عام

هل الملحد أكثر عقلانية من المؤمن؟

  • أحمد عبد العزيز
  • تحرير: عبد الله شعبان

في أغلب الأحيان، عندما يحدث نقاش بين ”مؤمن“ و”ملحد أو لاديني“، يحاول الملحد أو اللاديني دومًا تصوير نفسه على أنه الشخص العقلاني الذي يتبع الدليل حيثما أشار، فيبتعد عن الدوغمائية والتحيُّزات وأشكال التفكير غير العقلانية الأخرى والعواطف، ثم يحاول تصوير المؤمن على أنه شخص دوغمائي متحيِّز لدينه، وإيمانه مبني على العاطفة ورغبته الشخصية في وجود إله وحياة بعد الموت وحسب، لكن …

 

بدايةً، نحن جميعًا ”بشر“ سواء كنت مؤمنًا أم ملحدًا أم ربوبيًّا أم هندوسيًّا، نحن جميعًا -في النهاية- بشر، وكل البشر يقعون في الدوغمائية والتحيّزات وأشكال التفكير غير العقلانية، ويتأثرون بالعواطف كما توضح العديد من دراسات علم النفس، لأننا -ببساطة- بشر، وهذه طبيعتنا، فحين يخبرك الملحد أو اللاديني أنه يتخذ قراراته بناءً على العقلانية وحسب، وأنه متفتح العقل غير دوغمائي لا يتأثر بالعاطفة، فكأنه يحاول إقناعك بأنه ليس إنسانًا.

ولتوضيح الفكرة، المؤمن على سبيل المثال قد يخشى الفناء بعد الموت، فقد يكون هذا الخوف أحد أسباب إيمانه بوجود الله تعالى، وهذا بالتأكيد ليس سببًا عقلانيًا للإيمان؛ بل سبب عاطفي يجعل المؤمن متحيزًا أكثر لفكرة وجود إله، وإذا قدمت حجة تشكك في وجود الله تعالى، فقد يجعل هذا السببُ المؤمنَ يرفض هذه الحجة بدوغمائية دون مناقشتها، فالملحد يحاول خداع المؤمن أو بالأحرى خداع نفسه بأن الأمر ينتهي هنا، لكن في الواقع عكس ما ذكر صحيح أيضًا تمامًا، بمعنى أن الملحد -بالمثل- قد يخشى فكرة وجود حياة بعد الموت وعقاب لزمن طويل، وهذا السبب العاطفي قد يجعله متحيزًا ضد فكرة وجود حياة بعد الموت وإذا قدمت إليه حجة تدعم فكرة وجود حياة بعد الموت قد يرفضها هذا الملحد بدوغمائية دون مناقشتها أو بالتهرب منها لأنه هو الآخر يخاف هذه الفكرة.

لكن بالتأكيد إيمان المؤمن ليس قائمًا على العاطفة والتحيزات والدوغمائية وحسب، فالمؤمنون على مر العصور قدموا العديد من الحجج المنطقية والعقلية التي تدعم الإيمان بوجود إله، مثل: حجة السببية وامتناع التسلسل السببي اللانهائي، أو حجة التصميم والضبط الدقيق للطبيعة، أو الحجج التي تستخدم الوعي أو العقل البشري وسيلةً للاحتجاج بأن هناك عالم آخر غير عالم المادة، كحجة المعرفة، أو الحجج الأخلاقية، أو الحجج الأنطولوجية لغودل وأنسلم، أو حجة فطرية الدين، وغيرها الكثير من الحجج، وبالمثل تمامًا إلحاد الملحد ليس قائمًا على العاطفة والتحيزات وحسب، فالملحدون أيضًا قدموا إشكالات واعتراضات منطقية عقلية على هذه الحجج، ويستمر السجال بين المؤمنين والملحدين بردّ المؤمنين على اعتراضاتهم ثم ردّ الملحدين على ردّهم وهكذا دوإليك، وكل طرف يزعم أنه هو الطرف العقلاني ويرى الطرف الآخر على أنه غير عقلاني، فالإيمان قائم على مزيج من العقلانية وبعض العاطفة والتحيّزات بكل تأكيد، لكن بالمثل فالإلحاد أو اللادينية كذلك؛ لأن التحيّزات والتأثر بالعواطف والدوغمائية جزء من طبيعة أي إنسان، فالادعاء القائل بأن الملحد يبني إلحاده على العقلانية المحضة والمؤمن يبني إيمانه على التحيزات والعاطفة المحضة مجرد دجل.

 

ما الذي تقوله دراسات علم النفس؟ دراسات علم النفس تدعم ما ذكرته بالأعلى:

  • العاطفة والتحيّز عند غير المؤمنين:

في دراسات متعددة تمت على عينات من مئات الأشخاص من طلاب جامعات، وناجين من مرض السرطان، وأفراد عائلات تعرضوا لضغوطات نفسية مختلفة، وجد الباحثون أن العوامل العاطفية مثل: الغضب من الإله، أو الحزن الشديد نتيجة الشعور أن الإله قاسي أو أن الإله تخلي عنهم ولم يعد يهتم بهم أو أنه أساء معاملتهم،  كانت من الأسباب المهمة التي تسببت في عدم إيمان بعض هؤلاء[1]،[2]، وبالتأكيد الأسباب العاطفية التي قد تدفع شخصًا ما إلى عدم الإيمان هي أسباب متعددة، وتختلف من شخص إلى شخص، ولا تقتصر على معضلة الشر وحسب، فعلى سبيل المثال الفيلسوف الملحد توماس ناجل في كتابه ”الكلمة الأخيرة“[3] يذكر أنه ”ليس فقط غير مؤمن بوجود إله، ولكنه يريد ويأمل من أعماقه ألا يكون هناك إله، وأنه من غير العقلاني أن تؤثر آمال الشخص على اعتقاداته“، فهو هنا لا يرغب شخصيًا في وجود إله، وهذا سبب عاطفي قد يجعله متحيزًا ضد الدين، وعالم الكونيات الملحد شون كارول يذكر في كتابه ”الصورة الكبيرة“[4] أن ”التحيزات موجودة عند كِلا الجانبين، فالمؤمن يرتاح لفكرة وجود إله يهتم به، ويحدد له ما يجب عليه فعله في الحياة؛ لذا يتحيز إلى فكرة وجود إله، لكنه يعترف أنه هو نفسه لا يحب فكرة وجود إله يقول له افعل ولا تفعل، ويحب أن يحدد سلوكه والقيم التي سيتبعها في الحياة بنفسه، وهذا قد يجعله متحيزًا ضد الدين“، فكما هو واضح، الملحدين كأي بشر يتأثرون بالعواطف، وقد تكون العاطفة أحد أسباب إلحادهم.

الدراسات تظهر أيضًا أن كل إنسان منا لا يدرك تحيزاته وأشكال تفكيره غير العقلانية الخاصة بسهولة، لكن إدراكه التحيزات في الآخرين أسهل نسبيًّا، لذا فأي إنسان منا ينظر إلى نفسه على أنه عقلاني غير متحيز، وينظر إلى بقية البشر المختلفين في أفكارهم وسلوكهم عنه على أنهم متحيزين غير عقلانيين، فعلى سبيل المثال في دراسة جرت على عينات من طلاب الجامعات، والمواطنين الأمريكيين العاديين، والمسافرين بالطائرات، وجد الباحثون أن طلاب جامعات اعتقدوا أنهم أقل تحيزًا وأكثر عقلانية من طلاب جامعات آخرين وأن مواطنين أمريكيين اعتقدوا أنهم أقل تحيزًا وأكثر عقلانية من مواطنين آخرين وأن مسافري طيران اعتقدوا أنهم أقل تحيزًا وأكثر عقلانية من مسافري طيران آخرين[5]، فإذا ادّعي الملحد أنه أكثر عقلانية من المؤمن؛ فادعاؤه هذا بلا معنى تمامًا، فهو في الواقع يتصرف كما يتصرف أي إنسان عادي.

بل إن الدراسات تشير إلى أن الشخص الذي يعتقد بشدة أنه عقلاني غير متحيز؛ هو -في الواقع- أكثر الأشخاص عرضة للوقوع في التحيز وأشكال التفكير غير العقلانية الأخرى، لأن مثل هذا الشخص يكون أكثر الأشخاص الذين لا يدركون تحيزاتهم الشخصية بسهولة، لذا يستمر في حالة “لاوعي” في تحيزاته وحكمه على الأشياء حكمًا مُخطِئًا غير عقلاني، ولا يقبل نقد أفكاره، ولا يتقبل نصائح من الآخرين، ولا يتخذ الإجراءات اللازمة التي تصحح من سلوكياته وقراراته وطرائق تفكيره[6].

 

  • الدوغمائية عند غير المؤمنين:

في دراسات علم النفس كان الربط -دومًا- بين شدة التدين والدوغمائية المفرطة، لأن دراسات علم النفس كان تقتصر في البداية على المتدينين باعتبارهم الأغلبية في العالم، لكن الدراسات الحديثة تشير إلى ما سبق ذكره بالأعلى، فالدوغمائية موجودة عند كل البشر بمن فيهم الملحدين، وفي دراسات تمت على عينات لمسيحيين وملحدين ولا أدريّين من ثلاث دول علمانية: أسبانيا وفرنسا وبريطانيا، وجد الباحثون باستخدام مقاييس مختلفة لقياس الدوغمائية أنه على أحد هذه المقاييس: المسيحيون سجلوا درجات أعلى عند عرض جمل مثل: ”هناك الكثير من ما لم نكتشفه بعد، ولا ينبغي لأحد أن يكون متيقنًا تمامًا من صحة معتقداته“، وسؤال المشاركين عن درجة اتفاقهم معها، كان اتفاق المسيحيين معها أقل من الملحدين واللاأدريّين، في حين أنه على مقياس آخر يقيس مدى تقبل الناس حججًا تتعارض مع موقفهم، أظهر الملحدون واللاأدريّون مَيْلًا أقل إلى القدرة على تقبل الحجج التي تتعارض مع موقفهم مقارنةً بالمسيحيين[7]، وفي دراسة أخرى نُشِرتْ بالمجلة البريطانية لعلم النفس أكد باحثون آخرون هذه النتائج، فكلٌّ من الملحدين والمتدينين قد يقابِلون بدوغمائية ما يتعارض مع وجهة نظرهم أو اعتقاداتهم، وقد يتحيزون ضد المختلفين معهم[8]، وفي دراسات على الملحدين الأمريكيين وجد الباحثون نفس النتائج[9]؛ فالملحد -كالمؤمن تمامًا- قد يعتقد دوغمائيًّا أن الإلحاد هو الطريق الصحيح، وهو الحق المطلق، وأن كل الأديان والأفكار الأخرى مخطئة، ومن منطلَق التحيّز، إن ظن الشخصُ نفسَه أقل دوغمائية وأكثر تفتحًا من الآخرين يكون -في الواقع- هو أكثر الأشخاص دوغمائية، ففي دراسة قارنت درجات الدوغمائية بين أنواع مختلفة من اللادينيّين، وجد الباحثون أن ”الملحدون الجدد“ من أمثال ريتشارد دوكينز وسام هاريس، الذين ينظرون إلى الدين على أنه شر مطلق، وأنه يجب التخلص منه، هم في الواقع أكثر الفئات اللادينية دوغمائية بل نرجسية أيضًا[10].

لذلك فالأفعال اللاعقلانية يكون ارتكابها من البشر كافة؛ لأنهم بشر، وليس لمجرد أنك أنكرت وجود إله فهذا معناه أنك تحولت إلى كائن آخر غير البشر، فلا يوجد أي دليل يدعم ادعاء أن الملحد أكثر عقلانية من المؤمن سوى اعتقادات أو كلام الملحد نفسه عن نفسه.


مصادر:

[1] https://psycnet.apa.org/record/2010-26912-003

[2] https://psycnet.apa.org/record/2016-13467-001

[3]  The Last Word, Thomas Nagel, Oxford University Press, page 130-131.

[4] Sean M. Carroll, The Big Picture: On the Origins of Life, Meaning, and the Universe Itself, Reprint ed. (New York: Dutton, 2017), 149 (https://bit.ly/3clNPdi).

[5]  https://journals.sagepub.com/doi/pdf/10.1177/0146167202286008

[6]  https://www.cmu.edu/news/stories/archives/2015/june/bias-blind-spot.html

[7]  https://www.sciencedirect.com/science/article/abs/pii/S0191886917303070

[8]  https://digest.bps.org.uk/2017/01/24/are-these-uncertain-times-drawing-us-into-a-cycle-of-dogma-and-prejudice/

[9]  https://www.discovermagazine.com/the-sciences/atheists-can-be-dogmatic

[10]  https://psycnet.apa.org/record/2015-02900-005

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى