مراجعات كتب

عرض كتاب: امرؤ القيس (تقريب الشخصيّة وتحليل العبقريّة)

  • عبد الله الفهد

  • اسم الكتاب: امرؤ القيس – تقريب الشخصيّة وتحليل العبقريّة
  • اسم المؤلف: عبد الله بن فهد العيدي
  • سنة الإصدار: 1442هـ / 2021م
  • دار النشر: تكوين
  • عدد الصفحات: 265

تكاد تنحصر انطباعات النفوس ودوافعها في الكتابة عن شخصية تاريخية -انقطعت أسبابها عن الحاضر- في ثلاثة أمور: المشاكلة والبغض والإعجاب. وقد طلبتُ الشيء الذي دفعني للكتابة عن امرئ القيس ولم أعيَ في طلبه، فلم يكن الدافع هو المشاكلة التامّة وإن كانت رافدًا قويًا للكتابة، وقد تحاشيتُ الكتابة عن شخصٍ جاهليٍ تطاول الزمان بيني وبينه بدافع المشاكلة لأني أخشى الوهم والمجاوزة في القياس، ولم يكن دافعي -في الكتابة- البغض لأني أحاول قدر المستطاع أن أتجنّب الكتابة عمّن أبغضهم؛ كراهة أن أحيد عن العدل والتحقيق، فلم يبقَ إلّا الإعجاب الذي تشوبه العاطفة، أو العاطفة المشوبة بالإعجاب، وقد تحققتا في امرئ القيس..

والتعاطف مع امرئ القيس معروفةٌ أسبابه، فمن ذا الذي لا يتأثّر بتقلّب الحال من الرخاء إلى الشقاء ومن الملك إلى الذلّة والإقصاء؟ وقد كانت مصائب الحدثان على أوضح مرائيها في قصّة امرئ القيس.. إذًا فأسباب العطف باديةٌ معروفة، فما هي أسباب الإعجاب التي توافق أسباب العاطفة في التأثير؟

لا شكّ أنّه البيان الإنساني الذي كان في أعلى مراتبه في عصور الجاهليّة، وهو في شعر امرئ القيس على أعلى درجاته.. وإنك لا تجدُ متذوّقًا للشعر إلّا وهو يُعجب ببيان هذا الملك الذي استوى على عرش الشعر، ولا تجد متأدبًا إلّا وهو آخذٌ من بيانه بطرف، بل وقلّ أن تجد شاعرًا يفلت من حبائله، فهو سابقهم الذي خسف لهم عين الشعر، وفتق لهم أسباب البيان.. ولو لم يكن من مزايا امرئ القيس التي تستدعي الإعجاب إلّا البيان فلقد كان ذلك كافيًا في حقّه بل وافيًا على الإعجاب.

***

إذًا فهذه دوافع الاختيار، فما قصّة الكتاب؟

لا يخفى على أحدٍ ما وصل إليه الدرس الأدبي من الجمود الذي جثم على النقد بعد أن ارتهنت النظريّة الشعريّة العربيّة لغيرها من النظريات الوافدة التي لا تستقيم وطبيعة الفن العربي، وكان من أوّل نتائج ذلك أن تشتّت الشعر وغاب نظامه.

 فانطلاقًا من حاجة الدرس الأدبي للتجديد اقتضت العادة التجديد، وقد ارتأيتُ أن التجديد الحق لابدّ أن يكون من جنس المادة التي تطمأن له وتطّرد عليه، فطلبتُ نموذجًا للدراسة والتحليل، يتسم بالصدق في التعبير والتحرر من قيود التقليد، وبما أننا في فنٍ من فنون القول، فلا معيار أصدق في الحكم عليه من معايير البيان والترنيم، فلم أجد خيرًا من النماذج الجاهليّة الصادقة، وقد كانت ملامح المنهج في مقالاتٍ أرسلتها هنا في “أثارة” وفي غيرها من المواقع حتّى إذا استبان الطريق واستقام المنسم
_ كان الكتاب..

وقد كان الدرس شاقًا وعرًا شائكًا إذ طلبتُ فيه شخصيةً من أغوار التاريخ العميقة، ولا تخفى صنائعُ عوادي الزمان وعوامل التاريخ في التعمية والتغبيش، والزيادة والإنقاص، والإشكال على الفهم والتحليل، فالتزمت بمنهجٍ في تحقيق السيرة وفهمها بعد أن أوردت عرضًا سريعًا لصورة امرئ القيس في الأدب العربي، فإذا بالمواد الكثيرة التي جمعتها في سيرة الشاعر قد تلاشى أكثرها لمّا عرضتها على المنهج! فأعرضت عن فهم نفس الشاعر من خلال المرويّات، وطلبت فهم الشاعر من خلال تعبيرات النفس التي ارتضت لها النظم قالبًا.. فأخذت أدرس علائق الشاعر التي ذكرها في ديوانه، فبدأتُ بتطوافٍ في علاقته مع الإنسان الثاني (المرأة) ثم مع الأجناس الأخرى ثم مع الطبيعة، فخلصتُ بشيء يجوز الاعتداد به والقياس عليه، ثمّ أبحرت في كشف عبقريّة الشاعر.. وأظنّ أني قد التزمت بعنوان الكتاب الفرعي حين ذكرت أنّ فيه “تقريب الشخصيّة وتحليل العبقريّة” وقد حللت شيئًا من قصائده بالاعتماد على ما استخلصته من تحليل طبيعته وما ارتضيته من مناهج النقد، ثمّ بعد ذلك نصبتُ ميزان النقد وأشخصتُ إليه الشاعر فطفتُ على “مآخذ النقّاد على الشاعر” وتناولتها بالتحليل والتمحيص، فرددت من نقوداتهم وقبلت وزدت.. ثم انتخبت للقارئ في آخر الدرس أجود قصائدَ الديوان التي لا يسع الناقد الجهل بها، ليكون بذلك الدرس الأدبي قد اكتملت عناصره، والكمال لا يطلب في كتاب غير كتاب الله، ولكن حسبي من هذه المحاولة أنّي أضفتُ للمكتبة العربيّة قراءةً كانت مفقودة، ولعلّ أن يكون بها البعث إن استحقت..

وإنّي لآملُ قبل ذلك كلّهِ وبعده أن يكون في هذا الكتاب تقريبُ الأدب العربي الأصيل إلى جمهور القراء، وأن يحبب إليهم آدابهم، وأن يكون لهم مدخلًا في تذوّق البلاغة العربيّة وتلمّس أسباب الإعجاز اللغوي في القرآن الكريم.

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى