عام

قوة السرد القصصي في الكتابة

  • جو نافارو
  • ترجمة: عبد الرحمن المطرود
  • تحرير: عبد الله البراك

تعيش القصص في وجدانِنا، أمّا الحقائق فلا تدوم طويلًا.

بصفتي كاتبًا ومتحدثًا عامًا، أشعر دائمًا بالهدوء عندما أجلس في الخلف وأقرأ كتابًا مفيدًا وعند التمكن من سرد القصص.

أحد المختصين المفضلين لدي في هذا المجال هو طارق عيسى، ليس متخصصًا فحسب في مجال فنّ سرد الحكايات، بل أيضًا مدرب تنفيذي وأحد المتحدثين العاميّين في مجال كيفيّة خَلْق قصة شيّقة.

يذكرني طارق قائلًا “حكاية القصص هي شكل من أشكال الفنّ. وهدف أعظم، وهو أنّ البشر يتذكرون القصص لمدة طويلة، حتى وإن ذكرت لهم الحقائق بعدها”. قد نتذكّر الحقيقة لمدة يوم أو يومين، ولكن القصة تعيش في ذاكرتنا لمدةٍ أطول؛ سواءً كانت قصةً عن النبي داوود -عليه السلام- وجالوت أو إحدى حكايات إيسوب -كاتب قصص يوناني-.

يستطيع العديد من الناس أنْ يقدموا لنا الحقائق والإحصاءات، ولكن قِلّة هم القادرون على سرد القصص؛ لذلك يجب علينا احترامهم، ولنا في مؤتمرات “تيد” العالمية خيرُ برهان.

سرد القصص هو أحد أنْجَع السبل لإيصال رسالةٍ وتثبيتها في الذاكرة. يمكننا أن نسرد القصص عندما نريد إقامة علاقةٍ ما، أو عرض منتجٍ ما، أو عندما نريد أن نترك أثرًا، أو عندما نريد أنْ نوحّد (أو نُفرِّق)، أو عندما نريد أن نُقنع أحدهم بفكرةٍ ما أو العدول عنها… وهلمّ جرًّا. وكل هذه الأمور تعتمد على أهداف الكاتب أو المُتَحدِث (التي يريد الوصول إليها).

طلبتُ من طارق أن يعطيني مثالًا عن كيفيّة سردهِ للحكايات، فقدّم لي هذه القصة واصفًا طريقتهُ لسرد الحكايات.

” كان كيفين سيستروم في عام ٢٠٠٩ موظفًا بدوام كامل، وعلى الرغم من ذلك كان في الليل يتعلم البرمجة ليطوّر تطبيقه التجريبي الذي يقدّم ميزة مشاركة الصور. بعد ذلك امتلك سيستروم تمويلًا بقدر ٥٠٠ ألف دولار من قبل اثنين من المستثمرين.. وتأتي المشكلة بعد ذلك؛ أن التطبيق يضم ١٠٠ مستخدم فقط! ولا يستقطب مستخدمين جُدد، سيستروم عالق ومشروعه على شفا الانهيار.

وفي محادثةٍ عادية، قالت زوجته إنها أيضًا لن تستخدم التطبيق! والسبب أن صورها ليست جيدة بما فيه الكفاية. فكر سيستروم حينها “ماذا لو كان في التطبيق ميزة “الفلاتر/المؤثرات” لجعل أيّ صورة جميلة؟”. قام بعدها مباشرة بإضافة أدوات تعديل الصور، ليصبح اسم التطبيق “إنستجرام”. أُطلق التطبيق في عام ٢٠١٠، وصل إجمالي محملي البرنامج إلى ٢٥ ألفًا في اليوم! أمّا الآن، فهناك أكثر من مليار مستخدم للبرنامج من جميع أنحاء العالم”.

اقرأ ايضًا: نصائح لفن كتابة القصة

تحليل القصة- نظرة من وراء الستار:

للقصص دروس وعِبَر، فما الدروس والعِبَر التي نأخذها من هذه القصة؟

  • العمل الحر مجزٍ.
  • المثابرة مفتاح النجاح.
  • التفكير خارج الصندوق أمرٌ هام.
  • البدء بمشروع أمرٌ شاق.
  • يهتم الناس كثيرًا بمظهرهم.
  • كيفن سيستروم بطل.
  • زوجته بطلة.
  • يساعد الزوجان بعضهما بعضا.
  • تساعد الحياة الزوجية الزوجين.
  • لا نرى دائمًا ما يراه الآخرون…إلخ.

وأحد أهمّ الدروس في هذه القصة هو أنّ العمل الحرّ شاقّ ولكنه يُجزي صاحبه. وبكل تأكيد، أستطيع أن أقول ذلك بكل بساطةٍ ويُسر دون ذكر القصة، ولكن المشكلة، غير أنه درسٌ بديهيٌّ و مَعلوم، لن يكون له أثرٌ دون ذكر القصة، فللقصص طابعٌ خاص في توصيل الرسالة وترك أثرٍ في النفوس. فلذلك، فضّلتُ أن أقدِّمُهُ لك من خلال إدخالك في قصة الإنستاجرام، بدلًا من قول الحقيقة فقط، مما جعل جميع الأمور ذات معنى.

ومِمّا لا شكّ فيه أنّ اللغة البسيطة والواضحة في أوقاتٍ معيّنة تكون أكثر إقناعًا، ولكنْ إذا كان الهدف من الدرس أن يترك أثرًا عميقًا؛ فالقصة ستؤتي بثمارها في كل مرة وستحمل معها الدروس والعبر.

لنعد قليلًا إلى القصّة ونتساءل: من هو الجمهور المستهدف فيها؟

  • كما هو واضح أصحاب الأعمال الحرة هم الفئة المستهدفة، لأنّه من المرجح أنّهم قد عاشوا قصّة مشابهة.
  • وهي أيضًا موجهة لكل شخصٍ يحلُم بإنشاء شركةٍ خاصة، لما تحمل القصّة من إلهام ونظرةٍ إلى ما ينتظرهم.
  • ولكل شخص يشغل منصبًا إداريًا أو قياديًا ويواجه الكثير من العوائق والصعوبات.
  • ولكل موظف قد تملْمل من وظيفته أو شعر بأنه قد وصل أعلى المناصب فيها.
  • وهي إلى الشخص الذي هبطت معنوياته وخارت قواه، وقد تعينه على النهوض بعد السقوط.
  • وإلى كل شخص لديه فضول حول الإنستاجرام، أو التقنية، أو التطبيقات أو عن مواقع التواصل الاجتماعي بشكلٍ عام.

وأما الآن، فما هي قصتك؟  الحقيقة، أنت مجموعة من القصص التي تروى، وهنالك أساليبٌ لا نهاية لها لكل قصّة سترويها لأحدهم؛ فأنت من يختار القصّة، وكيف ستروى وفي أيّ موضع. فمثلًا أنا اخترت أسلوبًا معيّنًا في سرد قصّة الإنستاجرام في هذه المدوّنة لمعرفة الحقائق حول هذا التطبيق، مستندًا على الحقائق المذكورة، ومن المستحيل أنْ تجدها كُتبت في مكانٍ آخر بنفس الأسلوب.

سَيُذكر في معظم مصادر “سرد القصّة” أنّ للقصّة المحكمة عدّة عناصر وهي أنْ يكون لها بدايةً ونهاية، وشخصيات، وتحديات وهلمّ جرًّا. ومع الأخذ بالاعتبار أنّ هذا الأمر بالنسبة للعديد من الناس القول فيه أسهل من فعله؛ فقد وضعت هذا المنهج العملي البسيط الإرشادي، وبكل تأكيد لن يحولك إلى راوي قصص متمكن، ولكنها بداية جيّدة.

اقرأ ايضًا: المنظور القرآني للقصة القرآنية

1- ابدأ بمعرفة جمهورك ورسالتك

  • من هم جمهورك؟
  • وما هو الدرس أو الرسالة التي تريد أن يتذكروها؟

2- أبحث عن حدث أو عن لحظةٍ فارقةٍ في حياتك لها صلة بقصّتك

وقد تكون:

  • عندما حصلت على وظيفة أو ترقية.
  • أو لما طرحت أو ظَفرت بمشروعٍ هام بينما كانت جميع الظروف ضدك.
  • أو حينما أقنعت أحدهم بأن يقوم بعمل أمرٍ ما بطريقةٍ مختلفة ممّا جعله يقوم به على أكمل وجه.
  • أو أنك تعرف شخصًا ما قد فعل أمرًا مُلهِمًا.

3- اختر قصّتك بحكمة:

اختر قصّة مناسبة للموقف وملائمة للجمهور، مثلًا:

  • عندما يواجه فريقك صعوبةً في مشروعٍ ما، من المستحسن أنْ تذكر لهم كيف أنّك قد أنقذت مشروعًا ما من فشلٍ مُحْدِق بفضل العمل الجماعي، والعزيمة والتفكير خارج الصندوق.
  • أو عندما تريد أنْ تطرح فكرة جديدة أو عرض منتج ما شديد الخطورة أو خارجٍ عن المألوف؛ فسرد قصّة ما عن الابتكار في تجربة قد مررت بها أو من تجربة شخصٍ آخر صديقًا، أو من شركاتٍ أخرى، قد تساعدك.
  • أو حينما تريد ترقية ما في مجالك الوظيفي، من الأفضل لك أنْ تحكي لهم قصّةً باستحقاقك لها، بدلًا من قول ” أستحقها لأني أعمل بجدٍّ”؛ من خلال ذكر قراراتك الحاسمة في ظرف عملٍ ما أو في مشروعٍ ما، وأنّ هذا التحفيز (الترقية) سيزيد من إبداعك وسيفتح آفاقًا جديدة لك وللشركة.

4- أهمية مدة القصة:

  • مدة قراءة قصة الإنستاجرام تقريبًا حواليّ ٣٠ ثانية؛ لذلك يجب أن تتماشى مدة قصتك مع جمهورك، ومع الوسيلة ( كتابةً أو تحدثًا) ومع هدفك، وكلما قصّرت كانت أفضل.
  • لقد وجدت على مدى العقدين الماضيين أنّ مدة تركيزنا ضَعُفت؛ فكلما قصّرت القصّة زاد حماس الجمهور للاستماع إليك.

5- أهمية التفاصيل:

  • طريقة الأسلوب في توصيل الرسالة واختيار الكلمات أمرانِ مهمّان كما قال جو نافارو “ليست كل الكلمات لها نفس التأثير”. وأيضًا أهميّة المعرفة العميقة بالجمهور المخاطب، وأهمّية عنصر المفاجأة أو الكشف عن الحقيقة، وأهمية طريقة الكلام ولغة الجسد عند سرد القصّة، وما إلى ذلك.
  • اكتب قصّتك ثم اختبرها قبل أن تلقيها، فلقد تدرّب ريتشيل على إلقاء أغلب خطاباته قبل أنْ يلقيها على عامة الناس. بعد ذلك، اعمل على توصيلها”.

بينما يعتبر سرد القصص له مجاله الخاص، فإنّ هذه النصائح من طارق عيسى هي بداية جيّدة للدخول في عالم سرد القصص، فما هي قصتك الشيّقة التي تنتظر أن تُروى؟

اقرأ ايضًا: التكرار في قصص القرآن

أعجبني المقال

المصدر
psychologytoday

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى