عام

في فلسفة الحياة: الخبرة العملية تساعدنا في تجاوز المعاناة

  • خالد الحسن
  • تحرير: أحلام زينول

 

أفضلية الخبرة العملية على التنظير التأملي في أمور الحياة:

تكتسب الخبرة عندما تجرب الأمر بنفسك وتعتاده. فعندما تتعامل مع الأمر أكثر من مرة، تستطيع أن تتعامل معه بسهولة استنادًا على خبرتك التي اكتسبتها، وتحديدًا في الأمور التي تتعلق بالحياة وأحوالها. فعندما تمر بأزمة أو معاناة، فلا يُفيدك التنظير التأملي في كيفية عيش حياتك، من شخص لم يتعامل مع هذه الأزمة، ولم يختبر هذه التجربة بنفسه، ولم يخض غمارها. فتنظيراته التأملية لن تساعدك كثيرًا في تخطي المعاناة التي تعانيها أيًا كانت.

عندما يكون الإنسان في حالة يأس شديد، ويبحث عن حل أو مساعدة في كيفية تجاوز هذا اليأس، وكيفية التعايش معه، عند شخص يُنظّر فقط،  فلن يكون لكلامه قيمة؛ لأنه شخص لم يختبر هذه الأمور بنفسه. أما من عانى نفس التجربة، وتجاوزها، فسيكون لكلامه وزنًا وأثرًا في نفس الإنسان، في كيفية مضيه في الحياة، وتجاوزه هذا اليأس الشديد. بعكس الشخص الذي لم يمر بهذه الحالة، ولكنه يُنظّر بشكل تأملي، فهذه طريقة غير فعّالة أو مجدية، لأنها ناقصة، تنقصها التجربة، فلا يستطيع تصور الألم أو المرض بشكل كامل، فجوابه سيكون قاصرًا في التعامل مع هذه الأحوال  فالتنظير التأملي هنا ليس نافعًا بشكل عملي.

هذه التنظيرات قد تنفع قلة من الناس، ولكن ما هو نافع بشكل تام، هي الخبرة العملية، التي يحصل عليها شخصمن خلال التجربة، فتجربته تلك، تجعل بمقدوره مساعدة الآخرين بشكل أوسع، وتحديدًا الأشخاص الذين يمرون بنفس حالته، ولم يجدوا لها حلًا، فخبرته العملية سوف تساعدهم على تجاوز أزمتهم ومعاناتهم.

معرفتك النظرية لعمل القلب ووظائفه عن طريق الدراسة والقراءة، مختلفة عن تعاملك المباشر مع القلب. فمثلا عندما تقوم بإجراء عملية للقلب بصفتك مساعدا للجراح، ستكتسب الكثير من الخبرة، والثقة بالنفس، وتتعلم من التجربة، وتتجاوز الكثير من العقبات، وقد تستطيع بعدها أن تقوم بالعملية بنفسك بعد أن اعتدت عليها. هذا المثال يوضح لنا، كيف أن التنظير مختلف تمامًا عن الخبرة العملية، المستندة على التجربة الشخصية.

ويمكن أن يقال نفس الشيء بخصوص قيادة السيارة والطائرة والطبخ وتحضير الطعام، هذه الأمثلة المتنوعة السابقة، تبين الفرق الحاد بين التنظير والتطبيق؛ بلا شك، إن التنظير قبل التطبيق يفيد، ولكن ليس له قيمة بدون التطبيق، لذلك الخبرة العملية مُقَدمة على التنظير التأملي في أمور الحياة بالخصوص.

عندما تضرب رجلك بشيء قاس، أو تضرب مرفقك فجأة بشيء صلب وتشعر بألم مفاجئ، ثم يخبرك شخص ما بأن الألم مجرد شيء مؤقت ويزول، فرغم صحة كلامه، إلا أنه لم يشعر بالألم الذي جعل الزمن عندك يتوقف، أو يصبح أشبه بزمن طويل جدًا!  فلو شعرت بألم شديد في البطن أو الظهر أو كسر في عظمة الحوض أو الساق، لدرجة فقدان الوعي،  لأن الجسد لم يستطع أن يتأقلم مع هذا الألم الفظيع، ثم جاء من يقول من خلال التنظير التأملي: “تحمل فإنه ألم بسيط ويزول” فإن هذا القول لن يساعد الشخص المتألم، بل من الممكن أن يزيد الأمر سوءًا ! كيف لو أنّ ألماً مشابهاً صاحب هذا الشخص كل حياته، فكيف يجد المواساة إلا من خلال إنسان عانى من نفس هذه الأوجاع، واستطاع بالفعل تجاوزها. فخبرته سوف تساعد الشخص المتألم في تجاوز معاناته، وفي طريقة التأقلم مع هذه الأوجاع.

 

موت سقراط وتجاوزه لمعاناته:

عندما حُكم على سقراط بالموت، لم يخالف مبادئه التي آمن بها منذ البداية، فلم يتهرب من الحُكم، رغم قدرته على الهرب بمساعدة تلامذتِه. فنحن إلى اليوم نتكلم عن سقراط، الذي لم يكتب حرفًا واحدًا، وكل ما نعرفه عنه هو ما نُقل إلينا من تلامذته، فلو صحَّت الحكايات التي تصف فيها سقراط، فهي تثبت كيف يمكن لشخصٍ لم يكتفي بمجرد القول، بل طبق فلسفته على الواقع، وبطريقة عملية. هوشخص يعرف نفسه جيدًا، أو لِنَقل مات وهو يحاول أن يفهم نفسه جيدًا، فالحكمة السقراطية، رغم تأثيرها، لم نستفد منها عملياً، بل نظرياً فقط، مما أدى إلى تقديم التنظيرات التأملية على الخبرة العملية، في فهمنا للحياة ولأنفسنا.

 

الساعات الأخيرة لسقراط:

“انتهت المحاكمة بإجماع القضاة على الحكم بموت سقراط، و لم يزعج الحكم سقراط بالمرة، بل ذهب بهدوء إلى سجنه ولم يستغل فرص الهرب المتاحة، لأن الهرب ضد مبادئه. لقد كان مستعدًا لتحمل النتيجة النهائية لأفعاله. أمّا ساعاته الأخيرة فقد رويت لنا من قبل أفلاطون. كانت الزيارة مباحة وبالتالي تمكن سقراط في ساعاته الأخيرة من أن يتسامر مع طلبته. لقد كان مزاجه رائقًا بل حاول أن يتعلم العزف على آلة موسيقية. وحينما سأله أحدهم لماذا يهتم بهذا الأمر في هذا الوقت بالذات، أجاب متسائلًا: “ومتى يمكنني أن أفعل هذا؟ “. وأخيرًا جاء ساعي المحكمة وقال: “يا سقراط، أنا لن أغضب منك، لأن العادة جرت أن يسبني المساجين ويلعنونني عندما أطلب منهم تجرع السم بناء على أوامر الرؤساء”.

وقد حاول تلاميذ سقراط أن يضغطوا عليه بأن لا يتسرع في الشرب، فالشمس مازالت مشرقة على الجبال، فقال سقراط: ” لن أكسب شيئًا إذا ما أخرت شربي قليلًا سوى أنني سأخجل من نفسي إذا ما التصقت بالحياة وأردت الادخار فيما لا يبقى”.

ثم أخذ كأس سم الشوكران وسأل ساعي المحكمة عما إذا كان المرء يستطيع أن يقدم مثله قربانًا للآلهة، وهذا ما نفاه الساعي قائلًا: “نحن نجهز الكمية الضرورية فقط”.

فرد سقراط: “أفهم هذا، ولكن التعبد للآلهة مسموح به، ولابد للمرء أن يتعبد حتى يكون الانتقال من هنا إلى هناك سعيدًا طيبًا “. ثم تناول الكأس وتجرعه”[1]

يرى (نيتشه) أن سقراط هو من قتل نفسه، لأنه ترك الحياة واختار الموت. ولكن الذي لم يفهمه نيتشه، أن سقراط لم يكن لِيُقدم على الهروب، ويخالف مبادئه التي آمن بها منذ البداية. وهنا يأتي الفرق بين التنظير التأملي والخبرة العملية. فلنفترض أن سقراط جزع وهرب من سجنه، وتمسك بالحياة، لكانت مبادئه التي دعا إليها مجرد طلب للشهرة، وليست مبادئ يؤمن بها ويتمسك بها بشجاعة !  وهذا الذي لم يفهمه نيتشه، فالموت لا مفر منه، لكن يمكننا أن نقدر الحياة  ونتجاوز المصاعب والمحن من خلال فهمنا لأنفسنا، ومهما كانت المعاناة قاسية، علينا أن نبحث عن طريقة لتجاوزها.

وماذا عن تلاميذ سقراط في تلك اللحظة؟، لنعود الآن إلى مشهد السجن حيث كتب أفلاطون:

“كانت الغالبية فيما بيننا حتى تلك اللحظة في حالة تسمح لها بالتماسك وعدم البكاء، ولكننا حين رأيناه شرب وابتلع السم لم نعد قادرين على التماسك، حتى أن دموعي لم تترقرق فقط، وإنما انهمرت بشدة حتى اضطررت أن أخبئ وجهي. أما كرايتون فقد نهض قبلي، لأنه لا يستطيع أن يتحكم في دموعه. أما أبوللودوروس الذي شرع في البكاء مبكرًا فقد انهار الآن تمامًا، ولم يعد قادرًا على التحكم في حركاته، ولم يوجد بيننا من لم يهتز لبكائه.

أما سقراط فبقي هادئًا بل أمر بالكف عن البكاء، لأنه قد سمع أن على المرء أن يلتزم السكون إذا حضر وفاة أحدهم. ثم أخذ يتحرك حتى كلت قدماه وانعدم إحساسه بهما، فتمدد وأخيرًا أصبح جسده باردًا بالكامل، وحينما لاحظ أن السم بدأ يهاجم القلب قال جملته الشهيرة: ” كرايتون. نحن مدينون لإسكليبيوس بأحد الديكة ” ثم مات”[2]

ورغم أن سم الشوكران يسبب ألماً شديداً لشاربه، فإن اللحظات الأخيرة في حياة سقراط  – إن صح ما نُقل إلينا – أكسبته الخلود بسبب تمسكه بمبادئه، رغم أنه لم يكتب حرفاً واحداً. وبعد خمسة قرون كتب المؤلف الروماني ماركوس فابيوس كفنتيليانوس: “باستغنائه عن السنوات القليلة الباقية له كسب خلودًا عبر القرون” [3]

  طبق سقراط فلسفته في الحياة حتى آخر أنفاسه، فاستطاع أن يتجاوز بها معاناته.

 

قصة أيوب عليه السلام والبلاء:

قال تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (84)﴾  [سورة الأنبياء]

وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (41) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (42) وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (43) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (44)﴾ [سورة ص]

وقع لأيوب عليه السلام بلاءٌ في صحته، وأهله وماله.

” قَالَ عُلَمَاءُ التَّفْسِيرِ وَالتَّارِيخِ وَغَيْرُهُمْ كَانَ أَيُّوبُ رَجُلًا كَثِيرَ الْمَالِ مِنْ سَائِرِ صُنُوفِهِ وَأَنْوَاعِهِ مِنَ الْأَنْعَامِ والعبيد والمواشي والأراضي المتسعة بأرض البثينة مِنْ أَرْضِ حُورَانَ.وَحَكَى ابْنُ عَسَاكِرَ أَنَّهَا كُلَّهَا كَانَتْ لَهُ وَكَانَ لَهُ أَوْلَادٌ وَأَهْلُونَ كَثِيرٌ فَسُلِبَ مِنْ ذَلِكَ جَمِيعِهِ وَابْتُلِيَ فِي جَسَدِهِ بِأَنْوَاعِ الْبَلَاءِ وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُ عُضْوٌ سَلِيمٌ سِوَى قَلْبِهِ وَلِسَانِهِ. يَذْكُرُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ بِهِمَا وَهُوَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ ذَاكِرٌ للَّه عَزَّ وَجَلَّ فِي لَيْلِهِ وَنَهَارِهِ وَصَبَاحِهِ وَمَسَائِهِ. وَطَالَ مَرَضُهُ حَتَّى عَافَهُ الْجَلِيسُ وَأَوْحَشَ مِنْهُ الْأَنِيسُ وَأُخْرِجَ مِنْ بَلَدِهِ وَأُلْقِيَ عَلَى مَزْبَلَةٍ خَارِجَهَا وَانْقَطَعَ عَنْهُ النَّاسُ وَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ يَحْنُو عَلَيْهِ سِوَى زَوْجَتِهِ كَانَتْ تَرْعَى لَهُ حَقَّهُ وَتَعْرِفُ قَدِيمَ إِحْسَانِهِ إِلَيْهَا وَشَفَقَتِهِ عَلَيْهَا فَكَانَتْ تَتَرَدَّدُ إِلَيْهِ فَتُصْلِحُ مِنْ شَأْنِهِ وَتُعِينُهُ عَلَى قَضَاءِ حَاجَتِهِ وَتَقُومُ بِمَصْلَحَتِهِ. وَضَعُفَ حَالُهَا وَقَلَّ مَالُهَا حَتَّى كَانَتْ تَخْدِمُ النَّاسَ بِالْأَجْرِ لِتُطْعِمَهُ وَتَقُومَ بِأَوَدِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَأَرْضَاهَا وَهِيَ صَابِرَةٌ مَعَهُ عَلَى ما حل بهما من فراق”[4]

ولكي يتحمل أيوب عليه السلام هذه المعاناة تمسك بإيمانه الذي جعله صابرًا محتسبًا، وتحلى بالصبر والأمل لتجاوز البلاء. ومع شدته عليه، فقد علم من خبرته وتجربته العملية، أنه بإيمانه بالله وتوكله عليه، سيُلهم قوة الصبر والتحمل حتى في أوج البلاء.

وقصته عليه السلام من القصص التي تُضرب فيها الأمثال والعِبر، من صبره وصبر زوجته. إلى أن أدرك شدة البلاء عليها، فطلب من الله عز وجل رفعه عنهما:

“َقَالَ حميد مكث في بلواه ثمانية عَشْرَةَ سَنَةً. وَقَالَ السُّدِّيُّ تَسَاقَطَ لَحْمُهُ حَتَّى لَمْ يَبْقَ إِلَّا الْعَظْمُ وَالْعَصَبُ فَكَانَتِ امْرَأَتُهُ تَأْتِيهِ بِالرَّمَادِ تَفْرُشُهُ تَحْتَهُ فَلَمَّا طَالَ عَلَيْهَا قَالَتْ (يَا أَيُّوبُ لَوْ دَعَوْتَ رَبَّكَ لَفَرَّجَ عَنْكَ فَقَالَ قَدْ عِشْتُ سَبْعِينَ سَنَةً صَحِيحًا فَهُوَ قَلِيلٌ للَّه أَنْ أَصْبِرَ لَهُ سَبْعِينَ سَنَةً) فَجَزِعَتْ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ وَكَانَتْ تَخْدُمُ النَّاسَ بِالْأَجْرِ وَتُطْعِمُ أَيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ لَمْ يَكُونُوا يَسْتَخْدِمُونَهَا لِعِلْمِهِمْ أَنَّهَا امْرَأَةُ أَيُّوبَ خَوْفًا أَنْ يَنَالَهُمْ مِنْ بَلَائِهِ أَوْ تُعْدِيَهُمْ بِمُخَالَطَتِهِ فَلَمَّا لَمْ تَجِدْ أَحَدًا يَسْتَخْدِمُهَا عَمَدَتْ فَبَاعَتْ لِبَعْضِ بَنَاتِ الْأَشْرَافِ إِحْدَى ضَفِيرَتَيْهَا بِطَعَامٍ طَيِّبٍ كَثِيرٍ فَأَتَتْ بِهِ أَيُّوبَ فَقَالَ مِنْ أَيْنَ لَكِ هَذَا وَأَنْكَرَهُ فَقَالَتْ خَدَمْتُ بِهِ أُنَاسًا فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ لَمْ تَجِدْ أَحَدًا فَبَاعَتِ الضَّفِيرَةَ الْأُخْرَى بِطَعَامٍ فَأَتَتْهُ بِهِ فَأَنْكَرَهُ أَيْضًا وَحَلَفَ لَا يَأْكُلُهُ حَتَّى تُخْبِرَهُ مِنْ أَيْنَ لَهَا هَذَا الطَّعَامُ فَكَشَفَتْ عَنْ رَأْسِهَا خِمَارَهَا فَلَمَّا رَأَى رَأْسَهَا مَحْلُوقًا قَالَ فِي دُعَائِهِ (أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) 21: 83″[5]

والقدرة على الصبر مما يتفاوت فيه الناس، وقد لا يطيقه الإنسان طويلاً، ولنا في أيوب عليه السلام قدوة ومثل، فقد كان بمقدوره الدعاء لرفع البلاء عندما أشتد عليه، ولكنه صبر وتحمل.

“وَقَوْلُهُ (رَحْمَةً من عِنْدِنا) أي رفعنا عنه شدته (فَكَشَفْنا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ) رَحْمَةً مِنَّا بِهِ ورأفة وإحسانا (وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ) أَيْ تَذْكِرَةً لِمَنِ ابْتُلِيَ فِي جَسَدِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ وَلَدِهِ فَلَهُ أُسْوَةٌ بِنَبِيِّ اللَّهِ أَيُّوبَ حَيْثُ ابْتَلَاهُ اللَّهُ بِمَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ فَصَبَرَ وَاحْتَسَبَ حَتَّى فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ”[6]

فالخبرة العملية تفيدنا في تجاوز الآلام، لمن عانوا منها، فتجاربهم تساعدنا في كيفية تجاوزها أو على الأقل التعايش معها، عكس الحديث الذي يقوم على التنظير في أمور لم يختبرها المُنظر، أو يجربها.

وفي قصة أيوب عليه السلام، نجد أنموذجاً  للخبرة العملية في تجاوز البلاء بالصبر والتحمل، والأمل والإيمان بأن الله عز وجل بأنه سوف يكافئنا إما في الدنيا أو الآخرة.

 

غرفة ماري وفهمنا لطبيعة الحياة:

هي فكرة فلسفية، تحاجج في وجود حقائق أخرى غير حسية، الفكرة هي: “ماري فتاة ذكية كانت حبيسة منذ ولادتها في غرفة لا يوجد فيها من الألوان إلا اللون الأبيض والأسود، ومع أنها قد تعلمت من قراءة الكتب كل ما يمكن معرفته عن فيزياء الألوان، إلا أنها لم تحظى بفرصة رؤيتها رأي العين.

طرح فرانك جاكسون، هذه الحكاية الرمزية في سياق حجاج معرفي مع أصحاب المادي، وقد بين حجته كما يلي: يظهر من القصة بأن الإنسان يمكنه معرفة كل ما يتعلق بالحقائق الحسية، ومع ذلك يبقى جاهلًا بحقائق معينة، حقائق عن الخصائص النوعية للتجربة البصرية. وعليه فإننا نعلم أن هناك حقائق تتجاوز الحقائق الحسية المادية، والأطروحة التي تجعل كل الحقائق حقائق حسية فقط، هي أطروحة كاذبة[7]

يمكننا أن نستشهد بفكرة غرفة ماري، في مسألتي التنظير والخبرة العملية، بأن معرفتك النظرية مهما عظُمت، فلن تصل إلى المعرفة العملية، ومن هنا يأتي الشاهد، بأن الخبرة العملية هي التي تثبت لك اللون نفسه، ونفس الشيء عمن عانى من مرض أو مصيبة، وتجاوزها، فخبرته سوف تنفعك أكثر من تأملاته.

إن الخبرة العملية أكثر فعالية في مساعدتنا عندما نمر بمصاعب الحياة. فكما أن ماري لم تستطع أن تعرف حقيقة الألوان، مع أنها تعلمت كل الأمور المتعلقة بها، فإن هذا ينطبق على كافة أمور الحياة، مهما نَظّرنا في كيفية تجاوز المعاناة، فهذا لا يجعل من المُنظِّر مدركا لمعنى هذه المعاناة التي لم يختبرها أو يجربها، فالحاجة للتجربة والخبرة، أهم في تجاوز المحن التي يعانيها منها الإنسان.

 

أسطورة سيزيف والرد على كامو بمحاججة العقوبة الأبدية:

هذه الأسطورة الإغريقية، تخبرنا عن شخص اسمه سيزيف، عاقبته الآلهة بحمل صخرة لأعلى الجبل، فإذا وصل بالصخرة لقمة الجبل، سقطت للأسفل، ثم ينزل لأسفل ليحملها للأعلى من جديد، وهكذا للأبد.[8] سيزيف عوقب عقوبة أبدية فكيف يتجاوز الفرد هذه المعاناة؟!

يحاجج كامو، بأن عبثية سيزيف هي جواب لهذه العقوبة الشديدة، وعليه تقبل قدرِهِ في حمل الصخرة، وعلينا أن نتخيل سيزيف سعيدًا !فيقول: “سيزيف يُمثِّل الإخلاص العالي الذي ينفي الآلهة ويرفع الصخور، فهو يستنتج بأن كل شيء على ما يرام، فيبدو له العالم بلا سيّد أو بلا جدوى. فكل ذَرّة من تلك الصخرة، وكل فتات معدني من ذاك الجبل الممتلئ بالليل يشكل عالماً بحد ذاته. فالكفاح نفسه نحو المرتفعات كفيل بأن يملء قلب الرجل، فيجب على المرء أن يتخيل سيزيف سعيدًا”[9]

تخيل معي، أنك واقف أمام سيزيف، الذي يحمل الصخرة على ظهره، لا تعرف منذ متى وهو يحمل الصخرة لأعلى الجبل، ومن ثم تسقط، ها هو أمامك يصرخ بأعلى صوته، لدرجة أن المكان من حولك يهتز من النحيب، والحزن المخيف، الذي يعانيه سيزيف من هذا العذاب، فسيزيف ليس سعيدًا، ولا يمكن أن تتخيله سعيدًا، عندما تشاهده بهذه الصورة!

فما النصيحة التي سوف تقدمها لسيزيف كي يكون سعيدًا؟، ماذا ستقول له؟، كيف ستنقذه من خلال تأملاتك وتنظيراتك، عن معاناته التي يصعب عليك أن تتخيل نصفها!

كل كلامك ونصائحك، لن تساعده، قيد أنملة.

والآن تخيل معي، بأنه نجا من هذا العذاب، وتم إعفاؤه من حمل الصخرة من فوق الجبل. إن سيزيف قبل العقاب، ليس هو سيزيف بعد العقاب. لقد اكتسب معاناة لا تخطر على بال أحد.

وعندما يذهب شخص ما، ويزور سيزيف في منزله الجديد، ويطلب منه مساعدته في تجاوز معاناة شخصية، أوإشكالات في الحياة، سوف يكون جواب سيزيف لهذا الشخص عملي ونافع جدا؛ لأنه يستطيع أن يساعده بما لديه من خبرة عملية طويلة في المعاناة، وكيفية تجاوزها.  لقد فهم الحياة بطريقة استثنائية، ويُقدّرها رغم صعوباتها، ومشكلاتها. وهنا ندرك أن الإنسان صاحب الخبرة العملية في فهم الحياة، سوف تساعدنا تجاربه، ونصائحه في تجاوز المعاناة المتعلقة بالحياة، بعكس شخص لم يختبر أي شيء مما سبق، ويكتفي بالتنظير.

 

هل ما كتبته داخلًا في التنظير؟

إن الخبرة العملية تُقدّم على التنظير التأملي وتحديدًا في أمور الحياة وليس معنى هذا أن التنظير غير مجدي في المعرفة. فالرياضيات المحضة نظرية وليست عملية، ولكن التنظير في الحياة غير مجدي بشكل عملي، لأن الأفضلية تعود للخبرة والتجربة العملية. فلو قيل بأن دفاعي مستنده نظري، فهذا لا يغير من حقيقة أن التنظير لا يمكن التثبت من جدواه إلا بالطريق العملي.

لا يمكن التغاضي عن فائدة ومنفعة الخبرة العملية في التعايش مع عقبات الحياة. لذلك هي مُقدَّمة دائمًا، وأنفع من مجرد التنظير، فالسّير الذاتية التي تتحدث عن مصاعب الحياة، وكيف أن صاحب السيرة الذاتية تجاوزها، أنفع من مجرد التنظيرات الفلسفية، مجرد تنظير للعقبات وكيفية تجاوزها، وهم أصلًا لم يعانوا منها.

إننا نحتاج إلى تجارب الناس الخاصة، لأنها تساعدنا بالفعل. نحتاج إلى من يشاركنا الهم والواقع، ولا يلزم من ذلك أن تكون النتائج متوافقة، فالناس في أحوالهم وحاجاتهم متفاوتون، ولكن الفائدة أعلى بكثير من مجرد التنظير.

إن حياة الإنسان قصيرة، ولا يمكن له أن يجرب ويختبر كل شيء بنفسه، لذلك تعد الاستفادة من تجارب وخبرات الآخرين مهمة جدا لأنها تُكسبنا خبرات وتجارب تساعدنا في أن نتجاوز مصاعب الحياة أو على الأقل نحمي أنفسنا من الوقوع في الخطأ مرتين. فالبشر يتشاركون في أشياء ويختلفون في أشياء. يتشاركون في الطبائع والرغبات، فتجاربهم وخبراتهم، تساعدنا في فهم أنفسنا وفهم الآخرين. وباكتساب الخبرات والتجارب الخاصة نستطيع مساعدة البشرية كافة. وفي الأخير كلنا نشترك في تجربة واحدة، وهي التجربة البشرية.


الهوامش:

[1] ينس زونتجن، فكر بنفسك! عشرون تطبيقًا للفلسفة، ترجمة: عبدالسلام حيدر، رسوم: ناديا بودا (القاهرة: مركز المحروسة، 2018) ص266-267.

[2] المصدر السابق، ص267-268.

[3] المصدر السابق، ص

[4] ابن كثير، البداية والنهاية، [المكتبة الشاملة] (دار الفكر، 1986)، ج1/ص

[5] المصدر السابق، ج1/ص

[6] المصدر السابق، ج1/ص224

Robert C. Stalnaker,Our Knowledge of The Internal World, (New york: Oxford University Press, 2010), 24-25 [7].

Albert Camus, The Myth of Sisyphus and Other Essays, Translation. Justin O’brien (New York: Vintage Books, 1991), 119-120 [8]

[9] المصدر السابق، ص123

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى