عام

الصورة المشهدية: “لو أنّك شاهدت”

بسم الله الرحمن الرحيم

الصورة المشهدية نوع من أنواع الصورة الفنية، وتأتي في الشعر ذات أبعاد سردية داخل البناء الشعريّ، لها العناصر نفسها: الزمان، والمكان، والشخصيات، والانفعال، والحركة، وحبكة تصاعد الحدث. والصورة المشهدية أنواع، منها: المشهدية الحوارية، التي يُبنى فيها المشهد على حوار سردي، ومنها: المشهدية الوصفية، التي يُرسم فيها المشهد متحرّكًا، ذاتيّ المشاهدة، صامتًا عن محاور آخر..

وبعض النقاد يرى أن الصورة المشهدية حديثة، ومرتبطة بالفنون البصرية كالسينما والمسرح، وأحيانًا الفن التشكيلي، وهذا الافتراض محدود وقاصر -في رأيي-؛ إذ الشعر القديم مكتنز بالصور المشهديّة، وعرف الشاعر العربي رسم المشاهد بدقة متناهية، تلتقط الصوت واللون والحركة وخفايا الصورة الكاملة، آلته حدّة انتباه فطريّة، ورهافة حواسّ طبعيّة..

صحيح أن مقتضيات (عمود الشعر) عند بعض القدماء تفضل اكتمال المعنى في بيت واحد، وصحيح أن سجالًا نقديًا طويلًا قام حول مثل (التضمين) وامتداد المعنى في أبيات عِدّة، ولكن هذا النقد كله لم يؤثّر في الشاعر العربي المطبوع، الذي يقول الشعر بدوافع عاطفته الفيّاضة.

 

يزيد بن الطَثَـْرية من أولئك المطبوعين، شاعر أموي من بني قُشير، يوصف بالفصاحة والشجاعة والسخاء، منسوب إلى أمّه، قيل كانت مولعة بإخراج طثرة اللبن (زبدته)، فسُمّيت الطثرية (بسكون الثاء أو فتحها)، وديوانه صغير الحجم، كبير الحضور في أمهات كتب الآداب والمختارات.

وهنا وقفة أمام نماذج من الصورة المشهدية في شعر يزيد بن الطثرية، التي برع في حكايتها أيّما براعة، فمن الصورة المشهدية الحوارية -وهي وافرة عنده- هذا المشهد الحواريّ بينه وبين الناقة، على أنها ما تكلّمت، حنّت فقط:

وحنّتْ قلوصي.. بعد هُدْءِ صبابةٍ
فيا روعةَ ما راعَ قلبي.. حنينُها!

فقلتُ لها: صبرًا فكلُّ قرينةٍ
مفارقةٌ -لا بدَّ يومًا- قرينُها

زمن المشهد: بعد هدوء المحبة، والانفعال: عاصف الروع الرائع!، وذروة الحركة: في فاء التعقيب(فقلت لها)، وأصوات المشهد: تلك الغصة المختنقة في جرس القاف الحلْقية المتكررة.

 

وفي صورة مشهديّة وصفية، هي مثال لمشاعر العربيّ القديم، ومعادِلات الحياة عنده: الماء والمرأة، في قافية حائية مضمومة تضفي حرارة انفعال على مشهد طويل محكَم الإخراج:

تذكّرتُ ليلى أنْ تغنّت حمامةٌ
وأنّى بليلى!.. والفؤادُ قريحُ

يمانيةٌ أمست بنجران دارها
وأنت عراقيٌّ.. هواك نَزوحُ

سيبدأ المشهد بأضواء على المكان، على الجغرافيا العنيدة، التي تهوى مخالفة الشعراء، ففي اتجاه معاكس ليزيد يعاني عروة من الجغرافيا نفسها:

يقول ليَ الأصحاب -إذ يعذلونني-:
أشوقٌ عراقيٌّ.. وأنت يمانِ

وهي نفسها الجغرافيا في اتجاه عرضي التي خافت منها بثينة، فيقول جميل على لسانها:

وأنتَ امرؤٌ من أهلِ نجدٍ وأهلُنا
تَهامٍ.. فما النجديُّ والمتغوّرُ!

وما دامت البقاع متنائية فلا أمنية أفضل من الطيران، شخصيات المشهد سرب القطا، في الرَّبع الخالي، وإن كثر آهلوه، وزمانه: اشتداد السراب في لفحة الهجير، يقول:

ومن دون ليلى سبسبٌ متماحلٌ
يجيبُ صداهُ البومَ حين يصيحُ

يظلُّ بها سِرب القطا متحيِّرًا
إذا ماج بحرُ الآل وهو يلوحُ

تبادرُ جَونًا تنسجُ الريحُ متنَهُ
لها حبَبٌ في جانبيهِ يسيحُ

عليه دِفاقٌ في الغديّاتِ واردٌ
وآخرٌ.. في بردِ العشيّ يروحُ

 ما قرأت في وصف بداية المطر أجمل من هذا الوصف ولا أدقّ!

الانتقال من موج السراب الأرضي إلى التفاتة سماوية انتقال انفعال وقلب وأمنيات، لا انتقال البصر وحسب، أيُّ “ضرب من النسيج” وأيُّ صناعة في قوله: “تنسج الريح متنه”! حركة الهواء في تسيير السحاب ودفعه التي تكون أقدر من الأعلى وعلى الأطراف “على جانبيه” فيتهيأ المطر، يستهلّ، “حببٌ يسيح”، بطواعية ورضا، ولا “يسحّ من دموعه الثقال” كما في صورة السياب القاتمة..

ما يلبث الحبب أن يتدفّق صباحًا، وعشيًّا، يستحسن يزيد المطر في هذا الزمن تحديدًا، والمطر معادِل الحياة عند العربي، وهو دليل العيش والرخاء والاستقرار، ودعاء السقيا ذروة الدعاء للذكريات والأحبة، يقول جرير:

سقى الرملَ جَونٌ مستهلٌّ ربابُه
وما ذاك إلا حبُّ من حلَّ بالرملِ

ولهذا فصورة يزيد المشهدية مبتلّة، ربّما من المطر ومن “تذكرتُ ليلى”، ثم يكمل بناء المشهد بانفعال بديع عن أمومة سرب القطا في المطر، تلك الطيور التي ابتلّ ريشها، “غدى أثقل”:

فعبّتْ..وعبّ السرب.. حتى إذا ارتوت
ذكرن فِراخًا دونهنّ طروحُ

ملأنّ أداويّ لم يشنِهنَّ خارزٌ
بسيرٍ.. ولا يُلفى بهنّ جروحُ

فَطِرْنَ..يبادرن الضياء.. تقدّمَت
عليهنّ مغلاة النجاء جموحُ

إلى ابن ثلاثٍ بالفلاة كأنما
بجنبيه من لفح السمومِ جروحُ

فظلّتْ تُسقِّيهِ نِطافَ إداوةٍ
له غبقةٌ من فضلها.. وصبوحُ

القطا تبادر الغيم لحظة ظمأ، وتبادر الضياء لحظة رواء، لتروي صغارها. هل شاهدت يومًا كيف تسقي طيور القطا صغارها؟ يمكنك البحث عن هذا ومشاهدة الأفلام الوثائقية التي تصور ذلك، أما أنا فما وجدتُ المشهد الحيّ زائدًا على المشهد اللغوي الذي كتبه يزيد..

طيور القطا إذا وجدت الماء ولديها صغير لا يستطيع الطيران، تظل تغمس أجنحتها في الماء، وتطير إليه فيمتصّ من أطراف الريش، هذه هي الأداويّ التي يقول، والأداويّ جراب صغيرة يُحفظ فيها الماء، ريش القطا جراب لم يجرحها ترحُّل ولا ثقبها خرّاز، تسقيه نطافها، فيرتوي، صباحَ مساء، “مع كل قطرةٍ من المطر”..

حسنًا، ما علاقة هذه الصورة الأمومية بك وبليلى يا يزيد؟ ألأنّها في استقرار يمانيّ وأنت عراقيٌّ هواك دائم التنقل والنزوح، يتبع الغيم؟ لا أعرف، لأنّ الصورة المشهدية وقفت هنا، فربما كان عنوان المشهد عنده “قد يهون العمر إلّا (رشفةً)”..

وصورة مشهدية أخرى، لا أستطيع تجاوزها والسياق عن الصور المشهدية في ديوانه، صورة مفعمة بالحركة، مشحونة بالانفعالات، القصيدة الصورة على بحر الطويل، بقافية فخمة في الشعر العربي، يلجأ إليها بعض المعاصرين لبناء قصيدة تقليدية فاخرة، مثل لاميّة تميم البرغوتي:

قفي ساعةً.. يفديك قولي وقائلُهْ
ولا تخذلي من بات والدهرُ خاذلُهْ

 

ينقل يزيد المشهد ويعلّق عليه، لعل (ابن بوزل) يشاهد ما شاهد، ويشعر بما شعر، ولكن رُبّ “مشاهِدٍ للأمر غيرَ مشاهِدِ” كما يقول ابن الورّاق، فللشهود معانٍ عريضة وقصص أخرى، مشاهدة وغير مشاهدة، وإن ارتفع عدد مشاهداتها، والمهم أن القصيدة تقول:

لو انّك شاهدتَ الصِّبا يا ابن بوزلٍ
بجزع الغضا إذ راجعتني غياطلُه

بأسفلِ خَلِّ الملحِ.. إذ دَينُ الهوى
مؤدَّىً!..وإذ خيرُ الوصال أوائلُه

شاهدتَ يومًا بعد شحطٍ من النوى
وبعد تنائي الدار..حلوًا شمائلُه

ويومًا كإبهام القطاة مُزيَّنًا
لعيني ضحاه.. غالبًا لي باطلُه

 

تبدأ الصورة المشهدية بلقطات مبهجة وسعيدة للمكان، “خلّ الملح” وهو اسم موضع، بجزع الغضا، راجعه فيه صِباه، الكثير من تهويماته الكثيفة، غريبة كلمة “مراجعة” في هذا المقام!

المشهد سعيد، لا أوفى للمعنى الهانئ من أنّ “الدَّين مؤدّى”، وبواكير الوصل وافية، إذا قيل: أيام حلوة.. وعادة الزمن الحلو سريع الانقضاء، كإبهام القطاة، وهو كذلك دائمًا في صور المشهدية، زمن سريع خاطف عند السعادة، بطيء الحركة في غيرها، ينتقل من الزمن الجميل إلى الشخصية الرئيسة، إلى بطل المشهد:

بنفسي.. مَن لو مرّ بَرْدُ بنانِه
على كبدي كانت شفاءً أناملُه

ومن هابني في كلّ أمر وهِبتُه
فلا هو يعطيني ولا أنا سائلُه

ألا حبّذا عيناك يا أمّ شنبلٍ
إذ الكحلُ في جفنيهما جال جائلُه

فداكِ من الخُلّان كل ممزّجٍ
تكونُ لأدنى من يلاقي وسائلُه

 

يمنحها بطولة مُطْلقة، بهيبة محبوبة لها أنامل مسيح، يلتفت في الخطاب إليها بكنية متودّدة، لقطة هادئة حالمة تهيئةً للشحن الانفعالي القادم في مشهد الوداع، أول التفاتة إليها إلى الكحل، السائل، الذي لم يثبت أم فيض دمع يجول، من جال العين إلى جالها، وهذا الكحل لا تفضله المرأة -عادةً- لقلّة جودته، خاصة المرأة قريبة الدمع، لكن يفضله عدد من الشعراء، فيُنسب للوأواء الدمشقي:

أجرَتْ من الكحل السحيق بخدّها
سطرًا تؤثّرُه الدموعُ السُّبَّقُ

فكأنّ مجرى الدمع حلية فضةٍ
في بعضه ذهبٌ.. وبعض مُحرّقُ

وأجود من هذا عندي قول جميل بثينة:

فيا حُسنها إذ يغسل الدمعُ كحلها
وإذ هي تُذري الدمعَ منها الأناملُ

ويزيد بن الطثرية نفسه في بيتين آخرين يستوقفه هذا الكحل السائل، يقول في صورة أخرى سريعة:

تراءت وأستارٌ من البيت دونها
إلينا وحانت غفلةُ المتفقدِ

بعيني مهاةٍ تحدر الدمع منهما
بريمين شتّى..من دموعٍ وأثمدِ

 

وعلى أيّ حال “ليس التكحُّل في العينين كالكحَلِ” على رأي أبي الطيب، لم يكن الكحل إلا من ألوان تلك الصورة المشهدية، يفدّيها، بنفسه، وبالخلّان المزيّفين، ذوي الهوى سريع التوصيل “لأدنى من يلاقي”، متى سنحت الوسائل، ليصعد المشهد إلى ذروة حركته، وانفعاله المشحون عند الرواح، حيث النكبات والبكاء بعد الزينات، وحديث الوداع عند الغروب، يقول:

فرُحْنا.. تلقّانا به أمُّ شنبلٍ
ضُحيًّا.. وأبكتنا عشيًّا أصائلُه

وكنتُ كأنّي حين كان كلامُها
وداعًا..وخلّى موثقَ العهدِ حاملُه

رهينٌ بنفسٍ لم تُفكُّ كبولُه
عن الساق.. حتى جرّد السيفَ قاتلُه

فقال: دعونيَ سجدتين.. وأرعدَتْ
حذارَ الردى.. أحشاؤه ومفاصلُه

انتهى كلامُه..

هكذا انتهت القصيدة..

 على مشهد يحبس الأنفاس، على تفاوت هذا العمر الزمني، في الضحى كان الضحى قصيرًا مزيّنًا بهيجًا، وهو في الأصيل الطويل الثقيل الخانق، حين فهم من كلامها التخلّي، “خلّى موثق العهد حامله”.. لو أنّك شاهدتني كأني رهين، لكنك ما شاهدت إلا ظاهرًا، فنقل ما يمور في الداخل ويثور، حركة السرد تدور حول “كأنّي رهينٌ”، بحركة مشهديّة بطيئة جدًّا، على صورة الأغلال التي يرسف فيها، تُفكّ عن ساقيه، بخفق الخوف، لأنه إطلاق تحت المقصلة، يدرك جيدًا ما هو مُقبل عليه بعد هذا التخلّي من القيد، هنا أو هناك، وينقل الانفعال في الصورة إلى أعلى قليلًا، إلى ملامحه، وصوت الثورة في الداخل: “دعُوني سجدتين”، بظاهر الثبات والتقبّل والصبر والطمأنينة، وخفيّ الهزيم “وأرعدَت” مكنوناته التي لا يشاهدونها لكنه ينقلها لمن يحب، حيث بدأ الحكاية “لو انك شاهدت”..

 

ميزة الصورة المشهدية عند يزيد بن الطثرية أنها ليست جزءًا يتخلّص منه إلى غرض آخر، مثل كثير من الشعراء، بل هي الغرض كلّه، بعناصرها المحكمة المتكاملة، بزمانها ومكانها وشخوصها وألوانها وحركتها وانفعالاتها، المشهد القصيدة.

ثم يقول قائل إن الصورة المشهدية وليدة الفن البصري المعاصر، ألا لا، بل وليدة الشعريّة الفذّة المبصرة، لكنّك ما شاهدت..

اقرأ ايضًا: ميزان النظر

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى