التربية والتعليم

البساطة والاعتدال في عالمٍ يهوّل كل شيء

  • أڤيڤا وِتِنْبيرج
  • ترجمة: عبد الملك بن برهان باشكيل
  • تحرير: براءة بسام

في عالم اليوم، لماذا يبدو أنه من المحتّم وجود شخص يتدرّب لمارثون لعشرة أيّام، أو يعتزم تسلق جبل كلِمنجار، زيادةً على العمل أربعٍ وعشرين ساعةً يوميًّا لشركةٍ لا تدفع للعمل الإضافيّ؟ لقد صارت المبالغة هي الأصل في حياتنا المِهنيّة، بل باتت تتفشى في حياتنا الشخصية كذلك، من السياسة والتربية إلى التغذية والرياضة.

يفرّطُ الآباءُ في تنشئةِ أطفالٍ تنافسيين، فهم يقضون ساعات مرهِقة يحومون حول أبنائهم أكثر ممّا فعل معهم آباؤهم، ومع ذلك يشعرون أنهم مقصرون. يمارس أناس الرياضة بُغية إيجادِ اتّزان في حياتهم وينتهي بهم الأمر بأن يجدوا أنفسهم في سباقات المارثون. ويبتدئ عشّاق الطعام يومهم بمشروبات خضراء معقدة مصنوعة من أغلى وأحدث البذور ونباتات من بلاد سحيقة.

إنّ شباب جيل الألفية[1] يُساقون إلى الحيرة والاكتئاب بمقارنات مستمرّة عبر الإنترنت، ولا يكادون ينفصلون عن هواتفهم باعتبارها أداة لتقييم إنجازاتهم. لكن من يلومهم؟ فآباؤهم يتنافسون على عدد المتابعين ومرات إعادة التغريد وفيما إذا نجحوا في انشاء قبيلة[2]. حتى المساعي للتأني وتعزيز حضور الذهن صارت مشحونة بمطامح كبيرة، ومنها ذلك النادي بجوار منزلي الذي ابتدع رياضة “بروجا” وهي شكل تنافسي من اليوجا للرجال.

وفي لندن -حيثُ أعيشُ- مَوْطِنُ المبالغة في كلِّ شيء، فمن ذلك تحوُّل ممرّ الدّرّاجات البهيّ الذي قام عليه المحافظ ليجعل المدينة أكثر إنسانية =”لطريق سريع للدّرّاجات” حيثُ يعزم سائقي الدّرّاجات في المدينة على كسر رقمهم القياسي في الوصول للعمل، ويتم ذلك بوجود (آيفون) على ذراع كلٍّ منهم يحسب مقاييس دقيقة جديرة بالتحليل المختبري، وصار النوم -ومؤخرا الصيام- أحدث أنواع المبالغة، فيعزو الكتاب الحديث أهمية النوم إلى… كل شيء: العافية، والصحة العقلية، طول العمر، فأنت تخاطر بحياتك بالنوم متأخرًا.

كما أضحى التطرُّف في العمل وإدمانه ممّا يُفاخِر المرءُ به، فيتنافسُ المديرون مع بعضهم البعض في عدد أيام سفرهم على متن الطائرة، كمثَل المديرَيَّيْن التنفيذيّيْن اللذين جلسا خلفي في الطائرة في الأسبوع الماضي (سافر الأول 165 يومًا والثاني 214 يومًا).

اليوم؛ يعمل الأعلى دخلًا عددَ ساعاتٍ أعلى  من أيّ  أحد، وبعكس سَنَن الماضي حيث كان يكِدُّ الفقيرُ ويستريحُ الغنيّ، فالآن الفقيرُ عاطلٌ والغنيُّ يضيّع أيّامه في العمل. تُوَقِّعُ الشّركات متدرّبيها على التنازل عن أيِّ حقٍّ لهم للإجازة أو الحصول على دخل مقابل العمل الإضافيّ، مصيّرين بذلك ساعات العمل الشديدة المحظورة =جائزة.

حيثما تنظُرُ وأيًّا ما كان ما تفعلُه، صارتْ رغبةُ الإنجاز متطرّفة، مراقبةً بالتطبيقات أو مع ندٍّ مُنافِسٍ متنكِّر أحيانًاعلى هيئة رفيق، وصار يُنظَرُ للاعتدال بكلّ أنواعه على أنّه عمل هاوٍ مبتدئ، وعادة الكسول الذي لا يستطيع الالتزام لعشرة ساعات تدريب لاحتراف الأعمال.

قررتُ منذ مدّةٍ الاستثمارَ في الاعتدال المتطرّف، فأفعلُ كلَّ شيء ملتزمًا -بنيّةٍ واعية- الاعتدال بين طرفين: عدم العمل إطلاقًا والعمل بإفراط، فأسعى للقيام بعملٍ معقول في نواحي حياتي وأمتازُ في الموازنة بينهما.

 كثيرًا ما نقول أنّنا نريدُ الاتزان، لكن لسنا متطرّفين كفايةً في تطلُّبِ هذا المفهوم، فنَتّكِئُ بثقلٍ أو لوقت طويل على شيءٍ واحد، جزءٌ كبيرٌ من الاتّزان يكون كما لو أنّك واقفٌ على قدمٍ واحدة، فعليك دائمًا التكيّف على أصغر التقلُّبات باستمرار.

كيف تمارس هذا الاتّزان؟

أوّلًا، كلّ شخصٍ عليه تحديد الاعتدال بالنسبة له، فأنا أُفَضِّلُ إيجاز أرسطو له: “شيء تفعلُه، وشخصًا تُحِبُّه، وشيئًا تطمحُ له” فأنا قسّمتُه لأربع أعمدة يوازن بعضها البعض: العقل (المعرفة، ذو صلة، والمعرفة المهنية، والتعلم على مدى الحياة)؛ الحب (علاقات، وعائلة، ومجتمع، والتربية)؛ التغيّر (التفتّح للتساؤل حول نفسي، وشبكات، ومهارات الانتقال)؛ الاختيار (مرونة ماليّة، ومدّخرات، وتحصيل السّلطة).

ابتدع مبدأ يوجِّهُك واصطنع قائمتك لأعمدة الحياة. فأسأل نفسَك سؤالَيْن

انظرْ في اتّزان حياتِك في السّبعِ سنين السّابقة. ما نِسَب قضاء وقتك في كلّ حقل؟

أيّ اتّزانٍ تريدُ في السّبع سنين القادمة؟

الأحوال المختلفة لها مطامحُ مختلفة واتّزانٍ مختلف، ففي الثلاثينيّات من عمري، قضيتُ وقتًا أكثر في التربية من الرياضة، لكني اضطررتُ لتغيير هذا في الخمسينيّات، ولا يلزمُ هذا أن أُصبِحَ مُتسابقًا في سباقٍ ثلاثي، فأكتفي بممارسةِ اليوغا كل أسبوع وتَمشِيةِ كَلْبِي. آكل جيّدًا لكن لا أفرّطُ بالاهتمام بهذا، أعملُ بجدٍّ لكن لا أعملُ عملًا إضافيًّا، أسعى كلّ يوم لِأَنْ أُحبّ بإدراك، أعاونُ الآخرين كما عاونوني، هل أقدرُ أن أزِيْدَ على هذا؟ قطعًا، وفي كلّ جزءٍ من حياتي.

 في كلِّ المجالات، عشراتُ الملايين من الناس أحسنُ مني في فعلِ ما أفعلُ، لكنّني لا أقارنُ نفسي بهم، لأنّني في سباقٍ مختلف، وفي ذاك السّباق أنا أحسن مِن جميع مَن أعرف، أنا مُتقنٌ مُحقّق للاعتدال، ولا أباهي بهذا عادةً؛ فهذا ليس من عقليّة الاعتدال (وأنا نِدُّ نفسي قبل كل شيء) لكني قضيت حياتي في شحذ ممارساتي اليوم مُقدّرًا لمفهوم”جيد بما فيه الكفاية”. واليوم أنا لستُ بالثري ولا شديد النجاح ولا متميز رياضيًّا، لكن لديّ في كلّ مجال ما يؤهّلنُي لسباقي الخاصّ، سباق الحياة المتّزِنة. ختاما، قد لا يهتم أحدٌ لهذا إلّا أنا وكلبي الذي يسعَدُ بالتنزّه والمشي، وهذا كافٍ بالنسبة لي.


[1] هو مصطلح يصف من ولد بين عامي 1981-1995 (المترجم)

[2] لفظة عاميّة كنايةً عن مجتمعات الشبكة العنكبوتية التي تربط أناسا يجمعهم اهتمام واحد (المترجم)

أعجبني المقال

المصدر
hbr

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى