تقارير ودراسات

هل الإرادة الحرة وهم ؟!

  • أسامة محمد
  • تحرير: ريم الطيار

الإرادة الحرة تعني أن كل إنسان له الحرية في عمل أي شيء يريده، أنت حر في اتخاذ أي قرارات، وأنت المتحكم فيما تنوي أن تفعله؛ الخلاف حول ما إذا كان البشر يملكون إرادة حرة أو لا، في الماضي كان الخلاف مبنيًا على حجج ميتافيزيقية وإيمانية، أما الآن مع التقدم العلمي أصبح علم الأعصاب هو المسؤول الرئيسي في الإجابة على سؤال ما إذا كان البشر يملكون إرادة حرة أم لا؟

– أول تجربة في التاريخ للإجابة على السؤال “هل البشر يملكون إرادة حرة أم لا”؟ كانت تجربة عالم الأعصاب بنيامين ليبيت في عام 1983، إذ طُلب من بعض الأشخاص الضغط على زر، وقبل أن يفعلوا ذلك نظروا في الساعة ليعرفوا الوقت الذي قرروا فيه اتخاذ قرار الضغط، حيث سجل جهاز تخطيط المخ الكهربائي EEG في هذه الفترة النشاط الدماغي لهم، فوجد أن النشاط الدماغي يبدأ قبل لحظة اتخاذ القرار بعدة أجزاء من الثانية، واستنتج من ذلك أنه لا وجود للإرادة الحرة فهي مجرد وهم ناتج من عمليات غير واعية ضمن النشاط الدماغي[1].

– بعد هذه التجربة بدأت العديد من الادعاءات تظهر لتقول أن الإرادة الحرة مجرد وهم، والعمليات اللاواعية في دماغك (النشاط العصبي) والتي لا تستطيع أنت أن تتحكم فيها هي ما تنتج قراراتك قبل أن تعي أنت، لكن بما أن نفي وجود الإرادة الحرة سيؤدي إلى عواقب وخيمة؛ كإسقاط المسؤولية الأخلاقية عن الأفراد في المجتمعات – لست أنا من يسرق مثلاً بل العمليات اللاواعية في دماغي هي ما تجعلني أسرق – وبالفعل يوجد دراسات أثبتت أن اعتقاد الأفراد بالإرادة الحرة مجرد وهم يزيد من الأفعال السيئة في المجتمعات مثل الغش[2]، وجب التأكد أولاً من صحة هذه الادعاءات؛ مثلاً عن طريق تكرار تجربة ليبيت مرات أخرى في مراكز بحث متعددة وعلى يد باحثين آخرين للتأكد من أننا سنحصل على نفس النتائج في كل مرة.

– وبالفعل تم تكرار تجربة ليبيت العديد من المرات، وتم الحصول على نفس النتائج في كل مرة، تكرار[3]،[4] بل ويوجد تجارب حديثة استخدمت طرق أكثر دقة لقياس نشاط المخ، مثل: التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي fMRI، وزعمت أنه يمكن التنبؤ بقرارك الواعي لفعل شيء معين اعتماداً على نشاط المخ الذي يسبق هذا الفعل؛ على سبيل المثال في دراسة منشورة على دورية Nature Neuroscience تم إحضار مجموعة من المشاركين بإمكانهم أن يقرروا بحرية ما إذا كانوا يريدون الضغط على زر باليد اليسرى أو اليمنى، كانوا أحراراً في اتخاذ هذا القرار متى أرادوا، ولكن كان عليهم أن يتذكروا في أي وقت شعروا أنهم قرروا، وكان الهدف من التجربة هو معرفة ما يحدث في الدماغ في الفترة التي سبقت شعور الشخص باتخاذ القرار، فوجد الباحثون أنه من الممكن التنبؤ من خلال إشارات الدماغ بالخيار الذي قد يتخذه المشاركون حتى قبل 8 ثوانٍ من إدراكهم الواعي باتخاذ القرار، يعني الدراسة تقول باختصار مؤكدة نتائج الدراسات السابقة أن قراراتك التي تظن أنك متحكم فيها ما هي إلا نتاج بعض العمليات اللاواعية في مخك التي تسبق وعيك لفعل شيء معين، و التي لا يمكنك التحكم فيها، أنت تتوهم فقط أنك أنت من تختار وتتحكم في قراراتك[5]، وفي دراسة أخرى على دورية PLoS ONE يوجد نفس ادعاءات دراسة Nature تقريباً[6]، ويوجد أيضاً دراسات تقول ليس فقط القرارات الحركية (الضغط على زر باليد اليمنى أو اليسرى) ما يمكن التنبؤ به، بل و التفكير المجرد أيضاً يمكن التنبؤ به من نشاط المخ، فهذه دراسة من دورية PNAS شارك فيها مجموعة من الأشخاص أمامهم لوحات في منتصفها، أي أرقام مثلاً 4 ، 2 وعلى لوحات أخرى في جوانبها الأربعة يوجد نتيجة جمع هذه الأرقام (4 + 2)؛ أي 6 في أحد الجوانب ونتيجة طرح هذه الأرقام (4 – 2) أي 2 في جانب آخر مع أي رقمين إضافيين مثلاً 8 ، 5 لإكمال الجوانب الأربعة، تمكن كاتبوا الدراسة من التنبؤ بالعملية الحسابية (الجمع أو الطرح) التي قام بها الأشخاص اعتمادًا على نشاط المخ قبل أن يعطوا الإجابة 6 أو 2 لهم ب 4 ثوانٍ.

– فالآن نحن أمام دراسات تقول:

– العمليات اللاواعية في مخك، والتي لا تستطيع التحكم فيها تخلق إرادتك حتى قبل أن تعي هذه الإرادة.

– يمكن التنبؤ بإرادتك اعتمادًا على نشاط المخ الذي يسبق هذه الإرادة.

فهل تم هكذا إثبات أننا لا نملك إرادة حرة؟ لا قطعاً، كل ما ذكر أعلاه لا ينفي وجود الإرادة الحرة؛ لأن تجربة ليبيت والتجارب المشابهة لها وجهت لها العديد من الانتقادات إضافة إلى أن ادعاءات أنه يمكن التنبؤ بإرادتك من نشاط المخ مبالغ فيها جدًا.

– الانتقادات الموجهة لتجربة ليبيت والتجارب المشابهة لها:

– يوجد العديد من الدراسات التي أثبتت أن النشاط الدماغي الذي رصده ليبيت ليس هو النشاط الذي يسبب الإرادة الواعية [8]،[9]،[10]،[11]،[12] ؛ ذلك لأن هذا النشاط العصبي يظل موجودًا حتى بدون أن يقوم الشخص باتخاذ أي قرارات، فمثلاً في الدراسة[9] تم إحضار مجموعة من الأشخاص، وجلسوا أمام شاشة تعرض أشكالا هندسية مختلفة؛ مثل: المكعب، المثلث، الدائرة، وطلب منهم الضغط على زر عند رؤيتهم لصورة المكعب فقط، بالفعل كما حدث في تجربة ليبيت تم رصد نفس النشاط العصبي قبل الاستجابة الحركية (الضغط على الزر)، لكن أيضاً تم رصد نفس هذا النشاط العصبي حتى قبل أن تعرض صورة المكعب على الشاشة لذلك استنتجوا أن هذا النشاط العصبي لا يمكن أن يكون هو السبب في أنك اتخذت قرار الضغط على الزر؛ لأن هذا النشاط ظل موجودًا حتى من دون اتخاذك لأي قرار، في الدراسة[11] تم إحضار مجموعة من الأشخاص وطلب منهم أن يختاروا بحرية أن يضغطوا أو لا يضغطون على زر عند سماع نغمة صوتية معينة، فوجد كاتبوا الدراسة أن النشاط العصبي كما رصده ليبيت ظهر بالفعل قبل الاستجابة الحركية، لكن نفس هذا النشاط بالضبط ظل موجودًا عندما اتخذ الأشخاص قرار عدم الضغط على الزر، فسواء قررت أن تضغط أو أن لا تضغط، النشاط يظل كما هو في الحالتين؛ إذا ليس هذا النشاط هو ما يسبب اتخاذك لقرار الضغط (إرادتك أو رغبتك) وبقية الدراسات المذكورة على نفس هذا المنوال.

– لنفرض أن هذا النشاط العصبي المتولد هو ما يخلق الإرادة (وهذا ليس صحيحا)، توجد دراسة حديثة أثبتت أن الإنسان قادر على تنفيذ أو عدم تنفيذ القرار حتى بالرغم من تولد النشاطات العصبية في وقت سابق عن وقت الإدراك؛ يعني إذا قررت أن تحرك إصبعك وتولدت النشاط العصبية قبل قرارك بفترة، ما زلت تستطيع أن تتحكم في ذاتك ولا تحرك إصبعك، النشاط العصبي لا يجبرك على أن تحرك إصبعك[13]، فمثل هذه الدراسات بالرغم من أنها تنكر وجود الإرادة الحرة إلا أنها لا تنكر وجود الرغبة الحرة.

– يوجد دراسات تتحدى فكرة أن الإدراك الواعي جاء بعد فترة من نشاط المخ الذي سبقه، ذلك لأن الأشخاص يعتقدون بالخطأ أن إدراكهم الواعي لفعل شيء متمثل في الوقت الذي قاموا فيه بهذا الفعل فقط؛ فمثلاً الاستجابة الحركية (تقنية الضغط على الزر المستخدمة في معظم الدراسات)، الناس تعتقد أن لحظة الضغط على الزر هي اللحظة التي أدركوا فيها أنهم أرادوا القيام بفعل الضغط، لكن في الواقع الإدراك ليس عملية لحظية بل عملية معتمدة على عده عمليات واعية متتالية، مثل تقييم الهدف، ثم تكوين رغبة، ثم تنفيذ فعل الحركة، الإدراك بدأ من تقييم الهدف وليس من فعل الحركة[14].

– وأخيراً في دراسة حديثة راجعت حوالي 48 دراسة من الدراسات المشابهة لتجربة ليبيت، والتي نشرت من عام 1983 وحتى عام 2014، وجدت هذه الدراسة أن هذه الدراسات لم تقدم أي دليل قوي على أن الإرادة الحرة وهم، وأن نتائج هذه الدراسات متناقضة مع بعض، وأن تفسير نتائج الدراسات يكون مدفوعا بالموقف الميتافيزيقي الذي يتبناه من يقومون بالدراسات، وليس من خلال تحليل دقيق للنتائج بأنفسهم (مثلاً مجموعة من الباحثين يعتقدون أن الإرادة الحرة وهم، يصنعون دراسة ويفسرون نتائجها علي حسب اعتقادهم والعكس)[15].

– الادعاءات أنه يمكن التنبؤ بالإرادة اعتمادًا على نشاط المخ:

– نسبة دقة التنبؤ في الدراسات المذكورة أعلاه لا تتجاوز 60%، وهذه ليست نسبة كبيرة ولا تثبت شيئًا، فمثلاً في دراسة Nature تم التنبؤ بالخيار قبل الإدراك الواعي بحوالي 8 ثوان، لكن ماذا كان الخيار؟ كان الضغط على زر إما باليد اليمنى أو اليد اليسرى، فما حصل في الدراسة يمكن تفسيره أنه مجرد عملية تخمين عشوائية من قبل القائمين على الدراسة، هم أمام خيارين فقط، لذلك نسبة دقة التنبؤ في كل مرة لا يمكن أن تقل عن 50%، نسبة دقة التنبؤ في هذه الدراسة كانت 56% معنى ذلك أنه إذا تنبأ باحث وقال مثلاً هذا المشارك سيضغط على الزر باليد اليمنى يوجد نسبة 50% أنه قال ذلك بالحظ فقط، ونسبة 6% فقط هي ما تعبر أنه فعلاً تمكن من التنبؤ اعتماداً على نشاط المخ وليس على الحظ، نسبة 6% لا تثبت شيئا[16]، نفس الشيء مع دراسة PNAS التي تدعي القدرة على التنبؤ بالتفكير المجرد هي مجرد عملية تخمين عشوائية[17].

فالعلم إلى الآن لم يثبت أن الإرادة الحرة وهم، هذه مجرد ادعاءات الأشخاص الذين يعتقدون بالفلسفة الاختزالية التي تقول أن الإنسان ما هو إلا كتلة مادة محكومة بقوانين حتمية.

اقرأ ايضاً: الإرادة الحرة حقيقة


[1] https://academic.oup.com/brain/article-abstract/106/3/623/271932?redirectedFrom=fulltext

[2] https://journals.sagepub.com/doi/10.1111/j.1467-9280.2008.02045.x

[3] https://www.sciencedirect.com/science/article/abs/pii/001346949090036J

[4] https://link.springer.com/article/10.1007/s002210050722

[5] https://www.nature.com/articles/nn.2112

[6] https://journals.plos.org/plosone/article?id=10.1371/journal.pone.0021612

[7] https://www.pnas.org/content/early/2013/03/14/1212218110

[8] https://link.springer.com/article/10.1007/s00221-013-3479-3

[9] https://www.sciencedirect.com/science/article/abs/pii/S0167876007002322

[10] https://journals.sagepub.com/doi/full/10.1177/0959354312460926

[11] https://www.sciencedirect.com/science/article/abs/pii/S1053810009001135?via%3Dihub

[12] https://www.sciencedirect.com/science/article/abs/pii/S1053810013001633

[13] http://www.pnas.org/content/113/4/1080

[14] https://www.frontiersin.org/articles/10.3389/fnhum.2013.00385/

[15] https://news.ncsu.edu/2018/03/free-will-review-2018/

[16] https://www.sciencedirect.com/science/article/abs/pii/S0149763419300739

[17] https://www.frontiersin.org/articles/10.3389/fpsyg.2013.00925/full

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى