الفلسفة

فناء العلوم الإنسانية

  • جيمس غارفي*
  • ترجمة: زينب بنت فؤاد عبد المطلب
  • تحرير: محمود سيّد

تروي مارثا نوسباوم لجيمس غارفي سبب التهديد الذي يُواجه العلوم الإنسانية:

إننا في خضمّ أزمة لها أبعادها الواسعة واعتبارها العالمي الجسيم. لا أقصد الأزمة الاقتصادية العالمية … بل أزمة تنسلّ بخفاء مثل السرطان؛ أزمة من المرجح أن تكون على المدى الطويل أكثر ضررًا على مستقبل الحكم الذاتي الديمقراطي: “أزمة تعليم عالمية”. بهذه الصرخة افتتحت مارثا نوسباوم كتابَها الجديد: ليس للربح: لماذا تحتاج الديمقراطية إلى العلوم الإنسانية (Not for Profit: Why Democracy Needs the Humanities).

استهلّت كتابَها بتحديد توجُّه عالمي يُقصِي صنّاعُ السياسات وجامعاتٌ ودولٌ بأكملها العلومَ الإنسانية ويركزون على موضوعات أكاديمية مرتبطة بالنمو الاقتصادي. ثم تُحاجِج عن وجود ترابط بين تدريس العلوم الإنسانية والمواطنين ذوي التفكير الحر والديمقراطية الصحية. تعطيل العلوم الإنسانية سيقضي على الشعب القادر على القيام بما تتطلّبه المواطنة الديمقراطية. بالكاد نطوي صفحة الكتاب الأولى حتى تحذّرنا من أنّ “دول العالم ستصنع قريبًا أجيالًا من الآلات المفيدة، بدلًا من مواطنين كاملين يمكنهم التفكير بأنفسهم وانتقاد التقاليد وفهم أهمية معاناة وإنجازات شخص آخر. مستقبل ديمقراطيات العالم على المحكّ”. لكن هل الأمر بهذا السوء؟

تقول مارثا: “لا أكتب ما يُثير القلق عادةً”، “كان بيت القصيد في كتابي “تنمية الإنسانية” (Cultivating Humanity) أنّ التغييرات التي نشهدها إيجابيةٌ فيما يتعلق بالتعليم العالي، فإننا نواجه تعقيد العالم الجديد بشكل أفضل. ونحسن ثقافتنا عن النساء والأعراق والثقافات غير الغربية. لكن هذا لم يعد صحيحًا بعد الآن”.

وتذكر بعض الجامعات الأمريكية التي أغلقت أقسام الفلسفة، و”إذا حدث ذلك في الولايات المتحدة -حيث نظام العلوم الإنسانية راسخ بعمق، وحيث يوجد نظام راسخ أيضًا للأعمال الخيرية الخاصة، وحيث يمنح النظام الضريبي حوافز قويةً لهذا النوع من الأعمال الخيرية- فسيحدث على نطاق أوسع في بلدان أخرى. يُخطَر أناس من جميع أنحاء أوروبا بحدوث تضييقات كبيرة على العلوم الإنسانية”.

نوسباوم مطّلعة على خطط في المملكة المتحدة لتوزيع التمويل في التعليم العالي استنادًا جزئيًّا إلى التأثير الاقتصادي للبحث العلمي. الفكرة ذاتها تُجفِل الفلاسفة. “السعي إلى التأثير مُخيف؛ لأنه لا يمكن قياس دور العلوم الإنسانية في حياة الناس بطريقة بسيطة. لا نطرح الأسئلة الصحيحة. لا يُفهَم التأثير على أنه كيفية إثراء الثقافة السياسية، وإحساس الناس بالمعنى، وقدرتهم على التواصل مع بعضهم باحترام. ليس هذا المقصود بكلمة “التأثير” إطلاقًا”.

تعرف نوسباوم الكثيرَ عن التعليم في أجزاء عديدة من العالم، وقد فوجئتُ بالتحليل التفصيلي للحالة الراهنة في كوريا، واتضح أنها تعمل بشكل جيد نسبيًّا. إلا أنّ بقية العالم يُضحّي بالتاريخ والفن والأدب من أجل العلوم والاقتصاد والمحاسبة. تتطرّق للموضوع عندما تأتي أخيرًا إلى الهند، وهي دولة قريبة من قلبها. هناك عدد من الأفيال الصغيرة على مكتبها وأرضيتها -منحوتة، مصقولة، مرسومة، مستعدة للمعركة وبعضها الآخر يضحك-تُشير إلى أكبرهم سمّته: “بطلي العظيم نهرو ذو العيون المعبرة”.

تقول إنه على الرغم من حب نهرو للفنون، إلا أنه اعتقد أنّ بلدًا ناميًا يحتاج إلى العلم قبل كل شيء، وهو أمر يُترجم بسرعة إلى ربح ووظائف. وتقول إنّ الناس ما زالوا يعتقدون ذلك في الهند اليوم. في المحادثات التي أجرَتْها مع المسؤولين الحكوميين الهنود المشاركين في التعليم، شعرَتْ بأنهم لا يُعارضون العلوم الإنسانية، لكنّ مخاوفهم كانت في مكان آخر. يُريدون تخريج مهندسين وعلماء كمبيوتر وليس مؤرخين.

هل نهرو مُحقّ؟ هُناك تلك الحجة القديمة، ربما تعود للإسبرطيّين الهزيلين الواضعين نُصبَ أعينهم الأَثِينِيّ المُكتَنِز، أنّ العلوم الإنسانية كمالية، من الصواب أحيانًا وضع الكماليات جانبًا. أليس من المعقول أحيانًا الدفع باتجاه النمو الاقتصادي على حساب العلوم الإنسانية؟

“تنضب المخيّلة عن الجمع بين هذه الأشياء. بالطبع نحتاج إلى تخريج علماء حاسب ومهندسين، ولكن لماذا لا يخوضون سنواتٍ من التعليم العام حيث يتعلمون ما يُؤهّلهم للمواطنة والحياة؟ هم مواطنون أيضًا مهما كانت تخصصاتهم.

“الجامعات الكبرى التي لديها كليات هندسة لا تدرس الهندسة فقط. تطرح موادّ في الفلسفة والأدب أيضًا. في تخصّصَي التسويق وعلم الحاسب، يسهل تخصيص عامَين للتعليم العام. إذا كان هذا هو المتوقع، هذا ما تعنيه درجة البكالوريوس، فإن الناس سيتقبّلون الأمر. يتم جرّهم أحيانًا وهم يصرخون إلى تلك المواد، ولكن بمجرد أن يدرسوها تفتح لهم آفاقًا جديدة. يتساءل بعض الطلاب، “لماذا سأدرس مادةً في الفلسفة؟”، لكنهم أدركوا فجأةً أنها تغيّر موقفهم من الجدل السياسي. تحثّهم على التفكير نقديًّا حول ما يتم تغذيته لهم من قِبَل السياسيين. هذا جيد لهم ولعلاقتهم مع الآخرين”.

ترى نوسباوم أنّ تنمية علاقاتنا مع بعضنا هي جزء كبير من تعليم العلوم الإنسانية. العلاقة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بمفهومها للرفاه الإنساني. إذا كان كل ما يهم هو النمو الاقتصادي، فإنّ تعليم أساسيات الحساب ومعرفة القراءة والكتابة هو كل المطلوب. لكن نوسباوم تُجادل منذ سنوات بأن المال مقياس فظيع لخيرية الإنسان. بالتعاون مع أمارتيا سين وآخرين، قامت بتوضيح منهج القدرات.

يتردّد صدى هذا الرأي في الدوائر الفلسفية، كما أنّ له تأثيرًا حقيقيًّا خارج الأوساط الأكاديمية أيضًا. لقد غيّر طريقةَ قياس بعض الحكومات لرفاهية الإنسان. يصنّف مؤشرُ التنمية البشرية للأمم المتحدة دولَ العالم من حيث مستوى المعيشة إلى جانب أمور مثل العمر ومستويات التعليم. تُوجِّه هذه الأمور صانعي السياسات. نوسباوم من بين من يقفون وراء جمعية التنمية البشرية والقدرة، والتي يُظهر موقعها الإلكتروني أنّ لديها أعضاء في أكثر من 70 دولة تروِّج “للبحث في العديد من التخصصات حول المشكلات المتعلقة بالفقر والعدالة والرفاهية”.

تكتب كتابًا تأمُل أن يُقدِّم المنهج إلى جمهور أكبر. تُصرِّح بأنّ أعمالها المنشورة حول هذا الموضوع “أكاديمية ويصعب تدريسها للطلاب غير المختصّين بالفلسفة أو طلاب دراسات التنمية أو العلوم السياسية.” هل يمكننا تعريف نهج القدرات دون الأدوات الفلسفية الراسخة؟” نهج لمعرفة ماهية السؤال الصحيح، السؤال الذي يجب طرحه عندما تُحاول تقييم مدى جودة أداء بلدٍ مّا. لا يتعلّق الأمر بحجم الثروة، ولكنه سؤال أعمق: ما الذي يستطيع الناس أن يفعلوه ويكونوه في مجموعة من المجالات التي تحدّدها بعد ذلك، مثل الصحة والتعليم ونوعية الحريات السياسية”.

تقول نوسباوم أنّ عليك مواجهة الأمر ووضع قائمة بالقدرات التي تعتقد أنها مهمة، ثم حاجِجْ عنها لاحقًا. تتضمّن “قائمتها الشهيرة أو ربما سيئة السمعة” القدرة على عيش حياة طويلة بشكل لائق، والقيام بما يتطلّبه التمتع بصحة جيدة، والتنقل بحرية، والتخيّل والتفكير والشعور، وتكوين علاقات عاطفية، وتكوين فكرة عن الحياة الجيدة والتخطيط وفقًا لها، العيش من أجل وبالتواصل مع الآخرين، والاهتمام بالأنواع الأخرى، واللعب، والتحكّم في بيئة الفرد السياسية والمادية.

“كثيرًا ما يُستخدم هذا النهج نسبيًّا. غالبًا ما نستخدمه في التنمية، نفترض أنّ بلدًا مّا أفضل من غيره في المعايير التالية. لكني أستخدمه أيضًا كعنصر أساسي لإنشاء نظرية الحدّ الأدنى من العدالة الاجتماعية. الدولة العادلة في الحدّ الأدنى هي دولة تضمن للشعب حتى مستوى عتبةٍ معيّن من الإمكانات العشر في تلك القائمة. كَوني فيلسوفةً وتلميذةً في راولز، فأنا مهتمة بالتفكير في العدالة. لا بأس بالمقارنة، لكنني أريد أن أطرح سؤالًا أهمّ: ما مدى الجودة التي يجب أن تحقِّقها لكي تكون نزيهًا، حتى تكون عادلاً بالحد الأدنى؟”

على الدولة الكريمة أن تثقِّف مواطنيها بهذه القدرات، وهذا يعني أن تأخذ العلوم الإنسانية على محمل الجدّ. عندما يتعامل المواطنون مع بعضهم سياسيًّا، تقول: “يجب أن يكون هناك مزيد من التأمل والتفكير والنقد للحجج السيئة. يتعلق الأمر بكيفية رؤيتك للآخرين. النزعة هي أن ترى الناس على الجانب الآخر من قضيةٍ مّا على أنهم مجرد قوى شيطانية يجب هزيمتها. برامجنا الحوارية وثقافة الإنترنت تشجع على ذلك. أنت لا تستمع إلى ما يقولونه، تريد فقط التحدث بصوت أعلى والفوز بالمعركة. ولكن إذا درست موادّ في العلوم الإنسانية، فستتعلم أنّ لكل شخص أسبابَه. تتعلّم الاستماع إلى هذه الأسباب”.

أعطَتْ مثالاً على مهمة تتطلّب من طالب صادفَ أنه يؤيّد عقوبة الإعدام أن يصوغ حُجَجًا ضدها. “لم يفهم أبدًا أنه يمكن تقديم حجة لموقف لا تتبنّاه بنفسك. أعطاه هذا التمرين نظرةً ثاقبةً جديدةً على الجانب الآخر: أشخاص لديهم أسبابهم مثله. بمجرد تحديد هذه الأسباب سترى أنّ هناك أرضيةً مشتركةً. تَصَوَّر خصومَه بشكل مختلف. كانوا أشخاصًا يمكنك الاستماع إليهم والتحدث معهم. كان هناك احترام”.

“عند التعامل مع المواقف حيث يوجد استقطاب عِرقي وديني إضافةً إلى الاستقطاب السياسي، فإنّ الاستماع لا يتطلّب فقط الحُجَج ولكن تنمية الخيال. يجب فهم أين نشأ الآخرون، وتاريخهم، وتجربتهم في الحياة. لا يتطلّب الأمر الفلسفة فقط بل التاريخ والأدب. يجب أن يكون الاستماع أكثر تعقيدًا. من السهل شيطنة كل أعضاء المجموعة. مثلما حصل في أمريكا مع الهجرة الكاثوليكية. نفس الشيء يحدث مع الإسلام اليوم في جميع أنحاء العالم. إنّ التعليم الجيد لا يعلّمك فقط أشياء محددةً عن التاريخ الديني، بل سيعلّمك أيضًا اتخاذ موقف فكري. قبل أن تُدِين، حاول أن تتخيّل وتفهم منابت الناس المختلفة. إذا لم تفعل، فمن الأسهل تبني الكراهية، وحتى العنف ضد الناس”.

“القضايا الجنسانية معقّدة للغاية؛ لأنّ الناس يمكن أن يكونوا مليئين بالتعاطف ومع ذلك يؤمنون بالمسار المحافظ فيما يتعلّق بما يجب أن تفعله المرأة. الأمر أعقد بهذا المعنى من العِرق. لقد شهدنا تقدّمًا سريعًا في التوجه الجنسي أيضًا. تختلف مواقف من هم أصغر من ثلاثين عامًا تمامًا. مع النساء، لا يتغير الأمر بهذه السرعة، لأنّ الناس يحققون منفعةً أكبر من أشكال معينة من عدم المساواة. حقيقة أنهم يحبون شخصًا مّا لا يغير ذلك”.

تستفيض نوسباوم بذكر أهمية الخيال واللعب في حياة الطفل. يُساعدنا على البدء في رؤية العالم من وجهة نظر الآخرين. في كتابها “ليس من أجل الربح”، تتوسّع في الحديث عن كيفية استبقاء هذا الأمر في حياة البالغين بالذهاب إلى المسرح، وحتى غناء أغاني ثقافة أخرى في جوقة. يمكن أن يساعدنا ذلك على رؤية النقاط الثقافية العمياء لدينا. في الفصل الدراسي، يجب على المُحاضر أن يفكر في ماهية تلك النقاط العمياء وأن يختار موضوعًا ينتج عنه النوع الصحيح من الفهم والشعور. يتساءل أحد مُراجعي الكتاب عما إذا كان هذا لا يقلّ عن كونه نوع من الرقابة.

السؤال “بماذا يُكلّف الأستاذ الطلاب؟” معقّد بحدّ ذاته. نتعلم الكثير من رؤية الأعمال المعبّرة عن الكراهية. هناك عدد قليل من الأعمال لا ينبغي علينا تكليفها للطلاب لخطورتها. يتعلّق هذا بالمواد الإباحية العنيفة لأنها تُخيف ضحايا الاعتداء الجنسي، وهي مُحفِّزة لمن هم عرضة لارتكاب الاعتداء الجنسي. هل يجب تكليف الطلاب بكتاب كفاحي (Mein Kampf)؟ نعم. من المنطقي توضيح كيف كان الأمر ولماذا التفّ الناس حوله.

السؤال التالي هو كيف نُدرّسه. إذا درّست عملاً يُلهم الكراهية، فمن الصواب تدريسه نقديًّا، وتوضيح أنّ سبب قراءته هو دراسة شيء سيئ ومعرفة كيفية ظهوره. هذا لا يعني عدم فتح مساحة حرة في الفصل. أعتقد أنك تريد أن يكون الطلاب أحرارًا ليقولوا، “أعتقد في الواقع أنّ هذه فكرة جيدة.” أحاول دائمًا في فصل النسوية الحفاظ على تلك المساحة ليتمكّن البعض من قول، “أعتقد أن روسو كان محقًا في أن المرأة يجب أن تكون في المنزل وأن مجالها مُنفصل تمامًا” لديّ بعض الطلاب المحافظين، وأريدهم أن يشعروا بأنهم منخرطون في النقاش.

“أتذكّر سؤال طالبة كانت تفكر في حضور فصل دراسي عن النسوية، “ماذا يُقصد بالنسوية؟” بصوت مليء بالشك، “ما الذي علينا أن نُوافق عليه … إذا أردنا أن نكون في هذا الفصل؟” قالت ذلك وهي تضحك. “إنّ النساء عانينَ من الكثير من المشاكل الخطيرة عبر التاريخ، وسيكون من الجيد مُواجهة تلك المشاكل والتفكير فيما يجب فعله حيالها. سيكون هذا شرطًا ضروريًّا لكونك عضوةً في هذا الفصل، ولكن إذا كنتِ تعتقدين أنّ الحل الصحيح هو الدين القديم، فعليكِ المُحاججة عن موقفك”.[1]

كما تتحدّث عن دور الحجة والفلسفة في تدريس العلوم الإنسانية، فقد خصّصت لذلك فصلًا كاملًا من كتاب “ليس للربح”. تُناقش أهمية علم أصول التدريس السقراطي، والأسئلة، والتدقيق الذاتي، والفهم بدلًا من الحفظ، والنقد، والجدل. أتساءل ما إذا كان هذا يقلّل من قيمة الفلسفة بطريقة غير مباشرة، ويختزلها إلى مجرد وسيلة للمواطنة الصالحة.

الفلسفة هي أحد أسس المُواطنة الصالحة. إنها ليست مجرد وسيلة إليها. تصبح جزءًا مما أنت عليه عندما تكون مُواطنًا صالحًا – شخصًا مفكرًا. للفلسفة أدوار عديدة، يمكن أن تكون مجرد لعبة ممتعة تلعبها، يمكن أن تكون طريقةً لمحاولة فهم موتك أو مرضك أو مرض أحد أفراد عائلتك. لديها مجموعة واسعة من الوظائف في حياة الإنسان، بعضها مرتبط بالأخلاق، والبعض الآخر ليس كذلك. المنطق نفسه جميل. أنا أركِّز على المجال الذي يمكنني من خلاله استمالة الناس، وأقول “أعِرْني اهتمامك، أنت تهتمّ بالديمقراطية، أليس كذلك؟ ثم من الأفضل أن ترى أهمية دور الفلسفة”.

للفلسفة مكان ليس فقط في الحفاظ على الديمقراطية. تجادل نوسباوم بأنّ تدريس العلوم الإنسانية -والفلسفة على وجه الخصوص- مهم لعيش حياة ذات معنى[2]. نحن بحاجة إلى الفلسفة للنقد والتحليل، ولكن أيضًا لمساعدتنا على فهم حيواتنا الداخلية، مشاعرنا ومواقفنا تجاه بعضنا البعض. هذا جزء مما يعنيه أن تعيش حياةً مُزدهرةً.

“إنه عالم سريع الحركة. هناك العديد من الأسباب تدفعك بعيدًا عن النظر إلى الداخل. ثقافات الأقران، ثقافات سنّ المراهقة على وجه الخصوص، تنافسية للغاية لدرجة أنهم لا يشجّعون التأمل والتفكير، “ما الذي أشعر به الآن؟ ما هي أسماء هذه السلسلة من المشاعر التي أمرّ بها؟ عندما تخرج إلى الحياة، تخوض مختلف التجارب المُزعجة. تحبّ الناس وهذا لا يحدث دائمًا بسلاسة. لديك أطفال وهذا يجلب معه مجموعةً معقّدةً من المشاعر والعلاقات. عليك أن تواجه مرضك وموتك أو الأشخاص الذين تحبّهم. في كل هذه المواقف، يجب أن تكون قادرًا على النظر في داخلك وفهم ما تشعر به.

“فهم ميل Mill من تجربته الخاصة مع الاكتئاب أنّ القدرة على قراءة الشعر -والتفكير في العواطف المرتبطة بعمل أدبي- كانت جزءًا هائلًا من تنمية العالم الداخلي. يجعلك قادرًا على الحب والسعادة والاستقرار.

“تخبرك الفلسفة أنه من الأفضل أن تنظر في داخلك. ترتبط الفلسفة بالطريقة التي أُمارسها بها ارتباطًا وثيقًا بالأدب والخيال. على سبيل المثال، عندما تتعامل مع التفسيرات الفلسفية للعاطفة، كيف يمكنك التفكير بها فلسفيًّا دون أن يكون لديك أمثلة قوية عليها؟

“أتفق مع ميل في أنّ التعليم فيما يتعلق بالعواطف يجب أن يحتوي على عنصر جمالي. إنه طريف بهذا الشأن. يقول في إنجلترا، إننا لا نفهم هذا لأننا نعتقد أنّ الحياة تدور حول كسب المال. هناك أيضًا إرث التزمّت. نعتقد أنّ هناك شيئًا شريرًا في خوض المشاعر المرتبطة بالأعمال الفنية. والنتيجة أننا أصبحنا ضيّقي الأفق وشحيحين. لدينا ضمير أخلاقي صارم، ولكن قليلًا مّا نتعاطف مع الآخرين.

“ينطبق ذلك على الكثير من الناس في كثير من الأماكن والأوقات. صرامة الضمير دون القدرة على التعاطف والحب يمكن أن يُلحِق ضررًا كبيرًا عندما تكون والدًا أو صديقًا أو مُحبًّا. لذلك من المهم أن تقرأ وتفكر في الأعمال الفنية لتعيش حياةً ذات معنى”.

بالإضافة إلى حماية الديمقراطية ومساعدتنا على عيش حياة ذات معنى، تقول نوسباوم أنّ للعلوم الإنسانية دورًا أكبر بكثير. نظرًا للطابع العالمي للمشكلات التي نُواجهها والترابط الجديد بين شعوب العالم، فإنّ التعليم من أجل المُواطنة العالمية ضروريّ أيضًا. يكاد يكون من نافلة القول أنّ المواطن العالمي يجب أن يكون لديه خلفية غنية في العلوم الإنسانية، بعض المعرفة في الفنون والتاريخ واللغات والمعتقدات والممارسات الخاصة بالثقافات الأخرى. لكن المطالبة بالمواطنة العالمية يجلب معه نوعًا غريبًا من التوتر. لنفترض أنك ترى نفسك مواطنًا عالميًّا، ولديك اطلاع على اتساع وتنوّع التجربة الإنسانية، فضلاً عن المشاكل والأهوال وضخامة أشياء مثل الفقر والاحتباس الحراري، والإرهاب والحرب والجوع. إذا كنت ترى نفسك مواطنًا عالميًّا وتدرك أنّ مشاكل العالم هي مشكلاتك أيضًا، فماذا عساك أن تكون سوى مشلول بسبب هذا الإدراك؟ ماذا يمكن لمواطن العالم أن يفعل حيال مشاكل العالم؟

“أُعطي أهمية كبيرة للدولة. إنه لأمر جيد أن تبقى الدول في العالم. إنها أكبر الوحدات المسؤولة بكرامة أمام الشعب، الشعب الذي يعبّر عن رغبته في منح نفسه قوانين من اختياره. الكثير من الواجبات العالمية تتمّ بوساطة الدولة.

“ماتزيني، الثوري الإيطالي العظيم، كان مُسدَّدًا في قوله أنه لا يمكنك توقّع أن يحب الناس الإنسانية بشكل مباشر. إنه أمر مشتت وكبير جدًّا. اجعلهم يحبون الدولة أولاً واستخدم ذلك كرافعة للانتقال إلى العالم. هذا ممكن. تحتاج إلى مشاعر حب الوطن من نوع معيّن ينصبّ على المُثُل الأخلاقية التي يمكن ربطها بمُثُل عالمية.

“هذه ليست أضغاث أحلام. كان لينكولن يُجيد ذلك. يتحدّث عن أمريكا لكنه ينتقل فورًا إلى المسرح العالمي. مستشارو روزفلت نصحوه أن يحذف كل الإشارات إلى “جميع أنحاء العالم” في خطابه الثاني بشأن وثيقة الحقوق، لكنه أبقاها. قال: “إننا نريد هذا الأمر وذاك في أمريكا وجميع أنحاء العالم”. النموذج العظيم لهذا هو نهرو. عشيّة استقلال الهند، تتوقّعه أن يقول: “راه راه! الآن نحن دولة! إلا أنه قال: “هذه الأحلام للهند، لكنها أيضًا للعالم، لأنّ جميع الأمم والشعوب متماسكة معًا اليوم بشكل وثيق بحيث لا يمكن لأيّ واحد منهم أن يتخيل أنه يمكنه العيش مُنفردًا …”.

تقول نوسباوم أنّ المحاولات السياسية لربط الاهتمامات الوطنية والعالمية ليست سهلة، لا سيما في الأوقات صعبة. ومع ذلك، هناك أسباب وجيهة للمحاولة. “تشمل المقومات التركيز على كيفية مواجهة بعضنا في المجالات ذات الاهتمام المشترك مثل البيئة. يجب أن تُعنى كل أمة بالسلام. يجب أن نهتمّ بظروف العمل في جميع أنحاء العالم وكيفية تعليم الدول الأخرى مُواطنيها. يمكن إقناع الناس بذلك على أنه منطق سليم. إذا فعلنا ذلك في باكستان، فلن تكون هناك الكثير من المشاكل. أدّت فكرة أننا لا نريد القيام ببناء دولة إلى الوضع الذي نحن عليه الآن. هناك أسباب حكيمة للمشاركة في الرفاه العالمي”.

وتقول أنّ الأفراد يمكنهم المساهمة أيضًا. “يتعيّن علينا توعية الناس بالتفكير في طرق مختلفة لتقديم المساعدة. اقترِحْ لهم طرقًا يمكنهم من خلالها العمل من أجل العالم، البعض ينخرط للتبرّع بالمال. يتضمّن بعضها العمل لدى وكالة دولية، هناك العديد من الأشياء التي يمكن للفرد فعلها”.

على الرغم من الحديث عن “أزمة” و”الحالة المُلحّة”، تظلّ نوسباوم متفائلةً، حتى عندما تُلقي على كاهلها التهديدات العالمية للإنسانية. وتقول أنّ التعليم الديمقراطي لا يزال يعمل بشكل معقول في الولايات المتحدة، وأنه يدعم المواطنة الديمقراطية أفضل مما كان عليه قبل خمسين عامًا. تتمّثل الأزمة في الولايات المتحدة أنّ هناك الآن الكثير لتخسره. لكنني كنت أعتقد أنّ الأمور قد ساءت هناك مؤخرًا، لا سيما عندما يتعلق الأمر بالنقاش السياسي المنطقي. ذكرتْ حديث الإذاعات والإنترنت. بالطبع ليست الولايات المتحدة فقط. أتساءل عما إذا كانت قد تابعت Prime Minister’s Question Time.

“يوجد قوى مضادة. ما يحدث في الفصول الجامعية ليس سوى جزء من حياة الناس. هذا الجزء يؤدّي عمله بشكل أفضل. عندما كنت في الجامعة لم أتعلّم أي شيء عن تاريخ العلاقات بين الأعراق في بلدي. لم أتعلّم أبدًا أي شيء عن الأديان والثقافات غير الغربية. لم أكن أعرف ما هي البوذية. لم أكن أعرف الإسلام أو الهندوسية. لم أكن مهيئةً للمناقشات التي خضتها. أعتقد أنّ الطلاب اليوم ليسوا على هذا المستوى من عدم الاستعداد.

“التقدّم الذي أحرزناه في العلاقات بين الأعراق يقع على عاتق نظام التعليم العالي لدينا. نتعلّم الكثير حول ماهية العبودية وما فعلناه بالناس في فصل دراسي أكثر تعدديةً حيث تُسمع المزيد من الأصوات. من ناحية أخرى، يخرج الطلاب إلى عالم لا يزال فيه أشياء تسير في الاتجاه الآخر”.

الطبيعة البشرية يمكن أن تدفعنا في الاتجاه الآخر. تناقش نوسباوم قوة النرجسية وانعدام الأمن والعار، القوى التي تؤثر علينا في سنّ مبكرة وتعترض طريق الرحمة والخيال والتعاطف والتفاهم. هل يمكن لبضع سنوات في الجامعة أن تُبطِل كل ذلك؟

“اعتقدَ ميل أنه بحلول الوقت الذي تذهب فيه إلى الجامعة، كل ما يمكنك فعله هو تمثيل أشخاص ذوي وجهات نظر مختلفة ومجموعة كاملة من الحقائق، ويمكنك حثّهم على قراءة الشعر وتنمية خيالهم وصقله. أنت تعمل على مصادر تمّ التأثير عليها بشدة من قبل”.

“ما فات ميل هو أنّ الجامعة تكون أول مرة يبتعد فيها الناس عن منازلهم. فجأةً أصبحوا بعيدين عن السلطة الأبوية ليكوّنوا هويتهم الخاصة. لديك فترة مكثفة لاتخاذ الإجراءات اللازمة. لديك عوامل التطوّر في صفك لأن الطلاب يحبون التساؤل. يريدون أن يُرخوا حبال شيءٍ مّا. إذا لم يكونوا محبوبين أبدًا، فأعتقد أنّ الأمر ميؤوس منه. يمكنك أن تأمل أن يكونوا توّاقين للحب، ويمكنك البدء في تلبية هذه الحاجة بطريقةٍ مّا. أما إذا لم يكونوا محبوبين، فهم بحاجة إلى العلاج لا الفصول الجامعية”.


  • جيمس غارفي محرر في مجلة الفلاسفة.

[1] – المقصود هنا هو الإشارة على تدني منزلة المرأة في المسيحية؛ وأن ذلك لن يكون حلا للأزمة، بل هو بالأحرى سببها. -الإشراف.

[2] – هذه هي أطروحة الكاتبة، ومن الجدير بالذكر أن من العلوم الإنسانية ما هو أهم بكثير من الفلسفة، ومن ثم فالاعتراف بأهمية العلوم الإنسانية لا يلزم منه أن التفلسف هو سبيل يفضي إلى الوصول إلى معنى الحياة. -الإشراف.

أعجبني المقال

المصدر
philosophersmag

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى