فلسفتها وفيلسوفها، إذ لاقى نظام (تايلور) المُحكم ترحيبًا من المصانع في شتى أنحاء البلد، وبعد وقت قصير انتشر في مختلف أنحاء العالم. وفي سعيهم نحو أقصى ما يمكن من السرعة والكفاءة والإنتاج، استخدم ملاك المصانع دراسات الحركة والزمن لينظموا عملهم ويصمموا وظائف عمالهم. وعرّف تايلور الهدف وراء كل هذا في دراسته التي لاقت حفاوة كبيرة “مبادئ الإدارة العلمية” الصادرة عام ١٩١١. وكان الهدف هو تعريف وتبني الطريقة المُثلى لكل وظيفة، وبهذا أثّر في تبديل الاعتماد على ]الخبرة[ تدريجيًا بالاعتماد على ]العلم[ في كل الحِرف الميكانيكية. وما أن طُبقت طريقته على كل العمالة اليدوية حتى أكد تايلور لأتباعه أن نظامه لن يقتصر على تشكيل الصناعة وحسب بل سيمتد للتأثير في المجتمع ليخلق يوتوبيا من الكفاءة المثالية؛ معلنًا: “في الماضى كانت الأولوية للإنسان، أما الآن، فالأولوية للنظام”.

ولا يزال نظام تايلور معمولًا به حتى الآن إذ يظل المحدد الأخلاقي للمؤسسات الصناعية. وبفضل السلطة المتزايدة التي يحوزها مهندسو الحواسيب ومبرمجو البرامج، بات لأخلاقيات تايلور حيّز وسلطة على عقولنا أيضًا. فالإنترنت ما هو إلا آلة صُممت بغرض جمع ونقل المعلومات والتحكم فيها وتسعى حشوده من المبرمجين لإيجاد الطريقة المثلى أو الخوارزمية الأفضل لعمل كل حركة عقلية من ما نصفه الآن بعمل المعرفة.

ويعد مقر جوجل في ماونتن فيو في كاليفورنيا الكنيسة العليا، والدين المعتنق داخل هذه الكنيسة هو: “التايلورية” نسبة إلى أفكار تايلور. ويقول مدير جوجل التنفيذي (إريك شميدت): “جوجل شركة أُسست على قواعد علم القياس، وهي تكافح من أجل إدخال النظام على كل شيء تقوم به.” وبيّن تقرير جامعة هارفارد للأعمال أن جوجل تنفذ آلاف التجارب يوميًا معتمدة على بياناتها السلوكية التي تقدر بالتيرابايت والتي تجمعها من خلال محرك بحثها ومواقع أخرى، وتستخدم نتائج تلك التجارب في تحسين خوارزمياتها التي تتحكم على نحو متزايد بكيفية إيجاد مستعملين للمعلومات واستخلاص المعاني منها. ما قدمه تايلور للعمل ]اليدوي[، تقوم به جوجل من أجل عمل ]العقول[.

وأعلنت جوجل أن مهمتها هي “تنظيم معلومات العالم وإتاحتها عالميا وإفادة الناس بها”. وتسعى لتطوير “أحسن محرك بحث” والذي تعرّفه الشركة على أنه “يفهم بالضبط ما تعني ويعطيك بالضبط ما تريد”. ووفقًا لجوجل، فالمعلومات نوع من البضاعة وآلة للاستبداد يمكن التنقيب عنها وتشغيلها بكفاءة صناعية. وكلما زادت كمية المعلومات التي بإمكاننا الوصول إليها، كلما زادت سرعتنا في استخلاص كنهها وإنتاجيتنا كمفكرين.

لكن إلى أين يؤدي كل ذلك؟ تحدث سيرجي برين ولاري بيج، الرجلان الموهوبان اللذان أسسا جوجل أثناء سعيهما لنيل درجة الدكتوراه في علم الحاسوب في جامعة ستانفورد -أفضى الاثنين مرارًا عن رغبتهما في تحويل محركهما البحثي إلى آلة تعمل بالذكاء الإصطناعي والتي تتصل مباشرة بأدمغتنا، مثل آلة “هال” المذكورة في أول المقال. وقال بيج في خطاب له منذ سنوات مضت: “إن الشكل النهائي المرغوب لمحرك البحث هو أن يكون بنفس مستوى ذكاء البشر أو أذكى منهم، وبالنسبة لنا، فالعمل على محرك البحث هو سبيلٌ للعمل على الذكاء الاصطناعي”. وقال برين في مقابلة أجرتها معه نيوزويك عام ٢٠٠٤: “لتكونن أفضل لو كانت كل معلومات العالم متصلة بدماغك على نحو مباشر أو بدماغ اصطناعي أفضل من دماغك”. وفي العام اللاحق، اتفق بيج مع مجموعة من العلماء بأن: “جوجل تحاول بحق أن تبني ذكاءً اصطناعيًّا وتريد أن يكون ذلك على نطاق واسع”.

يُعد مثل هذا الطموح أمرًا عاديًّا، بل أمرًا محببًا نظرًا لأن الذين يسعون لتحقيقه هما اثنان مهووسان بالرياضيات وفي حوزتهما كمٌ هائل من المال وتحت أمرهما جيش صغير من علماء الحواسيب.

ويقول (إريك شميدت) أن مشروع جوجل هو بالأساس مشروعٌ علميّ، وجوجل متحفزة برغبتها في استخدام التقنية لحل المشكلات التي لم يسبق حلها أبدًا، والذكاء الإصطناعي هو العقبة الكبرى أمام هذه الرغبة، فما الذي يمنع برين وبيج من أن يجربا حلهما ويحققا ما لم يحققه أحد؟

إلا أن افتراضهما السهل بأننا “سنكون أفضل إذا ما اتصلت أدمغتنا بمعلومات العالم أو بُدلت أدمغتنا بذكاء اصطناعي” هو أمر مثير للقلق. بناء على هذا الافتراض، يعتقدان أن الذكاء هو أمر يَنتج عن عمليات ميكانيكية أو سلسلة من الخطوات المنفصلة والتي يمكن عزلها وقياسها وتعديلها. ليس ثمة أي سعة للغموض الذي يحوزه التأمل في عالم جوجل، أي العالم الذي نطؤه حالما نكون متصلين بالإنترنت. فبالنسبة لجوجل، الغموض ليس مُدخلا للبصيرة أو سمة للعالم، بل مشكلة يجب حلها والعقل البشري ما هو إلا حاسوب عفا عليه الزمن ويحتاج لمعالجٍ أسرع ومساحة تخزينٍ أكبر.

ومن الخطأ الظن بأن فكرة أن أدمغتنا ينبغي أن تعمل كآلة سريعة معالجة المعلومات تقتصر على أعمال الإنترنت فقط، إذ تدخل الفكرة في حيز الشبكات التي تدير التجارة أيضًا. فكلما زاد تصفحنا عبر الويب وكلما نقرنا على الروابط واستعرضنا الصفحات، كلما زادت فرصة جوجل والشركات الأخرى في جمع معلومات عنا ومن ثم إغراقنا بالإعلانات. ويرتكز معظم مالكو المشاريع التجارية على عصا الإعلانات فيجمعون فتات المعلومات التي نخلفها ورائنا حين انتقالنا من رابط لرابط آخر، وكلما كثر الفتات كلما تحسنت الأمور لديهم. لذلك، آخر ما تريده تلك الشركات هو تشجيع الناس على القراءة المتأنيّة والتفكير المتسم بالتركيز، فمن مصلحتهم أن يقودونا إلى التشتت.

قد أكون متشائمًا، فكما أنك ترى ميولًا لتمجيد كل تقدم تقنيّ، ثمة ميول معاكسة تتوقع الأسوأ من كل أداة أو آلة جديدة. في كتاب أفلاطون “محاورة فايدروس” يتحسّر سقراط على تطور الكتابة إذ خشي أن يعتمد الناس على الكلمات المكتوبة كبديل للمعلومات التي كان من عادتهم تخزينها في عقولهم ومن ثم يتوقفون عن استخدام ذاكرتهم فيصبحوا منسيين. ولأنهم أصبح تحت أيديهم كميات من المعلومات دون الحاجة لأي تعليمات، ستمتلئ أنفسهم بحكمة زائفة بدلًا من الحكمة الحقة. إن سقراط لم يكن على خطأ، فالتقنية الجديدة لها عين التأثيرات التي خافها، إلا أنه لم ينظر لأبعد من تحت قدميه، فلم يتخيل الطرق الكثيرة التي من خلالها تسببت القراءة والكتابة في نشر المعلومات وإلهام الأفكار الجديدة وتوسيع مدارك الإنسان.

على نفس المنوال، أثار ظهور طباعة جتنبرج في القرن الخامس عشر غصب الكثيرين إذ عبّر التابع للحركة الإنسانية (هيرونيمو سقوارفيشيكو) عن قلقه حول أن جعل الكتب متاحة على هذا النحو السهل سيؤول للخمول الفكريّ ومن شأنه أن يجعل الناس أقل إقبالا على الدراسة وسيضعف من عقولهم. ورأى آخرون أن الكتب والأوراق رخيصة الطباعة ستقوّض السلطة الدينية وستحط من قدر أعمال العلماء والكتاب وستنشر التحريض على الفتنة والفسق. ولاحظ البروفيسور بجامعة نيويورك (كلاي شيركي) أن “معظم الآراء التي عارضت طباعة الكتب كانت على حق بل كانت على بصيرة”. ولكن، مرة أخرى، كل هؤلاء المتشائمين لم يكن بإمكانهم تخيّل المنافع العديدة التي تسببت فيها الكتب المطبوعة.

لذلك، عليك أن تشك بشكوكي، ربما يكون أولئك الذين ينبذون نقاد الإنترنت مثل اللاضيين[2] أو النوستالجيين، أقول، ربما هم على حق. ولربما يخرج من أدمغتنا عالية النشاط الممتلئة بالبيانات عصرٌ ذهبي من الاكتشافات الفكرية والحكمة الكونية. مرة أخرى، الإنترنت ليس مثل الأبجدية وعلى الرغم من أنه قد يأخذ مكان الطباعة، إلا أنه يتسبب في شيء مختلف تمامًا. ولا تقتصر قيمة نوع القراءة المتعمقة التي تتبناها الصفحات المطبوعة على المعلومات التي نجنيها من وراء كلمات الكاتب وإنما تكمن قيمتها في الهزات الفكرية التي تطلقها تلك الكلمات داخل أدمغتنا. ونحن، في الأماكن الهادئة التي تسكنها القراءة المستمرة وغير المشتتة، بفعل القراءة ذلك، نكوّن اتجاهاتنا ونشكل استنتاجاتنا ومقارناتنا ونعزز من أفكارنا. وكما تقول ماريان ولف: القراءة المتعمقة لا يمكن تمييزها عن التفكير العميق.

إن نحن أغلقنا تلك الأماكن الهادئة أو إن ملأناها بمحتوياتٍ ما، سنكون بصدد التضحية بشيء نفيس ليس لأنفسنا فقط بل لثقافتنا أيضًا. واتسم وصف الكاتب المسرحيّ (ريتشارد فورمان) لما نحن على وشك خسارته بالفصاحة عندما قال:

“إنني أنحدر من ثقافة تقليدية غربية كان فيها النموذج المثاليّ هو التركيبة المعقدة والدسمة ذات السمات الشبيهة بعرش الأسقف لدى الشخصية المتعلمة والبليغة، أي: أيّ رجل أو امرأة حملوا داخلهم نسخة مهيكلة شخصيًا ومميزة لكل التراث الغربي. لكن الآن، يتراءى لي أن الكل، بما فيهم أنا، مستبدلين الدسامة الداخلية بنوع جديد من التمركز حول الذات تحت وطأة ضغط كمية المعلومات الزائدة وتكنولوجيا (المتاح على الفور)”.

وختم فورمان: “وحيث أننا مشغولون عن مرجعنا الداخلي للإرث الثقافي الغربي، فنحن نخاطر بأن نعود إلى حالة “إنسان البانكيك” فنتمدد عرضًا ونردد منكمشين كلما اتصلنا بتلك الشبكة الضخمة من المعلومات التي نصل لها بمجرد ضغطة زر”.

لا يكاد يغادرني ذلك المشهد في فيلم ٢٠٠١. إن الذي يجعل ذلك المشهد مؤثرًا إلى هذا الحد هو ردة فعل الحاسوب العاطفية إزاء تفكيك عقله ويأسه حين تنطفئ دائرة منه بعد أخرى وتضرعه الطفولي لرجل الفضاء لما قال: ” أشعر أنني أفقد عقلي، أشعر بفقدانه، إنني مذعور”. بالإضافة إلى تحوله النهائي إلى ما يمكن أن نطلق عليه “حالة البراءة”. إن انهمار مشاعر هال في تضاد مع حالة اللاشعور التي اتصف بها البشر في الفيلم، أولئك الذين كانوا يؤدون أعمالهم في ما يشبه الحركات الآلية. تبدو أفكارهم وحركاتهم كأنما يقومون بها بناءً على كتابة مسبقة، كأنهم يتبعون خطوات خوارزمية ما. في عالم ٢٠٠١، تحول الناس ليكونوا تماما كالآلات إلى الحد الذي جعل آلة تتفوق عليهم في بشريتهم، إن هذا هو أساس نبوءة كوبريك السوداء؛ فكلما زاد اعتمادنا على الحواسيب لتكون نافذتنا التي نفهم من خلالها العالم، كلما اضمحل ذكاؤنا وبدأ طريقه ليكون ذكاءً اصطناعيًا.


[1] – فعول بمعنى قابل للتشكل من طَرَق الحديد إذا شكّله بالطرق.(المراجع)

[2] – اللاضية: هي حركة اجتماعية ثوريّة نشأت في إنجلترا إبّان الثورة الصناعية في أوائل القرن التاسع عشر. (المحررة)

المصدر
theatlantic

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى