عام

المنظورات الفكرية للتفاعل الإنساني

المبدأ البلقيسي للمفاوضات

  • محمد السقاف
  • تحرير: عبد الرحمن روح الأمين

{فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ}

ألم يخطر ببالك مرةً لماذا لم تخضع بلقيس لسليمان عليه السلام سريعًا مع أنها تعلم أنه ملك ذو قوّةٍ ونفوذ؟ أو لماذا لم تتّخذ خطوةً ضدّه أيضًا مع أن قومها أولي قوةٍ وبأسٍ شديد؟

كان من حكمة بلقيس أنها تريّثت وبدأت بالتفاوض لتصل إلى أفضل تسويةٍ ممكنة، لأن التفاوض هو أفضل طريقةٍ لكسب أكبرَ قدرٍ ممكن دون مجازفةٍ بالخسارة الكاملة، ولا يكون هذا في الصفقات التجارية أو في المناوشات بين الملوك كبلقيس وسليمان u فقط، بل يكون في التعاملات الدائمة والعلاقات العاطفية أيضًا.

إن أفضل ما يعلّمك التفاوض هو معرفة الوقت المناسب لشدّ الحبل، والوقت المناسب لإرخائِه، لتكون بذلك قد حقّقت أكبرَ قدرٍ من التسوية والفائدة، دون ظلمِ نفسك، أو خسارةِ شخصٍ عزيزٍ عليك.

أفضلُ من قدّم هذا الموضوع هو ستيفن كوفي في كتاب العادات السبع للناس الأكثر فعالية، حيث شرح أنواع البشر في المفاوضات، وقد وضعها تحت اسم: (المنظورات الفكرية للتعامل الإنساني).

الجميع يتمنّى لو أن كل تعاملاتنا تنتهي بمنظور (المكسب/المكسب)، أي أن كلا الطرفين يكون رابحًا، لكن هذا مستحيل التحقّق دائمًا، لذلك يجب أن نتعلم المنظورات الأخرى لتحقيق حياة أفضل.

 

خمسة منظورات فكرية للتفاعل الإنساني:[1]

المنظور الأول: المكسب/المكسب

(المكسب/المكسب) هو إطار للعقل والقلب، وهدفه تحقيق فائدة مشتركة ورضا للطرفين في جميع التفاعلات الإنسانية.

والتصوّر الذهني لهذا المنظور يجعل الحياة ساحة تعاونية لا تنافسية، بحيث يعتمد على قوّة المبدأ لا قوّة الموقف، فلا يكون قائمًا على الفروق والاختلافات، فمثلًا من خلال هذا المبدأ لا يمكن للطرف الأقوى في العلاقة أن يأكل حقّ الأضعف، ولا يمكن للمصمّم أن ينتصر دائما على ليّن الجانب.

محمد الأخ الأكبر، مهند الأخ الأصغر، كان محمد يحتاج سيارة العائلة لمشوار معين في السابعة، في حين أنه كان متعارضًا أيضًا مع موعد مهند الذي كان في نفس الوقت تقريبًا، بالاعتماد على هذا المبدأ لن يستخدم محمد سلطته بصفته الأخ الأكبر ويأخذ السيارة، بل يجلس مع مهند لتسوية الأمر، ليتّضح لمحمد أن مشوار مهند أكثر أهمّية، فيأخذها أولا، ثم يسلّمها لمحمد الذي يستطيع تأخير موعده لحين عودة مهند.

ببساطة… هذا المبدأ هو متاح للجميع، فلا تتحقّق منفعة فردٍ على حساب الآخر، بل هو الإيمان بالبديل الثالث، فلن يسير الامر وفقًا لأسلوبي أو أسلوبك، بل يسير وفقًا للأسلوب الأفضل والأعلى، للأسلوب الذي يحقّق الرضا التام لكلا الطرفين.

المنظور الثاني: المكسب/الخسارة

هذا الأسلوب هو أحد بدائل (المكسب/المكسب) وهو التصوّر الذهني الخاص بالتنافس من أجل رحلة برمودا، وهو يقوم على أساس “مكسبي أنا يعتمد على خسارتك أنت”.

وفيما يتعلق بأسلوب القيادة، فيعتبر هذا المبدأ أسلوباً سلطويًا “سوف تسير الأمور وفقا لطريقتي أنا لا طريقتك أنت”.

 يقول ستيفن كوفي: “إن معتنقي هذا المبدأ دائما ما يستخدمون موقعهم أو سلطتهم أو إنجازاتهم أو ممتلكاتهم أو شخصيّاتهم ليصلوا إلى ما يريدون”.

والمشكلة أن مبدأ (المكسب/الخسارة) هو تصوّر ذهني يحفر في عقول الناس منذ أول لحظة في حياتهم، وأوّل معزز لهذا المبدأ هو الأسرة، فعندما تبدأ الأسرة بعمل مقارنات بين الإخوة، أو بين ابنهم وأحد أبناء الجيران، بل المشكلة الكبرى أن يبنى الحب والصبر والتفاهم على أساس هذه المقارنات ليصبح الحب مشروطًا بنجاحك على ابن الجيران لتحقق مكسبك متمثّلًا بخسارته وبالتالي تحصل على الحبّ.

عندما تكون الأسرة هي الوقود الأساسي للطفل بعطفها وحبها، فتقوم بتقديم حبّها وعطفها بهذا الشكل المشروط، بحيث يتعلم الفرد بسبب هذا المبدأ أن قيمته لا تكمن بداخله، بل في الخارج، لينتقل بعدها من محاولة اثبات نفسه بين أسرته إلى أصدقاءه في المدرسة، ثم زملائه في العمل عن طريق المقارنات، بمضي بقية حياته معتقدًا أن نجاحه يعتمد بشكل أساسي على فشل الآخرين.

ومن المؤكد أن هناك مكانًا لمبدأ (المكسب/الخسارة) في التفكير التنافسي وفي المواقف التي تنعدم فيها الثقة، ولكن الحياة ليست كلها منافسة، ولا ينبغي أن نعيش كل يوم في منافسة مع شريك الحياة أو مع الأصدقاء والجيران، فمثلا سؤال “من الرابح في زواجك؟” أو “من الرابح في علاقتك مع أصدقاءك أو زملاءك؟” يُعدّ سؤالًا مخيفًا؛ لأنه لو لم يفز الشخصان فكلاهما خاسران.

يجب أن نعي أن الحياة تتطلّب في معظمها الاعتماد بالتبادل وليس الاستقلال، وتعتمد معظم النتائج التي تودُّ تحقيقها على التعاون بينك وبين الآخرين، وتفكير (المكسب/الخسارة) يفسد هذا التعاون.

المنظور الثالث: الخسارة/المكسب

بعض الناس مبرمجون بالطريقة العكسية (الخسارة/الكسب).

إن مبدأ (الخسارة/المكسب) في التعامل مع الناس هو أسوأ من (المكسب/الخسارة)، لأنه لا مقاييس له ولا مطالب ولا توقّعات ولا رؤية، والناس الذين يفكرون على أساس (الخسارة/المكسب) عادة ما يسهل إسعادهم أو إغضابهم.

ومشكلتهم أنهم لا يتحلّون بالقدر الكافي من الشجاعة الذي يمكنهم من التعبير عن أحاسيسهم ومعتقداتهم ويشعرون بالرهبة بسهولة نتيجة لــ (أنا) القوية التي لدى الآخرين.

وفى المفاوضات يمثل مبدأ (الخسارة/المكسب) الاستسلام التام، وفى القيادة يمثل التساهل. ويقصد بـ (الخسارة/المكسب) أن تكون إنسانًا لطيفًا حتى لو كان الناس اللطفاء هم آخر من يصلون أو يحقّقون ما يريدون، لكن الأهمّ أن تكون لطيفًا.

أحد أكبر المشكلات أن الناس الذين يتّبعون مبدأ (المكسب/الخسارة) يحبّون الناس الذين يتّبعون مبدأ (الخسارة/المكسب)؛ لأنهم لقمة سائغة لا تُقاوِم أبدًا، فيتغذّون عليهم؛ لأنهم يعشقون ضَعفهم الذي يُكمل قوتّهم ويَسهل عليهم استغلالهم.

ولكن المشكلة أن أصحاب مبدأ (الخسارة/المكسب) يُخفون بداخلهم الكثير من الأحاسيس، والأحاسيس التي لا يتم التعبير عنها لا تموت أبدًا، بل تُدفن حيةً وتتحرك لاحقًا بطرق سيّئة، فتراكم الخسارة والوهم وخيبات الأمل الكبيرة يقمعها مبدأ (الخسارة/المكسب) لتَظهر المشاعر المكبوتة في صورٍ أخرى مثل الغضب الشديد والمبالغة في ردّة الفعل تجاه صغار الأمور والتشاؤم وغيرها.

والناس الذين يكبتون مشاعرهم بدلًا من تحويلها إلى معانٍ أكبر يكتشفون أنها تُؤثّر على تقديرهم لذاتهم وجودة علاقاتهم بالآخرين.

ويمثل كل من مبدأ (المكسب/الخسارة) ومبدأ (الخسارة/المكسب) أوضاع ضعف تقوم على أساس انعدام الإحساس بالأمن الشخصي، فعلى المدى القصير سينتج عن مبدأ (الكسب/الخسارة) نتائج أكثر لأنه يتغذّى على قُوى ومواهب الناس الذين يَعتلون القمة، أمّا مبدأ (الخسارة/المكسب) فهو نموذج للضعف والفوضى.

الكثير من الناس يتأرجحون بين مبدأ (المكسب/الخسارة) الذي لا يُقدّر أحدًا أو بين (الخسارة/المكسب) الذي يتميّز بالتساهل والتهاون وكأنهم بندول ساعة، فعندما يَعجزون عن تحمّل الارتباك ويفتقرون إلى هيكل اتجاه وتوقّعات وانضباط فإنهم يتأرجحون مرة أخرى إلى مبدأ (المكسب/الخسارة) حتى يُدمّر الإحساس بالذنب عزمَهم ويَقودهم مرةً أخرى إلى مبدأ (الخسارة/المكسب) حتى يقودَهم الغضب والإحباط مرةً أخرى إلى مبدأ (المكسب/الخسارة).

المنظور الرابع: الخسارة/الخسارة

عندما يجتمع شخصان من متّبعي مبدأ (المكسب/الخسارة)‏، أي عندما يتفاعل شخصان يتّسمان بالعزم والعناد والأنانية تكون النتيجة (الخسارة/الخسارة) أي كلاهما يخسر، وتؤول الأمور بينهما إلى الرغبة بالانتقام أو التعادل (الذي يكون كل البعد عن التعادل السليم).

وقع طلاق، ومعروف في الدول الغربية أن الطلاق يعني تقسيم الممتلكات كاملة بين الطرفين، فأمر القاضي الزوج ببيع الأصول وإعطاء نصف العائد إلى زوجته، وبالطبع انصاع لقرار القاضي وباع السيارة التي تساوى أكثر من ‎مئة ألف دولار ‏ دولار مقابل خمسين ألف دولار فقط عنادًا وتعنّتًا لتحصل زوجته على خمسة وعشرون ألف دولار بدل خمسين ألف دولار، وعندما احتجت زوجته فحص حاجب المحكمة الوضع واكتشف أن الزوج تصرف بنفس الأسلوب في كل أصول ممتلكاته، تخيّل أنه فعل هذا فقط ليضرّ الطرف الآخر مع أنه يتحمّل أيضا خسائر كبيرة!!.

ذكّرني هذا بقصة الملك الذي أمسك اثنان يكرهان بعضهما كرهًا شديدًا، فقال للأول اطلب شيئًا وسأعطي الرجل الآخر ضعفه، فلم يطلب مالًا ولا جاهًا، لأن غريمه سيأخذ الضعف منه، لكنه طلب أن تفقأ إحدى عينيه لتفقأ عيني الرجل الآخر !!، بغض النظر عن صحّة القصة، لا يمكننا إنكار وجود مثل هذا الرجل بيننا، بالطبع ليس لدرجة فقأ العين !، لكن الرجل وزوجته في المثال الأول خير دليل بأن الناس هذه موجودة.

مشكلة أصحاب هذا المبدأ أنهم يتمَحْورون حول العدوّ، حيث يُصابون بالهوس تجاه سلوكيّات الشخص الآخر لدرجة تُعميهم عن كل شيء عدا رغبتهم في أن يخسر هذا الشخص حتى لو أدّى ذلك إلى خسارتهم شخصيًا.

(والخسارة/الخسارة) هي فلسفة الصراع الأخلاقي‎، أي سياسة الحرب، أي أنه إذا لم يكن منتصرًا فهذا يعني أن الطرف الآخر لا يستحقّ الانتصار.

المنظور الخامس: المكسب

ثمة بديل آخر شائع، وهو التفكير ببساطة في المكسب، والناس الذين يفكرون في المكسب لا يرغبون في خسارة الآخرين بالضرورة، فهذا لا يشكّل لهم كثيرًا من الأهمية، فما يهمّهم هو الحصول على ما يُريدون.

وعندما لا يشعرون بوجود منافسة يكون المكسب هو النتيجة الوحيدة لجميع المفاوضات، والشخص صاحب عقليّة المكسب يُركّز كل تفكيره على تحقيق غاياته تاركًا للآخرين مسألة تحقيق غاياتهم.

 

ما هو أفضل الخيارات؟

الأمر بالطبع يعتمد على الموقف، فلكلّ حالة وموقف أسلوب معيّن للتفاوض والتعامل معه، فعندما تلعب مباراة كرة قدم، أو تُشارك في مسابقة مدرسيّة، فيجب أن تتبع مبدأ (المكسب/الخسارة)، لأنها الطريقة الوحيدة التي تجعلك تنتصر.

وإذا كنت تقدر علاقة معيّنة، والخسارة لا تعد خسارةً كبيرة بقدر خسارتك إذا انتصرت، ففي خضم هذه الظروف لا بأس باستخدام مبدأ (الخسارة/المكسب).

وإذا اتبعت مبدأ (المكسب) فهذا يعني أنك تفكّر في الربح فقط دون النظر أو التفكير في وجهة نظرك، فلن يكون هناك علاقة مثمرة بين الطرفين؛ لأن الهدف الوحيد هو تحقيق الفائدة بغضّ النظر عن مشاعر الآخرين، وعلى المدى البعيد إذا لم يحقق الطرفين المكسب فهذا يعني خسارة كلينا، لذلك كان مبدأ (المكسب/المكسب) هو البديل الأفضل والمبدأ الذي يجب أن يُعطى الأولوية على غيره.

المبدأ البلقيسي للمفاوضات

عندما علم سليمان u بأمر بلقيس بدأ باستخدام مبدأ (المكسب/المكسب)، فقام بإرسال رسالة ودّية، لكنه عندما وصلته هدية بلقيس بدأ باستخدام مبدأ (المكسب/الخسارة) بحكم نفوذه وقوّته، وبحكم أحقّيته وتأييده من الله.

الآن هذا التطوّر وضع بلقيس في ورطة، تخيّل أنها تعنّتت لرأيها واتّخذت قرار الحرب، وبذلك تكون انتقلت للمبدأ الانتحاري، مبدأ (الخسارة/الخسارة)، لكنها بفطنة وذكاء اتخذت مبدأ (الخسارة/المكسب).

بلقيس تعرف موقعها من الإعراب؛ لأنها تعلم تمام العلم ليس لها طاقةٌ بسليمان عليه السلام وجنودِه، ولكن هذا القرار الذكي رفعها إلى المبدأ الأعلى، مبدأ (المكسب/المكسب)، فقد كسب سليمان عليه السلام إسلامها، وكسبت هي استقرار سبأ في الدنيا، والجنة في الآخرة.

الحكمة في اختيار المبدأ الصحيح لا يَجرّك إلى الخسارة، بل ستعلم مع مرور الوقت أن خيارك الصحيح هو الذي جعلك الآن رابحًا، أي أنك اتخذت مبدأ (المكسب/المكسب) ولكن من طريقٍ أطول قليلًا.


[1] العادات السبع للناس الأكثر فعالية – ستيفن كوفي.

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى