عام

إيثار حياة العُزلة وتمجيدها

  • نشر: TheSchoolOfLife
  • ترجمة: ثامر العيلي
  • تحرير: مزنة الكبريش

يميل المنهزمون إلى تمجيد خيار حياة العُزلة والسكون؛ فعصرنا هذا مغمورٌ بأساليب الحياة النشِطة والحيوية والمزعجة؛ لو عُرض علينا راتب أعلى لوظيفةٍ في مكانٍ آخر لانتقلنا، ولو أتيح لنا طريق الشهرة لسلكناه، ولو دُعينا إلى حفلٍ لذهبنا؛ تبدو هذه الخيارات مكاسب بيّنة ولا غبارعليها، فالإشادة بحياة جامدة وهادئة أمرٌ غريب كمن يمتدح لهيب الشمس في نهار الصيف.

من الصعب على أكثرنا رؤية أي احتمالية لنجاح الفكرة، لأن المدافعين عن فكرة الحياة المُنعزلة والهادئة عادة ما يأتون من خلفيات قليلة الفاعلية والإنجاز في المجتمع: كالكُسالى ومجموعات (الهيبيز) والمفصولين من وظائفهم، وأولئك الذين يظهر أنهم لم يتخذوا الخيار حول كيفية ترتيب شؤونهم؛ حيث تبدو حياتهم الهادئة وكأنها فُرضت عليهم قسراً بسبب قصورهم، إنها عزاءٌ مثيرٌ للشفقة!

ورغم ذلك، عندما نلقي نظرة عن كثب على الواقع نجد أن حياة الشغل والانهماك عادة ما نتكبد من أجلها أعباءً إضافية، ومع هذا يتجاهلها الجميع كليّاً؛ حيث إن النجاح المُشاهد يجعلنا عُرضةً للحسدِ والمنافسة. لقد أصبحنا لُقمةً سائغة بين فكيّ الغيظِ والإحباط، الذي قد يظهر أننا السبب في فشل الآخرين، فالوصول للمناصب العالية يجعلنا أكثر حساسية تجاه فقدانها باستمرار، حين نبدأ بملاحظة كل حدث جديد يربطنا بها كانخفاضٍ طفيف في المبيعات، حتى إنّنا نشعر بكارثية نقص اهتمام الآخرين وتزلّفهم لنا.

إنّ صحّتنا تتدهور، لأننا وقعنا في شِراك الخوف والوساوس، وصرنا نرى المؤامرة في كل شيءٍ من حولنا.

لعلّنا على حق، فخطر الانتقام باختلاق فضيحة يحيط بنا، ورغم امتيازاتنا، إلا أننا نزداد فقراً بطُرق مثيرة للفضول، لأننا لا نملك إلا القدر الأدنى من السيطرة على وقتنا.

ربما يُمكننا التسلّط على مصنعٍ في الهند وإغلاقه، كما أن كلمتنا مسموعة بكل تبجيلٍ واحترام داخل منظّماتنا، ولكن ما لا نستطيع فعله هو الاعتراف بأننا مُنهكين ونودّ الاستلقاء على الأريكة للاسترخاء بعد يومٍ شاق. للأسف لم يعُد بإمكاننا التعبير عن جوانبنا العفوية والخيالية والطفولية؛ فالكلمات لها عواقب يجب أن يُحترس منها، وبينما تُلتمس فينا أماراتُ السُلطة والقيادة نصبح غرباء عن أولئك الذين ارتبطوا بنا لذواتنا وليس لأجل المال أو النفوذ. وفي الوقت نفسه أصبحنا نعتمد أكثر فأكثر على الاهتمام الزائف من أولئك الذين يقتاتون على إنجازاتنا.

قد نمتلك ثروات الأرض، ولكننا ابتعدنا عن أطفالنا وأزواجنا ومرّت سنوات منذ أن تفّرغنا لأنفسنا وقضينا اليوم للفراغ!

نبي الله عيسى -عليه السلام- والذي يُعتبر من أوسع الشخصيات التاريخية شُهرةً وتأثيراً في الغرب كان من المهتمين بعوائد الحياة الهادئة؛ حيث يُحكى أنه قال لحواريّيه في إنجيل مرقس ( ٦: ٨-٩) (وَأَوْصَاهُمْ أَلاَ يَحْمِلُوا شَيْئًا لِلطَّرِيقِ غَيْرَ عَصًا فَقَطْ، لاَ مِزْوَدًا وَلاَ خُبْزًا وَلاَ نُحَاسًا فِي الْمِنْطَقَةِ، بَلْ يَكُونُوا مَشْدُودِينَ بِنِعَال، وَلاَ يَلْبَسُوا ثَوْبَيْنِ).

فالنصرانية ترى أن للفقر نوعين: فقرٌ اختياريّ، وفقرٌ قسريّ.

أمّا نحن في هذا العصر، فنرى أن الفقر لا يكون إلا قسرياً طوال الوقت، بينما لا نستطيع تصوّر أن الإنسان كائنٌ حُرّ الإرادةِ والاختيار يستطيع فعل ما يشاء بناءً على تقويمٍ منطقيّ وعقلانيّ يختصُّ بشؤونه.

من الممكن ألّا يُلتحق بالوظيفة ذات المرتّب الأعلى، أو ألّا يُقرأ كتاباً آخر، أو ألّا يُبحث عن منصبٍ أفضل.. فكلّ هذا ليس لأن الشخص لا يملك الفرصة، ولكن لأن الإنسانَ مخيّرٌ لا مسيّر

أحد أكثر اللحظات مركزيةً في تاريخ التراث المسيحي كانت في عام (١٢٠٤م)، عندما أعلن شابٌ نعرفه اليوم باسم القديس فرنسيس الإسيزي التنازل عن أملاكه، والتي شملت بضعة منازل ومزرعة وسفينة واحدة على الأقل.

لم يكن مُكرهاً على فعلته! ولكنه شعر أن هذه الأملاك والمادّيات ستتعارض بشكلٍ أو بآخر مع أشياء يريدها، كالتفكّر في تعاليم المسيح وتقديس خالق السماوات والأرض -سبحانه وتعالى- وتأمل الأزهار والأشجار ومساعدة المُعدمين.

لوحة بعنوان: “كان لديه خيارات أخرى: القديس فرنسيس الإسيزي يتنازل عن أملاكه” رسمها الفنان جوتو دي بوندوني

وفي الثقافة الصينية أيضاً نجِدُ ميولاً نحو ما يُسمّى بالـ(يينشي) أو العُزلة؛ والتي تعتمد على  اختيار البُعد عن المشهد السياسي والتجاري المتأجج بالانشغال والازدحام والعيش بداخل كوخ في أحد المناطق الجبلية الهادئة.

وبدأ هذا التقليد في القرن الرابع الميلادي، عندما سلّم المسؤول الرسمي (تاو يونمينغ) منصبه في المحكمة واتّجه إلى الريف؛ ليحرث الأرض ويزرعها ويصنع النبيذ ويكتب الشِعر.

في قصيدته “شُربُ النبيذ” سردٌ للنعيم الذي وجدهُ في عُزلته:

“قطفتُ من الأقحوانِ الشرقيّ

ونظرتُ إلى الأفقِ الشماليّ

ونسيمُ الجبلِ عند غُروبٍ نقيّ

والطيرُ آبت إلى وطنٍ قصيّ

وفي هذا لطيفٌ من المعاني جَليّ

ولكنّ قولي عن وصفِ هذا عَصِيّ”

لقد أصبحت لوحات تاو يونمينغ محطّاً للأنظار في الفن والأدب الصيني، وصار كُوخه الذي يقع بالقُرب من جبل (لوشان) مصدر إلهام بشأن مزايا الحياة البسيطة وغير المتكلفة، حيث مرّ عددٌ من شُعراء سلالة تانغ الحاكمة بفتراتٍ من العُزلة.

كتب الشاعر باي جوي المتوفى سنة (٨٦٤ م) قصيدةً في وصفِ الكوخ الذي اشتراه في طرف الغابة، مُعدِّداً أجزاءهُ البسيطة والطبيعية: (سقفٌ من القشّ ودرجاتٌ من الحجر وأعمدةٌ من أخشاب الكاسيا وسورٌ من أعواد البامبو المُتشابكة).

بينما كتب الشاعر دو فو والذي يعيش في مدينة (تشنغدو) الواقعة في قِطاع سيشوان قصيدةً بعنوان: (سقفُ القش الذي دمّرتهُ رياحُ الخريف) لم تكن قصيدته للرثاء ولكن للاحتفاء بالحُرية الناتجة عن البساطة، فالأمر سيّان عندما يُهدم سقف بيتك على يدِ ريحٍ خريفيّة !

كوخ دو فو بمدينة تشنغدو بعد إعادة بناءه

يوجد الكثير من الخيارات بالنسبة لأكثرنا فيما يتعلق باختيار المسار المهني ذي الحظوة والاعتبار؛ بإمكاننا إبهار أولئك الذين يسألوننا عن وظائفنا وأعمالنا، ولكن هذا لا يعني بالضرورة وجوب اتبّاع هذه الفُرص. فعندما نعلم الثمن الحقيقي الذي تنتزِعه منّا بعض المِهن، ندرك أنه ليس بمقدورنا التضحية لأجل الحسد والخوف والخديعة والأرق! إن أيامنا محدودة على هذه الأرض، وقد نختار بكامل رغبتنا وإرادتنا أن نكون أقلّ ثراءً وأكثر تصوفا لأجل النعيم والراحة الحقيقيين.

المصدر
theschooloflife

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى