فكر وثقافة

ابن خلدون وتحليل السلطة: مفهوم الجاه

  • ليليا بن سالم
  • ترجمة: جميلة السواح
  • تحرير: منى الشيخ

عرض لنصوص ابن خلدون في فصلين من المقدمة: “في كون الجاه مفيدًا للمال” و “في كون السعادة والكسب إنّما يحصلان غالبًا لأهل الخضوع والتملُّق”.

هذا النصّ اقتباس من كتاب [العِبَر وديوان المبتدأ والخبر في أخبار العرب والعجم والبربر ومن عاصرَهم من ذوي السلطان الأكبر] المسمّى بتاريخ ابن خلدون، لصاحبه عبد الرحمن بن خلدون (1332-1406م)، وبنحو أدقّ فإنّه مُستَلٌّ من الكتاب الأوّل،المقدِّمة[1].

ولد ابن خلدون في تونس عام 1332م، لعائلة تعود أصولها إلى شبه الجزيرة العربيّة، وقد عاشت في الأندلس فترة طويلة منذ ظهور الدولة الحَفْصِية بتونس عام 1228م. ولطالما كانت عائلة ابن خلدون قريبة جدًّا من السلطة الحاكمة؛حيث تولّى جدُّه وزارة الماليّة، وألّف كتابًا لوزراء الدولة كان له أثرٌ عميق- بلا شكّ- في أفكار ابن خلدون الشابّ.

درس ابن خلدون -كما جرى عُرف العائلات التونسيّة الكبيرة-في جامعة الزيتونة المرموقة، حيث تلقّى تعليمًا دينيًّا. عاش المغرب العربيّ وقتئذٍ ركودًا اقتصاديًّا وصراعاتٍ عنيفةً ومتواصِلةً بين القبائل والقوى المركزيّة ومختلف الدول المغاربيّة. وكان ابن خلدون الشاب – وهو ابن الرابعة عشرة – شاهدًا على هذه النزاعات حين تدخّلت الأُسرة المَرينِيّة الحاكمة بفاس، لحلّ النزاع الذي اتقدت نيرانه حول من سيَخلُف السلطانَ الحفصيّ أبا بكر من أبنائه. وسيرًا على عادة أسرته، تقدّم ابن خلدون بعد أن أتمّ دراسته، وهو ابن العشرين، لخدمة السلطان أبي حفصٍ إسحاقَ الثاني، ولم يمكث في خدمته طويلًا؛ إذ رحل في أوّل فرصةٍ ليلحق بالرجال والأساتذة الذين عرفهم أثناء تدخُّل الدولة المرينيّة بتونس. وعاش مذ ذاك شاهدًا على تعاقُب السلالات المختلفة في المغرب العربيّ والأندلس؛ والتي غالبًا ما كانت في أوج صراعاتها. وقد أثارت هذه التجارِب في نفس الشابّ النَّهِم الفطِن الرغبةَ في فهْم تاريخ المجتمعات ومعرفة المزيد عنها، وبالأخص المجتمعات الإسلامية والمغاربية.

جر تورُّطه في مؤامرات القوى المغاربيّة عليه الكثير من النكبات، فقرّر العُزوف عن السياسة والتراجُع بجدّيّة ليتفرَّغ للتأمّلِ والمطالعة، واستقرَّ في قلعة ابن سلامة[2] بين مجموعة من قبائل المغرب الأوسط، ليؤسِّس مشروع كتابةِ تاريخٍ عالميّ يحوي،في المقام الأول،تاريخَ مجتمعات المشرق والمغرب العربيّ. وقبل انخراطه في السَّرْد التاريخيّ، سعى ابن خلدون-في ما اشتهر لاحقا بالمقدمة-إلى الدفاع عن مشروعه ونقْد أعمال مؤرِّخي العالم الإسلاميّ.

ووِفقًا لِما ذكرَه ابن خلدون في مقدِّمته، فالتاريخ ليس مجرَّد سردٍ لأحداثٍ مضت، “بل للتاريخ معنى ثان؛ هو التأمُّل والسعي نحو الحقيقة، والشرح الدقيق لأسباب الحوادث، والمعرفة العميقة لكيفيّات حدوثها”[3]، ويُنكر على المؤرِّخين نقلَهُمُ الأحداثَ دون تمحيص داخلي أو خارجي للمصادر التي ينقلون عنها، واتباعَهم لأهوائهم الحزبيّة، وينكر عليهم -بالأخص- نقلَ الوقائعَ دون سعيٍ إلى شرحها وفقا لسياقها أو مراعاةٍ للتحولات الاجتماعيّة[4]؛ فالتاريخ – حسب ابن خلدون- “يتخذ الاجتماع البشريّ موضوعا للدراسة”.[5] وبالنسبه إليه، فإنّ أخطاء المؤرِّخين ترجِع بالأساس إلى جهلهم بسنن العمران والاجتماع الإنسانيّ، ومن هنا الحاجةُ إلى ابتكار علم جديدٍ مستقلٍّ بنفسه، يكون موضوعُه تحديدا العمران البشريّ والاجتماع الإنسانيّ[6]، وألا يكون خطابًا معياريًّا عن المجتمع أو أطروحة سياسيّة، وأن يكون هدفه الأساس مراعاة وتفسير ما يميز المجتمعات الإنسانيّة وما ينظمها؛ العمران البدويّ منها (أي: ما يهمّ البدو الرُّحَّل) والحضريّ.

سترتكز هاته التحليلات على الأبعاد الاقتصاديّة والثقافيّة والسياسيّة للمجتمع، مشيرة إلى كون الإنسان الكائن الأضعف بالنظر إلى أغلب الحيوانات، غير أنّ الله وهبه: “عقلًا ويدًا”، فعَقِلَ بفهمه كيف يلبّي حاجات بدنه، وبيده كيف يبسط سلطته عبر ابتكار التقنيّات، ووعى أيضا أهمّيّة التعاون والتضامن مع غيره. فالحياة في المجتمعٍ ليست طبيعة بل ضرورة؛ إنّها نتاج ذكاء الإنسان، أمّا الطبيعة فهي ميل الناس إلى معاداة بعضهم البعض.[7] ومن هنا برزت الحاجة إلى توجيه هذه العدوانية، فلا يمكن لفئة اجتماعيّة أو مجتمع فور إنشائه أن ينجو إلّا بقدر توفره على وازع؛ أي عل ىشخص يملك من السلطة والهيمنة ما يمنع الناس من التعبير عن عدوانيّتهم. تستلزم دراسة مجتمعٍ ما تناولَ ثلاثة أبعاد بالتحليل: البعد الاقتصاديّ (احتياجات المجموعات البشريّة وطرائق إشباعها)، والبعد الثقافيّ الذي يتضمّن تقنين العلاقات الاجتماعيّة بإحالتها على القاعدة الدينيّة، بالإضافة إلى استخدام العلم والتقنيّات والفنون، وأخيرًا البعد السياسيّ؛ أي السلطة داخل المجموعات، والسلطة المركزيّة على مستوى، ما سيسميه جورج جورفيتش، المجتمعَ العالميّ.

يروم ابن خلدون بالأساس إلى تفسير كيفية ظهور السلطة المركزيّة في مجتمعات المغرب: الاستيلاء على السلطة، استقواء الدول المختلفة عبر التاريخ، وأيضًا فشلها وذهاب ريحها. وقادته ملاحظاته وقراءته للتاريخ إلى وضع فرضيات مفادها أنّ معظم الدول تلقى المآل نفسه: حيث يتم تأسيسها من طرف جماعة قبليّة تمكنت من الاستيلاء على السلطة المركزية، وعرفت ازدهارًا مرحليًّا أعقبه انحدار انتهى باكتساب مجموعة قبليّة ثانية قوةَ ونضجا يمكّنانها من الاستيلاء على السلطة.

ويسعى ابن خلدون إلى تحليل العلاقات التي تتكوّن بين المجالين الحضريّ والبدويّ، وبين الأبعاد الاقتصاديّة، الثقافيّة والسياسيّة خلال مختلف المراحل التاريخيّة للدول. يهدف ابن خلدون إلى إجراء تحليل علميّ للمجتمعات، ومع أنه ينخرط بالتأكيد في التقليد العلمي لعصره، إلّا أنّه –كما أشار إلى ذلك عالم الاجتماع الجزائريّ عبد القادر جغلول[8] (خلال أشغال ندوة حول فكر ابن خلدون) – امتدادٌ للفكر العقلانيّ العربيّ الذي يميّز بين الدينِ الذي مدارُه الإيمان، والعالمِ الحسّيِّ الذي مدارُه إعمالُ العقل.

وفي فصلٍ مُخَصص للعلوم والتعليم، يقيم ابن خلدون تمييزا خالصا بين العلوم التقليديّة التي منبعها القرآن والسُّنّة، والعلوم العقليّة “التي يكتسبها الإنسان بإدامة النظر”.[9] وقد قدّم – بالمقارنة مع أسلافه–قطيعة إبستيمولوجيّة حقيقيّة باعتبارهِ السياسةَ محايثة للمجتمع، وتهدف إلى تحليل المجتمعات والسلطة المركزيّة كما هي في الواقع، لا كما ينبغي لها أن تكون وفقًا للمعايير الدينيّة.لا تكمن أهمّيّة هذه التحليلات في تأسيس علمٍ جديدٍ فحسب -وهو علم المجتمع، عبر تحديد كل من موضوعه ومبادئه المنهجيّة -، بل في التحليل الذي أورثنا إياه للمجتمعات المغاربيّة في عصره، وما اشتهر من تفسيراته المقارِنة بين المجال البدويّ والمجال الحضريّ باعتباره مكانًا للسلطة والأنشطة الاقتصاديّة والثقافيّة. وأسس بناء على ملاحظاته نموذجًا غالبًا ما تتمُّ مقاربته بنموذجِ دوركايم للمجتمعات المتضامِنة ميكانيكيًّا، وتلك المتضامِنة عضويًّا، أو بما ذهب إليه فيرديناند تونيز (Ferdinand Tonnies) باستخدامه لمفاهيم الجماعة والمجتمع (communauté et société)، مع اختلاف مفاده أن نماذج علماء اجتماع القرن التاسع عشر الأوربيّين تستند إلى تفسير تطوُّريٍّ للمجتمعات، في حين يميّز ابن خلدون بين مجالين اجتماعيين وحضاريين داخل نفس المجتمع: ” مجتمع بدويّ وآخر حضريّ، يتفاعلان في نظامٍ لا غنى فيه لأحدهما عن الآخر” (شدادي، 2006)، ويُحلّل لاختلافات القائمة بين العمران البدويّ والعمران الحضريّ في هذه الحقبة من تاريخ المغرب، وكذا نوع العلاقات الناشئة بين المجالين، مع الإشارة إلى أنّ سكّان المدن ينحدرون من أوساط بدويّة؛ فنحن إذن أمام نفس السكّان لكن في وسط ونمط مختلفين.

كما سنستحضر أيضا التأويلات التي يعرضها لنا ابن خلدون حول ديناميّة هاته المجتمعات بالإحالة على تاريخ الدول والسلطة المركزيّة، مشيرا إلى أن المجتمعات المغاربيّة شهدت توالي فتراتٍ من الازدهار والانحطاط، وأن مختلف الدول المغاربية تنحدر من أصول قبليّة أسّسَ أفرادُها لسلطتهم في مدينة ابتنَوْها أو استولوا عليها. ويلاحظ ابن خلدون أنّ هاته الدول تُعمّر نفس الفترة الزمنية، وسيسمح له هذا التحليل التفصيلي لتاريخها ببناء نموذج دائريّ؛ حيث تبدأ جماعة قبليّة في المرحلة الأولى بالتأسيس للسلطة المركزية. ولتوضيح ذلك ينتقل ابن خلدون إلى تحليل المجموعات القبليّة؛ فيبيّن أنّهم أقوى بفعل تماسكهم القوي، مسترشدا بمفهوم “العصبيّة” الذي يدل على معنى خاص يتعلق بالتماسك الاجتماعي القائم على روابط الدم والأنساب؛ إذ ينتسب أعضاء القبيلة إلى سلفٍ مشترَك، حقيقيٍّ أم وهمي. وإن كانت هذه الرابطة ضرورية، إلا أنها غير كافية؛ إذ لابدّ من ضمان وحدة القبيلة وتماسكها الداخليّ عبر سلطةٍ قوية تحفظ التماسك الداخلي للمجموعة، وتمكنها من فرض سلطتها على مجموعات قبلية أخرى، والقائد الأعدل والأجدر هو من يستطيع جعل نفسه “قيمة مركزيّة” للمجموعة ( بن سالم، 1973، ص 294-314).[10]

إنّ قبيلةً تتمتّع بعصبيّة قويّة تمكنُّها من ضمان ولاءِ المجموعات القبليّة الأخرى لَقادرةٌ على الاستيلاء على السلطة المركزيّة وتأسيس دولة، شرط أن تستند -كما شهد بذلك التاريخ – إلى إديولوجيا دينية، حين يتعلّق الأمر بالمجتمعات الإسلاميّة. يوظّف ابن خلدون مفهوم الدعوة، الذي غالبا ما يُترجم بـــ “دعاية سياسيّة – دينيّة” (propagande politico-religieuse)؛ حيث تمثل كل من العصبية والدعوة شرطا لاستيلاء المجموعات القبلية على السلطة المركزية حين تكون شاغرة، أي شديدة الضعف. وفي حال استيفاء كلّ الشروط يمكن للمجموعة القبليّة الاستيلاء على السلطة وتأسيس دولة جديدة.

تشترك الدول الأولى الحاكمة في المجتمعات الإسلاميّة: الدولة الأمويّة، والعباسيّة، ومختلف السلالات المتعاقبة على الأندلس والمغرب الأوسط، في خصائص متطابقة تتجلى في أمد حياة يمتد لثلاثة أجيال، ابتداءً من استيلائها على السلطة وانتهاءً بسقوطها واستحواذ دولة جديدة عليها. يميّز ابن خلدون خلال هذه الفترة بين خمس مراحل: في المرحلة الأولى؛ يعزّز قائد المجموعة القبيلة ومؤسّس الدولة سلطتَه مستندًا بشكل دائم إلى عصبيّة قوية وولاء الجماعات القبليّة المتزايدة. وتهيمن السياسة خلال المرحلتين الأوليين وتسمح بتنمية اقتصادية معيّنة. يُحدّد ابن خلدون ذروة الدورة في المرحلة الثالثة؛ حيث توفر قوّة السلطة واستيفاء الضرائب نوعًا من الرخاء، و تشهد كلّ من العمارة والتقنيّات والفنون والآداب قفزة يحيى بها الناس في رغد، غير أنّه في خضمّ المرحلة الرابعة ستسري في الناس حال من الرضى تدفعهم إلى الاعتماد الكلي على السلع المادية، وستؤدي نفقات الدولة وجشع الحاشية إلى إفقار الخزينة العامة

وتأخذ العصبيّة، التي كانت مصدر قوّةٍ في المراحل الأولى، في الانهيار، ويزداد الناس فقرا بفعل الضرائب الآخذة في الارتفاع ويتفاقم الشعور بالسخط وتفقد الدولة الدعم الشعبي، ممّا سيسمح لمجموعة قبليّة أخرى تتمتّع بعصبيّة أقوى ومدعومة بمشروعٍ سياسيّ بالاستيلاء على السلطة المركزيّة وتأسيس دولة جديدة.

 

بأيّ معيار يمكن اعتبار ابن خلدون عالم اجتماع ؟

يتبين من نصوص ابن خلدون، وخاصة مساهمته التاريخية المتعلقة بدول المغرب، أن الاهتمام بتأسيس علم جديد لم يظهر في ما تبقى من كتابه، وخصوصا أن المقدمة لا تشكل سوى تمهيد لمشروعه التاريخي العالمي؛ إذ لم يكن تحليل المجتمعات إلى حدود القرن التاسع عشر جزءا من اهتمامات الفكر العربي.

أسَّس السوسيولوجيا كلٌّ من أوغست كونت (Auguste Comte) وكلود هنري دي سان سيمون (Claude-Henri de Saint Simon)، وبعدهما إيميل دوركايم (Émile Durkheim) صاحب مشروع التحليل العلميّ للمجتمعات، والذي يقطع مع الخطاب المعياريّ للفلسفة والكتابات السياسيّة. وتجدر الإشارة إلى أنّ بعضًا من علماء الاجتماع الأوائل الذين مكّنتهم ترجمة دي سلان (باريس، 1863-1868) من التعرُّف على نصوص ابن خلدون، أشاروا إلى الأهمّيّة السوسيولوجيّة لكتابه، كما هو الحال مع أستاذ العلوم السياسية بجامعة غراتس-النمسا: لودفيج كمبلوفيتش (L. Ludwig Gumplowicz) في عمله المعنون بـ:”تصوّرات سوسيولوجيّة” (Aperçus sociologiques) المنشور بباريس عام 1900م، والذي خصّص فصله الخامس عشر كاملا لابن خلدون بعنوان: “سوسيولوجي عربي من القرن14″، يقول فيه: “أردتُ أن أبيّن أنّه ليس فقط قبل ظهور أوغست كونت بوقت طويل، بل حتى قبل ظهور فيكو الذي ابتلي غوته باكتشافه، والذي أراد الإيطاليّون عنوة جعلَهُ أوّلَ عالِم اجتماع في أوروبا، درس متعبِّد مسلِمٌ بتؤدة ظواهرَ اجتماعيّة وعبّر عنها بأفكار عميقة؛ ما كتبه ذلك الرجل هو ما نسمّيه نحن اليوم بعلم الاجتماع”. (ص225)

وفي مجلّة “Revue Internationale de Sociologie” الصادرة في مايو عام 1915، نشر رينيه مونييه مقالًا عن ابن خلدون بعنوان: ” أفكار سوسيولوجيّة لفيلسوف عربيّ”؛ حيث كتب أن المقدّمة “تتضمن شذراتٍ متناثرةً من أطروحة سوسيولوجية كاملة…، وأن المنهج في الحقيقة مميّز ويشهد على روحٍ علميّة حقّة […] مؤسَّسة على الملاحظة التحليليّة للوقائع”، وختم بوجوب إدراج اسمه في سجلّات تاريخ علم الاجتماع الوضعي. ومع ذلك، استمرّ تاريخ السوسيولوجيا في تجاهل هذا المؤسس بفعل غياب وريث له في العالم العربي كما هو الحال في أوروبا، وهو ما لم يكن ليحدث في ظل تجاهل السوسيولوجيين الأوروبيين الأوائل لنصوصه وعدم تمكنهم من العودة إليها لتطوير هذا العلم. ولن يتم إدراجه ضمن مراجع تاريخ السوسيولوجيا كمؤسس لهذا التخصص إلا بعد مضي وقت طويل.

ويجب التذكير بأنّ أولئك الذين انخرطوا في تحليل مجتمعات المغرب المستَعمر قد أفادوا من ترجمة دي سلان (De Slane)، وعلى نحو خاص بعض الشذرات الخارجة عن سياقها من نص المقدمة لتسويغ الاستعمار، دون إحالتها لا على تعريف ابن خلدون للموضوع ولا إلى منهجه في هذا العلم، أو إلى تمييزِهِ بين الخصائص الكونيّة للمجتمع وتلك التي تُميّز المجتمعات عن بعضها، ولا أشاروا إلى تلك المفاهيم المختلفة التي وظّفها لتحليل مجالي الحضر والبدو في المغرب في حقبته، ولا إلى نموذجه النظريّ (الدائريّ / التعاقبيّ) حول التحوّلات الاجتماعيّة. وفقط بعد استقلال البلدان المغاربيّة، ستصدر قراءات جديدة للمقدِّمة تُعرّفُ بمقاربة ابن خلدون وتحليلاته للمجتمعات المغاربيّة، لتصبح المقدِّمة منذ ذلك الحين واحدة من النصوص التي يتمّ تدريسها في شعب السوسيولوجيا في الجامعات.

ناقشنا إذن مقاربة ابن خلدون واهتمامه بتأسيس علم اجتماع قادرٍ على إدراك وتفسيرِ ما يقع في المجتمعات، جاعلا من إشكالية السلطة صميم اهتماماته التحليلية لمستقبل المجتمعات المغاربية.

ويَفترضُ تحليل دينامية المجتمعات الأخذ بعين الاعتبار أبعادها السياسيّة والاقتصاديّة والثقافيّة في مختلف مراحلها التاريخيّة. وابن خلدون يؤسِّس نموذجًا لمستقبل المجتمعات بناء على تاريخها، معبرا عن الرغبة في إنتاج حجاج يعرض للوقائع ويجري مقارنات بين تجارب المختلفة.

سينتقل إلينا الاهتمام بتأسيس نماذج مثاليّة، بالمعنى الفيبري للمصطلح، وعلى نحو خاص نموذجين حضاريين؛ البدويّ والمدني في علاقتهما الدائمة بالزمان والمكان؛ فما يقدّمه لنا ابن خلدون من تفسيرات حول العصبيّة، المُلك، السلطة داخل المجتمع الدولي أو الدولة والدولة السلالية كمؤسّسة؛ كلّها نتاج نماذج مثاليّة، مما يوجب التفكير في معنى المفاهيم التي استخدمها في تحليلاته التجريبيّة. يشير عبد السلام الشدادي إلى “خصوبته المفاهيميّة غير العاديّة” (الشدادي، 2006، ص 469)، وقد وقعَ اختيارُنا من بين تلك المفاهيم على مفهوم الجاه في النصِّ قيد الدراسة.

ما يجعل قراءة “سوسيولوجيا ابن خلدون” مثيرة للاهتمام، هو تركيزها على العلاقات المجتمعية غير الثابتة أكثر من تركيزها على البنيات في تحليلها للمجتمعات؛ فمفهوم “الاجتماع“، الذي غالبا ما يوظّفه، يعني”نمطًا من الروابط الاجتماعيّة”، ويذكر منصف محلا في كتابه الحديث عن المقدِّمة أنّ ابن خلدون يفضّل استخدام هذا المفهوم بدلًا من مفهوم “المجتمع” (M’halla, 2007)، وقد رأينا ذلك في استخدامه لمفاهيم العمران البدوي والحضري، وتحليله لخصائها مع التركيز على العلاقات القائمة بينهما، هذه العلاقات التي تتغير بتغير الظروف التاريخية.

ويحيل مفهوم العصبيّة الذي ناقشناه أيضًا على التماسك الاجتماعيّ؛ الذي يعتمد على علاقات القرابة ونوع العلاقة التي يربطها الوازع (الملك) مع الجماعة؛ إذ تعتمد قوّة العصبيّة على العلاقات التي تربط المجموعات الصغيرة فيما بينها داخل القبيلة، وتلك التي تربط القبيلة مع المجموعات القبليّة الأخرى الموالية. وتساعد هذه العلاقات على تعزيز قوّة الجماعة؛ إذ تسمح قوّة العصبيّة المعززة عمومًا بأيديولوجيا سياسيّة-دينيّة قويّة بتأسيس الدولة. ويعتمد التماسك الاجتماعيّ بشكل أساسيّ على قدرة الرجل على السيطرة على جماعته وعلى العلاقات الدياليكتيكيّة التي تنشأ بينه وبين الآخرين، في سياق لا تتساوى فيه دائما المجموعات الفرعية للقبيلة، عكس ما يقدمه النظام القبلي من تفسير لهذا التقسيم. ويمكننا تقديم أمثلة لهذا التفسير وأخرى لما يميز المجتمعات على مستوى الروابط الاجتماعية. وإذا كانت العلاقات في العالَم البدويّ تستند أساسًا إلى علاقات القرابة المتينة، فإنّ هذه العلاقات تقلُّ متانة في العالَم الحضري؛ يُعتبر المجال الحضريّ طبقيًّا من حيث البناءُ الاجتماعيّ.

ويميّز ابن خلدون بين رجال السلطة، الدولة وحاشيتها، والعلماءَ الذين يعرفون بعلمهم، وبين مختلف المهنِ المحددة بالعمل والحرفيّة. وخصص الفصل الخامس من المقدّمة لوصف مختلف الحرف والمناصب المتباينة للفاعلين الاجتماعيين داخل المجتمع.

يسمح مفهوم الجاه بتفسير الحظوة التي يتميّز بها الرجال في المجتمع الحضريّ؛ ليس فقط استنادًا إلى ما يشغلونه من مناصب، بل أيضًا استنادًا إلى ما ينسجونه من علاقات مع غيرهم ممّن يمتلكون السلطة، بدءًا بالحاكم وحاشيته، ووصولًا إلى العلماء؛ فمفهوم الجاه يسمح بالتمكين والحظوة لمن تربطه علاقة بالسلطة أو بالدين، وهو تمكين نسبي يعتمد على وظائف وقرب الأشخاص الذين تربطنا بهم هذه العلاقة، وكذا ظروف نشأتها، فقد تربح هذا التمكين وتناله كما قد تُجرَّد منه وتَخسره. ويمكن مقارنة هذا، بمفهوم رأس المال الاجتماعيّ كما حدَّده بيير بورديو (Pierre Bourdieu)، باعتباره رأسَ مالٍ يعتمدُ على ما نقيمه من علاقات مع الشخصيّات أو الرموز المهمّة في سياقٍ محدَّد. يعرض ابن خلدون من خلال قراءة تمحيصية للتاريخ، الطبقيةَ الاجتماعية واختلالاتها وهشاشتها أمام الظروف التاريخيّة؛ فالمجتمع دائما “في تفاعل”

ختاما، عبر ابن خلدون في عصره عن ضرورة ابتكار علمٍ جديدٍ قادرٍ على تحليل وتفسير الظواهر الاجتماعية؛ حيث اقتضت الأزمة غر المسبوقة التي كانت تمر منها المجتمعات المغاربية القطع مع السرد البسيط للأحداث، واللجوء إلى منهجة كشف علمية.

رغم ثقافة ابن خلدون الدينية المتجلية في استحضار تعاليم القرآن في نصوصه، فإنه كذلك وريث الفكر اليوناني وفلاسفة العرب وعلمائهم، ولو لم يتم تجاهل نصوصه، وخاصة المقدمة، والإعراض عنها لفترة طويلة، لكان المؤسس لعلم جديد هو السوسيولوجيا، الذي لن يرجع له فضل اكتشافه إلا في القرن التاسع عشر. ومن المهمّ أن نتذكّر أنّ مشروعَه والتحليلات التي قام بها للمجتمعات المغاربية في عصره تمثل اليوم مادّة تعليميّة غنيّة لفهم المجتمع الذي يتشكل في امتداد مع الماضي أو انقطاع تام عنه.


الهامش:

[1] صدر كتاب “العبر” من منشورات بولاق عام 1848م، وعرفتْ طبعةُ أخرى النور عام 1983م ببيروت ( دار الكتاب اللبناني)، و ترجمَهُ (baron de Slane) للمرّة الأولى إلى اللغة الفرنسيّة ونُشر بباريس عام 1852م. ونُشرت ترجمة ثانية لفينيست مونتيل (Vincent Monteil) ببيروت ما بين العامين 1967-1968م (مجموعة اليونسكو للأعمال التمثيليّة، اللجنة الدوليّة لترجمة الروائع). اعتمدنا ترجمة عبد السلام الشدادي “كتاب الأمثلة” الذي يجمع بين السيرة الذاتيّة لابن خلدون والمقدّمة (باريس، غاليمار، مكتبة البلياد، 2002م).

[2] تقع في بلدية فرندة بالجزائر في منطقة تيارت. في هذه البلدية سيولد جاك بيرك.

[3] المقدّمة، ترجمة فينيست مونتيل، ص: 5.

[4] سيكون هذا رأي إميل دوركايم أيضًا: في مقدّمة العدد الأوّل من “السنة الاجتماعيّة”؛ يعرض انعكاسًا لعلاقات علم الاجتماع مع التخصّصات الأخرى عمومًا والتاريخ خصوصًا: “لا يمكن للتاريخ أن يكون علمًا إلّا إذا فسَّر، ولن يُفَسِّر إلّا إذا قارنَ… ومع ذلك، فإنّه بمجرَّد أن يُقارِن يَلتبس بعلم الاجتماع..” مقدّمة العدد الأوّل من “السنة الاجتماعيّة”، 1897-1896م، مجلّة علم الاجتماع، إميل دوركايم، تقديم وملاحظات جان دوفينجو (Jean Duvignaud)، باريس، مطابع الجامعة الفرنسية، م1969، ص: 32.

[5] المقدّمة، ترجمة أ. شدادي، ص: 251-252.

[6] المقدّمة، المرجع السابق، ص: 255.

[7] وهو ما يوافق العبارة الشهيرة لتوماس هوبز: “الإنسان ذئب لأخيه الإنسان”.

[8] مجلّة التاريخ، وقائع الندوة الدوليّة حول ابن خلدون، الجزائر، SNED، 1982.

[9] المقدّمة، ترجمة أ. شدادي، ص: 851.

[10] المقدّمة، المرجع السابق، ص: 177-178: “الرؤساء والأمراء الذين يمتلكون سلطة على الآخرين قلّةٌ إذا ما قورِنوا بغيرهم من البشر. وعمومًا، كلّ فرد يخضع بالضرورة لسلطة فرد آخر. حين تكون السلطة لطيفةً وعادلة ولا تفرض قوانينها ومحظوراتها، فإنّ من يخضع لها يُظهر شجاعته أو جُبنه، ويتحرّر من الإكراه حتى تصير حرّيّته في السلوك طبيعيّة بالنسبة إليه، ولن يستطيع أن يسلك بنحو آخر غيرها. وعلى العكس من ذلك، إذا اقترنت السلطة وقوانينها بالقوّة الغاشمة والترهيب، فإنّ ذلك يكسر شجاعة الخاضعين لها وتختفي قدرتهم على الدفاع عن أنفسهم، بسبب الجمود الذي يسيطر على النفوس المضطهَدة… “.


البيبليوغرافيا

  • Ben Salem (1973), « La notion de pouvoir dans l’œuvre d’Ibn Khaldoun », Cahiers Internationaux de Sociologie, vol. LV,
  • Cheddadi (2006), Ibn Khaldûn. L’homme et le théoricien de la civilisation, Paris, NRF, Éditions Gallimard
  • M’Halla  (2007),Lire la Muqaddima d’Ibn Khaldoun. Deux concepts-clés de la théorie khaldunienne: ‘’asabiya et taghallub (force et domination), Tunis, Centre de Publication Universitaire

أعجبني المقال

المصدر
openedition

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى