تقارير ودراسات

التضحية بالبشر في الشرق الأدنى القديم ومصر القديمة

  • ليرك ريشت*
  • ترجمة: محسنة فدعق
  • تحرير: عبير الشهري

لطالما كانت التضحية بالبشر نابعة من هوس مظلم، و ولعٍ مليء بالغموض، لكن هل هي حقا بهذه الصورة؟ تتطلب التضحية بالبشر تخطيطًا دقيقًا لقتل بشر آخرين، وأسلوب تفكير وعمل غريبين، ذلك العمل الذي يبغضه الإنسان العادي. هذه الرؤية -التي يتجلى الافتتان بها في هوسنا الحديث بالقتلة المتسلسلين- تتحد مع ما قد نراه هدرا أو عنفا عديم الجدوى؛ إذن لم ظهرت قديما في بلاد مابين النهرين ومصر القديمة؟

رغم أن التضحية بالبشر ظهرت في العديد من أجزاء العالم على مر التاريخ، إلا أنها لم تكن بالأمر العادي أو الشائع على الإطلاق. لا يوجد تفسير أو سبب واحد يمكن تطبيقه على كل حالات التضحية بالبشر (أو كل حالات التضحية بأي كائن حي). “السياق هو كل شيء” هذا شعار نموذجي في علم الآثار، علينا في كل حالة تضحية بشرية استقصاء الحالات الاجتماعية بما في ذلك مثلا؛ المكانة والهوية والمواقف تجاه الحياة والموت والبشر والحيوانات الأخرى، بالإضافة إلى الأفكار السياسية والتقاليد الدينية.

وتأخذ هذه الحالات الاجتماعية طريقًا طويلًا لفهم التضحية بالبشر. في الشرق الأدنى القديم ومصر القديمة كانت التضحية بالبشر مرتبطة بأضرحة نخبة المجتمع ومراسم الدفن. “أور” هي إحدى أشهر المواقع الأثرية وتقع جنوب العراق على نهر الفرات، حكمتها سلالة من الملوك والملكات السومريين في الألفية الثالثة قبل الميلاد مُخلفةً وراءها أبنيةً ومعابدَ أثرية، ونحو نهاية الألفية أبدعت ما قد يكون أروع مباني بلاد مابين النهرين ألا وهو الزقورات.

لكن قبل ذلك بمئات السنين -أي في ٢٥٠٠ق.م تقريبا- رثى السومريون وخلدوا ذكرى موتاهم ببناء أضرحة طينية ضخمة؛ عُثِر في التنقيبات التي قادها (ليونارد وولي) في عشرينيات القرن العشرين على ستة عشر ‘ضريحا ملكيا’ من هذا النوع ضمن مئات القبور الأبسط بالمقارنة معها. كانت مراسم الدفن الملكية هذه مبهرجة ومسرفة. أكبر المجموعات تضمنت آلاف الأغراض ما بين أوانٍ ذهبية وفضية وبرونزية، ومجوهرات، وأختام، وأسلحة، وأدوات، وألواح لعب، وآلات موسيقية ذات زخارف دقيقة، وثروة من الأغراض الأخرى الثمينة والنادرة التي ما زلنا لا نفهم وظائف بعضها. ولإكمال المجموعة تم التضحية بعدد من الحيوانات والبشر.

إعادة بناء لموقع ضريح 789 PG من قبل (ليونارد وولي) . خلف ليونارد وولي ١٩٣٤م، تنقيبات أور المجلد الثاني : المقبرة الملكية.

 

هوة الموت في ضريح 1237 PG

 

جمجمة ورأس إحدى ‘سيدات البلاط’ من  1237 PG

 

تلك التضحيات كانت مرتبة عن قصد لتعكس أدوارًا اجتماعية معينة؛ فالمواشي موضوعة في مجموعات أمام العربات مصحوبة بجنود يرتدون خوذاتهم ويحملون أسلحتهم، ‘سيدات البلاط’ بكامل حليهن مرتبات في صفوف منظمة، والموسيقيون موضوعون وآلاتهم في أيديهم. هذا العرض المنظم بحرص دفع وولي لافتراض أن الضحايا البشرية قد تطوعت لملاقاة حتفها بشرب السم جماعيًا من مرجل موضوع في الوسط. لكن بحثا جديدا على بعض من الجماجم القليلة المحفوظة كشف عن حقيقة أخبث من ذلك، فقد كان سبب الموت ضربة قوية. ورغم أن أور ليست الموقع الوحيد الذي يعرض أدلة على التضحية بالبشر إلا أن الأثر الذي تركته كان الأقوى لحد بعيد. المواقع الأخرى المتحملة تشمل أريحا في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط وتل أم المرى في سوريا.

وإلى الجنوب الغربي بين ضفاف نهر النيل بدأت سلالة أخرى من الحكام في الظهور، ملوك وملكات سلالة مصر الأولى. ظهرت بالفعل في عصر ما قبل السلالات علامات أبكر للتضحية بالبشر في “نخن” (أو هيراكونبوليس بالإغريقية من أقدم مدن مصر) وأدما (مدينة أثرية في أثيوبيا)، لكنها أصبحت أكثر تنظيما وتمكينا في أبيدوس في بدايات الألفية الثالثة قبل الميلاد. وكما حصل في الشرق الأدنى نفذت النخبة التضحية بعدد من البشر كجزء من مراسم جنائزهم. وفي أبيدوس ربما قد نُفذت طقوس الدفن في نوعين من المباني. ضريح الملك أو الملكة الفعلي كان بناء ضخما تحت الأرض محاطا بمدافن صغيرة أو حجرات فرعية؛ ورغم أنها نُهبت، إلا أنه ما يزال بالإمكان رؤية أن هذه الحجرات وقد ضمت قرابين دفن بما في ذلك الحيوانات والبشر.

أضرحة السلالة الأولى في أبيدوس. خلف فلندرز بيتري ١٩٠٠م، الأضرحة الملكية للسلالة الأولى : الجزء الأول.

 

أصحاب الأضرحة كانوا حكام السلالة الأولى؛ وقريبا من الأضرحة على بعد كيلومتر ونصف من المقبرة يوجد ما يسمى بالساحات الجنائزية المسورة، ما يزال غرضها الحقيقي غامضا، لكن كونها محاطة بفجوات فيها قرابين يعد دليلا للإجابة؛ حيث وُجد بشر في بعض من هذه الفجوات، ومؤخرا عُثر على حمير وقوارب دفن موضوعة في صفوف منظمة. امتد هذا التقليد لمعظم السلالة الأولى لفترة تقارب ال٢٥٠ سنة. ويظهر أن الملك “عحا” هو من بدأ هذا التقليد بثلاثة وستين قبرا فرعيا في ضريحه وستة في ساحته المسورة. زاد وريثه “دجر” هذه الأرقام بشكل ملحوظ بثلاث مئة وستة وعشرين قبرا فرعيا في الضريح ومائتين وتسعة وعشرين في الساحة الجنائزية المسورة.

وهكذا فقد ارتبطت التضحية بالبشر في كل من مصر وسومر بالاستعراض المتباهي للنخبة وطقوس الدفن ارتباطا وثيقا. وقد كان التقليد قصير العمر نسبيا وارتبط بقيام دولة ونخبة حاكمة تركز على إظهار سلطتها بأسلوب يترك انطباعا قويا.

بالنظر إلى الضحايا البشرية ضمن هذه المجموعات الجنائزية الضخمة والغنية فإنهم مجرد غرض واحد من بين العديد من الأغراض. كل غرض عُثر عليه في الأضرحة يمثل شيئا أُخذ من مجال تداوله واستخدامه المعتاد. معظمها كان ثمينا للغاية كما كان البشر والحيوانات التي تم التضحية بهم. إذا أدت الضحايا البشرية في موتها نفس الدور الذي أدته في حياتها، فلا بد أنهم قد كانوا أيضا عاملين مدربين ماهرين لأعلى مستوى. قد يكون البشر أثمن جزء من هذه القرابين، لكن إذا نظرنا إلى المجموعة كاملة على أنها انعكاس لحياة الميت (أو على الأقل حياته المثالية) فلن يكون تواجدهم (أي البشر) أمرًا في غير محله أوغريبا للغاية.

على الأرجح أن القرابين البشرية كانت معروضة للعيان في وقت الدفن، وربما حتى قد نُقلت إلى الضريح في موكب أو ما شابه ذلك. بالتأكيد كان لهذا آثاراً فكرية وسياسية، ولا بد أنه كان جزءًا من خطة النخبة الحاكمة. مع ذلك فبعد عرض محتويات الضريح لفترة قصيرة، يُنقلون بعيدا عن أنظار الناس للأبد. جوهريا، كان هدفهم طويل الأمد هدفا متجاوزا للطبيعة -سواء كان ذلك لاستعمالهم في الآخرة أو لآلهة معينة. لقد شكلوا جزءا من الحياة الدينية ومعتقدات القدماء الذين عاشوا في هذه المناطق.

التضحيات البشرية في الشرق الأدنى القديم ومصر القديمة وضعت بعض أثمن ممتلكات النخبة جنبا إلى جنب مع الميت. هذا النوع من ‘التضحية بالخادم’ كان مُمارسا أيضا في سلالة شانغ في الصين في حوالي ١٢٠٠ قبل الميلاد. حيث احتوت مجموعات مقابر كبيرة احتوت على قرابين حيوانات منها الأحصنة والفيلة والكلاب، وقرابين بشر قُسموا على الأرجح إلى أشخاص مقربين من الميت (ربما حتى أفراد العائلة) وأولئك الأبعد الذين كانوا عادة رجالا يافعين من أسرى الحرب على الأغلب موضوعين غالبا في مواضع رمزية في الأضرحة كالأركان والمداخل. وكان هذا التقليد معروفا في أمريكا الوسطى أيضا لكنه كان نوعا واحدا بين العديد من أنواع التضحيات البشرية والحيوانية التي مارسوها.

لم تكن جميع التضحيات البشرية ضمن فئة مراسم الدفن أو تضحية الخادم التي تركز على المجموعة بكاملها. في حالات أخرى يكون القتل نفسه ذا دور مركزي، وذلك عندما تملك الضحايا قيمة رمزية قوية في الكون أو العالم المحيط بها. ومثالا على ذلك فإن وجود التضحية بالبشر في فترة ما قبل الإسبانيات (قبل الغزو الإسباني على نصف الأرض الغربي) في وسط وجنوب أمريكا موثق من خلال المباني العديدة أو ‘مباني التضحية’ -ممارسة التضحيات في بناء- التي عُثر عليها في أبنية شعب الأزتيك في مدينة تيوتيهواكان وأبنية شعب تولتيك وشعب المايا، ورفوف الجماجم للأزتيك، أو التضحيات الجماعية المؤلفة من طفل ولاما في ثقافة الشيمو في البيرو.

هرم القمر في تيوتيهواكان، المكسيك. جرت تضحيات بشرية خلال كل مرحلة جديدة من البناء.

 

Tzompantli (رف جماجم) من تشيتشن إيتزا، المكسيك.

التضحية بالبشر ليست ببساطة تصنيفا ذا أهمية عالمية. كل حالة قائمة على أساس ثقافي اجتماعي فكري. إنها موضوع خلافي يميل البعض للمبالغة من أهميته بينما يقلل آخرون منها، ويصبح الموضوع بسهولة جزءا من آراء حديثة لها سياق خاص. كما يمكن أيضا أن تكون قضية حساسة جدا خاصة عندما تتعاطف جمعيات متحفظة مع الجماعات القديمة التي مارست التضحية. البلاغة التي تَعرِض أحكاما تقديرية بناءً على وجهات نظر حديثة، تتحول بهذا إلى أداة خطرة. هذه إحدى الطرق التي يشتبك الماضي فيها بالحاضر والمستقبل، والسبب في أهمية فهم الممارسات المشابهة للتضحية البشرية في سياقها المحلي.


  • ليرك ريشت من أفراد منحة ماري كوري الأوروبية في مركز ماكدونالد لأبحاث علم الآثار.

أعجبني المقال

المصدر
asor

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى