فكر وثقافة

التعليم الدولي كأداة ثقافية

  • إليزابيث ريدن
  • ترجمة: عبد الرحمن فتحي
  • مراجعة: مصطفى هندي
  • تحرير: سهام سايح

عشرات الآلاف من الطلاب الإيرانيين أتمُّوا دراستهم في الولايات المتحدة في سبعينيات القرن الماضي، يخبرنا كتاب جديد كيف ساهم ذلك في زعزعة العلاقات الدبلوماسية بين واشنطن وطهران في الفترة التي سبقت الثورة الإيرانية.

غالبًا ما يُنظَر إلى التعليم الدُّولي باعتباره بندًا هامًا من البنود الدبلوماسية العامة. ويُعتقد أنّ الولايات المتحدة تستطيع أن تزرع النَّوايا الحسنة في نفوس الطلاب الدوليين الوافدين إلى أراضيها. فمن خلال تعليم القادة المستقبليين، تستطيع الولايات المتحدة أن تساعد في إقامة علاقات أقوى مع الدول التي يأتي منها الطلاب. ولكن هل هذا التفكير اختزالي بشكل مفرط؟ يزعم كتاب صدر مؤخرًا أنّ التدفُّق الضخم من الطلاب الإيرانيين إلى الجامعات الأميركية، والذي بدأ في خمسينيات القرن العشرين وبلغ ذروته التي تجاوز بها خمسين ألف طالب في أواخر سبعينيات القرن العشرين، كان سببًا في تقويض التحالف بين واشنطن وطهران في  الوقت الذي كان من المفترض أن يعزِّزه.

يجادل ماثيو شانون في كتابه (عندما تطيش القلوب والعقول) “loosing hearts and minds” “بحث في العلاقات الأمريكية الإيرانية والتعليم الدُّولي أثناء الحرب الباردة” بأنّ هذا التدفُّق الكبير للطلاب الإيرانيين إلى الولايات المتحدة كان له “عواقب غير مقصودة تعارضت مع الأهداف الإستراتيجية للقادة الإيرانيين والأمريكيين”.

كتب شانون: “لم يكن هذا نتيجة لخطأ ما في المشروع التعليمي الدّولي أو في التدفّق الحر للأفراد بين البلدين، إنّما بالأحرى نتيجة لعدم الائتلاف بين القادة القوميين الذي يروِّجون لأفكار ليبرالية متأصلة – مثل حرية الحركة والتعليم العالمي-  وفي نفس الوقت يدعمون الديكتاتوري (محمد رضا) ودولته البهلوية”.

 فمن ناحية، يقول شانون: “إنّ صُناع السياسة الأمريكيين والدبلوماسيين ومسؤولي المعونة والداعمين والخبراء التربويين أنشؤُوا مجموعة واسعة من البرامج التعليمية الحكومية وغير الحكومية  لإرساء أساس ثقافي للتحالف بين واشنطن وطهران وتزويد الشاه بالأيدي العاملة المدربة لإدارة برنامجه الحداثي، المعروف باسم (الثورة البيضاء)”.

ومن ناحية أخرى، كان التعليم الدّولي “يوفر أيضًا وسيلة للمقاومة، فبعد أن رفض الشاه إدراج الليبرالية السياسية كجزء من برنامجه الحداثي، قام الطلاب الإيرانيون في الخارج بواحدة من أكثر الحركات المعارضة إثارة للإعجاب في عصر الحرب الباردة، وتوسعت حركتهم في الحجم وتنوعت في تكوينها على مر السنين. ولأنّ دولة بهلوي لم تسمح بوجود المعارضة داخل حدودها، فقد أصبحت أشكال المعارضة جزءا من الشبكات التعليمية التي ربطت بين الولايات المتحدة وإيران”.

ويزعم شانون أنّ الطلاب المناهضين للشاه تمكنوا من تشكيل “تحالف بديل مع الأميركيين التقدميين الذين انتقدوا استبدادية شاه إيران. فقد تبنّى الطلاب الإيرانيون وحلفاؤهم الأميركيون وجهات نظر عالمية تجاوزت النظرات التقليدية للمصلحة الوطنية، وعملت كمركز قوة بديل للحكومات الوطنية، وانخرطوا في خطاب متطور لحقوق الإنسان يسعى لنزع الشرعية عن الشاه الذي يدّعي أنه ملكٌ خيّر ومواكبٌ للحداثة.

وفي نهاية المطاف، تمكَّن هذا النقد المتطور لدولة بهلوي المستند على فلسفة الحقوق من الوصول إلى قاعات السلطة في واشنطن وطهران، فأعاد تشكيل المجتمع الدولي من جديد، وساهم في قيام الثورة الإيرانية عام 1979 التي استبدلت شاه إيران بالجمهورية الإسلامية لروح الله بن أحمد الموسوي الخميني.

  • أجاب شانون على عدد من الأسئلة عبر الإيميل بخصوص كتابه وبحثه بشكل خاص، وبخصوص الآثار المترتبة على التعليم الدّولي بشكل عام.

 

–  س: ما الذي جذبك إلى دراسة العلاقات الأمريكية الإيرانية من منظور”عدسة التعليم الدّولي” كما أوضحت؟.

– ج: لطالما كان التعليم الدّولي “الرابط” الأهم في العلاقات الأمريكية- الإيرانية منذ القرن التاسع عشر. ومع ذلك، بات واضحًا لي بعد أن قرأت الأدبيات المعنية بالعلاقات الأمريكية- الإيرانية بعد الحرب العالمية الثانية؛ أنّ أغلب العلماء ركزوا أقلامهم على الشؤون العسكرية والدبلوماسية والسياسية ، فارتأيت أنا الحديث حول “الحرب الثقافية الباردة” في إيران، والتي أعطت الأولوية إلى التبادل التعليمي إلى الحد الذي جعل دولة إيران الدولة الأولى من حيث عدد الطلاب الدوليين في الولايات المتحدة بحلول ثورة 1979م.

فالرؤية من منظور”عدسة التعليم الدولي” تقوم بدمج مجالات فرعية مختلفة من التاريخ ما كان لها أن تلتقي أبدًا، ممَا ينتج بدوره صورة أكثر ثراءً وعمقًا عن الماضي. وهي في حد ذاتها تعطي منظورًا ثلاثيًا، لأنّ صُناع السياسة تصوروا أنّ التعليم بعدٌ من أبعاد الإستراتيجية الأمريكية، فالكتاب يخاطب مباشرةً تلك السرديات الدبلوماسية القديمة حول العلاقات الأمريكية – الإيرانية.

ومع ذلك، ظلَّ التعليم لفترة في إيران جزءا من الجهود القومية الرَّامية إلى “تحديث” البلاد وتوسيع مظلة “الحقوق” لمواطنيها.

تلك الجهود التي كان التفاوض عليها جاريًا على قدم وساق بين إيران والعالم، وقد أثمرت عن تحقيق العديد من الأهداف المشتركة. ففي سنوات ما بعد الحرب، أزاحت أمريكا بريطانيا العظمى والاتحاد السوفيتي عن كاهل إيران بعد أن كانا الفاعلين الخارجيين الأكثر قوةً فيها. ولكن في حين نظر بعض الأمريكيين والإيرانيين إلى التعليم باعتباره وسيلة لتحديث إيران ضد نموذج استبدادي، رأى آخرون دوائر التبادل باعتبارها جزءا من النظام الدُّولي الذي من شأنه أن يفتح الطريق في نهاية المطاف أمام نظام سياسي محلي أكثر حرية. وعليه فإنّ التعليم الدولي يفسِّر لنا إذن الطبقات العديدة لتلك العلاقة ثنائية القومية وكذلك ما تعدنا به أو تنذِر اللحظة الأمريكية ما بعد الحرب في إيران.

 

– س: ما الذي يمكن أن نتعلمه من النموذج الأمريكي الإيراني بشكل أوسع حول فائدة التعليم الدّولي وقيوده المحتملة كأداة للدبلوماسية العامة؟.

– ج: أودُّ أن أستهل إجابتي بالقول أنّ التعليم الدولي يستحق الدعم دائمًا لأنه قادر على تعزيز المصالح الأميركية والحوار العالمي على النحو الذي لا تستطيع إلاّ القليل من الجهود القيام به.

ولكن لكي يكون التعليم الدّولي أداة فعالةً للدبلوماسية العامة، يجب أن تتماشى المبادرات التعليمية مع الأبعاد العسكرية والسياسية والاقتصادية للإستراتيجية الأم. بعبارة أخرى، يجب على “المسارات” المختلفة للإطار الإستراتيجي أن تتماشى وتتواءم معًا. وفي حالة عصر الحرب الباردة في إيران، كان من غير المجدي للولايات المتحدة أن تقدِّم كميات هائلة من الدعم العسكري للشاه الإيراني، كونه حكم البلاد بطريقة استبدادية لمدة تقترب من أربعة عقود من الزمن. ولم يكن الحل  تقليص البرامج التعليمية، بل كان من الأولى التركيز على الإصلاحات السياسية وخطط التنمية الاقتصادية المتوازنة التي كان من الممكن أن تفيد المجتمع بالكامل. ومن ثمَّ كان من الممكن أن يتم التبادل التعليمي والثقافي في سياق أكثر ودًا.

وأنا أتفق تمامًا مع الباحثين الذين يزعمون أنّ الولايات المتحدة كان من الواجب عليها أن تتبنّى إستراتيجية “مغايرة” أثناء الحرب الباردة، إستراتيجية من شأنها أن ترفع البرامج الثقافية إلى مستوى يفوق التحالفات العسكرية. و أودُّ أن أقول نفس الشيء عن “القوة الناعمة” في عالم حروب اليوم. والآن، كما كانت الحال آنذاك، أصبحت بعض الدول أكثر حرية من غيرها، وبعضها حلفاء للولايات المتحدة وأخرى خصوم لها.

إنّ تفاصيل القضية الإيرانية أثناء الحرب الباردة ليست هي ذاتها في كلِّ الأحوال، ولكن الدروس العامة تنطبق في كل الأحوال.

 

– س: وصفت خلال الكتاب كيف تمت تعبئة الطلاب الإيرانيين في الولايات المتحدة كقوة سياسية لها وزنها. في عام 1962، التقى زعماء الطلاب الإيرانيين بالنائب العام روبرت كينيدي وأبدوا مخاوفهم حول الافتقار إلى الحريات السياسية في إيران؛ وفي عام 1977، قام 1700 طالب معارض لسياسات الشاه بالاحتجاج خارج البيت الأبيض على ما قد يمكن تسميته الزيارة الرسمية الأخيرة من الشاه للبلاد. هل تعلم مجموعات مشابهة من الطلاب الدوليين الذين حققوا نجاحات مماثلة في عملية التعبئة السياسية، أم أنّ نموذج الطالب الإيراني في الخمسينيات والسبعينيات فريد في هذا الصدد؟.

– ج: هذا سؤال قيّم يخص موضوع عزمت على أن يتضمنه الكتاب في الأصل، ولكنني لم أفعل للأسف. إلاّ أنّ هناك الكثير من القضايا المثيرة الأخرى في نفس السياق.

في الشرق الأوسط، تلقى العديد من “الأتراك الشباب” تعليمهم في أوروبا، ممَّا أسفر عن ثورة على الإمبراطورية العثمانية قبيل الحرب العالمية الأولى مباشرة. والعديد من القادة المناهضين للاستعمار في منتصف القرن العشرين كانوا منتجات شبكات التعليم الإمبريالية. فمثلا، جواهرلال نهرو الذي تلقَّى تعليمه في كامبريدج، ثم فيما بعد قاد حركة الاستقلال في الهند. فرانز فانون كذلك تعلّم في فرنسا ومن ثمّ ذهب إلى الجزائر، كوامي نكروما الذي درس في فيلاديفا وأصبح بعدها أول رئيس شرعي لغانا. كذلك تلقى جيل كامل من الطلاب البرازيليين تعليمهم في الولايات المتحدة خلال فترة الحكم العسكري، وتمّ تعبئة الطلاب الإثيوبيين في الخارج قبل الثورة التي أطاحت هيلا سيلاسي، وأخيرًا، أصبح الطلاب الفلسطينيون جزءًا مهمًا من الشتات (الدياسبورا) منذ السبعينيات فصاعدًا. فعلى نطاق أوسع، ساهم التعليم والعديد من قوى العولمة في التغيير في جميع أنحاء شرق آسيا في أواخر القرن العشرين.

إنّه لمن الصعب أن نجزم بمدى “تفرُّد” الحالة الإيرانية. وهذا يتطلب تحليلاً مقارنًا للبيانات النوعية والكمية. في حين أنّ هناك عوامل مختلفة تجعل القضية الإيرانية بارزة، إلاّ أنّ المقياس الذي قد يكون أكثر أهمية– كثافة المبادرة الأمريكية في إيران ما بعد الحرب، وحجم ونشاط الطلاب الإيرانيين في الولايات المتحدة، والتأثير النهائي للثورة الإيرانية عام 1979.

 

– س: أنت خصصت جزءا من الكتاب لمناقشة انتشار العقود المؤسساتية بين الجامعات الأمريكية وإيران خلال السبعينات. بما في ذلك اتفاقية عام 1975 المثيرة للجدل بين معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا والحكومة الإيرانية التي وافق فيها معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا على قبول ما مجموعه 54 طالبًا إيرانيًا في ماجستير برنامج الهندسة النووية مقابل وقف قيمته 20 مليون دولار.

(في نهاية المطاف كتبت أن 35 طالبًا قد أنهوا برنامج معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا MIT، وبعد سقوط الشاه أصبح العديد من الخريجين شخصيات هامة في البرنامج النووي لجمهورية إيران الإسلامية). وإذا ذهبنا إلى ما هو أبعد من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا فلقد رصدت تقريرًا صادرًا عن المجلس الأميركي للتعليم انتقد انتشار العقود الجامعية الأمريكية مع إيران، باستخدام مصطلحات على شاكلة: “الصخب الأكاديمي”، ويلاحظ أنّ المقالات الصحفية الانتقادية في ذلك الوقت كانت تحمل عناوين رئيسية مثل “هل يمكن أن يمتزج النفط بالتعليم؟”. و”مدارس للبيع”. وبعد مضيِّ أكثر من 40 عامًا ما زالت تُثار مثل تلك النقاشات. ففي إطار دراسة الشراكات مع الحكومات الاستبدادية، هل هناك أيُّ دروس ينبغي للجامعات الأمريكية أن تستخلصها من النموذج الأميركي الإيراني في سبعينيات القرن العشرين؟.

– ج: إنّ تاريخ الروابط التعليمية بين الولايات المتحدة وإيران له أهمية اليوم، بالتأكيد عندما نأخذ في الاعتبار المسائل الأخلاقية التي تحيط بعولمة الجامعة الأميركية.

فمنذ بداية القرن العشرين، كانت بعض المدارس تتمتع بعلاقات مهمة مع إيران، وعندما تمّ التعامل معها على النحو الصحيح، جلبت هذه الروابط فوائد متبادلة. هناك كتاب سيصدر قريبًا عن جامعات يوتا في إيران، وهناك موقع على شبكة الإنترنت مخصص لفاييت (كلية لافاييت) في بلاد فارس Lafayette [College] in Persia، وهناك منحة دراسية حول المشاركة التاريخية لجامعة بنسلفانيا في البلاد. وبعض هذه المدارس تتمتع بسمعة طيبة في إيران اليوم.

ولكن أثناء سبعينيات القرن العشرين، كانت أموال النفط هي التي صعّدت من إنفاق الشاه ممَّا أدى إلى توليد الفساد. وكانت هذه هي الحال بالنسبة للعقود التعليمية التي انتقدتها ACE ، بما في ذلك العقد النووي لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا MIT. وعلى المدى القصير، ربما كان ذلك أعظم فائدة لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا أكثر من إيران. وكان ذلك عَرَضا لجهود التخطيط الفوضوي في إيران واستمرار عجز أو عدم رغبة الأميركيين في موقع السلطة والمسؤولية للنظر في العواقب الأخلاقية المترتبة عن تصرفاتهم. وعلى المدى الطويل، وعند النظر في مسألة موظفي منظمة الطاقة الذرية الإيرانية، فربما كان العقد في النِّهاية لصالح إيران.

ويظلُّ السؤال يدور حول الكيفية التي تستطيع بها مؤسسات التعليم العالي أن تزدهر على المستوى الاقتصادي وأن تروِّج لتدويل مسؤول. فمن ناحية، من الممكن أن يساعد التبادل التعليمي في إحداث تغيير في مختلف أنحاء العالم وتعزيز النفوذ الأميركي والهيبة الأميركية. ومن ناحيةٍ أخرى، لا ينبغي للمدارس، مثلها في ذلك مثل الأمم، أن تتنازل عن مبادئ مثل الحرية الأكاديمية في تحصيل المكسب المالي أو الامتداد عالميًا. ويتعيَّن على المدارس الأمريكية اليوم أن تعمل على تدويل الأمر، ولكن يتعيّن عليها أن تتجنب التورط في التعامل مع الدول الاستبدادية على النحو الذي قد يلحق الضرر أكثر مما قد يعزز بالمصالح بعيدة الأمد وبآفاق الحوار في المستقبل.

أعجبني المقال

المصدر
insidehighered

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى