عام

التواضع المعرفي

تسير المحادثات حول المواقف المتضاربة عبر طرق متعرجة؛ لذا عليك أن تعبرها بسرعة منخفضة

  • بوعز مزراحي
  • ترجمة: عبير الجربوع
  • تحرير: بلال الخصاونة

بمجرد أن نتبنّى رأيًا ما، يكون من الصعب جدًا تغييره. وحتى لو وجدنا أدلةً منطقيةً جديدةً تخالف هذا الرأي، فإن عددًا من الانحيازات الإدراكية ستمنعنا من أخذ هذه الأدلة بعين الاعتبار؛ ولهذا السبب يقترح علماء النفس أن يتريّث المرء في تكوين آرائه، وفي الحديث مع الآخرين حول هذه الآراء، وأن يتذكر أن أغلبنا يؤسس آراءه على معرفةٍ غير مكتملة. عندما يتعلق الأمر بآراء الأشخاص الذين يفكرون بشكلٍ مختلفٍ عنا، فإن التواضع والانفتاح قد يعزز في الواقع فهمنا.

تُرصف الطرق الجبلية عادًة بشكلٍ متعرجٍ؛ حتى يمكن السيطرة على المنحدرات الحادة. لكن هذه الطريقة لا تخلو من المخاطر، إذ سيكون الصعود والنزول أكثر أمانًا، لكن على حساب السرعة. وإن لم نكن على استعدادٍ لدفع ثمن السرعة، فإننا لن نتمكن من التحكم بسرعتنا عند المنعطفات، ولن يكون بإمكاننا إيقاف المركبة والبقاء على الطريق.

غالبًا ما تكون هناك سمات متشابهة للمحادثات التي تتناول قضايا ساخنة، أو قيمًا معينة أو مواقف متضاربة. وكما توصي الإشارات الموجودة على الطريق، فمن الأفضل أن تكون السرعة منخفضةً للحفاظ على مسارك. وكما في المثل العربي، فإن “العجلة من الشيطان”[1]، وتفاعلاتنا مع الآخرين حول المواضيع المشحونة هي بالتأكيد عرضة لهذا التعجل والتسرع.

لكن هل نحن قادرون فعلا على التريث؟

غالبًا ما تتشكّل آراؤنا في ثوانٍ، وربما أقل، وأكبر مثال على ذلك هو الانطباع الأوّل الذي نكوّنه عن شخص ما أو شيء ما، والذي لا يتبلور بصورة ثابتة من اللحظة الأولى فقط، بل حتى أننا لا ندرك العوامل التي شكَلته. وحتى في الآراء الأكثر تعقيدًا، لا يكون لدينا تحكم في سرعة تكوين الرأي ولا عوامل تكوينه. هذه العوامل التي تجمعت من خبرتنا التي اكتسبناها في المنزل وخلال نمونا، ومن الجامعة، وبالطبع من خلال التجربة الشخصية. وجزءٌ كبيرٌ من طريقة تكويننا لمواقفنا تتشكّل عندما كنا صغارا نتأثر بسهولة وبسرعة؛ لذلك فمن غير المعقول أن نعيش تحت ظل افتراض أن كل آرائنا ومواقفنا هي تجسيدٌ للعقلانية على الأرض.

تجري المحادثات حول المواقف المتعارضة بالسرعة نفسها التي تتشكَل بها الآراء. دون التوقف والتحقق مما إذا كنا نبني آرائنا على معلوماتٍ موثوقةٍ أم لا، ودون أن نسأل أنفسنا عن الانحيازات التي تشوه الواقع الذي نراه، ودون أن ندرك احتمالية وجود أسباب وجيهة لدى الآخر تجعله يتمسك بآرائه، أو أن لآرائه الشرعية نفسها التي لآرائنا. يقدم الفيلم الياباني “راشومون” وصفًا جيدًا لهذه المشكلة: “يبدو الواقع مختلفًا تمامًا عندما نغير زاوية الرؤية؛ نحن نريد حلولاً بسيطةً لواقعٍ معقدٍ، وهذا يقودنا إلى الإحباط والصدامات”.

صحيحٌ أنه ليس لدينا سيطرةٌ كبيرةٌ على سرعة تشكيل الآراء، لكن جوناثان هايدت يؤمن بأنه يمكننا السيطرة على سرعة المناقشة، وعلى طريقة تعاملنا مع أفكار الآخر بعدما تبلورت أفكارنا. وقد أوضح هايدت، أستاذ علم النفس الاجتماعي بجامعة نيويورك والمحاضر الشهير، في مؤتمر للجمعية الملكية للفنون في لندن، أن مفتاح القدرة على التحدث وتجنب “انحدارات” الطرق المتعرجة هو: التواضع.

أما اليوم، فبالإضافة إلى التهور الفطري الذي يميزنا، انضمت الفورية في تكوين الآراء وما تقدمه شبكات التواصل الاجتماعي إلى المعادلة. يذكر هايدت أن البيئة الافتراضية تزيد كثيرًا من التعرض لوجهات النظر المتعارضة، وتخلق لنا واقعًا متناقضًا باستمرار. عندما يفعل شخصٌ ما شيئًا يغضبنا، فإنه بفعله هذا يمثّل كل الأشخاص الذين يتمسكون بالرأي نفسه. والمهم هنا أن نتمكن من تكوين رأيٍ والرد بسرعة؛ لا وقت للانتظار، بعد لحظة سيكون هناك منشورٌ آخر، وسنتخلَف عن ركب الجدال!

يمكن للحياة في الفضاء الإلكتروني أن تُحدث تفككًا في المجتمع. ويذكر هايدت أنه للحفاظ عليهم “يجب أن نعلّم أطفالنا منذ الابتدائية مدى صعوبة الديمقراطية -مثلا- ومخاطرها، وما مقدار التواضع المطلوب للتعرف على أفضل الآراء من كلا الجانبين”.

يجعلنا التواضع نشك في آرائنا، ونتساءل ونستوضح ونستقصي بعمق. بعبارة أخرى، يجبرنا التواضع على التريث. وبذلك تُجبر “العجلات” التي تسير عليها آراؤنا على التباطؤ، ولكن بقوة أكبر. يصرّح الكاتب والصحفي فيليب إليس في مجلة Man Repller أنه ينتمي إلى شريحةٍ تحب التحدث مع الآخرين حول القضايا المثيرة للجدل، وأنه يسعد بنشر آرائه حولها. لكننا نخطئ في بعض الأحيان، فبدلاً من أن نوضّح آراءنا، نحاول أن نتفضل على الآخرين بما نملكه من حكمة. ويذكر إليس أن تدهور الخطاب العام أحدث لديه تحولًا جعله يحاول التريث والتفكير قبل أن يتحدث.

كما يذكر أن الصياغات القصيرة والرنّانة حول القضايا المعقدة – وهو ما يميز خطابات الشبكات الاجتماعية – تحمل في طياتها إغراءً كبيرًا للاستجابة الفورية إما بالتعاطف أو المعارضة. لكن إذا تبنّينا سياسة التواضع المعرفي كما اقترح البروفيسور هايدت، فيمكننا اختيار عدم التصرف بشكل فوري، إذ لا مشكلة في أن تقول “لا أعرف” أو “ليس لدي رأي في هذا الموضوع”؛ لأن العنوان المغري للرد اليوم سيختفي غدا، وسيبقى الإنهاك الذي سببه لك. إن النقاشات السريعة المكثّفة التي تتجاهل الحجج العقلانية والتي تقدم الحجج فيها مصحوبة بالصراخ (حتى لو كانت عبر لوحة المفاتيح) يمكن أن تُعيي حتى المناظرين العظماء.

في الواقع: إن الافتراض بأننا لا نعرف يزيد من معرفتنا

لكن هذا لا يعني أنه لا داعي للنقاش وتبادل الآراء، إنما علينا تقليل سرعة الاستجابة، والتفكير أكثر، سواء في الأشياء التي نقولها، أو فيما نسمعه من الآخرين. هذا لن يوقف تقدمنا، أو يجعلنا أشخاصا غير مبالين، لكنه سيعمّق تفكيرنا، ويمنحنا الفرصة لاختبار مساهمتنا فيما نحن عليه اليوم، بدلاً من افتراض أننا على حق دوما“.

ويبدو أن افتراض إليس يحظى بدعم قوي. إذ عرض الدكتور كريستيان جاريت دراسة في موقع الجمعية البريطانية لعلم النفس فحصت العلاقة بين التواضع الفكري والمعرفة العامة. وتناولت الدراسة مدى ثقة الناس بمعرفتهم الخاصة ومعرفتهم العامة، ووجد الباحثون أن للتواضع الفكري ارتباطًا بمعرفةٍ عامةٍ أوسع. ووفقًا للباحثين، كانت هذه النتيجة متوقعة، لأن “التعلّم يستوجب تواضعا يدرك المرء من خلاله أن هناك شيئاً ما ليتعلمه”. كما وُجد أن التواضع الفكري يرتبط أيضًا بالميل إلى التأمل الذاتي، والولع بحل المشكلات المعقدة، وحب الاستطلاع والانفتاح الذهني. أما الأكثر صلةً بموضوعنا، فهو أن الدراسة كشفت: أن للتواضع ارتباطًا أقل بالميل إلى تصور آراء الآخرين على أنها أدنى شأنًا.

الطريقة التي تتشكَل بها آراؤنا المبكرة هي وضعٌ راسخ، وليس لدينا الكثير لنفعله حول ذلك عندما كنا أطفالًا، لكن لدى البالغين فرصة لإعادة التقييم، كالمتابعة الدورية التي تُجرى على المباني القديمة. لاختبار أنفسنا علينا التريث في التقلبات والمنعطفات. هذه هي حدود المناقشات حول القضايا المثيرة للجدل، وبالتأكيد فإن هناك فرصة لسماع شيءٍ مختلفٍ، وبسط التساؤلات، وإن لزم الأمر، لتحديث أنفسنا أيضا. إذا فعلنا ذلك بالسرعة المناسبة، فيمكننا العودة بسلاسة إلى الطريق المستوي. المفارقة هي أن الاعتراف بأننا لا نعرف كل شيء، يقوي معرفتنا ويتيح أساسًا ثابتًا ومرنًا لآرائنا، وهو بالضبط كميزات العجلات ذات الجودة العالية، التي تزيد ثباتها على الطريق.

اقرأ ايضاً: التواضع الفكري، أهمية أن تعرف أنك قد تكون مخطئًا


[1] ذكر الكاتب أن مقولة “العجلة من الشيطان” مثل عربي، وقد جاءت في حديث حسنه الألباني (السلسلة الصحيحة 4 / 404).

أعجبني المقال

المصدر
eol

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى