تقارير ودراسات

كيف يُحدِّد عملك شخصيتك؟

  • نشر: the school of life
  • ترجمة: مها الشمري
  • تحرير: سهام سايح

عندما نلتقي بشخصٍ لأول مرة، يدفعنا الفضول إلى سؤاله: “ما هو عملك؟” وذلك لأنّنا نشعر أن هُويتنا وثيقة الارتباط بأعمالنا اليومية. غير أنّ طريقة الإجابة على هذا السؤال تركِّز غالبا على العوامل الخارجية العملية لوظائفنا. لذا سيشرح طبيب الأسنان كيفية التخلص من طبقة الجير (البلاك)، وسيذكر محامي إحدى الشركات عملية اندماج بين شركتين باشرَ إجراءاتها وتداولتها الأخبار مؤخرًا، وسيتناول فني الصوت في الأستوديو بالتفصيل كيفية تركيب المعدات وتثبيت أجزاء جديدة من أجهزة التوجيه والاتصال بمزودي خدمة الإنترنت ISPs  المعقدة حول العالم.

ومع ذلك، تعتبر المتطلبات والعواقب النفسية المترتبة على الوظائف واضحة، لكنها في الوقت ذاته مُحيِّرة؛ فما هي العقلية التي ينتجها العمل، وما الذي يتطلبه العمل من حياتك الخاصة، وكيف يوسِّع العمل مداركنا، وإلى أي مدى يضيق من آفاق رؤيتنا؟ .

‎ تتجنب ثقافتنا عادة هذا النطاق؛ فإذا سُئلنا: “ما هو الطابع النفسي لعملك؟” ستبدو الإجابات مختلفة تمامًا. قد يقول طبيب الأسنان: “أواجه كثيرًا حالات التهرّب وضعف الإرادة، بل حتى أولئك العقلاء الراشدون يلغون مواعيدهم باستمرار متحججين بجداول مواعيدهم، وعندما يحضرون ويجلسون على كرسي الكشف يكذبون علي مرارًا وتكرارًا ويؤكدون أنّهم التزموا بتنظيف أسنانهم، ويُخلفون كل الوعود التي قطعوها في المرة الماضية بشأن رعاية أسنانهم. إنني أُفاجَأ يوميًا بمدى الصعوبة التي يشكوها الكبار في القيام بأشياء بديهية لمصلحتهم وقد يجعلني هذا الأمر حادًا وغاضبًا بعض الشيء”.

قد يجيب محامي الشركة: “أنا أتعرض يوميًا لعدوان ونفاد صبر موكلي، فهو يريد الانتهاء من كل شيء بأسرع وقت؛ لا أحد يهتم بالحياة الخاصة لأي شخص آخر. إنني أرى الكثير من الطمع الساذج، ولم أعد أُفاجَأ حقًا بقدرة البشر على الازدواجية”.

‎قد يقول مهندس الصوت: “لا تكف المشاكل عن الظهور، ولكن يمكنك التأكد من أنك ستجد حلًا إذا كنت منظمًا وحذرًا. قد يكون هناك سبعة أسباب محتملة لمشكلة ما، ويكون عليك التحقق من كل ‎سبب منها. لكنه من المؤكد سيكون أحد هذه الأسباب. أحبُّ التكنولوجيا بهذا المعنى، فالأمور محسومة ومنطقية”.

‎يمكننا أن نصنف الوظائف من خلال جانبها النفسي، أي وفقًا لسمات الطبيعة البشرية التي تُضعفها أو ‎تعزِّزها:

الصّبر مقابل الضجر: هل تدر بك الوظيفة على إعطاء الأولوية بشكل فطري لما يحدث الآن وعلى النظر إلى ما قد يحدث مستقبلاً بعد بضع سنوات وكأنه أمر لا يهمك (مثل عمل ممرضة حوادث الطوارئ، أو محرر أخبار)؟ ‎أم أنّها جعلتك تعتاد التخطيط لمخاوفك على مدى سنوات عديدة ( مثل عمل مهندس الملاحة الجوية، موظف مدني يشرف على بناء محطة توليد الطاقة).

الشّكاك مقابل الوثوقي: هل يزيد عملك إحساسك بأن جدول الأعمال الحقيقي قد يكون مختلفًا تمامًا عن الجدول المعلن؟ هل أنت في بيئة يُخفي فيها الناس عادة بطاقاتهم أو يكذبون كذبًا بيّنًا (صحفي، تاجر تحف، مستشار إداري)؟ أم هل تتعامل في عملك بشكل عام مع أشخاص صريحين جدًا بشأن مخاوفهم الحقيقية (أخصائي العلاج النفسي، مدرب التزلج، موظف مراقبة الحركة الجوية)؟.

‎‎ الحدسي مقابل المادي: هل يركز العمل على كيفية سير الأمور أو الاهتمام بكيفية حدوثها؟ وهل يُكافَأ المرء على تصور أشياء لم يفكر فيها الآخرون قطّ (باحث مركز أبحاث، شاعر، عرّاف) أم يركز على العناية الدقيقة بالتفاصيل العملية؟ (تسويق الفاكهة الطازجة، مصلح أسقف).

‎‎توافق وتبادل الآراء مقابل الاستقلال بالرأي: بعض أنواع العمل تُعلِّم القدرة على الاندماج مع وجهة النظر الجماعية (مدرس المدرسة، مسؤول العطلات)، في حين يدعو بعضها الآخر إلى تقديم وجهه النظر الشخصية وأخذ منظور غير عادي للأمور وقد يكون عدم القيام بما يفعله الآخرون ميزة جيدة (مدرب تنس، مقاول).

المُتفائل مقابل المتشائِم: هل يشجعك العمل على رؤية النتائج الإيجابية، وربما تجاهل الجوانب السلبية (العامل في مجال التسويق والمدرب الشخصي والنادل) أم جعل همك الأول تفادي المخاطر والعثرات والكوارث التي تلوح في الأفق؟ (المحاسبون، مستشارو الشركات).

التركيز على الأحوال المالية مقابل الحماية من تقلُبات السوق: هل يعمل المرء في بيئة تتأثر تأثرًا كبيرًا بالأوضاع المالية (المحامي، المسؤول التنفيذي للشركة) حيث إنه من الطبيعي التفكير من ناحية التكاليف وهوامش الربح؛ أم أن يوم العمل لا يتضمن مثل هذه الجوانب على الإطلاق؟ (أكاديمي، معلم).

مكانة مرنة مفتوحة للنقد مقابل المكانة الراسخة:  فالفنان يتعرض عادة لانتقادات شديدة، فالأعمال التي يبذل قُصارى جهده فيها قد تفشل أو تُهمل حتى لو كان بارعًا في عمله، فقد لا يحقق نجاحًا ملموسًا على الصعيد العام. حصل أفضل شاعر في المملكة المتحدة في المركز الحادي عشر على 6117 جنيها استرلينيا في العام المالي الماضي من حقوق التأليف والدفعات المقدمة والمنح الصغيرة ورسوم الظهور العام، في المقابل هناك وظائف أخرى لها مسار محدد معقول ومن المتوقع أنّ الجهد فيها سيكافأ بشكل جيد: فإنّ كل حاصل على بكالوريوس في العلوم البيطرية يضمن وظيفة ذات أجر جيد.

مواجهة الطبيعة الأفضل في مقابل الطبيعة الأسوأ: إنّ بعض الوظائف، مهما كانت صعبة، تذكرك بقيمة الحياة (ممرضة الرعاية والقابلة)، أما في وظائف أخرى فتقابل دائمًا الجوانب الأسوأ للطبيعة البشرية (الشرطة، محامي الأسرة).

التسلسل الهرمي المنطقي مقابل العشوائي: في بعض الوظائف، يكون الطريق واضحًا للترقّي (طيار الخطوط الجوية، المعلم). وفي وظائف أخرى ( الإنتاج التلفزيوني والسياسية) تكون القواعد أقل استقرارًا إلى حد كبير، ومقيدةً بحوادث الصداقة والتحالفات التي تحدث اتفاقًا. يتميز النوع الأول بالهدوء والاستقرار النفسي، ويتسم النوع الأخير بالقلق المستمر وانعدام الثقة.

أن تكون في صناعة متدهورة مقابل صناعة متنامية: هناك صناعات تُشعر أن العصر الذهبي لها قد مضى؛ وقد يكون العمل فيها أقل متعة من ذي قبل (النشر، البث التلفزيوني، الخدمة الدبلوماسية). وهناك صناعة متنامية بأكملها حيث تظهر جميع أنواع المشاريع الجديدة ذات الأرباح الكبيرة (وسائل التواصل الاجتماعي والتكنولوجيا). هل ترغب في العمل مع الذين يشعرون أن بإمكانهم غزو العالم، أم مع الذين يشعرون أن العالم على وشك غزوهم؟.

إن التواجد في بيئة نفسية معينة يوميًا ولسنوات له تأثير كبير على عاداتنا النفسية. إنه يؤثر على رؤيتنا للآخرين ويُشكل رؤيتنا للحياة وشيئاً فشيئا يحدّد هويتنا. إن الجانب النفسي الذي يغرسه فينا العمل الذي نقوم به لا يقتصر على مكان العمل، بل يبقى معنا في سائر حياتنا.

وأصبحنا ندرك بشكل عام أن ذلك يمكن أن يحدث… حتى في أماكن بعيدة. إنّنا نفهم أن الأرستقراطي الفرنسي في عام 1430 سيكون له نظرة خاصة تتشكل من حقيقة أنه عاش حياته في تسلسل هرمي اجتماعي صارم للغاية، تتجسد فيه أخلاق المحارب؛ أو أن شخصًا من قرية صيد في القرن التاسع عشر في الجزر الغربية بأسكتلندا قضى سنوات في مواجهة عواصف بينبيكولا، سيكون له طابع متأثر بعمق بحياته العملية. ونحن لسنا استنثاءً؛ الفرق الوحيد هو أننا نجد صعوبة أكبر في ملاحظة ما حدث في حالتنا، لأن نظرتنا – بالطبع – تبدو طبيعية بالنسبة لنا، على الرغم من أنّها ليست كذلك على الإطلاق. قد يتطلب الأمر مقابلة مع شخص أجنبي (بهيئة شخص من مجال مختلف) لكي يكون بمقدورنا أن نلاحظ.

في بعض الأحيان يمكننا ملاحظة آثار العمل على الشخصية في المواقف الاجتماعية. إذا سألت محاميًا، “برأيك كيف سيكون شكل السيارات في عام 2035؟”، فقد يشعر بالحيرة في سبب رغبتك في شَغل عقلك بهذه الطريقة.

ما فائدة التنبؤ بشيء مجهول في الوقت الراهن؟ فمن الواضح أنّ الأمور سوف تتطور بطرق غير متوقعة؛ ولكن سوف تظل القوانين والمحاكم والتنظيمات قائمة، وبوسعنا أن نتعامل معها.

إذا سألت أحد الأكاديميين، “ما هي أرباحك في الساعة؟” أو “ما هو العائد المالي من دراساتك في تاريخ قواعد اللغة السويدية؟”، سينزعج من هذا السؤال. ‘لماذا تسأل؟ ما المهم في هذا؟ “على الرغم من أنك قد تشعر أنّها نقطة استفسار واضحة. أو إذا سألت تاجر سلع كيف يفيد عمله الناس، قد يبدو السؤال بالنسبة له ساذجًا بشكل غريب: ما الذي يجعلك تعتقد أن الهدف من العمل هو أي شيء آخر غير المصلحة الشخصية؟.

لدينا إدراك واسع بأنّ الطريقة التي يتعلم بها الناس كيف يفكرون في العمل يمكن تتبعها في شخصيتهم الأسرية والاجتماعية؛ حيث يتعامل معلّم الابتدائيّة مع أطفاله كأنهم تلاميذ في المدرسة؛ ويكون المحاضر الأكاديميّ ثرثارًا في حفلات العشاء، ولا يستطيع السياسي أن يكون مفيدًا في إلقاء خطب كخطب حفلات الزفاف.

لكن هذا غيض من فيض، فهناك الكثير من هذه الحالات الأخرى:

  • الفني هادئ ومستقر نفسيًا للغاية، وربما يشعر أن جميع المشاكل في الحياة تشبه إلى حد ما المشاكل التقنية التي أتقنها في العمل، ومعظم الأمور يمكن تداركها إذا لم تشعر بالذعر وأكملت قائمة المهام.
  • المدير التنفيذي للتلفزيون لديه ضعف ثقة بالنفس، فتجده عدوانيًا جداً عندما يعتقد أنه في قمة نجاحه، لكنه ينسحب بسرعة عندما يشعر أن التّيار ضده.
  • يصبح طبيب الأسنان متسلطًا، لقد اعتاد توبيخ مرضى الأسنان لكونهم متساهلين، بل ويصبح هذا من طباعه الشخصية.
  • الكاتب الحُر، الذي يضطر دائمًا إلى صياغة عمله على مضض وفقًا لمتطلبات الآخرين، يصبح معتادًا على أن يُساء فهمه ولا يحظى بالتقدير الذي يستحقه.ففي العمل يُقلَّل من أفضل جوانب سعيه حيث يهمش دوره في هندسة العمارة الفنزويلية، ولكن إعلانه عن موضة الماس الوردي جاهز للتسويق. إنه يتوقع دائمًا أن يُساء فهمه، وأن يصبح في حالة يقظة قصوى لأي علامات تنذر بحدوث ذلك.

يمكن أن يكون العمل مناسبًا جدًا للناس، وقد تكون العقلية التي يرتقي بها العمل تعوض الجوانب النفسية التي لم يتم تطويرها بشكل صحيح من قبل. في المكتب الذي تكون فيه السرعة والدقة على قدر كبير من الأهمية، قد يكتسب شخص مشتت الذهن تصحيحًا لضعفه السابق؛ وإن البيئة التي تبدو فيها التسوية أمرًا طبيعيًا يمكن أن تكون تعليمية بشكل كبير لشخص استُثمر بصورة مفرطة في تأكيد وجهة نظره الخاصة.

لكن العمل يمكن أن يضيق أفق شخصياتنا أيضًا؛ فعندما تصبح مجموعة معينة من القضايا وطرق التفكير متأصلة وراسخة، فهذا يعني أن الآخرين بدأوا يشعرون بالحرج وحتى التهديد. يمكن للشخص الذي اعتاد كثيرًا تنفيذ أفكار الآخرين – وقد يكون بارعًا في ذلك – أن ينزعج من طرح الأسئلة عليه وكأنه يخضع لتحقيق ويُسأل عن أهم الأهداف التي ينبغي تحقيقها، فلم يعد يخطر له ببال أن يسأل نفسه هذه الأسئلة. قد يكون مدير المدرسة شديدًا للغاية عندما يتعلق الأمر بكيفية إعادة تنظيم جدول الموظفين، ولكن إذا سألت “ما هو التعليم؟” قد يبدو الأمر محيّرًا بالنسبة له مثل التساؤل عن أهمية العشب أو لماذا تقع لندن في إنجلترا وليس في أسكتلندا؟.

علاوة على ذلك، فبعض المسائل الأخلاقية الحرجة، أو المسائل الجادة المغرقة في الجدة قد تهدد مدير التلفزيون. وقد يمثل سؤال مدرب شخصي عن وجهة نظره حول الثورة الفرنسية تهديدًا بالنسبة له. يشعر المرء أنّ هذه الأسئلة مؤلمة لأنّها تذكره بما اضطر إلى التخلي عنه من أجل التركيز في وظيفة معينة. حين يهب المرء جزءًا كبيرًا من حياته لنوع معين من العمل، لا يتمكن – بالضرورة – من الموازنة بينه وبين سائر مجالات الحياة الأخرى التي تقع ضمن إمكاناته. يفقد المرء القدرة على التعامل مع القضايا التي قد تبدو مثيرة للاهتمام أحيانًا.

إنّ الفكرة العامة التي مفادها أن العمل يُشكل ماهياتنا تنطبق -بالطبع- على الذات؛ ولكن على وجه التحديد نظرًا لأن بعض المواقف والعادات تصبح طبيعية، فمن الصعب ملاحظة حدوث ذلك. هناك سؤال أساسي قد نطرحه على أنفسنا: ما هي الطرق التي تمّ بها تشكيل شخصيتي (للأفضل أو الأسوأ) من خلال عملي (كما هو مهم لفهم كيف تشكلت شخصية المرء منذ الطفولة)؟ هناك سؤال مؤثر عن سيرتك الذاتية: لو كنتُ عملتُ بعمل آخر، فهل كانت شخصيتي ستختلف؟ يجب أن تكون الإجابة نعم. توجد في المسارات الوظيفية الأخرى نُسَخ أخرى ممكنة من الذات، والتي، إذا تم التفكير فيها، تكشف عن عناصر شخصية مهمة ولكنها كامنة حاليًا. وهذا يطرح أصعب الأسئلة: أين تلك الأجزاء الأخرى مني…؟

إن التفكُّر في كيف يُشكل العمل شخصية إنسان يوجب علينا ألا نتسرع في معاتبة الآخرين على طبائع شخصياتهم. ربما كانت وظائفهم، وليس “أنفسهم” هي التي جعلتهم على هذا النحو، فأصبحوا عصبيين أو غاضبين أو مملين. إن بيئة العمل التي يجب أن نلومها، وليس الأشخاص أنفسهم. لم يكن المدير التنفيذي للتلفزيون على هذا النحو دائمًا، ولم يولد محامي الشركة كما هو الآن؛ ربما كانوا أشخاصًا آخرين. هوياتنا رهينة وظائفنا؛ وذلك قد يفتح أبواب الشفقة والتعاطف.

أعجبني المقال

المصدر
theschooloflife

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى