عام

الهوية في عالم مُعَوْلَم

  • زيجمونت باومان
  • ترجمة: سمية منيف العتيبي
  • تحرير: لحرش عبد السلام

تمهيد

تقترح هذه الورقة أنه بدلاً من الحديث عن الهويات -الموروثة أو المكتسبة- سيكون الحديث عن الهوية أكثر انسجامًا مع حقائق العالم المُعَولم، من حيث إنها مشروع لا ينتهي، ودائمًا غير مُكْتَمِل، ونهايته مفتوحة نتشارك فيها جميعًا، بحكم الضرورة أو بالاختيار. إن البحث المحموم عن الهوية ليس من مخلفات أزمنة ما قبل العولمة التي لم تُستأصل بعدُ بالكامل، ولكنها ستنقرض مع تقدم العولمة؛ بل إنه -على العكس من ذلك-هو الأثر الجانبي، والنتيجة الثانوية لمزيج من ضغوط العولمة، والفردنة والتوترات التي تفرزها. إن حروب تحديد الهوية لا تتعارض ولا تقف في طريق اتجاه العولمة، فهي نسل شرعي ورفيق طبيعي للعولمة.

لاحظ ستيورات هال في مقدمة كتاب جمع عدداً من الدراسات التي نُشرت في عام 1996، أنه في السنوات الأخيرة، ثمة سيل من الخطاب المُوَسع والجدل العريض حول مفهوم “الهوية”[1]. لقد مرت سنوات قليلة منذ أن أدلى هال بتلك الملاحظة، وأثار هذا السيل خلالها انهيارا ثلجيا، حيث يبدو في هذه الأيام أن أي جانب آخر من جوانب الحياة المعاصرة، يجذب الاهتمام الفلاسفة، وعلماء الاجتماع وعلماء النفس مثل الهوية، ولا يقتصر الأمر على أن “دراسات الهوية” تتحول بسرعة إلى صناعة مُزدهرة في حد ذاتها، بل ثمة ما هو أكثر من ذلك.

حيث يمكن للمرء أن يقول إن “الهوية” أصبحت الآن موشورًا يتم من خلاله رصد الجوانب الموضوعية الأخرى للحياة المعاصرة، وفهمها، وفحصها، كما تمثل رافدا لإعادة صياغة وتجديد القضايا الثابتة للتحليل الاجتماعي، لتلائم الخطاب الذي يدور الآن حول محور “الهوية”. على سبيل المثال، صارت المناقشة حول العدالة والمساواة تميل أكثر إلى منظور “الاعتراف”، وأضحت الثقافة تناقش في ضوء الفروق الفردية أو الجماعية أو الفئوية، والتضخم والتهجين، وغالبا ما توضع نظرية للعملية السياسية حول قضايا حقوق الإنسان (أي الحق في هوية منفصلة) و “سياسة الحياة” (أي بناء الهوية والتفاوض والتأكيد). أرى أن الصعود المذهل لـ “خطاب الهوية” يمكن أن يخبرنا عن الحالة المعاصرة للمجتمع البشري أكثر مما تخبرنا به نتائجه المفاهيمية والتحليلية حتى الآن. وهكذا، فبدلاً من تأليف “تقرير مهني” آخر حول المنافسات والخلافات التي تظهر في هذا الخطاب، أنوي التركيز على تتبع الأسس التجريبية، ومن خلالها تتبع الجذور الهيكلية لذلك التحول الملحوظ في الاهتمامات الفكرية التي تركز عليها مركزية جديدة، ليظهر فيها “خطاب الهوية” أكثر الأعراض بروزًا. نعلم من هيجل أن طائر مينيرفا -رمز آلهة الحكمة- يبسط جناحيه عند الغسق. فالمعرفة -أو أي شيء يمر تحت هذا الاسم-يصل إلى نهاية اليوم عندما تغرب الشمس، أي عندما يكون من العسير التعامل مع الأشياء بسهولة كما في النهار. (قبل وقت طويل من صياغة هيجل لهذا التشبيه، جعل سوفوكليس وضوح البصيرة هبة ممنوحة فقط لتيريسياس العمياء). أعطى مارتن هايدجر تطورًا جديدًا لقول هيجل المأثور في مناقشته للأولوية في الوجود الذهني Zuhandenheit إلى الأولوية في الوجود الواقعي Vorhandenheit، والأصل “الكارثي” للثاني، يعني أن الإضاءة الجيدة هي العمى الحقيقي، فلا يرى المرء ما هو واضح للغاية، ولا يلاحظ المرء ما هو “هناك دائمًا”، بل إننا نلاحظ الأشياء عندما تختفي أو تنهار، فيجب أن تسقط أولاً من “المعطى” الروتيني للبحث بعد ظهور جوهرها، وهنا فقط يمكن طرح الأسئلة حول أصلها، ومكان وجودها، واستخدامها أو قيمتها. في ملخص آرلاند آشر المقتضب، “العالم -باعتباره معيشًا-لا يُكشف لي إلا عندما تسوء الأمور”[2] أو في ترجمة فينسينت فيسيناس[3]، “أيا كان ما يتكون منه عالمي فهو يلفت انتباهي فقط عندما يختفي، أو عندما يتوقف فجأة عن التصرف كما كان يفعل من قبل، حيث يفقد فائدته أو يظهر على أنه “غير جاهز” لاستخدامه. إن الأشياء الخرقاء وغير العملية وغير الموثوقة والمقاومة هي المُحْبِطة وهي التي تجبرنا على رؤيتنا، وتُلفت انتباهنا، وفكرنا”. دعونا نلاحظ لكي نكتشف أن الأشياء لا تظهر للجميع بنفس الشكل، وأنها قد تكون مختلفة عما هي عليه= هو تجربة غامضة. فعدم القدرة على التنبؤ يولد القلق والخوف، والعالم مليء بالحوادث والمفاجآت، لذلك يجب على المرء أن يحافظ على يقظة دائمة. لكن عدم ثبات الأشياء، ومرونتها قد يثير أيضًا الطموح والتصميم، لأنه حينها يصير بإمكان المرء أن يجعل الأشياء أفضل مما هي عليه، ولا يحتاج إلى التسليم بما هو موجود، لأنه لا يوجد حكم نهائي على الطبيعة، ولا توجد مقاومة للواقع غير قابلة للكسر. يمكن للمرء الآن أن يحلم بحياة مختلفة، حياة لائقة أكثر أو محتملة أو ممتعة، بالإضافة إلى ذلك، إذا كان لدى المرء ثقة في قوة تفكيره وقواه الجسمية، فيمكنه أيضًا العمل على تلك الأحلام، وربما إجبارها على أن تصبح حقيقة. لقد اقْتَرح “آلان بيرفيت[4] أن الديناميكية الرائعة وغير المسبوقة، والفريدة من نوعها لمجتمعنا الرأسمالي الحديث -كل التقدم المذهل الذي حققته “الحضارة الغربية” على مدى القرنين أو الثلاثة قرون الماضية -لن يكون من الممكن تصوره بدون هذه الثقة، ثالوث الثقة: في النفس، وفي الآخرين، وفي المؤسسات الدائمة المبنية بشكل مشترك. حيث يمكن للمرء أن يكتب بثقة، خُططه، وأعماله طويلة الأجل. إن القلق والجرأة، والخوف والشجاعة، واليأس والأمل، كل ثنائي منها يولدان معًا، لكن النسبة التي تختلط بها تعتمد على الموارد التي في حوزة الفرد، لذا يُنَظِّر مالكو السفن المُؤَمَّنة، والملاحون المَهَرة إلى البحر باعتباره موقعًا لمغامرة مثيرة، أما أولئك الذين حُكم عليهم بالقوارب غير السليمة والخطرة، يفضلون الاختباء خلف قواطع الأمواج، والتفكير في الإبحار بخوف، فالأفراح والأتراح التي تنبع من عدم استقرار الأشياء موزعة بشكل غير متساوٍ للغاية. قد نقول إن الحداثة تخصصت في تحويل الأشياء المتخيَّلة zuhanden إلى أشياء موجودة  vorhanden. فمن خلال “تمييع العالم” وجعله صيرورة دائمة، تبين للإنسان الحديث هشاشة الأشياء وعدم ثباتها، وهو ما فتح الباب على مصراعية لإحتمالية (و كذلك الحاجة) لإعادة تشكيلها. فقد أشاد ماركس وإنجلز بالرأسماليين الثوريين البرجوازيين لقيامهم “بإذابة الثوابت، وتدنيس المقدسات”، التي عرقلت لقرون طويلة القوى الإبداعية البشرية. اعتقد ألكسيس دي توكفيل بالأحرى أن “المواد الصلبة” المختارة “للذوبان” في “حرارة التحديث” كانت بالفعل في حالة تَحَلل منذ وقت طويل، قبل أن يبدأ الإصلاح الحديث للطبيعة والمجتمع. ومهما كان الأمر، فإن الطبيعة البشرية -التي كان يُنظر إليها ذات مرة على أنها إرث دائم وغير قابل للتغيير، وأنها صبغة إلهية ثابتة- قد ذهبت مع سائر المقدسات إلى أفران التحديث، فلم يعد يُنظر إليها -بل لم يعد من الممكن رؤيتها- على أنها “معطى قبلي”. وبدلاً من ذلك، فقد تحولت الهوية إلى مهمة، مهمة لم يكن أمام كل رجل وامرأة خيار سوى مواجهتها وأدائها بأفضل ما لديهم من قدرات. فقد حل “مشروع الحياة” محل “القدر”، وحلت الفاعلية والقدرة على التغيير محل المصير المحتوم، ​​وأما “الطبيعة البشرية” التي يولد بها المرء فقد استبدلت بـ”هوية” يحتاج المرء إلى صناعتها على مقاسه. احتفل فلاسفة عصر النهضة بالمناظر الجديدة التي تخطف الأنفاس، التي أطلقها “اللاكمال” في الطبيعة البشرية، أمام الحيل والتغييرات الجريئة. أعلن ليون باتيستا ألبيرتي بفخر أنه: “يمكن للبشر أن يفعلوا كل شيء إذا رغبوا في ذلك”، كما أعلن بيكو ديلا ميراندولا بفرح وحبور: “يمكننا أن نصبح ما نريد أن نكون”. وأما بروتيوس أوفيد -الذي يمكن أن يتحول كما يحلو له: من شاب إلى أسد أو خنزير بري أو ثعبان أو حجر أو شجرة- والحرباء صاحبة التكيف الفوري مع لون محيطها= فقد أصبحا قدوات للفضيلة البشرية المكتشفة حديثًا لتكوين وتأكيد الذات[5]. فبعد بضعة عقود من الزمن، وصف جان جاك روسو الكمال باعتباره السمة الوحيدة التي لا خيار فيها، والممنوحة للجنس البشري؛ فقد كان يصر على أن القدرة على التحول الذاتي هي “الجوهر البشري” الوحيد، والسمة الوحيدة المشتركة بيننا جميعًا[6]، لذلك البشر أحرار في خلق ذواتهم، فما هم عليه ليس حكمًا غير قابل للاستئناف فرضته العناية الإلهية، فالأقلام لم تُرفع، والصحف لم تَجِف. وهو ما لا يعني بالضرورة أن البشر محكوم عليهم بالطفو والانجراف: قد يكون بروتوس رمزًا لفاعلية خلق وتشكيل الذات، لكن الوجود البروتوسيني ليس بالضرورة الخيار الأول للبشر الأحرار، فقد تذوب المواد الصلبة، لكنها تذوب من أجل تشكيل مواد صلبة جديدة بشكل أفضل وتكون مناسبة بشكل أفضل لسعادة الإنسان من المواد القديمة، ولكنها أيضًا أكثر صلابة و “مؤكدة” أكثر من المواد الصلبة القديمة التي بقدم الانسان. لم يكن ذوبان المواد الصلبة سوى مرحلة تمهيدية لتطهير الموقع من التعهد الحديث، لِجعل العالم أكثر ملاءمة لسكن الإنسان، وكان تصميم بيئة جديدة -متينة ودائمة وموثوقة وجديرة بالثقة -لحياة الإنسان هي المرحلة الثانية، وهي مرحلة مهمة حقًا لأنها تعطي معنى للمؤسسة بأكملها، لذلك كان هناك حاجة إلى تفكيك أحد الأوامر بحيث يمكن استبداله بآخر مبني لغرضه، ووفقًا لمعايير العقل والمنطق. كما أكد إيمانويل كانط، نحن جميعًا -كل واحد منا -نتمتع بملكة العقل، تلك الأداة القوية التي تسمح لنا بمقارنة الخيارات المعروضة واتخاذ خياراتنا الفردية، ولكن إذا استخدمنا هذه الأداة بشكل صحيح، فسنصل جميعًا إلى استنتاجات مماثلة وسنقبل جميعًا رمزًا واحدًا للتعايش الذي يخبرنا العقل أنه الأفضل. لن يكون كل المفكرين متفائلين كما كان كانط، فلم يكونوا جميعهم على يقين من أن كل واحد منا سوف يتبع توجيهات العقل بموافقته الخاصة، ربما يحتاج الناس إلى إجبارهم على التحرر، كما تَوَّقع روسو؟ وربما تحتاج الحرية المكتسبة حديثًا إلى استخدامها من أجل الناس، وليس من قِبَل الناس؟ ربما ما زلنا بحاجة إلى الطغاة -على الرغم من أنهم “متنورون” وأقل شذوذًا وأكثر تصميمًا وفعالية من طغاة الماضي-لتصميم وإصلاح أنماط يمليها العقل والتي من شأنها أن تضمن أن يستخدم الناس حريتهم بشكل صحيح وسليم؟ بدا كلا الافتراضين معقولين وكان لكليهما متحمسون ومُبشِّرون وخطباء. كما كانت في الماضي؛ فقد حملت فكرة بناء الذات البشرية، وتأكيد الذات بذور الديمقراطية الممزوجة بألوان الشمولية، وكان العصر الجديد للواقع المرن وحرية الاختيار يعني أن يَضُم الواقع توأما غير متماثل: حقوق الإنسان، وما أطلقت عليه حنه أرندت “الإغراء الشمولي”. هذه التعليقات في ظاهرها لا علاقة لها بموضوعنا، وإذ وضعتها هنا، فقد فعلت ذلك بنية إظهار أن عدم الترابط الظاهري ليس سوى وهم، هذا إن لم يكن خطأ فادحًا. إن “عدم اكتمال” الهوية -وخاصة المسؤولية الفردية عن استكمالها- هي في الواقع مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بجميع الجوانب الأخرى للحالة الحديثة. وعلى الرغم من كل الأطروحات الأخرى في عصرنا، فإن تأملاتنا تظهر أن “الهوية” ليست “مسألة خاصة” و “شأن خاص”. إن كون فرديتنا منتجة اجتماعيًا هي الآن حقيقة مكررة ومعادة، ولكن يجب تكرار ملاحظة هذه الحقيقة في كثير من الأحيان؛ فشكل اجتماعيتنا – وكذلك المجتمع الذي نتشارك فيه – يعتمد بدوره على الطريقة التي أُطِّرت بها مهمة “الفردنة”، وكيفية الاستجابة لها. ما تدل عليه فكرة “الفردنة” هو تحرير الفرد من هويته، ومن موروثه ومن فطرته الاجتماعية؛ إنه خروج يُنظر إليه بحق باعتباره السمة الأبرز والأكثر أهمية للحالة الحديثة، وباختصار، فإن “الفردنة” تتمثل في تحويل “الهوية” البشرية من “معطى” إلى “مهمة”، وتحميل الجهات الفاعلة مسؤولية أداء تلك المهمة والنتائج (وكذلك الآثار الجانبية). بعبارة أخرى، تتمثل الفردنة في إنشاء استقلالية بحكم القانون (وإن لم يكن بالضرورة الحكم الفعلي). فمكان الفرد في المجتمع، و”التعريف الاجتماعي” للفرد، لم يعد متروكا للتأمل zuhanden بل أصبح واقعا موجودا vorhanden، ولم يعد مكان المرء في المجتمع يأتي بمثابة هدية أو منحة، سواء كانت مطلوبًه أو غير مرغوب فيها، (كما وصفها جان بول سارتر الشهير: لا يكفي أن تُولد برجوازيًا؛ يجب على المرء أن يعيش حياته كبورجوازي. نفس الشيء لم يكن بحاجة أن يقال -أو لا يمكن أن يقال- عن الأمراء أو الفرسان، أو الأقنان أو سكان المدن في عصر ما قبل الحداثة.) فالحاجة إلى أن يصبح المرء على ما هو عليه هي سمة الحياة الحديثة. (ليس عن “الفردنة الحديثة”، فهذا التعبير من الواضح أنه ذو طابع حشوي والحديث عن الفردنة والحداثة هو الحديث عن نفس الحالة الاجتماعية.) فالحداثة تستبدل تحديد المكانة الاجتماعية بتقرير المصير الإجباري والإلزامي.

ودعني أكرر أن هذا ينطبق على العصر الحديث بأكمله، في جميع الفترات، وجميع قطاعات المجتمع، وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا حدث “سيل من المناقشات” حول المخاوف المتعلقة بالهوية في السنوات الأخيرة فقط؟ ما الجديد؟ فهذا إن وُجِد، فالمشكلة نفسها قديمة قِدَم الحداثة نفسها.

نعم هناك شيء جديد في المشكلة القديمة، وهذا يفسر التحذير الحالي بشأن المهام التي بدا أن الأجيال السابقة تتعامل معها بشكل روتيني بطريقة واقعية. فضمن المأزق المشترك لبناة الهوية، هناك اختلافات مهمة تميز فترات متتالية من التاريخ الحديث. إن مهمة “التعرف على الذات” التي وُضعت أمام الرجال والنساء بمجرد كسر الهياكل الصلبة للهويات في أوائل العصر الحديث تتلخص في التحدي المتمثل في العيش “الصادق مع النوع” (كما يقول الأمريكيون “حتى يكون مع جيرانه كفرسي رهان”)، وذلك للتوافق الفعال مع أنماط السلوك الاجتماعية الراسخة، والتقليد، واتباع النمط، و’التثاقف’، وعدم الخروج عن الخط، وعدم الانحراف عن القاعدة. فانهيار “العقارات” لم يجعل الأفراد ينجرفون، بل استبدلت “العقارات” بـ “الطبقات”.

ففي حين أن التركات كانت مسألة نسب، استلزمت العضوية الطبقية قدرًا كبيرًا من الإنجاز؛ وعلى عكس العقارات، كان لابد من [مراسم] “الانضمام”، ويجب تجديد العضوية باستمرار، وإعادة تأكيدها وتوثيقها في السلوك اليومي. بعبارة أخرى، حُثَّ الأفراد “غير المندمجين” ودُفعوا على نشر سلطاتهم الجديدة، وحقهم الجديد في تقرير المصير في البحث المحموم عن “إعادة التضمين”،  ولم يكن هناك نقص في “الأسرة” الجاهزة والانتظار لاستيعابها، فإن التخصيص الطبقي -على الرغم من تشكيله وقابليته للتداول، بدلاً من كونه موروثا، كما اعتادت أن تكون العقارات إما وقف Stände أو تبرع états- أصبح صلبا وغير قابل للتغيير ومقاوم للتلاعب الفردي مثل التنازل عن التركة قبل الحداثة، فقد تعلقت الطبقة والجنس بشدة على نطاق الخيارات الفردية، ولم يكن الهروب من قيودهم أسهل بكثير من تحدي مكانة المرء في “تسلسل الكائنات الإلهية” [التي خلقها الإله ورسم قدرها مسبقا]. لم يكن الأمر كذلك من الناحية النظرية، فعلى الأقل هو ظاهر في المقاصد والأغراض العملية، فقد بدت الطبقة والجنس بشكل غريب مثل “حقائق الطبيعة”، وكانت المهمة التي تُركت لمعظم الأفراد الحازمين على الذات هي “الاندماج” في المكانة المخصصة من خلال التصرف على النحو الذي يفعله أصحاب الهوية الأصليون.

هذا هو بالضبط ما يميز “فردنة” الماضي عن الشكل الذي اتخذته الآن، ففي أوقاتنا الخاصة من الحداثة “السائلة”، عندما لا يقتصر الأمر على المواضع الفردية في المجتمع، بل حتى على الأماكن التي يمكن للأفراد الوصول إليها، والتي قد يرغب في الاستقرار فيها = فإن الهوية تذوب بسرعة، ولا يمكن أن تكون بمثابة أهداف لـ “مشاريع الحياة”. هذا التململ الجديد وهشاشة الأهداف يؤثر علينا جميعًا، غير المهرة والمهرة، وغير المتعلمين والمتعلمين، والكسولين في العمل و أصحاب العمل الدؤوب على حد سواء، لذلك هناك القليل أو لا شيء يمكننا القيام به “لربط المستقبل” من خلال اتباع المعايير الحالية بجدية كما أشار دانييل كوهين، “من بدأ حياته المهنية في مايكروسوفت  ليس لديه أدنى فكرة عن المكان الذي سينتهي به؛ بل على العكس من ذلك، فإن بدء تشغيله في فورد أو رينو يكاد يكون من المؤكد أنه سينتهي في نفس المكان، فليس الأفراد فقط في حالة تَنَقُّل ولكن أيضًا خطوط النهاية للمسارات التي يركضون عليها ومسارات الجري نفسها”[7]. أصبح “الانفصال” الآن تجربة من المحتمل أن تتكرر بعدد غير معروف من المرات في مجرى الحياة الفردية، ونظرًا لأن القليل من “الأسرّة” -إن وجدت- “لإعادة التضمين” تبدو صلبة بما يكفي للحفاظ على استقرار العمل الطويل، فبنظرة عامة تبدو “الأسِرّة” مثل “الكراسي الموسيقية ”، بأحجام وأنماط مختلفة بالإضافة إلى تغيير الأرقام والمواقف المتنقلة، مما يُجبر الرجال والنساء على الركض باستمرار، وهو ما يعد بعدم الراحة وعدم الرضا عن “الوصول”، فلا راحة في الوصول إلى الوجهة حيث يمكن للمرء نزع لأمته والاسترخاء والتوقف عن القلق. ليس هناك احتمال لإعادة التضمين النهائي في نهاية الطريق؛ فقد أصبح التواجد على الطريق هو الطريقة الدائمة للحياة غير المنفصلة (الآن غير المنفصلة بشكل مزمن) للفرد.

اقترح ماكس فيبر -الذي كتب في بداية القرن العشرين- أن “العقلانية الأداتية” هي العامل الرئيسي الذي يُنظم السلوك البشري في عصر الحداثة، وربما يكون العامل الوحيد الذي من المحتمل أن يخرج سالماً من معركة القوى المحركة. وعندما بدا أن مسألة الغايات قد سويت، كانت المهمة المتبقية للرجال والنساء المعاصرين هي اختيار أفضل الوسائل لتحقيق هذه الغايات، ويمكن للمرء أن يقول إن عدم اليقين فيما يتعلق بالكفاءة النسبية للوسائل وتوافرها سيكون -طالما كان اقتراح فيبر صحيحًا- هو المصدر الرئيسي لانعدام الأمن والقلق اللذين يميزان الحياة الحديثة. ومع ذلك، أقترح بأنه سواء كانت وجهة نظر فيبر صحيحة أم لا في بداية القرن العشرين، فإن حقيقتها قد تبخرت تدريجيًا وبلا هوادة بحلول الوقت الذي يقترب فيه القرن من نهايته، فالحياة اليوم ليست الوسيلة، بل هي المصدر الرئيس للقلق وانعدام الأمن.

برع القرن العشرون في الإفراط في إنتاج الوسائل. لقد أُنتجت الوسائل بسرعة هائلة، وباستمرار، وبما يتجاوز الاحتياجات المعروفة، ناهيك عن الشعور الحاد بالحاجة لها، لذا جاءت الوسائل الوفيرة للبحث عن الغايات التي يمكن أن تخدمها، لقد جاء دور الحلول للبحث بشكل يائس عن المشاكل التي لم يتم اكتشافها بعد، والتي يمكنهم حلها. ومن ناحية أخرى، أصبحت الغايات منتشرة ومبعثرة وغير مؤكدة أكثر من أي وقت مضى؛ لتصبح هي المصدر الأكثر غزارة للقلق، والمجهول الكبير في حياة الرجال والنساء. إذا كنت تبحث عن تعبير قصير وذكي وفي نفس الوقت مناسب ومؤثر عن هذا المأزق الجديد الذي يجد الناس أنفسهم فيه هذه الأيام، فلا يمكنك أن تفعل ما هو أفضل من تذكر إعلان صغير نُشر مؤخرًا تحت عنوان “البحث عن الوظائف” لإحدى الصحف الإنجليزية: “امتلك سيارة، لتتمكن من السفر؛ وانتظر عروض العمل”.

وهكذا، فإن “مشكلة الهوية” التي تطارد الرجال والنساء منذ بداية العصر الحديث= قد غيرت شكلها ومضمونها، فقد اعتادت أن تكون نوعًا من المشاكل التي يواجهها الحجاج ويكافحون لحلها؛ مشكلة “كيف الوصول إلى هناك”. أما الآن فهي أشبه بمشكلة يواجهها المتشردون، هؤلاء الأشخاص الذين ليس لديهم عناوين ثابتة ولا أوراق، فهم يكافحون يوميًا: “أين يمكنني، أو يجب أن أذهب؟ وإلى أين سينتهي بي هذا الطريق الذي سلكته؟”. لم تعد المهمة حشد القوة والعزيمة الكافية للمضي قدمًا، والاستفادة من التجارب والأخطاء والانتصارات والهزائم، على طول المسار المطروق والممتد للأمام. بل تتمثل المهمة الآن في اختيار المنعطف الأقل خطورة عند أقرب مفترق طرق، والتمكن من تغيير الاتجاه قبل أن يصبح الطريق أمامك مسدوداً، وقبل أن يعاد تصميم الطريق من جديد، أو قبل نقل الوجهة المرغوبة إلى مكان آخر، أو فقدان بريقها. بعبارة أخرى، فإن المأزق الذي يعذب الرجال والنساء في مطلع القرن لا يتعلق فقط بكيفية الحصول على الهويات التي يختارونها وكيف يتعرف عليهم الآخرون، بل تكمن الأزمة فيما هي الهوية التي يختارونها؟ وما أفضل السبل للحفاظ عليها وأخذ الحيطة بحيث يمكن اتخاذ خيار آخر في حالة سحب الهوية المختارة مسبقًا من السوق أو تجريدها من قوتها الإغوائية؛ فالقلق الرئيسي -والأكثر إثارة للأعصاب- ليس كيفية العثور على مكان داخل إطار صلب من الطبقة أو الفئة الاجتماعية بعد أن وجدته، بل في أفضل طريقة لحمايته وتجنب الخطر. وما يثير قلق المرء هو الشك في أن إطار العمل الذي تحصل عليه بشق الأنفس سوف يتفكك أو يذوب عما قريب.

وفي بيان كلاسيكي يبلغ من العمر أربعين عامًا تقريبًا، شخَّص إريك إريكسون الارتباك الذي يعاني منه المراهقون في عصره على أنه “أزمة هوية” (وهو مصطلح ابتكر لأول مرة خلال الحرب الأخيرة لوصف حالة بعض الحالات العقلية، للمرضى الذين “فقدوا الإحساس بالانسجام الشخصي والاستمرارية التاريخية”). أما “أزمة الهوية” لدى البالغين، كما قال إريكسون، فهي حالة مرضية تتطلب التدخل الطبي، كما إنها أيضًا مرحلة شائعة، ولكنها عابرة، في التطور الشخصي “الطبيعي”، والتي في جميع الاحتمالات ستصل إلى نهايتها الطبيعية مع نضوج المراهقين، وعند سؤاله عن الحالة الصحية للشخص “ما الذي تبدو عليه الهوية عندما تدرك حقيقة أنك تمتلك واحدة بلا شك”، أجاب إريكسون: إنها تبدو “كإحساس شخصي بالانسجام المنعش والاستمرارية التاريخية.[8]“.

إما أن رأي إريكسون قد تقدم في العمر ، كما هو الحال عادةً ، أو أن “أزمة الهوية” أصبحت اليوم أكثر من مجرد حالة نادرة للمرضى العقليين أو حالة عابرة للمراهقة: “التماثل” و “الاستمرارية” هي مشاعر نادرًا ما يجربها الشباب والكبار على حد سواء هذه الأيام، و علاوة على ذلك ، لم تعد مطلوبة، فإذا رُغِب فيها، فإن الحلم كقاعدة هو ملوث بالهواجس الشريرة والخوف، وكما أشار اثنان من المحللين الثقافيين البارزين -زبيسزكو ميلوسيك و توماسز سزكويلرك- إن لعنة كل بناء للهوية هي “أن أفقد حريتي ، عندما أصل إلى الهدف، أنا لست أنا، عندما أصبح شخصًا ما.”[9] وفي عالم متنوع من القيم المعدلة ومسارات متحركة وإطارات منصهرة ، ترتفع حرية الحركة إلى مرتبة أعلى قيمة – في الواقع،  فالقيمة الوصفية هي شرط الوصول إلى جميع القيم الأخرى في الماضي والحاضر، وقبل كل شيء ، المستقبل. يتطلب السلوك العقلاني في مثل هذا العالم أن تظل الخيارات، قدر الإمكان، مفتوحة واكتساب هوية تناسبها بشدة هوية تُقدم مرة واحدة وإلى الأبد “تماثل” و “استمرارية” تؤدي إلى إغلاق الخيارات، أو مصادرتها مُقَدما، وكما لاحظ كريستوفر لاش، فإن “الهويات” المطلوبة هذه الأيام مثل التي “يمكن تبنيها والتخلص منها كتغييرنا للزي”، ودعني أضيف إذا “اخْتِيرت بحرية”، فإن الخيار “لم يعد يتضمن التزامات وعواقب”، وبالتالي فإن “حرية اختيار الكمية في الممارسة إلى الامتناع عن الاختيار”[10] هي على الأقل من خيار مُلزم.

في غرونوبل في ديسمبر 1997 ، تحدث بيير بورديو عن الهشاشة ،والتي صارت ” اليوم في كل مكان” و “تطارد الوعي و اللاوعي”. إن هشاشة جميع النقاط المرجعية التي يمكن تصورها وحالة عدم اليقين المستوطنة بشأن المستقبل تؤثر بشكل عميق على أولئك الذين أصيبوا بها بالفعل وجميعنا نحن الذين لا يستطيعون التأكد من أن الضربات المستقبلية سوف تمر بنا. يقول بورديو:

“إن عدم الاستقرار يمنع أي ترقب عقلاني؛ وعلى وجه الخصوص، ُيعرقل الحد الأدنى من الإيمان والأمل في المستقبل الذي يجب أن يمتلكه المرء من أجل التمرد -بشكل جماعي على وجه الخصوص-ضد الحاضر، حتى لو كان هذا الحاضر لا يطاق. . .و “لتصور أي مشروع ثوري، وأي طموح منطقي لتحويل الحاضر باستحضار مستقبل متوقع= يجب أن يكون لدى المرء حد أدنى من السيطرة على الحاضر”.[11]

تلك القبضة على الحاضر، والثقة في التحكم في مصير المرء، هي أكثر ما يفتقر إليه الرجال والنساء في مجتمعنا بشكل واضح. واضمحل الأمل في أنه من خلال توحيد القوات، والوقوف ذراعًا بذراع.  قد نفرض تغييرًا في قواعد اللعبة، فربما يكون للمخاطر التي تجعلنا خائفين والكوارث التي تجعلنا نعاني= أصولًا اجتماعية جماعية، ولكن يبدو أنها تقع على عاتق كل واحد منا بشكل عشوائي، كمشكلات فردية من النوع الذي لا يمكن مواجهته إلا بشكل فردي وإصلاحه من خلال الجهود الفردية.

يبدو أن هناك القليل من الفائدة في تصميم أنماط بديلة من العمل الجماعي، وفي توسيع الخيال لِتَصَوُّر مجتمع يخدم بشكل أفضل قضية الحرية والأمن، وفي رسم مخططات للعدالة المدارة اجتماعيًا = إذا كانت الوكالة الجماعية القادرة على جعل الكلمات واقعا غير موجودة في أي مكان. تبعياتنا هي الآن عالمية حقًا. لكن أفعالنا مع ذلك لا تزال محلية. إن السلطات التي تشكل الظروف التي نواجه في ظلها مشاكلنا هي خارج متناول جميع الوكالات التي اخترعتها الديمقراطية الحديثة في قرنين من تاريخها. وكما قال مانويل كاستي، فإن القوة الحقيقية -القوة العالمية الخارجية- تتدفق، لكن السياسة -المحصورة الآن كما في الماضي في إطار الدول القومية- تظل كما كانت من قبل مرتبطة بالأرض.

إنها حلقة مُفْرغة بالفعل. يبدو أن العولمة السريعة لشبكة القوة تتآمر وتتعاون مع سياسات الحياة المخصخصة، أنها تُحَفِّز، وتدعم، وتُعَزِّز بعضها البعض. فإذا كانت العولمة تقوض قدرة المؤسسات السياسية الراسخة على العمل بفعالية، ولذلك فإن التراجع الهائل من “الجسد السياسي” إلى الاهتمامات الضيقة لسياسة الحياة يمنع بلورة أنماط بديلة من العمل الجمعي على قدم المساواة مع عالمية شبكة التبعيات. كما يبدو أن كل شيء في مكانه لجعل كل من عولمة ظروف الحياة وتقطيع وتفتيت وخصخصة صراعات الحياة، مهمة سير وتخليد ذات، وفي ظل هذه الخلفية، فإن المنطق واللا منطقية المستوطنة لـ “اهتمامات الهوية” المعاصرة والأفعال التي تشعلها يحتاجان إلى تمحيص وفهم.

وكما أشار أولريش بيك، لا توجد حلول ذاتية للتناقض المنهجي، على الرغم من أن مثل هذه الحلول هي التي تدفعنا إلى اكتشافها أو ابتكارها، لا يمكن أن تكون هناك استجابة عقلانية للهشاشة المتصاعدة للظروف البشرية طالما أن هذه الاستجابة ستقتصر على عمل الفرد؛ لا مفر من اللاعقلانية في الاستجابات المحتملة نظرًا لأن نطاق سياسة الحياة وشبكة القوى التي تحدد ظروفها لا يمكن مقارنتها تمامًا وببساطة وغير متناسبة على نطاق واسع.

إذا كنت لا تستطيع -أو لا تظن أنك تستطيع -أن تفعل ما هو مهم حقًا، فإنك تلجأ إلى الأشياء الأقل أهمية أو التي لا تهم على الإطلاق، ولكن يمكنك فعلها أو تصديق أنك تستطيع ذلك، ومن خلال تحويل انتباهك وطاقتك إلى مثل هذه الأشياء، قد تجعلها ذات أهمية، لبعض الوقت على الأقل. يقول كريستوفر لاش: “ليس لديهم أمل” في تحسين حياتهم بأي من الطرق المهمة، فقد أقنع الناس أنفسهم أن المهم هو تحسين الذات النفسية: التواصل مع مشاعرهم، وتناول الطعام الصحي، وتلقي الدروس. في الباليه أو الرقص الشرقي، والانغماس في حكمة الشرق، والركض، وتعلم كيفية “الارتباط”، والتغلب على “الخوف من المتعة”. غير مؤذية في حد ذاتها، هذه المساعي ، التي ارتقت إلى مستوى برنامج وغلفت ببلاغة الأصالة والوعي ، الا أنها تدل على التراجع عن السياسة[12].

هناك طيف واسع ومتسع من “التسلية البديلة” من أعراض التحول من الأشياء المهمة، ولكن لا يمكن فعل أي شيء حيالها للأشياء الأقل أهمية، أو التي لا تهم على الإطلاق، ولكن يمكن التعامل معها (والتعامل معها) يحتل التسوق القهري مكانة بارزة بينهم. اعتاد الاحتفال بـ “كرنفالات” ميخائيل باختين داخل أراضي الوطن حيث كانت تجري “الحياة الروتينية” في أوقات أخرى، وبالتالي يُسمح بإظهار البدائل المخفية عادةً والتي تحتويها الحياة اليومية، وعلى عكس تلك الكرنفالات، فإن الرحلات إلى مراكز التسوق هي رحلات استكشافية إلى عالم آخر يختلف اختلافًا صارخًا عن بقية الحياة اليومية، فهي ل “مكان آخر” حيث يمكن للمرء أن يختبر لفترة وجيزة الثقة بالنفس و “الأصالة ” التي يسعى المرء من أجلها عبثًا في الملاحقات اليومية الروتينية. تملأ رحلات التسوق الفراغ الذي تركته رحلات الخيال والتي لم تعد تقوم بها إلى مجتمع بديل أكثر أمانًا وإنسانية وعدالة.

إن النشاط الذي يستغرق وقتًا وجهدًا في تجميع وتفكيك وإعادة ترتيب الهوية الذاتية هو من هذه “التسلية البديلة”، وهذا النشاط، كما رأينا بالفعل، يجري في ظل ظروف من انعدام الأمن الحاد: فأهداف العمل محفوفة بالمخاطر بقدر ما تكون آثاره غير مؤكدة. تؤدي الجهود إلى الإحباط في كثير من الأحيان بما يكفي للخوف من الفشل النهائي لتسميم فرحة الانتصارات المؤقتة، فلا عجب أن تبديد المخاوف الشخصية في “قوة الأرقام” هي محاولة جعلها غير مسموعة في صخب حشد صاخب، وهو إغراء دائم يجد العديد من “باني الهوية” المنعزل صعوبة في مقاومته، والأقوى من ذلك هو إغراء التظاهر بأن التشابة بين المخاوف الفردية هو الذي “يصنع المجتمع” بحيث يمكن للمرء أن يصنع شريكا من العزلة.

 وكما لاحظ إريك هوبسباوم مؤخرًا، “لم تكن كلمة” مجتمع “تُستخدم أبدًا بشكل عشوائي وفارغ أكثر مما كانت عليه في العقود التي أصبح من الصعب العثور فيها على المجتمعات بالمعنى الاجتماعي في الحياة الواقعية[13].” يبحث الرجال والنساء بكل تأكيد وإلى الأبد عن مجموعات يمكنهم الانتماء إليها، في عالم يتحرك فيه كل شيء آخر ويتحول، حيث لا يوجد شيء آخر مؤكد”[14]، يقدم جوك يونق تعليقًا. موجزًا ​​ومؤثرًا: “بمجرد انهيار المجتمع، تُخترع الهوية”[15]، تدين “ الهوية ” بالاهتمام الذي تجتذبه والعواطف التي تولدها لكونها بديلاً عن المجتمع: من ذلك “المنزل الطبيعي” المزعوم الذي لم يعد متاحًا في عالم سريع العولمة وفرداني ومخصخص، ولهذا السبب يمكن أن يكون تُخيلت بسلام كمأوى دافئ للأمن والثقة لتكون مرغوبة، لكن المفارقة هي أنه من أجل تقديم ولو قدر ضئيل من الأمن وبالتالي أداء دوره العلاجي، يجب أن تتناقض الهوية مع أصلها، ويجب أن تنكر كونها مجرد بديل. إنها تحتاج إلى استحضار شبح من نفس المجتمع الذي جاء ليحل محلها، لذلك تنبت الهوية على مقبرة المجتمعات، لكنها تزدهر بفضل وعدها بإحياء الموتى.

“عصر الهوية” مليء بالصخب والغضب، فالبحث عن الهوية يقسم ويفصل، ومع ذلك، فإن عدم استقرار بناء الهوية الانفرادية يدفع بناة الهوية إلى البحث عن الأوتاد لتعليق مخاوفهم وقلقهم التي عايشوها بشكل فردي وأداء طقوس طرد الأرواح الشريرة بصحبة الآخرين الذين هم قلقون، وخائفون مثلهم، وما إذا كانت هذه “مجتمعات الربط” توفر ما هو مأمول -مثل تأمين جمعي ضد المخاطر التي تواجه بشكل فردي- هو سؤال محل نقاش، ولكن إقامة حاجز في صحبة الآخرين يوفر راحة مؤقتة من الشعور بالوحدة، وسواء كان فعالًا أم لا ، فقد قام بشيء ما ، ويمكن للمرء على الأقل أن يعزي نفسه بأن الضربات لا يتم التخلص منها، و كما قال جوناثان فريدمان ، في عالمنا المعولم ، “الشيء الوحيد الذي لا يحدث هو أن الحدود تختفي بدلاً من ذلك،  يبدو أنها أقيمت في كل زاوية شارع جديد من كل حي متدهور في عالمنا.[16]

لم تُرسم الحدود لتحصين وحماية الهويات الموجودة بالفعل. وكما أوضح عالم الأنثروبولوجيا النرويجي العظيم فريدريك بارث، فإن الأمر مختلف تمامًا: فالهويات المشتركة ظاهريًا هي نتاج ثانوي لرسم الحدود المحموم. فقط بعد حفر النقاط الحدودية تُنسج أساطير العصور القديمة وتغطى أصول الهوية الثقافية / السياسية الجديدة بعناية من خلال قصص التكوين، وتحاول هذه الحيلة تكذيب حقيقة أن (لنقتبس من ستيورات هال مرة أخرى[17]) ما لا تشير إليه فكرة الهوية هو “جوهر ثابت للذات، يتكشف من البداية إلى النهاية عبر كل تقلبات التاريخ دون تغيير”.

ربما بدلاً من الحديث عن الهويات الموروثة أو المكتسبة، سيكون الحديث عن التطابق أكثر انسجامًا مع حقائق العالم المعولم، وهو نشاط لا ينتهي، كما أنه دائمًا غير مكتمل، ومفتوح النهاية، الذي فيه نحن جميعًا، بحكم الضرورة. أو عن طريق الاختيار، مرتبطين، هناك فرصة ضئيلة بأن تهدأ التوترات والمواجهات والصراعات التي يولدها النشاط، فإن البحث المحموم عن الهوية ليس من بقايا أزمنة ما قبل العولمة التي لم يتم استئصالها بالكامل بعد، بل من المحَتَّم أن تنقرض مع تقدم العولمة. إنه على العكس من ذلك، هو الأثر الجانبي والمنتج الثانوي لمزيج من ضغوط العولمة والفردنة والتوترات التي تفرزها، كما أن حروب تحديد الهوية لا تتعارض ولا تقف في طريق اتجاه العولمة: فهي ذرية شرعية ورفيق طبيعي للعولمة، وهي بعيدة كل البعد عن إيقافها، فهي لتليين عجلاتها.


[1] Stuart Hall, ‘Who needs “identity”?’, in Stuart Hall and Paul du Gay (eds.), Questions of cultural

identity, London: Sage, 1996, p. 1.

[2]  Arland Usher, Journey through dread, New York: Devin-Adair, 1955, p. 80.

[3] Vincent Vycinas, Earth and gods, The Hague: Martinus Nijhoff, 1969, pp. 36–7.

[4] Alain Peyrefitte, La société de confianc. Essai sur les origines du développement, Paris, Odile Jacob, 1998, pp. 514–16.

[5] Stevie Davies, The Renaissance view of man, Manchester: Manchester University Press, 1978, pp. 62ff.

[6] Jean-Jacques Rousseau, The first and second discourses (first published in 1749 and 1754), here quoted in the Victor Gourevitch translation, New York: Harper and Row, 1986, pp. 148ff.

[7] Daniel Cohen, Richesse du monde, pauvretés des nations, Paris: Flammarion, 1997, p. 84.

[8] Erik H. Erikson, Identity. Youth and crisis, London: Faber, 1974, pp. 17–19.

[9] Zbyszko Melosik and Tomasz Szkudlarek, Kultura, tozsamocs i edukacja, Kraków: Impuls, 1998, p. 89.

[10] Christopher Lasch, The minimal self: psychic survival in troubled times, London: Pan Books, 1984, p. 38.

[11] Pierre Bourdieu, ‘La précarité est aujourd’hui partout’, in Contre-feux, Paris: Liber Raisons d’agir, 1998, pp. 96-7.

[12] Christopher Lasch, The culture of narcissism, New York: Warner, 1979, pp. 29–30.

[13] Eric Hobsbawm, The age of extremes, London: Michael Joseph, 1994, p. 428.

[14] Eric Hobsbawm, ‘The cult of identity politics’, in New Left Review 217 (1996), p. 40.

[15] Jock Young, The exclusive society, London: Sage, 1999, p. 164.

[16] Jonathan Friedman, ‘The hybridization of roots and the abhorrence of the bush’, in Mike Featherstone and Scott Lash (eds.), Spaces of culture, London: Sage, 1999, p. 241.

[17] Stuart Hall, ‘Who needs identity?’, p. 3.

Normal
0

false
false
false

EN-US
X-NONE
AR-SA

/* Style Definitions */
table.MsoNormalTable
{mso-style-name:”جدول عادي”;
mso-tstyle-rowband-size:0;
mso-tstyle-colband-size:0;
mso-style-noshow:yes;
mso-style-priority:99;
mso-style-parent:””;
mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt;
mso-para-margin:0cm;
mso-pagination:widow-orphan;
font-size:12.0pt;
font-family:”Calibri”,sans-serif;
mso-ascii-font-family:Calibri;
mso-ascii-theme-font:minor-latin;
mso-hansi-font-family:Calibri;
mso-hansi-theme-font:minor-latin;
mso-bidi-font-family:Arial;
mso-bidi-theme-font:minor-bidi;}

أعجبني المقال

المصدر
cambridge

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى