عام

استثمار المشاعر!

  • محمد أشرف

لا شك أن المتأمل لواقع العصر وما يطفو على سطح عالمنا الفكري من فلسفات هي وليدة عقولٍ تسير بخطى ثابتة نحو مرارات الجحيم، إنما يدرك أن هذه الأفكار تحمل في داخلها عوامل انهيارها، وأن المعول الذي يعتمد عليه أصحابها في تمهيد الطريق لها يرتد في رؤوسهم فلا يزيدهم إلا تخبطا وتيها، وأن الفكرة الإسلامية صلبة للغاية، وتسير بخطى واثقة عبر التاريخ، ولا يزيدها مرور الأيام إلا تكاثرا وانتشارا في مشارق الأرض ومغاربها!

ولا يخفى على النازل في ميدان العمل التربوي والفكري أن أكثر الشبهات التي تهدد شباب الجيل ويمتطيها الواحد منهم جامحا خلف شهواته، لا تتكىء في الأصل على قناعة راسخة أو تفكير منطقي سليم، وإنما هي -في أغلب أحوالها- محض ردود أفعال عاطفية في المقام الأول؛ فهذا يلحد لأنه رأى ظلما لم يستطع دفعه ولم يرفعه الله سبحانه وبحمده عن المظلوم، وهذا ينكر السنة لأن حديثا من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم لم يشبع عقله إقناعا، وهذه تنوح ليل نهار تطالب بحقوق المرأة والمساواة وتلعن الذكورية لأن زوجها سابقا قد تزوّج من أخرى.. وغير ذلك مما لو عُطف على هذا النسق وتناسل من ذات الرحم لما انتهينا منه إلا إلى الإيمان أن المشكلة ليست مشكلة فكرية بالأساس؛ لأننا نملك آلاف المصنفات في دفع الشبهات ومعالجة المشكلات الفكرية، وإنما تكمن المشكلة الحقيقية في أرض المشاعر التي تُغرس فيها هذه الأفكار، فنحن أمام استغلال واضح للجوع النفسي الشديد الذي يعانيه إنسان هذا العصر، وضرب على هذا الوتر الحساس -وهو تقديم الشبهات على أطباق من العواطف الحارة المكثفة التي يصعب مقاومتها- مما يمهد الطريق لاستحكام هذه الأفكار في العقول!

وهذه الأفكار الفاسدة التي يتم تمريرها للإنسان محفوفة بسياج من العواطف الجياشة أشد خطرا من الأفكار الفاسدة التي تقدم مجردة من كل هذا، نحن الآن أمام مشكلة مركبة من فكرة خاطئة وشعور صحيح صادق بالإيمان، ومهاجمة الفكرة ومحاولة تفنيدها وتفكيكها في مثل هذه الأحوال هو بمثابة تهديد الاستقرار النفسي عند الإنسان يدفعه إلى الاستبسال في سبيل الحفاظ على ما يؤمن به، وهنا تكمن خطورة الموقف وصعوبة العلاج، فالأمر يحتاج إلى طبيب حاذق خريت يعرف كيف يخاطب مكامن الشعور في هذه النفس البشرية فيستفزها إلى التغيير!

ولا طبيب كالقرآن، فالقرآن تراه بادئ ذي بدء وقبل أي شيء يربت على كتفك مطمئنا:”ذلِكَ الْكِتابُ لَا رَيْبَ فِيهِ” فأنت الآن أمام ضمان إلهي أنك لن تتعرض لأي لون من ألوان المعاني الفاسدة الباطلة، وإنما هو الحق كله والنور كله، ثم تمضي بك سور القرآن فتجد أن هذا الكتاب لا يعالج النفوس بمحض الإقناع العقلي والحجاج المنطقي وحسب كما تفعل أكثر الكتابات الفكرية الجافة الخالية من الروح، ولا يكثف المشاعر ويُغفل فريضة العقل الواجبة كما تفعل الكتابات الأدبية، وإنما يعيد طرح المعاني مع إبداع في استثمار المشاعر الإنسانية بما يخدم الفكرة ويمهد طريق الإيمان بها.. فالقرآن بمثابة النهر المتدفق الذي يروي هذا العطش الروحي الشديد عند الإنسان ويطهر النفس من الضلالات التي تعلق بها!

فمثلا حين عرض السياق القرآني في مطلع سورة الطلاق إلى كيفية التعامل مع الزوجة عند الفراق، قال تعالى:”يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ ۖ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ ۚ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ۚ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَٰلِكَ أَمْرًا “

فانظر إلى كم المشاعر التي تغرسها هذه الآية في نفس الزوج حين يرغب في فراق الزوجة، فليحرص أولا على أن يطلقها في طهر لم يجامعها فيه لئلا تطول مدة عدتها، ثم ليحرص على نفسه ولا يخرجها من بيته، ثم تُختم الآية بهذا الختام الذي كله تحريض على مراجعة الزوجة!

والمتتبع لآيات العلاقات الأسرية في لحظات الخلاف يجد حضور هذا اللون من إثارة مشاعر الود والرحمة والتذكير بسابق العهد من الألفة مهما كان الحكم المراد تبيانه في الآية-، سواء كان بالطلاق أو المراجعة أو الإعراض والهجر!

وفي سياق آخر حين أتى القرآن على قصة الثلاثة الذين خلفوا حرص القرآن على رصد مشاعر المؤمن المتخلف عن ركب التائبين، فقال تعالى في وصفهم:”حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ” فهذه هي المشاعر التي يجب أن يُشحن بها القلب المؤمن تجاه المعصية، وكيف أنها تُحكم الخناق على صاحبها حتى تضيق عليه نفسه التي بين جنبيه!

ومن المشاعر النفسية التي حرص القرآن على تكرارها والتحذير من التلبس بها شعور الخذلان الذي يعتري الإنسان يوم القيامة حين يتخلى عنه كُبراؤه، وهذا موقف الشيطان يوم القيامة:”وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ۖ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم” فالقرآن هنا ينبه على هذا الإحساس بالخيبة يوم القيامة حين يقف الإنسان فردا يُحاسب عن اختياراته وحيدا، وحينها لن يجد من دعاة جهنم إلا التنصل التام من مسؤولية هذه العواقب التي يدفع الإنسان آخرته كلها ثمنا لها الآن!

وفي سياق الحديث عن قيام الليل وحض الإنسان عليه في سورة السجدة وبعدما رصد القرآن هذا القلق الذي يصاحب المؤمن على فراشه، قال تعالى :”تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ” لم تترك الآيات هذا الشعور دون معالجة، وإنما انتقل المشهد في الآية التي تليها إلى المشهد الأخروي قال تعالى:”فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ” فهذه الآية تطمئن المؤمن أن قلقه وخوفه سوف يزول، وأنه على أعتاب راحة أبدية ملؤها قرار العين!

وانظر إلى حال المسلمين في مكة وقد استضعفوا ونالهم من الأذى ما نالهم، فذهبوا يطلبون من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسأل ربه فرض القتال فلم يأذن لهم النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا هاجروا وفرض عليهم القتال ظنوه شرا وعدّوا ذلك من البلاء، قال تعالى حكاية عنهم:”وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ” والذي نريد أن نلفت النظر إليه هو إعادة توجيه المشاعر في صدر هذه الآية حين كانوا في مكة زمن الاستضعاف:”قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ” فهذه الطاقات المتعطشة للثأر من المشركين يجب أن تُستثمر الآن في العبادات التي تؤهلكم للقتال يوم أن يُفرض عليكم.

وحين ذكر القرآن قصة خلق الإنسان وتاريخه في مطلع سورة الإنسان لم يكتف بذكر الحقائق المجردة فحسب، وإنما أعاد تذكير الإنسان بضعفه وفقره وحاجته إلى مولاه، قال تعالى:” لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا” فهذه الجملة بمثابة العصا التي تقرع النفس الثائرة المتضخمة الداخلة إلى هذا القرآن حتى تهدأ وتعود إلى تصور حقيقتها في هذا الوجود!

والأمثلة أكثر من أن يتسع لها المقال، والمرء أصغر من أن يحصي استثمار القرآن لمشاعر الإنسان وإعادة ضبطها وتوجيهها إحصاء دقيقا، ولكن الذي نريد أن نلفت النظر إليه وهو لب هذا المقال وعموده الذي عليه قام، أن قضية تسليم النفس للقرآن يجب أن تكون حاضرة عند كل مرة تتعرض فيها لكتاب الله عز وجل، وتسليم النفس هنا يعني نفض العقل والقلب من كل شيء، والدخول إلى هذا الكتاب نازعا أثواب المعارف كلها تغتسل تحت شلالات الرحمة الإلهية، فهو كما ترى يضمن لك سلامة الطريق وسلامة الوصول، يعيد ترتيب عقلك وضبط معارفك، ويعيد رسم خريطة مشاعرك من جديد، فأنت لا تحزن كما يحزن الجميع، ولا تفرح كما يفرح الجميع، شجاعتك لن تظهر إلا في المواقف التي يراها القرآن أهلا للشجاعة، ورحمتك لن تكون حاضرة إلا مع من يمنحه القرآن الحق، أنت بصدد هندسة نفسك وبنائها وفق أساليب العمران القرآنية!

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى