الدين

استنطاق القرآن في « المخرج الوحيد »

  • محمد حامد
  • تحرير: إسلام خالد العمرات

إنّ هذا القرآن يهدي للّتي هي أقوم” [الإسراء:9].

ونُنَزِّل من القرآن ما هو شفاء” [الإسراء:82].

تمُرُّ مثل هاتين الآيتين على المسلم، كما يمرُّ كثير من الكلام الذي اعتاد سماعه، يمُرُّ عليه دون استطعام، ودون أن تقع هذه الكلمات في موقعها الذي تستحقّه في نفسه ووعيه، ودون أن تدعَ أثراً في إسهامه الحضاري.

إنّ المسلم المعاصر، يعيش في زمن تعيث به كثير من المشكلات المُضْنية التي تهدِّد كيان الإنسان، يعيش في عالم خاص يكاد أنْ يكون استثنائياً، من حيث عمق التّحدّيات الوجوديّة، وشدّة الشّعور بالضّياع، عالم يمشي فيه الإنسان مُكِبَّاً على وجهه، حيث لا سواء ولا صراط.

“إنّ العالم يواجه كارثة محتملة ويسأل نفسه في حيرة: لماذا يبدو أنّه ليس هناك مخرج من مصيرٍ مؤلم لا يرغب فيه أحد؟” هكذا يصف راسل -أحد مفكري القرن العشرين- عالمنا الذي نعيشه! ويقول أيضاً: “فالناس اليوم يراودهم شك حقيقي فيمَ الصواب؟ وما هو الخطأ؟ بل وفيما إذا كان الخطأ والصواب هما مجرد خرافات تقليدية أم لا، وعندما يحاولون القطع برأي لأنفسهم في هذه المسائل يجدونها صعبة غاية الصعوبة، فهم لا يستطيعون اكتشاف أيّ هدف واضح ينبغي لهم أن يسعوا إلى تحقيقه، أو أيّ مبدأ واضح ينبغي أن يسيروا على هديه”[1]

عالم يعيش مستوىً متضخّماً من الإنتاج الماديّ والتقدّم التقنيّ، وقدراً متسارعاً في فضاء العلوم، ولكنّ النّاس هكذا للأسف لم يزيدوا عن أنْ يعلموا “ظاهراً من الحياة الدنيا” [الروم:7]، “إنّ العلم لا يعْلَمُ شيئاً عن الجميل والقبيح والخير والشر والإله والخلود. إنّ العلم يتظاهر أحياناً بالإجابة عن أسئلة في تلك المجالات، لكنّ الإجابات غالباً ما تكون شديدة السخافة لدرجة تجعلنا لا نميل إلى أخذها على محمل الجد”. [2]

على مستوى المعرفة والأخلاق، والأمان النفسيّ الوجوديّ، بعثرتْ قيم الحداثة كلّ أساس يحمي الإنسان من الشعور بالتيه، صار الإنسان بحاجةٍ لمنقذٍ يعيد له اعتباره، منقذٍ يؤكّد له أنّ هناك شيئاً يمكنه الاستعصام به، ليفهم نفسه ويفهم معنى هذا الوجود المخيف، ويؤكّد له أنّ هناك نهجاً متعالياً يحمي وجدانه وفكره، نهجاً يَلُمُّ شعث نفسه التي تنهار في ظلّ هذا العالم المتشظّي.

“إنّ إحدى أكبر المعضلات الوجودية، إنْ لم تكن أكبرها على الإطلاق، هي تعدُّد الطّرق والخيارات مع علمنا بأنّه ليس أمامنا إلا العيش في هذه الحياة لمرة واحدة فقط”[3] فهل سنقدّم للإنسان المساعدة التي ستخفّف من معاناته إنْ أصررنا على الاستمرار في هذا اللهث سعياً في طلب سرابٍ يحسبه الظمآن ماءً؟

نعود الآن للآيتين اللتين استفتحنا بهما هذه الخاطرة، فإنّ قرآناً نزل لـ “يهدي” للتي هي “أقوم”، فهو هادٍ لأقوم حياةٍ وأقوم منهجٍ وأقوم طريقٍ، نزل شفاءً للناس! حريٌّ بأن يُستفتى ويُستنطق ليجبر كسر الإنسان المعاصر، ويلمَّ شعثه، ويرسم له خارطة النجاة.

نحن -والبشرية جميعاً- بحاجة ماسّة للاهتداء بالذي يهدي للتي هي أقوم، بحاجةٍ لشفاءٍ يجبر كسر الإنسان، بحاجةٍ لوحيٍ إلهيٍّ متعالٍ يخطُّ لنا طريق الخلاص.

نستعرض هُنا نموذجاً رأيته متمثلاً لهذا النّهج الفكريّ، يستهدي بكلام الله لعلاج مشكلات العصر، في موضوع معنى الحياة، أحد أبرز وأجمل موضوعات كتاب [المخرج الوحيد][4]، نجد هذا النور حاضراً، يؤسّسُ للإنسان رؤيته للوجود، وينير له مسالك النظر ليعيش حياةً تستحق![5]

يسير الإنسان هادراً، مُكبّاً على وجهه، غارقاً في ملاذّ هذه الحياة، ولكنّه في ذات الوقت لا يقوى على الهروب من الحاجة لتفسير هذا الوجود، إنّه بحاجة لتفسير نفسه!

يفتح القرآن فيجد الله يقول: “أفحسبتم أنّما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون”؟ [المؤمنون:115]. خلقناكم! عبثاً! ترجعون!

بعد أن تأخذ الآية حقها في نفس الإنسان، فإنّه لن يعود كما كان قبل! فهو يرى نفسه مخلوقاً لخالق كان سبب وجوده، موجوداً لغايةٍ، إذ هذا الخالق العظيم منزّهٌ عن أن يبدع هذا الخلق ويدعه عبثاً، وأنّه راجعٌ إلى هذا الخالق مرةً أخرى، إنّ هذه الآية عتبة تفسير الوجود، الله واليوم الآخر، الله خلقنا، خلقًا لا يكون عبثاً، وسنرجع إليه، هذه العتبة يرقى بها الناظر درجةً في معراج معنى الحياة!

أنا لم أوجد عبثا، لكن هل السعي لتحقيق الغاية من وجودي أمر حتمي؟ يخبرنا القرآن هنا أن الإنسان قادر على تحديد وجهته حيث يشاء، فسائر في الدرب الذي خلق له، وآخر مطمئن للذة الحياة التي خلق فيها! “إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون. أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون“. [يونس:7] “الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة ويصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا أولئك في ضلال بعيد” [إبراهيم:3]. فالإنسان قادر على إرضاء شهواته في هذه الدنيا، قادر على أن يجعل وجوده سعياً لتحقيق اللذة الظاهرة، وسيراً عابثا لا يحقق شيئا، وهذا مما يُبقي الشقاء خياراً مطروحاً دائما في مسيرة السعي البشري!

هروب مِن دَرب الله، واطمئنانٌ للدنيا، والدنيا كلمة تنبِّئُ عن دونيّة هذه الحياة الراهنة، مقارنةً بالحياةِ الأعظَم؛ الحياة التي ادّخرها الله لأولئك الذين يجعلون لحياتهم غرضاً ومعنى يتجاوزُ حدود المتعةِ الآنيّة، إنها الفئة التي وصفها الله بقوله: “الّذين يؤمنون بالغيبِ ويُقيمون الصَّلاة وممّا رزقناهم ينفقون. والذين يؤمنون بما أنزل إليكَ وما أُنزل مِن قَبلك وبالآخرةِ هُم يوقنون” [البقرة: 3-4]. “والّذين يَذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكَّرون في خَلق السَّماواتِ والأرضِ ربَّنا ما خَلقتَ هذا باطلاً سُبحانك، فقِنا عذاب النار“. [آل عمران: 191].

ومن بين كُلِّ المَخارج التي يَهربُ النَّاس من خِلالها لينالوا شَيئاً مِن معنى الحياة، نَجدُ الإسلامَ يؤسِّسُ للإنسانِ حياة ذات معنى، حياةٌ يعسى فيها الإنسان قدر طاقته ليحقِّقَ كماله الوجودي!

حتى في لَهوه، يُرشد النَّبِي صلّى الله عليه وسلم، المسلمَ لنوعٍ من الأنشطةِ التي لا تَخلو مِن معنى حقيقي، يستوعبُ حاجةَ الإنسان للترويح دون أن يخرجه من خطة المعنى المرسومة له، فيقول: “ارموا واركبوا، وأن ترموا أحبُّ إليَّ مِن أن تركبوا وكُلُّ ما يَلهو به المرءُ المُسلم باطلٌ، إلّا رَميَهُ بِقوسه، وتَأديبَهُ فَرَسَه، ومُلاعَبَتَهُ امرَأَتَهُ، فإنَّهُنَّ مِن الحَقِّ.”[6].

يَجِدُ الإنسانُ في الإسلامِ نَفسهُ في سَعيٍ لإحقاقِ الحَقِّ والسَّيرِ في رِكابِ الحَقِّ، مُنسَجِماً مَعَ كَونٍ خُلقَ بالحَقِّ، “خلقَ اللهُ السَّماواتِ والأرضَ بالحَقِّ إنَّ في ذلك لآيَةً للمُؤمِنين” [العنكبوت: 44].

خَلُصَ روي بوميستر في تقييمه للفَرقِ بَين المُتعة والمَعنى، إلى أربعة خصائص تمسُّ أيَّ حياة ذات معنى، وهي باختصار: أنَّ لها غايةً تَقودُ تَصرُّفات الإنسان، وأنَّها تَشتمِلُ على قِيَم تُمكِّنُ مِن الحُكم بالحُسْن والقبح، وأنَّها فاعِلة؛ فَتَصرُّفاتنا فيها تُساهِمُ في تَحقيقِ أَهدافِنا، وأنَّها تتوفَّر على أساس يمكِّنُنا مِن الَّنظَرِ إلى أنفُسِنا بإيجابية ولكَ أنْ تَكتشِفَ بسهولةٍ كَيفَ أسَّسَ القرآن لكلِّ هذه السِّمات.

فتحقيقُ عُبوديَّة الله والفوزُ بِمرضاته في اليوم الآخِر، غايَةٌ جَبّارةٌ، تَسمو بالنَّفسِ الإنسانيَّةِ؛ لتحقيق وجهةٍ شموليَّةٍ مُتَماسكة، تُقاوِمُ الضَّياع.

قل إنَّ صَلاتي ونُسُكي ومَحيايَ ومَماتي لله ربِّ العالمين” [الأنعام:162] غايةٌ سامِقة، وتَعَلُّقٌ بالأوَّلِ والآخِر سُبحانه، الأوَّل فَمنهُ المَبدأ، والآخِر فإليه منتهى الإرادة.

والنِّظامُ القَيميُّ في الإسلامِ بيِّن، فالقرآن “فرقان” يُميِّزُ الحَقَّ مِن الباطلِ والصوابَ مِن الخطأ.[7]

والفاعليَّة، تَكادُ تَفيضُ مِن نصوص الوحي، وأجلى صورها اقترانُ العملِ بالإيمان دوماً في القرآن الكريم، والحثُّ على التواصي بالحَقِّ والتواصي بالصَّبرِ، والتَّناظُر المطرد في التَّشريع بين النَّفعِ الذَّاتيّ والمُتعدي مَيدانَ التَّأصيل للأَعمالِ الخيِّرة التي يَحُضُّ إليها الإسلام.

والعصر. إنَّ الإنسانَ لفي خُسر. إلا الَّذين آمنوا وعَملوا الصّالحات وتواصوا بالحَقِّ وتَواصَوا بالصَّبر”.[العصر:1-3]

أمّا عن الشُّعور بالتَّقدير والاحترام، فالكَرامَة مِنحةٌ إلهيَّة للإنسان “ولقد كرَّمنا بَني آدم”، ومنحه هذه الأرضَ بما فيها وفضَّله عمّا فيها “وحملناهم في البَرِّ والبَحر ورزقناهم من الطّيِّبات وفضّلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا” [الإسراء:70]. وأرشَدَهُ لسبيلِ الازديادِ مِن الكَرامة “إنَّ أكرَمَكُم عِند الله أتقاكُم” [الحجرات: 13].

سَيبقى الدِّينُ خَياراً صامداً أمامَ الإنسانِ ليفهَمَ معنى وجوده، وليكرّس أنشِطَةَ حياته فيما يَعودُ على نَفسه بالرِّضى، والسَّعي نَحْوَ الكَمال، لكن هل المعنى الَّذي يُقدِّمه دينُ الإسلام هو نَفسُ المعنى الذي تُقدِّمه الأديان الأخرى؟

تُبرزُ هُنا المَسيحيِّة والبوذيِّة نَموذجانِ يُصحُّ أن يُعتبرا مِثالاً عَن غيرِهما مِن الأديان في مُحاولةِ تَقديمِ رُؤيةٍ تُؤسِّسُ للإنسانِ مَعنى وُجوده، ولكنَّها رؤيتانِ ممتلئتانِ بقَدْرٍ كبيرٍ مِن التشاؤميَّة، تَحمِلُ مَعنى متشظِّياً للحياة، الإنسانُ فيها مَحلٌّ للخطيئة ووارِثُ للذَّنب، هو بحاجةٍ مضنيةٍ لتطهير نفسه، بالزُّهد الصارِم، والقَسوة في نُكرانِ الذَّات، أدّى بالكَثير مِن معتَنِقيها إلى الفِرار في الاتجاه المُعاكِسِ للبحثِ عن معنى.

في حين إنَّ القُرآن يُقرِّرُ صراحةً وباستفهامٍ إنكاريّ: “قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ”؟ [الأعراف:32]

تخلق منظومة الإسلام للإنسان حصناً منيعاً يَحمي حياته من التِيه، دون أن تُحبَسَ طاقته من أن تَخُطَّ طَريقَها. وبِمثلِ هذا، يُعبِّر مُحمد أسد عن “النموذج المحتذى في الإسلام” بأنَّه الشَّخصُ “الذي تَحظى غَريزَتَهُ الفكريَّة والروحيَّة جَنباً إلى جَنب مع القُدُرات والإمكاناتِ الدنيويَّة بأقصى تَعبيرٍ لها، لا في أفكار ومَشاعر الوَرَع فَحسب، وإنَّما في الأعمالِ المُجتَمعيَّة الظاهرة أيضاً”.

خُلاصَةُ الأُسُسِ التي تَقومُ عَليها رُؤيَة الإسلام لحياةٍ ذات معنى: التوحيد، مبدأ ومُنتهى. والمَسؤوليِّة الأَخلاقيَّة المُلقاة على عاتِق الإِنسان، والتي تَنطَوي على إِرادة حُرَّة بِطبيعةِ الحال!

“هَدَفُ الإسلام”، كما أَوجَزَ تشيتيك، هو: “إعادة الناس إلى الله الذي جاؤوا منه في أوَّل الأَمر، والذي سَيرجِع الجميع إليه على كلِّ حال، وبالتّالي فإنَّ المسألة الأهم؛ ليست العودة في حد ذاتها، إنما هي كيفيّة بلوغِ المَرءِ ذلك. فمِن خِلال القرآن والسنَّة، يَهدي الله الناسَ إليه بِطريقةٍ تَضمن سَعادتهم الباقية. فإن كانوا يُريدونَ اتباع “صراطٍ مستقيم”، صراطٍ يقودهم إلى التَّوازُنِ والسّعادة، لا الاضطراب والشقاء، فإنَّهم بِحاجة إلى إعمال عُقولهم، ووعيهم، وتفكيرهم بِطُرُقٍ تَنسَجِمُ مع مُرادِ الإله نَفسه، الحَقُّ الحقيقي. فإنْ هُم شَغلوا أنفسَهم بالأوهامِ والأباطيل، فإنَّهم سَيسلكونَ مَسارًا أَعوجًا، يَنتهي بِهم على الأرجح إلى حيث لا يوَدّونَ أن يذهبوا”.

هُنا يَلتَحِمُ التّوحيدُ بالمسؤوليّة الأخَلاقيّة لِيُنتِجا مَنهَجاً عِلميّاً وعَمَليّاً يَصوغُ معنى الحياة!

     فالله في نَظر المُسلم هو “بارئ الكَونِ، المُهيمِنُ على كلِّ مَخلوقاته وفوقَهُم، فَوقَ كلِّ تَصوُّراتِهم، الجليل العزيز العظيم الرحمن، ولكنَّه قَبل كل شيء؛ الواحد، فكلُّ ذَنب آخر قَد يُغفَر إلا ذَنب الشِّرك، وهو الإخفاقُ في الاعتراف بأن الحقيقة والقوة، النهائية في الكون واحدة “أو على الأصح الاعتقاد بأنَّ شيئاً أو شخصا ما مستحقٌّ للعبادة أو لصفة لا تَليقُ إلا بالله وحده، وهذا رأسُ الخَطايا جميعا. ويَشمَلُ هذا اعتقاد تعدديَّة الحَقائِق الكُبرى، إذ ليسَ هُناك إلا حَقيقةٌ نهائيَّة واحدة، الله حقيقة كلِّ الحقائق.

ذلك بأنَّ الله هو الحَقُّ وأنَّه يُحيي الموتى وأنَّه على كلِّ شيءٍ قَدير” [الحج:6]. حقاً، إن كانَ النّاسُ مُفتقرونَ إلى مَعنى يَضَعُ حدّاً لِبحثِهم اليائِس عن السكينة والطمأنينة، فيَجِبُ أن يَكونَ مَعنى قادراً على تَوحيد ذواتهم المفرَّقة ولملمةِ أجزائِهم المُبعثرة: “وللهِ غَيْبُ السماواتِ والأرضِ وإليه يُرجَعُ الأمرُ كُلُّهُ فاعبُدهُ وَتَوكَّل عليهِ وما رَبُّكَ بِغافلٍ عَمّا تَعمَلون” [هود: 123].

وما دام الربُّ واحدٌ، والحقيقةُ واحدةٌ، كان معيارُ الخيرِ والشَّرِ انطلاقاً من الله وَحده، الرَّبُ “الحيُّ القيّوم” [البقرة: 255] العظيم الذي “له الأَسْماءُ الحُسنى” [الحشر:24] “يَأمُرُ بالعَدلِ والإِحسانِ وإيتاء ذِي القُربى ويَنهى عَن الفَحشاءِ والمُنكَرِ والبَغي، يَعِظُكم لَعَلَّكُم تَذكُرون” [النحل:90] وقد جُعِلَ الخَيرُ والشرُّ لامتحانِ إرادةِ الإنسانِ، “ونَبلُوكم بالشرِّ والخَيرِ فِتنةً وإلينَا تُرجَعون” [الأنبياء: 35].

“فلولا الله لا شيءَ يُمكِنُ أَن يَكونَ خَيراً أو شَراً، ولا شيءَ يُمكنُ أن يَكون صَحيحاً أو خَاطَئاً”.

إنَّ الاعتقادَ بأنَّ الله واحدٌ، وأنَّه وحدهُ الإله الحَقّ، له آثارٌ حَيَويّة عَميقة على الصِّفة الوَحدويّة للأخلاق، الأخلاقُ والحقيقة يتَفكَّكانِ ويَتَناثَرانِ لو انتزع مُعتقِدُ التَّوحيد مِن الحَبكة الأساسيّة لِقصَّة البَشريّة، “ذلك بأنَّ الله هو الحَق وأنَّ ما يَدعونَ مِن دُونِهِ الباطل” [الحج: 62].

ومِن هُنا يَجِدُ الإنسانُ نَفسَهُ صادِراً مِن الحَقيقَةِ الواحِدَة، مِن الرَّبِ الَّذي لَهُ “الخَلقُ والأَمر” [الأعراف:54] مُلقاةً على عَاتِقِه، أمانة استَعْصَت على السَّماواتِ والأَرضِ”وحَمَلها الإنسانُ إنَّه كَان ظَلوماً جَهولاً” [الأحزاب:72]، أمانةَ التكليفِ، الَّذي يَتَضَمَّنُ حُريَّة الإِرادة، وقانونَ الخيرِ والشرِّ!

“فمن بيْن جَميعِ المَخلوقاتِ المَعروفةِ حَتى الآن، البَشر فَقط هُم مَن يُمكِنُهم تَلبيةُ مُتطلَّباتِ المسؤوليَّةِ الأخلاقيَّة، وفي جَوفِ كُلِّ هذه المُتطلَّباتِ تَكمُن الحريَة، أو بعبارةٍ أدقُّ، الإرادة الحرَّة الكافية”.

يجدُ الإنسانُ نَفسَهُ في القرآن، جزءاً من المخلوقاتٍ الحيَّة، “وما مِن دابةٍ في الأَرضِ أو طائِرٍ يَطيرُ بِجناحَيهِ إلا أُمَمٌ أَمثالُكم” [الأنعام: 38]، وفي المُقابِل، يَجِدُ نَفسَهُ مُتَجاوزاً غَيره من الكائنات، “ولَقَد كَرَّمنا بَني آدمَ وَحَملناهُم في البَرِّ والبَحرِ وَرَزقناهُم مِن الطَّيِّبات وفَضّلناهُم على كَثيرٍ ممن خَلقنا تَفضيلاً” [الإسراء:70] ثُم يَعودُ القرآنُ ليخفَّفَ شُعورَ الإنسانِ بالكِبْر الزائِدِ مِن خِلالِ تَذكيرِه بِمواطِنِ ضَعفِه “وخُلِقَ الإنسانُ ضَعيفاً” [النساء:28] وأَنَّ وجودَهُ لا يُمثِّلُ النِّهاية الحَتميّة للوجود بالضرورَةِ، فَنحن لَسنا أَكثَر مِن شَكلٍ مُحْتَملٍ من أشكالِ الحياةِ “يا أيُّها النَّاسُ أنتُم الفُقراءُ إلى اللهِ واللهُ هُو الغَنِيُّ الحَميد. إنْ يَشأ يُذهِبْكُم وَيَأتِ بِخَلقِ جَديد” [فاطر:15-16].

وحدانية الله وعَظَمَتُهُ، والأمانةُ والتَّكليف، والإنسانُ ذا الإرادَةِ الحُرَّة، الإنسانُ المُكَرَّمُ والضَّعيف، والحُرُّ والمُبتَلى بالخَير والشَّر، هكذا يَصِفُ القُرآن هذه المَلحَمة الوُجوديّة، وهكذا يَجِدُ الإنسانُ نَفسَهُ في خِضَمِّ حِياةٍ تَستَحقُّ المُعاناة!

إنَّ الجَميعَ متشابِكون، الأخلاق ونحن والكون. هذا هو السبب في أنَّنا نَجد في القُرآن علاقةٌ تأسيسيَّة بَينَ هَيئة الكَونِ ومَعنى وجودنا فيه “وما خَلقنَا السَّماءَ والأرضَ وما بينهما باطلاً، ذلك ظَنُّ الذين كفروا!” [ص:27] “أفَحَسبتُم أنّما خَلقناكُم عَبثاً وأنَّكم إلينا لا تُرجعون. فتعالى اللهُ الملكُ الحَقُّ لا إله إلا هو رب العرش الكريم” [المؤمنون:115-116].

ومِن ثُمَّ فَلا يُواجه الإنسانُ صعوبةً هُنا لِفَهْمِ ثُنائيَّة الخَيرِ والشَّر، وللإيمانِ المُلحِّ بِضرورةِ الأخلاقِ وشموليَّتها، ومن خلال هذا التسلسل المَنطِقيّ ابتداءً من الإيمان بالتوحيد يُصبِحُ الإنسانُ مُستعداً لِتَحمُّلِ مَسؤوليَّة الثَّوابِ والعِقابِ، “أفَمَن كَان مُؤمناً كَمَن كان فاسقا لا يستوون” [السجدة:18] “أم حَسِبَ الَّذينَ اجتَرَحوا السَّيِّئاتِ أن نَجْعَلَهُم كالذينَ آمنوا وعَمِلوا الصَّالحاتِ سواءً مَحياهُم ومماتُهُم؟ سَاءَ ما يَحكُمون.” [الجاثية:21].

ثوابٌ وعقابٌ يَفرِضُهما قانونُ العَدالةِ الَّذي أَمَرَ اللهُ سُبحانهُ بِه “وأُمِرتُ لِأَعْدِلَ بَينَكُم” [الشورى:15].

ثمَّ تأتي النِّهاية بَعد عُبورِ جِسرِ الموت؛ ليجني كلُّ إنسانٍ ما حصد: “كل نَفسٍ ذائِقةُ المَوت وإنَّما تُوَفَّونَ أُجورَكُم يَومَ القِيامَة فَمَن زُحْزِحَ عَن النَّارِ وَأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَد فاز وما الحَياةُ الدُّنيا إلا مَتاعُ الغُرور.” [آل عمران:185].

كانت هذه جولة قصيرة اجْتَهَدْتُ فيها لإبرازِ مُحاولة (المَخرَجِ الوَحيد) لاستنطاقِ القُرآنِ الكَريم في حَلِّ مُشكِلة “معنى الحياة”.

والحمد لله.

اقرأ ايضاً: الطريق إلى “المخرج الوحيد”


[1] آمال جديدة في عالم متغير، برتراند راسل، بواسطة: المخرج الوحيد (ص22).

[2] شرودنجر، بواسطة: المخرج الوحيد (ص24).

[3] د. عبد الله الشهري، المخرج الوحيد (ص101)

[4] كنت عازمًا على أن أدرس استنطاق القرآن في كل الكتاب، فهي سمة أراها من أجل سماته، ولكن جمعت المادة فرأيتها كبيرة جدًا، ورأيت من المناسب الاقتصار على موضوع (معنى الحياة).

[5] من هنا نسير مع ما جاء في المخرج الوحيد (ص344- 386) وهو أقرب لإعادة الترتيب والصياغة مع التصرف وإبراز بعض الجوانب، فالمادة الأساسية منه. ولن أثقل الهوامش بالإحالات التفصيلية.

[6] سنن ابن ماجة (2811) وصححه الأرناؤوط.

[7] وسيأتي في المقالة تفصيل أكبر لهذه القضية.

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى