عام

امرؤ القيس بين مبالغات التفصيل والتشكيك

الكاتب: عبد الله الفهد

في كل قضيّة كانت محلًّا للتجاذب من قضايا الحياة على مر العصور ينشأ معها تيّاران يكون كل منهما على الطرف النقيض من الآخر فبين موغلٍ في اليمين وموغلٍ في الشمال تتحرك تيارات الاعتدال مع تطورات الحياة لا تضيرها الأمواج ولا تغيّر من مسارها. وهذه التيارات هي أشد ما تكون في صراعها عندما تثور ثورةٌ من ثورات التجديد في حقلٍ من الحقول فبينا تسير الحياة في تطورها إذ ترى نشازات التفسير لهذا التطوّر تتخبط في هامش النمو الطبيعي للحياة.

والأدب بطبيعة الحال من الأمور التي يتجلّى للناظر فيها تحركات هذه التيارات. فعلى سبيل المثال لو نظرنا لقضيّة الأدب الجاهلي في القرن الماضي لرأينا بجلاءً النشازَ الحاصل من ثورة التحقيق في التراث والمتمثّل في إنكار الشعر الجاهلي برمّته واتّهام رواته بنحله. هذه هي الصيحة المشؤومة التي أطلقها مرجليوث المستشرق الإنجليزي فلقت صداها عند طه حسين في مصر وما لبثت أن جابت الأقطار العربيّة، وفي الأمر خير على كل حال.

وما من تطرّف من تطرّفات الحياة إلّا وللظنّ الزائف في تكوينه النصيب الأكبر والحظّ الأوفر وما تغني الظنون من الحقائق شيئا..

***

وشاعرنا امرؤ القيس هو كأي شاعرٍ جاهلي طالت ديوانه اتهامات الانتحال والإنكار، وفي الحقيقة أنّ قدرًا من هذه الاتهامات هي من قبيل الاتهامات الطبيعيّة التي تطالُ آداب الأمم قبل عصور التحقيق والتوثيق ولكن مشكلة التطرّف كعادتها تغلّب الشك على مرجّحات اليقين. والشكّ في مسألة الشعر الجاهلي بالغ ما بلغ من المنهجيّة لا يُفيد الجزم بالبطلان كما أنّ التسليم لا فضل له في القطع، وإنما هي أمورٌ تؤخذ بأغلبية الظنّ وتظافر المرجّحات.

فردّ سرديّة التاريخ الموثّقة التي تكاد تصل حدّ التواتر بشكٍ وإن كان منهجيًّا أو بطعنٍ في راويةٍ من الرواة في زمنٍ كان الرواة فيه والروايات تخضع لمنهج المحدّثين في القبول والرد والجرح والتعديل والذي هو بحقٍ مفخرة العلوم الإنسانيّة في التحقيق فهذا -بلا ريبٍ- من تغليب الأوهام وحجب النور بالغمام. وأوغل في الوهم أن يُقال أنّ علماء الرواية قد علموا ذلك وسكتوا عنه.

هذا جانب من المرجّحات التي فرضتها طبيعة تلك المرحلة من التشدد في القبول، وذلك هو الجوّ التاريخي الذي عاصر زمن الرواية وقد كان جديرًا بتمحيص الروايات حتّى لا يُسفر التاريخ بعد قرونٍ عن كذبٍ وانتحال؛ تكون الروايات فيه كل الروايات حقيقةً بالردّ والإبطال، حتّى وإن أُستخدم منهج الجرح والتعديل بعد ذلك. فإخضاع المرويات التاريخية والأدبيّة لمنهج المحدّثين بكامل معاييره فيه هدرٌ لكثيرٍ من التراث فهذه المرويّات التاريخيّة والأدبيّة لا تتوفر بالضرورة على شروط القبول التي تتوفر في النصوص الدينيّة، فالنصوص الدينيّة لها خصوصيّة مميزة لها عن باقي نصوص التراث لما لها من القداسة والعصمة بحيث يُنشأ من أجلها ويُتّبع في قبولها منهجٌ صارمٌ ودقيق هو من توفيق الله عز وجل ومن وجوه تكفّله سبحانه بحفظ دينه.

وغير ذلك فهناك مرجحٌ آخر من مرجحات التجوّز في القبول على الرد وهو ما لا سبيل للمستشرقين في فهمه ولا لمن لم يقرأ الأشعار المرويّة جيدًا على الوجه الذي تفهمه العرب من أشعارها. وهو مرجّح النقد المتني الداخلي للنص ذاته. فأن يُقال بأنّ شخصًا واحدًا أو اثنين أو قل عشرة نحلوا كلّ هذه الأشعار على ما فيها من الخصائص المميزة والتجارب المستقلّة فهذا مما لا يقبله العقل. فمن المقبول أن يُقال بأنّ حمادًا الرواية أو خلف الأحمر أو ممن لحقهم القدح قد غيّروا بعض الكلمات في الأبيات أو نحلوا الشعراء بعض الأبيات أو بعض القصائد، لكن أن يقال بأن أحدهم قد نحل دواوينًا كاملةً لشعراء مختلفين ثم وصلتنا هذه الدواوين بلا نقدٍ ولا رد؛ فهذا مما لا فضل للعقل في القول به. فنحنُ في هذا الزمان على بعد ما بيننا وبين زمان اللغة السليقيّة نستطيع التمييز بين نصوص ذلك العصر بل نستطيع أن نميّز مقالات الكتّاب النثريّة عن بعضها، فنحن نميّز بين أسلوب النثر عند المنفلوطي والطنطاوي والرافعي والزيات وطه والعقاد وهم في ذات الطبقة الزمنيّة، فكيف لا نميّز بين أساليب الشعراء وبينهم طبقات زمانيّة مختلفة! والشعر على ذلك أجلى في التمييز من النثر وخذ على ذلك أنّ من لحقت دواوينهم اتهامات النحل هم من كبار الشعراء الذين أبقت الذائقة قصائدهم عبر الزمن ولا يخفى على من حذق النظر أنّ للشعراء الكبار منازع متغايرة ومهايع متباينة، فكيف يزعم زاعمٌ أنّ العلماء في ذلك الزمان لم يتنبّهوا لتلك المباينات في الأساليب! حتمًا لا يقول ذلك من علم قدرتهم في النظر..

 ونسوق هذا المثال لعلّه أن يكون لمحةً دالةً: «قال جرير لذي الرمة: أنشدني ما قلت لهشام المرئي، فأنشده قصيدته:

نَبَتْ عيناكَ عن طَللٍ بحُزْوَى
عَفَتْه الريحُ وامْتُنِحَ القِطارَ

فقال: ألا أعينك؟ قال: بلى بأبي وأمي، قال: قل له:

يَعُدّ الناسبون إلى تَميم
بيوتَ المجدِ أربعةً كِبارا

يَعُدُّون الرِّباب وآلَ سَعْدٍ
وعَمْراً ثم حَنْظلةَ الخِيارا

ويَهْلِكُ بينها المَرَئيُّ لَغْواً
كما ألغيتَ في الدِّية الحُوَارا

فلقيه الفرزدق، فلما بلغ هذه قال: جيد، أعده، فأعاده، فقال: كلا والله، لقد علكهن من هو أشد لحيين منك، هذا شعر ابن المراغة.» فانظر كيف اهتدى لهذا التمييز شاعرٌ لا مزيّة له في النقد إلّا أنّه قد دُفع لمضايق الشعر، والأمثلة على ذلك كثيرة بعدُ.

***

نعود لشاعرنا امرئ القيس ولم نكن معه إلّا من حيث كونه حدثًا من حوادث التاريخ إذ صُرفنا عنه للتعريج على قضيّة ثبوت الشعر الجاهلي وما كنّا لنحتاج لذلك لولا أن أُحوجنا له، وللأسف أنّ هذه الصراعات حوّلت الجهود والأقلام لتحرير القول في حياة شاعرنا وتحقيق وجوده وقصّته وأشغلت النقّاد عن تركيز البحث في استثمار نصوصنا الرفيعة وتراثنا السامق.

وتحرير القول في امرئ القيس هو كتحرير القول في بقيّة شعراء ذلك العصر إذ لا ينبغي لنا أن نتتبّع الجزئيات البسيطة التي لا تؤثّر في طبيعة الديوان لنخلص منها بحكمٍ على الشعر والشاعر ونتشاغل بها عن الكليّات المؤثّرة تأثيرًا مباشرًا. إذ ما من أمرٍ يتعلّق بالشاعر أهم من ديوانه ولا طريقة أثبت في تحقيق الديوان من اعتماد أصوله وهي مرويّات ما اتفق عليه الثقات كالأصمعي والمفضّل الضبّي ثم استخلاص أسلوب الشاعر وطريقته حتّى إذا اكتملت الرؤية فتُقابل بقيّة المرويّات على هذا الأصل. وهذا الحقل أجدر بالنظر والتمحيص من تحقيق القول في اسمه وكنيته، فبالغ ما بلغ التحقيق في الاسم والكنية فهو لن يضيف لتحليل النصوص إضافةً يُعتدّ بها، وأمّا أن يقال أن تحقيق اسم الشاعر هو مناط ثبوت الشخصيّة فهذا قياسٌ معلوم الفساد، فعلى أيّ الأسماء والكنيات ثبت فلن ينفي ذلك سرديّة التاريخ في كونه ابنًا لملوك كندة، وعلى أي التواريخ ثبت ميلاده فهذا لا ينفي أنه عاش في الحقبة بين آواخر القرن الخامس الميلادي و السادس وهذه الثوابت هي التي لها التأثير المباشر في تحليل الديوان، وكذلك محطّات حياة الشاعر فإن سقطت مع التحقيق في ذلك محطّةٌ أو محطتان فلا يقودنا ذلك لإبطال ما هو معلوم من تنقلاته ورحلاته إبان مقتل أبيه على يد بني أسد وسقوط مملكة كندة، وكذلك القول في جوانبه الشخصيّة والنفسيّة.

فامرؤ القيس شاعر مستقلٌ في شعوره وفي نظمه مباينٌ لغيره من الشعراء في أسلوبه، رائد في معانيه وأفكاره، وهو “سابقهم، الذي خسف لهم عين الشعر فافتقر عن معانٍ عور أصح بصر” وهو الذي استحدث أوصافًا للمرأة والخيل فلقيت استحسانًا من الشعراء فتبعوه عليها، ومن كانت هذه سماته فلن تجد أصدق في التدليل على شخصيته من نصوص ديوانه.

ونحنُ نرى الانشغال المبالغ فيه بتلك القصّة التي قيل أنّها حدثت في “دارة جلجل” فلا نجد أنّها أتت بصفةٍ من صفات الشاعر النفسيّة لم نكن لنعرفها إلّا من خلال هذه القصّة أو أنّ لها فضلًا في تقرير صفةٍ من صفات الشاعر لم تكن أشعاره قد قرّرتها من قبل. وأقول ذلك لأنّه ما من وعاءٍ أفضل في حمل المعاني من اللغة، والشاعر يريد منك أن تفهم شعوره في سياق القصيدة على الوجه الذي ساقه، فإن أظهر لك شيئًا فهو يريد أن تفهمه بهذا القدر وعلى هذا النحو، فعندما قال امرؤ القيس:

ألا رب يومٍ لك فيهن صالحٍ
ولا سيما يوم بدارة جلجل

فقد أبان عن المعاني التي أرادها بواسطةٍ هي اللغة، فقوله “لا سيّما” أراد به تخصيص هذا اليوم على وجه التمييز، ثم إنّه عندما وصف اليوم بأنه “صالح” وخصّ “دارة جلجل” بالتمييز، أراد بذلك أن يُطلق العنان لتفكيرك فيما يكون من الملك إن شهد ليومٍ بالصلاح، ولا يريد منك أن تتقيّد بالتفاصيل إلا أن يُطلعك على بعضها. فالنص هو الأصلُ فلا يُتعسّف في تطويعه للأحداث، وقس على ذلك كل ما يمكن قياسه على هذه التفاصيل.

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى