الدين

في ظِلالِ السِّيرة

  • د. فواز بن عادل غنيم

قلتُ للطّلاب ذات مرّة:

هل نستطيعُ أن نختصرَ السّيرة النّبوية، في كلمة واحدة ؟

تعدّدت إجاباتهم، وتعدّدت الأفكار، والأقوال ..

منهم مَن قال:

  • الرّحمة
  • العدل
  • السّلام ..

أعجبتني مشاركاتهم، وطريقة تفكيرهم، وكان كلّ ما قالوه، إنّما هو من قبيل اختلاف التنوّع، وكم عند الطّلبة من الخير، الذي يُفيدون منه، ويُحسنون به على أساتذتهم.

ثمّ قلت لهم: أمّا اختياري، في التّعبير والوصف للسّيرة النّبوية -بكلمة واحدة- على صاحبها أفضل الصّلاة وأزكى التّسليم، فإنّني أُراهُ في كلمة = الفضيلة.

الفضيلة هي أمُّ الأخلاق، وجذعها الذي تتفرّع عنه، وللفضيلة في قاموس اللغة والأخلاق، دِلالةٌ وزيادةٌ، فارعةٌ سامقةٌ رشيقة، كما إنّني أجدُ أنَّ لها جرْسًا ووقعًا خاصًّا، على الآذان والوجدان.

وهكذا أرى في السيرة النّبوية ..

فما هي .. من أوّلها إلى آخرها، إلا ألوان زهر لا ينتهي، وأريجُ مسكٍ سارٍ بعبق الفضيلة والفضائل في الآفاق، وبعبق المشتقّات من ذلك، في المكارم، والأخلاق، والمروءات.

في السيرة النّبوية، تعاجيب من الكرم والجود، في سخاوة اليد والقلب والنّفس واللسان، حتى لانت ورقّت، لتلك النّفس النقيّة الزكيّة الطّيبة الطّاهرة، وتحرّكت لمحبّتها القلوب الصّلدة، والحجرُ، والشّجرُ، والدّوابّ، وما عجيبةُ حَنِينِ الجِذعِ[1]، إلا واحدة من تلك الشّواهد على هذه الرّحمة، التي عمّ أثرُها وفضلُها على الخلق أجمعين، وكما قال الحقُّ سبحانه: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِين ﴾، (سورة الأنبياء  _ 107).

في السّيرة النّبوية، الشّجاعة، والأنَفةُ في الحقِّ، والعزِّة، والمجد، والغيرة، والاستعفاف، والسّمو، والاستعلاء، عن كل ما يشين الدّين، والنّفس، والحُرمَات، والأعراض.

في السّيرة النّبوية، مائدة من أعظم وأوسع ما عرفته البشرية، في مهارات وفنون التواصل الاجتماعي، وروعة الجواب والخطاب، وحفظ العهد والمعروف، والبرّ، والوفاء، والإحسان.

الله أكبر ..

وكم في السّيرة، من المواقف التي تستدرُّ الدّمعَ، وتعصفُ بالقلبِ والوِجدَان، من العفو عند المقدرة، والصّفح والمسامحة: “اذهبوا فأنتمُ الطُّلَقاء[2].

والوفاء للصّحبة: “ما لِأَحدٍ عندَنَا يَدٌ إلَّا وقَدْ كافأناهُ، ما خلَا أبا بكرٍ، فإِنَّ لَهُ عِندنَا يَدًا يُكافِئُهُ اللهُ بِها يَومَ القيامَةِ، ومَا نفَعَنِي مَالُ أحَدٍ قَطُّ مَا نَفَعِني مالُ أبي بكْرٍ، ولَوْ كنتُ متخِذًا خَلِيلًا، لاتخذْتُ أبا بكرٍ خلِيلًا، أَلَا وَإِنَّ صاحبَكُمْ خليلُ الله”[3].

وحسن العشرة، والوفاء للزوجية: “إنِّي قدْ رُزِقْتُ حُبَّهَا”[4].

“وَكانَ رَسولُ اللهِ ﷺ إذَا ذَبَحَ الشَّاةَ، فيَقولُ: أَرْسِلُوا بهَا إلى صدائقِ خَدِيجَةَ”[5].

في السيرة النّبوية، العدل، والإنصاف، والهداية، والاستقامة، والوسط، والتدرّج، ومراعاة الحال والفطرة.

في السيرة النّبوية، قدحٌ لزناد الفضائل في النّفس، وبعثٌ لها، وتحريض إليها.

هـي الأخْـلاقُ تـنـبـتُ كـالنّـبـاتِ
إذا سـُـقِــيَـتْ بـمـاءِ المـكـرُمـاتِ

في السيرة النّبوية، التمهّل، والتّؤدَة، والعقلُ والحِكمةُ، والحِلْمُ، والأنَاة.

فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ لأشجِّ عبد القيس: “إنّ فيك خَصلتينِ يُحِبُّهما الله: الحِلمُ، والأناة[6].

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: “إنّ الله رفيقٌ يُحِبُّ الرِّفقَ في الأمر كلِّه[7].

في السّيرة النّبوية، الاحترام، والتّربية، والبناء، والاستماع للصّحب، والمشاورة، قال سلمان‏ t:‏ “يا رسول الله، إنّا كُنّا بأرض فارس إذا حُوصِرنا خَنْدَقْنَا علينا‏[8].‏

“وكانت خُطّة حكيمة لم تكن تعرفها العرب قبل ذلك‏”.‏

في السيرة النّبوية، ملاحظةٌ وانتباهٌ لِلُغَةِ الأَعْيُن .. !

وقراءةٌ، وتصفّحٌ للمنطوقِ والمفهومِ، من قسَماتِ الوجوه.

وكم في السّيرة من مراعاة المشاعِر، ودواخِل النّفوس، وجبر للخواطر.

 عن الصَّعب بن جَثّامة، رضي الله عنه، قال: أهديتُ رسول الله ﷺ حماراً وحشيًّا، فرده عليّ، فلمّا رأى ما في وجهي قال: “إنّا لم نردَّه عليك إلا أنّا حُرُم[9].

وليت شِعري .. ما هذا الرُّقِيُّ والسّمُو في معاملة الخلق، ولا غروَ، فهو الذي نال الشّهادة العُظمى من ربّنا سبحانه: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾، (سورة القلم _ 4). ولا غروَ أيضًا، فهو القائل، عليه الصّلاة والسلام: “إنّما بُعِثتُ لأُتَمِّمَ مكارمَ _ وفي رواية: صالِحَ _ الأخْلاقِ”[10].

وفي السيرة النّبوية، العدل مع الأعداء، وحُسنُ التّألُّفِ للمُخَالِفين، والأسرى،

وها هو ﷺ، يتألّفُ أسيره وقد رُبِطَ في إحدى سواري المسجد:

ما عندك يا ثُمامة“.

وهكذا ظلّ به ..

حتّى قال: “أطلقوا ثمامة” ..

وماذا كانت النّتيجة .. ؟

فَانْطَلَقَ إلى نَجْلٍ [منابعِ الماء]، -وفي رواية: نخلٍ- قَرِيبٍ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَاغْتَسَلَ ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَقَالَ: أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وأَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسولُ اللَّهِ، يا مُحَمَّدُ، واللَّهِ ما كانَ علَى الأرْضِ وجْهٌ أبْغَضَ إلَيَّ مِن وجْهِكَ، فقَدْ أصْبَحَ وجْهُكَ أحَبَّ الوُجُوهِ إلَيَّ، واللَّهِ ما كانَ مِن دِينٍ أبْغَضَ إلَيَّ مِن دِينِكَ، فأصْبَحَ دِينُكَ أحَبَّ الدِّينِ إلَيَّ، واللَّهِ ما كانَ مِن بَلَدٍ أبْغَض إلَيَّ مِن بَلَدِكَ، فأصْبَحَ بَلَدُكَ أحَبَّ البِلَادِ إلَيَّ، وإنَّ خَيْلَكَ أخَذَتْنِي وأَنَا أُرِيدُ العُمْرَةَ، فَمَاذَا تَرَى؟ فَبَشَّرَهُ رَسولُ اللَّهِ ﷺ وأَمَرَهُ أنْ يَعْتَمِرَ، فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ قَالَ له قَائِلٌ: صَبَوْتَ! قَالَ: لَا، ولَكِنْ أسْلَمْتُ مع مُحَمَّدٍ رَسولِ اللَّهِ ﷺ، ولَا واللَّهِ، لا يَأْتِيكُمْ مِنَ اليَمَامَةِ حَبَّةُ حِنْطَةٍ حتَّى يَأْذَنَ فِيهَا النَّبيُّ ﷺ”[11].

هذه هي السّيرة، التي تنضَحُ بالمبادئ والقِيَم الحقّة، وتنضَحُ بالمكرُمَات والفضائل والفضيلة، وهذه هي السّيرة التي كان الصّحابة _ رضوان الله عليهم _ يعلّمونها لأبنائهم، كما يعلّمونهم السّورة من القرآن، ويقولون لهم، ولمن بعدهم: “تعلّموا مجدَكُم، وعِزَّكُم“.

هذه هي السيرة، التي لا يستغني عنها، صغير ولا كبير، هذه هي السيرة، التي لم تزل منجم ذهبٍ، لمن أراد أن يستلهِمَ الفوائد والعِبَر والدّروس؛ ليعيش بها في الحياة على بصيرة، ومنجم ذهبٍ كذلك، لمن أراد أن يستلهم منها بناء الحضارة، وتشييدُ البُنيان والبُلدان والعمران.

﴿ لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾، (سورة الأحزاب _ 21).

اللهمّ املأ قلوبنا بُحبِّ السّيرة وحُبِّ صاحبها، عليه أفضل وأزكى الصّلاة والتّسليم، واملأها بحُبِّ شريعتِه وسُنّتِه، وتمثُّلها والعمل بها، وزدنا في الاغتراف من ذلك كلّه، والتضلُّعِ به، واجعلنا فيه من الفائزين بأعظم الانتفاع، وأعظم الأثر.

وما فقدَ الماضُونَ مثلَ محمّدٍ
ولا مِثلُهُ -حتَّى القيامةِ- يُفقدُ


[1] حديث حنين الجذع رواه البخاري، “عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ إِلَى جِذْعٍ، فَلَمَّا اتَّخَذَ المِنْبَرَ تَحَوَّلَ إِلَيْهِ ‌فَحَنَّ ‌الجِذْعُ فَأَتَاهُ فَمَسَحَ يَدَهُ عَلَيْهِ». وزيادة عند ابن ماجه: «فَأَتَاهُ فَاحْتَضَنَهُ فَسَكَنَ فَقَالَ: لَوْ لَمْ أَحْتَضِنْهُ لَحَنَّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ». أخرجه البخاري، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، برقم (3583)، (4/ 195)، ورواية ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة، والسنة فيها، باب ما جاء في بدء شأن المنبر، برقم (1415)، (1/ 454).

[2] أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، ‌‌جماع أبواب السير، باب فتح مكة حرسها الله تعالى، برقم (18276)، (9/ 200)، ضعفه كثيرون، ينظر: سلسلة الأحاديث الضعيفة (3/ 307). ولكن قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مقدمة في أصول التفسير لابن تيمية (ص22): “قال الإمام أحمد: ‌ثلاثة ‌أمور ‌ليس ‌لها إسناد: التفسير، والملاحم، والمغازي”. ويروى: ليس لها أصل، أي إسناد؛ لأنّ الغالب عليها المراسيل، مثل ما يذكره عروة بن الزبير، والشعبي، والزهري، وموسى بن عقبة، وابن إسحاق، ومن بعدهم”.

[3] أخرجه الترمذي، ‌‌أبواب المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب مناقب أبي بكر الصديق رضي الله عنه واسمه: عبد الله بن عثمان ولقبه عتيق، برقم (3661)، (5/ 609). وقال الترمذي: “هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه”.

[4] جزء من الحديث الذي بعده من لفظ مسلم.

[5] أخرجه البخاري‌‌، كتاب مناقب الأنصار، باب تزويج النبي صلى الله عليه وسلم خديجة وفضلها رضي الله عنها، برقم (3818)، (5/ 38)، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، باب فضائل خديجة أم المؤمنين، رضي الله تعالى عنها، برقم (2435)، (4/ 1888).

[6] أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب الأمر بالإيمان بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وشرائع الدين، والدعاء إليه، والسؤال عنه، وحفظه، وتبليغه من لم يبلغه، برقم (17)، (1/ 48).

[7] أخرجه البخاري، ‌كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم، باب إذا عرض الذمي وغيره بسب النبي صلى الله عليه وسلم ولم يصرح، نحو قوله: السام عليك، برقم (6927)، (9/ 16)، ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب فضل الرفق، برقم (2593)، (4/ 2003).

[8] مغازي الواقدي (2/ 445)، تاريخ الطبري (2/ 566).

[9] أخرجه البخاري‌‌، كتاب جزاء الصيد، باب: إذا أهدى للمحرم حمارا وحشيا حيا لم يقبل، برقم (1825)، (3/13)، مسلم، كتاب الحجّ، باب تحريم الصيد للمحرم ، برقم (1193)، (2/ 850).

[10] أخرجه أحمد، برقم (8952)، (14/513)، والبخاري في الأدب المفرد، باب حسن الخلق، برقم (273)، (ص143)، ومسند البزّار، برقم (8949)، (15/369)، وفي السّنن الكبرى للبيهقي، برقم (20782)، (10/323).

[11] أخرجه البخاري، كتاب المغازي، ‌‌باب وفد بني حنيفة، وحديث ثمامة بن أثال، برقم ( 4372)، (5/170)، صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب ربط الأسير وحبسه، وجواز المنّ عليه، برقم (1764)، (3/1386).

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى