عام

في مدح “لا أعلم”

  • د. هيلين كارا
  • ترجمة: جمانه علي السمنان
  • تحرير: محمد بن داود الفضيلي

ربما خشينا من قول جملة “لا أعلم” في المدرسة لأنها لا تثير إعجاب معلمينا، أو من الممكن أن الرغبة البشرية للشعور باليقين والقدرة على التنبؤ تجعل جملة “لا أعلم” غيرَ مرغوب فيها. على أي حال نحن بصفتنا باحثون وعلماء من المفترض أن نعلم الكثير عن الأشياء. تُناقش د. هيلين كارا في هذا المنشور أنه من الأفضل أن نرفع أيدينا ونعترف بعدم اليقين.

في بعض الأحيان عندما أشارك في محادثة وأحدهم استخدم اختصار أو أشار إلى شخص ما أو منظمة لم أسمع بها، أومئ بحكمة أثناء تدويني ملاحظة ذهنية للبحث عنها في وقت لاحق. في الواقع هناك صناعة صغيرة تجني المال بسبب هذا الفعل من خلال نشر دليل Bluffer’s Guide لمجموعة متنوعة من المواضيع مثل وسائل التواصل الاجتماعي و النبيذ و ركوب الدراجات و اتفاقية بريكست. تم تصميم هذه الأدلة لتسلية وإعلام القارئ وتمكينه من إجراء أي محادثة، فتلك الكتب الإرشادية سوف تقلل من استعمال جملة “لا أعلم”.

لكن فكر بهذا الأمر، هل تعرف شخصًا لديه دائمًا إجابة لكل شيء؟ لقد قابلت الكثير منهم في حياتي، إنهم مزعجون، أليس كذلك؟

أعتقد أن قول “لا أعلم” بصراحة قد يعني الكثير. في بداية أنه من الجيد أن نعترف لأنفسنا عندما نجهل شيئا ما، ثم بإمكاننا إدراكه لاحقًا بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. تلقيت بريدًا إلكترونيًا مؤخرًا من شخص يهمني، كان يريد مساعدتي في حل مشكلة شخصية، عندما قرأت رسالته رأيت أن مشكلته معقدة جدًا وأدركت أنني لا أملك إجابةً. انتهيت من القراءة وذهبت لإنهاء شيء آخر، بعد نصف ساعة قرأت مشكلته مجددًا ولكن هذه المرة تمكنت من كتابة رد له. كان الجزء الذي أسميه “عقلي الباطني” يعمل على إيجاد حل للمشكلة بينما كنت مشغولة البال. أحب هذا، بسبب مثل هذه المواقف حصلنا على عبارة “فكّر ليلًا” فإذا وقعت في النوم وأنت تفكر ليلاً قد تستيقظ في الصباح مع حل لمشكلتك.

أعتقد أيضا أنه من الجيد الاعتراف للأشخاص الآخرين عندما نجهل شيئا ما. مؤخرا إذا تحدث أحدهم عن شيء لا أعلم عنه أسأله عن معنى الاختصار أو من هو الشخص أو المنظمة وما هي صلتهم بمحادثتنا، وهذا يتيح لنا أن نتواصل ونتناقش مع بعض بشكل أفضل. أعترف أيضًا بعدم معرفة الإجابة عندما أقوم بالتدريس، فأنا غالبًا أُدرس طلاب دكتوراه أذكياء ومطلعين وهذا يعني أنهم في بعض الأحيان يسألونني أسئلة لا أعرف إجابتها ولا يوجد لها دليل في Bluffer’s Guide، ولذلك فإن محاولة خداع غرفة مليئة بطلاب الدكتوراه بجواب خاطئ ليست أفضل فكرة، ولهذا السبب أقول ” لا أعلم” أو “ربما شخص آخر هنا يعلم؟”، وغالبًا يوجد شخص ما لديه الإجابة.

أتساءل ما إذا كان جزء من مشكلة قول “لا أعلم” هو أن الاعتراف بها لأنفسنا أو للآخرين يحتاج بعض الثقة، تلك الثقة يتطلب بناؤها، علينا أن نثق بأن الآخرين لن يفكروا بنا بشكل سيئ. في الواقع يبدو لي إن الكثير من الناس يحترمونك أكثر إذا كنت صادقا معهم حول ما لا تعلمه، فلذلك لاحقًا سوف يثقون فيما تدعي معرفته.

إنه من المهم أيضًا أن تكون مرنًا فيما تعرفه لتبني فرصة للتغيير مستقبلًا. كنت أعرف بعض الأشياء عندما كتبت الطبعة الأولى من كتابي عن أساليب البحث الإبداعية في عام ٢٠١٥. لاحقًا تعلمت عن بضعة أشياء جديدة تتعارض ‏جزئيًا مع ما كنت أعرفه سابقًا، لذلك اعترفت وشرحت تغيرات رأيي في الطبعة الثانية، لا أعتقد أن هذا الأمر يفسد عملي، لا أحد يستطيع أن يعرف كل شيء، وما تعرفه قد يتغير من الزمن كلما تعلمنا المزيد، مثلما تعلمنا أن الأرض كروية وليست مسطحة، والأمراض الفتاكة يمكن القضاء عليها باللقاحات. “لم أكن أعلم عن هذا” هي جزء من عائلة “لا أعلم” وبمثل قيمتها.

جَهلنا بشيء ما هو أساس البحث، فنحن نبحث لاكتشاف معلومات جديدة. يقول الطلاب لي أحيانًا “لا أعلم ما إذا كانت طريقة بحثي صحيحة.” أقول لهم “إذا كان هذا ما تشعر به، فمن المحتمل أن ما تقوم به صحيح”، ثم ينظرون إليّ بغرابة، لذلك أخبرهم أن جميع الأبحاث مبنية على عدم اليقين؛ فإذا كان الأشخاص يعلمون مسبقًا عن ما يريدون اكتشافه، فلن يكون هناك أي فائدة من إجراء أبحاثهم في المقام الأول.

ربما الجزء الأصعب هو أن حياتنا حاليًا مبنية على عدم اليقين، متى وكيف ستنتهي هذه الجائحة؟ من سيكون على قيد الحياة عندما تنتهي؟  وماذا سيصبح العالم عليه؟ إن معرفة المستقبل مجرد وهم، لكن قيامنا بخططنا يجعله يبدو ممكنًا، وحاليًا قد تشعر أنه ليس هناك أي فائدة من وضع الخطط.

يتحدث الكثير من الناس عن هذا الوقت العصيب باعتباره “الوضع الطبيعي الجديد” وأُقر أنه يعطي الناس نوعًا من اليقين، لكن لا يوجد أي شيء طبيعي في طريقة عيشنا الحالية، فقد نجد أنه يمكن أن نتعامل مع الوضع بشكل أفضل إذا قبلنا حالة عدم اليقين و واجهنا ما لا نعرفه.

اقرأ ايضًا: رداء الثقافة المزيف المصطنع، الظهور بمظهر المثقف

أعجبني المقال

المصدر
the sra

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى