فكر وثقافة

التشكُّل الإنساني.. فلسفة وثقافة

"محاولة لتأصيل ممارسات عفوية وتلقائية"

  • أحمد مقرم النهدي*

لا يملكُ الإنسان وَفق تركيبتِه النفسية والعقلية أن يحافظ على توازنه مطَّرِدًا طوال عمره، بل طوال شهر كامل؛ فالأوقات وتقلبات الظروف لها أحكامها التي تقلب الموازين وتغير التَّفكير، وتجعل الإنسانَ يجدِّد تعايُشَه ويعيد تكيُّفَه حتى يتشكل من جديد مع كل ظرف وأزمة؛ ولا أدلَّ على ذلك من دخول موسم رمضان وترقب انقضائه؛ فليلة واحدة نترقب فيها هلال رمضان أو شوال تحبس أنفاسنا وتجعلنا على أهبة الاستعداد لأي خبر! وفي أذهاننا نرصد قرارات مُهيَّئةً للتنفيذ في حال ثبت دخول الشهر أم لم يثبت؛ فهذه القدرة بحد ذاتها ثقافة يستطيع الإنسان أن يتكيف عليها ويتشكل معها، وليس الأمر مقتصرًا على هذا الحد، وليست لحظة حدوث الحدث هي النهاية، بل هي البداية لتكيف جديد وتشكل جديد.

هذا الأمر حيوي وواقعي ومتطلب أساسي في حياة الإنسان؛ وطالما أنه مضطر إليه بشكل أو بآخر وبين زمن وآخر فإن عليه أن يُحسِنَ إدارة هذه الثقافة ويستغلَّها بأفضل ما يكون الاستغلال حسب طاقته البدنية ولياقته النفسية حتى يستقرَّ تشكُّلُه.

إنّ الأعمال التي نسميها ميتة أو عادية أو تلقائية ولا تتطلب وقتاً هي أهم الأعمال التي تناسب الحديث عن ثقافة التشكل، وهي مراجعات لما أنجزناه سابقاً من شراء كتب أو تلخيصها، أو فرز صور ورسائل مميزة بنجمة في الواتس أو تفضيلات تويتر! وهذه الأعمال تجعلنا نراجع طرائق تفكيرنا وكيف تسير عقولنا وأيامنا؛ ولماذا توقَّف إدراكنا العصبي عند هذه الصورة وميَّز هذه الرسائل بنجمة؛ كما أنها تجعلنا نراجع معلوماتنا وكيفيةَ تعامُلِنا معها بتعامل جديد ومع الأعمال الصعبة التي سنشرع فيها حين انتهاء فترة التشكل قبل دخول الدوَّامات الجديدة في حياتنا.

كم من فترة في عامنا تحتاج إلى هذه الثقافة؟

وماذا فعلنا فيها؟

وما أثرها على أعصابنا وسلوكنا السَّوي وتعديل اضطراباتنا الشخصية؟

من أعجب ما سمعت من مجالساتي لعدد من المثقفين والمدربين أن مدربًا أراد تكليفي بعمل غريب مأجور ومؤقت لا يزيد عن شهرين أو ثلاثة؛ ألا وهو جرد ملفات حاسوبه الشخصي وفرزها حيث إنه لم ينظر فيها منذ ست سنوات، وأقرب كلمة جاءت على لساني: عجيب؟ فأكّد لي ذلك! ولما بدأت أتأمل حياته سألت نفسي هل يُعقل أنه لم تمر عليه فترة يجدد فيها تكيُّفَه وتشكله من جديد في الحياة المهنية؟

ألم تمر عليه أعياد ومناسبات هادئة يجدد فيها نظره إلى معرفته ومنتجاته؟

أهو مشغول إلى هذه الدرجة بطريقة تجعله يتدفَّق ويُنتج فقط دون مراجعة؟

أثناء إعدادي لمشروع البناء المعرفي وضعت قيمتين قد تبدُوان متناقضَتَيْن؛ وهما قيمة الوعي المعرفي وقيمة التدفُّق المعرفي، وهاتان القيمتان تحتاجان إلى بعضهما؛ فلا وعي بلا تدفق ولا تدفق بلا وعي، ومن ثَمّ تَنتُجُ قيمة ثالثة عنهما  وهي قيمة “الأفق المعرفي”، وبدون ثقافة التشكُّل التي هي ثقافةُ “تجدُّدِ الوعي المعرفي” لن يكون هناك انطلاقة للتدفق فضلاً عن الوصول إلى أفق معرفي.

ولو بحثنا في تاريخ العلماء والمفكرين لوجدنا أن لهم سياسات وثقافات وطقوسًا -إن صحت المفردة الأخيرة- في إعادة تكيفهم المعرفي والحيوي بإعادة كتب يقرؤونها ويجردونها بين الحين والآخر، وكذلك في إعادة النظر في مقالاتهم وأبحاثهم، بل بعضهم يسقي الزرع ويطبخ وينظِّف فناءَ البيت وهو يراجع معلوماته أو يراجع محفوظه من كتاب الله أو سنة النبي صلى الله عليه وسلم أو أبياتًا ومنظومات معينة؛ فلا ينبغي أن يستهان بمثل هذا العمل، وليس قيامنا به مضيعة وقت بل هو الحفاظ على الوقت القادم، وتصفية مساحة حرة في الذهن لتجدد المعلومة وإضافات معارف جديدة؛ وهو ما نقوم به في أيام شوال الأولى بعد العيد أو بدايات الأعوام الدراسية، وهو ما ينبغي أن تدركه المؤسسات التعليمية الحكومية والخاصة مع الطلاب والمعلمين، وهناك برامج ونشاطات عديدة تُنفّذُ فعلاً؛ ومن ألطف ما تقوم به الأندية الرياضية عند التدريبات الكروية بعد الانقطاع المؤقت عن اللَّعب ما يسمى بالتمارين الاسترجاعية السريعة والخفيفة؛ من تمريرات ومناولات وغير ذلك مما يشكل أساساً جوهرياً للاعب الرياضي يحتاج إلى مراجعته والاطمئنان على رُسُوخِه فترة بعد أخرى، ولو نسيها فقد جوهرَ لياقتِه الكروية؛ وهناك من المتخصصين في اللغات من له تدريبات خاصة في مراجعة مفردات ومقالات وخواطر اجتهد في جمعها؛ هذه الإنجازات هي التي تساعد على الاستمتاع بثقافة التشكُّل وعدم الملل من هذه الأوقات الثمينة.

ومن تقنيات القراءة المشهورة “القراءة الاكتشافية” وهي تقنيةٌ تُهيِّئ العقل للقراءة الاستعراضية أو السريعة الجاردة قبل الولوج الحقيقي أو الفعلي في قراءة الكتاب الفاحصة والدَّقيقة والمتأنية؛ وهذان النوعان من القراءة يهيئان الجو العام للقراءة، وهما ثقافتان أصيلتان من ثقافة التشكُّل في عمل القراءة؛ وفي ذلك يقول د/ عبد الكريم بكار في كتابه القراءة المثمرة:” فقد يكون الكتاب ملائمًا لك، لكن مادته التي يشرحها لا تدخل ضمن أولوياتك القرائية… وهكذا فإن هناك أسبابًا كثيرة تدعونا إلى عدم الاستعجال في شراء أي كتاب، مهما كان موضوعه أو ثمنه وأياً كان كاتبه ما لم نُلقِ عليه نظرة تصفُّحية لنكتشف مدى حاجتنا إليه، والطريقة التي علينا أن نتبعها في قراءته”.  ثم عدَّد أدوارًا على القارئ القيام بها من أجل الوصول إلى قرار جيد قبل اقتناء الكتاب منها قراءة فهرس الموضوعات من أجل اكتشاف المنظور المنطقي للكتاب والمخطط الكلي للكتاب والذي يعبر عن تماسكه ووحدته الموضوعية. وقال في القراءة السريعة:” بعد تصفح الكتاب واكتشاف مستواه يقرر القارئ أي نوع من القراءة يستحق؛ فهناك كتب تقرأ قراءة سريعة لالتقاط النافع منها؛ وقد أدرك علماؤنا هذه الوضعية على نحو ممتاز؛ ولذلك كانت لهم جدية نادرة في المثابرة على قراءة الكتب الصعبة، كما أنه كانت لهم قراءتهم السريعة؛ ويذكرون في هذا السياق أن ابن حجر العسقلاني قرأ صحيح مسلم في خمسة مجالس في نحو يومين وشطر يوم، وقرأ النسائيَّ الكبيرَ في عشرة مجالس، مدة كل مجلس منها نحو 4 ساعات، وقرأ في مدة إقامته بدمشق وكانت شهرين وثلث الشهر تقريباً قريباً من مئة مجلد، وقرأ الخطيب البغدادي على كريمة (إحدى راويات الحديث) صحيحَ البخاريِّ في خمسة أيام، ويقول ابن الجوزي عن نفسه: إنه لو قلت إنني طالعت عشرين ألف مجلد كان أكثر وأنا بعد ما زلت في طلب العلم! وهناك كتب تُقرأ بدقة متناهية، وتُحرَثُ حرثًا كما يفعل الفلاح في أرض خصبة يبتغي منها الكثير الكثير.” ثم يتابع الدكتور تشريحه للقراءة السريعة بقوله: “وتقوم فكرة القراءة السريعة على ما هو معلوم من أن النظر يقفز من مساحة إلى أخرى، وعندما يستقر على مساحة معينة فإنه يلتقط عددًا من الرموز والإشارات، ثم يقفز ليستقر ثانية وهكذا؛ فانتقال البصر قفز، والتركيز يعني التقاط وحدات دلالية ذات مغزى، ويقرر علماء وظائف الأعضاء أن البصر يستقر مدة ثانية واحدة مهما كانت القراءة سريعة أو بطيئة”.[1]

ويقول ألبرت تيملر في كتابه الفعال والعملي جداً “كيف تقرأ كتابًا؟” في الفصل السابع: كيف تصوِّر الكتاب شعاعيًا؟ – والذي يستحق تطبيق تقنيات القراءة عليه-: “أوضِحْ وِحدةَ الكتاب بجملة واحدة أو بعدة جمل (على الأكثر فقرة صغيرة)؛ وهذا يعني أنك يجب أن تقول ماذا يبحث الكتاب بأكبر قدرٍ ممكن من الاختصار، وأن تقول ما يبحث الكتاب ليس هو نفس القول عن نوع الكتاب”.[2]

وهذا الأمر من الضروري أن تقوم به مراراً قبل قراءة أي كتاب من الكتب وفهم أفكاره من خلال فهرسته ومقدمته والوقوع على أبرز ما يريد المؤلف قوله؛ وتضع كل ذلك في فقرة لا تزيد عن 250 كلمة، كما أن سماع المقاطع الحوارية أو التدريبيَّة يتطلب هذه الثقافة من خلال الاستماع إليها في أوقات غير نشطة دون أي تركيز، بل المقصود المرور عليها من أجل معرفة ما دار في الحوار فقط، والانتهاء من ملاحظة طريقة الملقين ونبرتهم وطريقة المقدّم والمدير للحوار؛ فهذه الأمور من الأفضل أن تتجاوزها بتكرار السماع مرتين أو ثلاث لأنها مُشغلة للمتلقي دون أن يشعر؛ حتى يتسنَّى له التركيز على صلب المادة في المرة الرابعة أو الخامسة بعد الجرد الكامل والاستيعاب الأوليِّ الجيد للمادة؛ ومن لطيف الطقوس التي مرت علي في ذلك أن طريقة (برنارد شو) في قراءته لأي كتاب جديد وهو يرتدي ثيابه؛ فيلبس القميص ويجلس ليقرأ قليلًا، ثم يلبس البنطال ثم يعود ليقرأ، ثم يلبس ربطة العنق وينكب على القراءة، ثم الجوارب ثم الحذاء، ويفعل نفس الشيء وهو يخلع ملابسه![3] ومن أعجب تجارب المتميِّزين والموفقين من طلبة العلم -القدامى طبعاً- حفظُه القرآن الكريم من السنة الأولى الجامعية حتى التخرج، وذلك في وقت غريب لا يكاد يخطر على بال؛ ألا وهو وقت تحضير الدكتور للطلبة في القاعة؛ فعددُهم كبير واسمه يبدأ بحرف (أ) فما إن يذكر الدكتور اسمه حتى يشرع في حفظ مقطعِه المقرر خلال الدَّقائق التي يُحضِّر فيها الدكتور طلاب القاعة، واستمر على ذلك طوال 8 مستويات دراسية!

ومن أهم ما يؤسِّس ثقافة التشكّل في حياتنا الاهتمام بأمور قد يُودِي إهمالها بحياة الكثيرين -دون مبالغة- أو يُؤذِيهم ويضرهم على أقلِّ تقدير بمختلف أنواع الأذى النَّفسيّ والعاطفي والبدني وهذه الأمور تندرج تحت ما يسمَّى (عدم إتقان التفاصيل) التي تفسد اللحظة واليوم بكامله رغم أنها دقائق معدودة، وهي متنوعة جداً في حياتنا يتقنها الأمهات والزوجات ببراعة وبكل تلقائية وأهل البيت لا يشعرون بذلك؛ فطريقة ترتيب الثِّياب والأواني تفاصيل، وتهيئة معدات القهوة والشاي والمشروبات عموماً تفاصيل، وعزل أسلاك الكهرباء وتشغيل السَّخَّان قبل ساعات الاستحمام في الليالي الباردة تفاصيل، وتهيئة الثياب للغسيل والكيّ والانتباه الشديد عند تشغيل المكواة وإغلاقها تفاصيل، وكل ما تفعله وأنت مُرتبك وتتصبَّبُ عرقًا وقت الحضور الفعلي أو قبله بوقت يسير هو تفاصيل كان ينبغي فعلها والاهتمام بها وقت التشكُّل؛ كي لا تتعرَّض للمواقف المخزية والمحرجة والتي تُجلِّي بشكل أو بآخر طريقة تفكيرك ونمط حياتك؛ وهو ما فصَّلتُه في مقال: “ثقافة الاستعداد الجيد”؛ وحتى يتبين لك هذا انظر الفرق بين طالبين عند قاعة الامتحان قبل دخولهما بربع ساعة؛ ولاحظ نفسياتهم وما يظهر على صفحات وجوههم وهم يتصفَّحون المذكرات والكتب وطريقة تعاطيهم مع الحدث، ولاحظ استعدادك  النفسي قبل لقاء ستطرحه على منصة افتراضية بنصف ساعة!

‏إن ثقافة التشكل تُكسبنا بشكل أو بآخر امتلاك العمل على مهارة و”قانون عظيم في المبادرة وهو أننا إذا عملنا ما هو ممكن اليوم صار ما هو مستحيل اليوم ممكناً غداً؛ ابدأ بالممكن وسينسلُّ من الممكن ممكنات كثيرة”[4]؛ ويؤيِّد ذلك ابن حزم –رحمه الله- بقوله: “لا تحقر شيئاً من عمل غد أن تحققه بأن تُعجِله اليوم؛ فإنَّ من قليل الأعمال يجتمع كثيرها، وربما أعجز أمرها فيبطل الكل”![5]، وعند تقدّم العمر يجد الإنسان عنده من النتاجات الكثيرة التي تفيده عند ضعفه ما يغبِطُ نفسَه عليه ويحمدُ ربَّه أن وفقه لمثل هذه الجهود، وصدق من قال: “إنَّ الشبابَ عهدُ تحصيل الحكمة، والكُهُولة عهد ممارستها”، وقيل أيضًا: “اجعل قوسَك مهيَّئَةً ولكن أجِّل إطلاق السَّهم”، ومثل هذه الثقافات والسياسات ينبذها الكثيرون لشعورهم بأن عندهم شيئاً يريدون تقديمه في عجلة من البروز وحب الظهور المُهلك والمردي للعقول!

وما أحسن الختام بتوجيه النبي – صلى الله عليه وسلم – في الحديث: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَّةٌ، وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةٌ، فَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى سُنَّتِي فَقَدْ أَفْلَحَ، وَمَنْ كَانَتْ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ هَلَكَ “.[6] إنَّ هذا الحديث يُوحي بشكل أو بآخر إلى أنَّ الإنسان إذا قعد عن العمل وكسل أثَّر ذلك في تفكيره ورؤاه وتصوّراته وليس على طاقته البدنية فحسب؛ فكان من اللازم أن يكون عنده قواعد ومبادئ لا يتنازلُ عنها، وتكون فترات خموله دافعًا لتقوية عزيمته وزيادة إصراره على النجاح ونصرة الحقّ.


* أحمد مقرم النهدي: مهتم بتقنيات التعلم وإدارة البناء المعرفي

[1] راجع كتاب القراءة المثمرة ، د. عبدالكريم بكار

[2] راجع كتاب كيف تقرأ كتابًا، ألبرت تيملر

[3] راجع كتاب القراءة الذكية، د. ساجد العبدلي.

[4] تغريدة للدكتور عبد الكريم بكار

[5] راجع مداواة النفوس لابن حزم رحمه الله

[6] مسند أحمد مُسْنَدُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو 6958 (المجلد : 11 الصفحة : 547) حكم الحديث: إسناده صحيح على شرط الشيخين.

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى