عام

دليلك للتخلص من فرط التفكير

الصراع مع الأفكار سيزيد من تورُّطِك في القلق، إليك نصائح للتحرُّر من فرط التفكير

  • بيا كالسين*
  • ترجمة: لمياء الغنيمي
  • تحرير: دُرَّة عبدالله

ما يجب أن تعرفه:

إن كنت من الأشخاص الذين يُفرِطون في التفكير، فأنت تعرف ما الذي يحدث، تظهر المشكلة باستمرارٍ في عقلك، مثلًا: تقلقك ورطة في العمل، حتى لا تستطيع إيقاف عقلك عن التفكير بها، فتبحث عن حل لها بيأس، يكرِّس عقلك كلَّ جهده حولها، ولكن للأسف، نادرًا ما تصل إلى حلول.

في أيام عملي كأخصائيّة سريريٍّة في علم النفس ما وراء المعرفيّ/الإدراكيّ metacognitive التقيت بالعديد من الذين يحاولون الحصول على أجوبة أثناء محاولاتهم لصنع القرار الصحيح، ويقضون معظم وقتهم بالتفكير العميق لإيجاد الحلول، لكنَّهم في النهاية يصلون إلى طريقٍ مسدود.

نحن نقضي الكثير من الوقت في تحليل مشكلاتنا محاولة حلِّها، ولكننا ننتهي بالضياع أكثر مما كنَّا عليه في البداية، على رأس تلك المشكلات: الاستمرار في فرط التفكير، ونتيجته هي نطاق واسع من الأعراض، مثل الأرق، ومشاكل في التركيز، وفقدان الطاقة، والتي بدورها تزيد القلق، وبالتالي تخلق حلقةً مفرغة من فرط التفكير، وفي بعض الحالات تقود في النهاية إلى قلقٍ مزمن أو اكتئاب.

عند الإفراط في التفكير تصبح الأعراض المصاحبة له لا تطاق، عندها نبحث عن طرق لتهدئة أنفسنا، هنالك الكثير من الاستراتيجيّات المفيدة، لكن أظهر البحث أن المفرِطين في التفكير قد يُسبِّبون لأنفسهم الضررَ أكثر من التحسُّن عند بحثهم عن حلول، فتقودهم تلك الاستراتيجيات إلى المزيد من الإفراط في التفكير.

 

 قد تلاحظ بعضًا مما يلي في سلوكك:

التركيز المستمرُّ على التهديدات: لا يوجد خطأ في هذه الاستراتيجية إن كنت تشعر أنك تستطيع السيطرة على نفسك، لكنها قد تؤول بك إلى نتائج عكسية، خذ المخاوفَ الصحيَّة كمثال، فمن الطرق المعتادة لتخفيف قلقك هي أن تبدأ بفحص نفسك و من تهتم بهم بحثًا عن أعراض المرض، لكنَّ هذه المراقبة الزائدة للأعراض ستزيد من الإحساس بالخطر. أعطيك مثالًا آخر، وهو النظر والتدقيق في ما إذا كنت تعجب من حولك أم لا، ومحاولة معرفة نظرتهم لك، لكنِ النتيجة هي القلق و الابتعاد عن الاخرين، وعدم مشاركتهم والقدرة على الاستمتاع بصحبتهم.

البحث عن إجابات للاطمئنان: من الطبيعي أن يبحث الشخصُ عمّن يطمئنه من الأشخاص المقربين منه، والبحث عن إجابات عن كيفية التعامل مع ما يهمّه بشكل أفضل، ولكن إذا وصلت إلى مرحلة الاعتماد على هذه الاستراتيجيات لتهدئة نفسك وتقليل توتُّرك فأنت في منحدر زلق. إليك مثالًا على ذلك،  يقضي بعض مراجعيّ العديد من ساعات يومهم يبحثون في جوجل عن شيء يطمئنهم، أو على الأقل يفسّر لهم لماذا يشعرون بالإحباط، وهذه الطريقة عادةً ما تؤدِّي إلى زيادةِ القلق؛ نظرًا لأنَّ جوجل يظهر الأعراض الشائعة نسبيًّا، كما ما يظهر في العادة مجموعة واسعة من نتائج البحث، بما في ذلك التشخيصات التي لم يفكِّروا فيها حتى.

الإفراط في التخطيط: لا توجد مشكلة مع المستويات الطبيعية للتخطيط، بل من الجيِّد أن تحتفظ بمذكِّرات وملاحظات لنفسك، لكنّ بعض الأشخاص يخطِّطون لأدقِّ التفاصيل، مما قد يسبِّب لهم المتاعب، فبالإضافة إلى إهداره للوقت، إنّ الإفراط في التخطيط قد يُنتج آثارًا سلبيَّة من ضمنها تفاقم المخاوف. على سبيل المثال، عند التخطيط لشيء ما، من المغري تجربة التنبؤ بكلّ شيء من المحتمل تداخله مع الخطة، وكيفيّة التعامل المحتمل عند حدوثه، ومن هنا يبدأ القلق، فالبعض يُفرِط في التخطيط؛ لأنهم يعتقدون أنهم لن يتمكّنوا من التعامل مع المفاجآت بطريقةٍ أخرى، وهذا ما يقودهم إلى مخاوف مفرطة عندما يكون التخطيط غير ممكن، أو عندما تظهر حوادث غير متوقعة.

بعيدًا عن هذه الاستراتيجيات غير المفيدة، هنالك عامل يمكن أن يساهم في عجزك عن إيقاف التفكير، ألا وهو معتقداتك حول التفكير. عندما يبدأ مراجعيّ العلاجَ ما وراء المعرفي، يظهر أنَّ الكثير منهم مقتنع بفكرة أنهم لا يمتلكون القدرة على التحكُّم في أفكارهم، فهم يعتقدون أنّ أفكارَهم تظهر، فتجذب انتباههم -تلقائيًّا- فلا يستطيعون التحكُّم فيما إن كانت هذه الأفكار ستتطوَّر إلى حلقة مفرغة من التفكير في الأمور السيِّئة الحاليّة، أو مخاوف كارثيَّة مما سيحصل في المستقبل.

لديَّ بعض الأخبار الجيِّدة: لا يجب عليك العيش في توتُّرٍ مفرط، توجد حكمة تقول “الإفراط في التفكير هو صفة فطريّة، مثل لون العينين أو الأصابع المعوجّة – بمعنى أنه لا يمكن تغييره- وببساطة يجب عليك التعايش معه” . ادريان ويلز متخصص في علم النفس السريريّ في جامعة مانتشسر ومؤسِّس العلاج ما وراء المعرفيّ، اكتشف أنَّ فرط التفكير والقلق المَرَضيّ هما استراتيجيّتان نكتسبهما -بوعي أو بلا وعي-  كطريقة للتعامل مع أفكارنا ومشاعرنا الصعبة، فهي ليست صفة ثابته، بل مكتسبة،  يمكننا تعلُّم تغييرها إن أردنا.

 

في السنوات العشر الأولى من عملي كطبيب نفسيٍّ إكلينيكي، عملت في العلاج السلوكيّ المعرفيّ التقليديّ. يعلمنا العلاج المعرفيّ السلوكيّ أنّنا بحاجةٍ إلى قضاء بعض الوقت في التفكير في أفكارنا ومعتقداتنا من أجل تحدِّيها، وتحويلها إلى أفكار أكثر واقعية وملاءمة لمشاعرنا، ولكن عندما تعرَّفت على العلاج ما وراء المعرفيّ، والذي ينصبُّ التركيز فيه على مجرَّد التخلِّي عن أفكارك (يسميه ويلز مازحًا “العلاج الكسول”)، غيَّرت فهمي للأمراض العقلية بشكلٍ جذري.

في 2020 ، وبالاشتراك مع المعالج الإكلينيكي ويلز وبعض الزملاء، نشرنا نتائجَ ضخمة من تجربة عشوائيَّة احتوت على 174 مريضًا بالاكتئاب، فوجدنا أنَّ من شارك في العلاج ما وراء المعرفيّ استفاد أكثر من الذي خصّص وقته لتلقي العلاج المعرفيّ السلوكيّ (74٪ استوفوا المعاييرَ الرسميَّة للتعافي في مرحلة ما بعد العلاج، مقابل 52٪ من أولئك في مجموعة العلاج المعرفيّ السلوكيّ، وقد تم الحفاظ على هذا إلى حدٍّ كبير في المتابعة). وبالتعاون مع مرضاي وخبرات المعالجين الآخرين الذين يستخدمون العلاج ما وراء المعرفيّ، أقنعتني هذه النتيجة بأنَّ سبب الأمراض العقلية ليست أفكارَنا السلبيَّة في حدِّ ذاتها؛ بل إن سببَها هو أنّنا نقضي الكثيرَ من الوقت بالتفكير فيها، وبالتالي فإنَّ الحلَّ لا يتمثَّلُ في قضاء المزيد من الوقت في معالجتها، بل في تقليص الوقت الذي نقضيه في التفكير بها.

خلَق هذا الإدراكُ موجةً من الأفكار في ذهني لسنوات، فمن خلالِ العلاج المعرفيّ السلوكيّ، ساعدتُ مراجعيّ في قضاء المزيد من الوقت في التفكير في أفكارهم السلبيَّة، ولكن ماذا لو كانت هناك طرق أفضل يمكنني مساعدتهم بها؟ صحيحٌ أنَّ العديدَ من مراجعيّ شعروا بأنّ العلاج المعرفي السلوكي ساعدهم (وهو بالتأكيد مفيد للكثير)، لكنّني لا أعتقد أنه النهج الأمثل، ثمّ على مدى السنوات العشر الماضية، قمت بتغيير أساليبي تمامًا، وأستخدم الآن العلاج ما وراء المعرفيّ حصريًّا لمساعدة الناس على التفكير بشكل أقل، وبذلك، التعامل بشكل أفضل مع مشكلات صحَّتِهم العقلية.

سواء أكنت تقلق أكثر بقليل مما يلزم، أو كنت تعاني من اضطرابِ القلق أو الاكتئاب، يمكن أن تساعدك استراتيجياتُ العلاجِ ما وراء المعرفيِّ في تقليل الإفراط في التفكير الذي يساهم في ظهورِ أعراضك. يتعلَّق العلاج ما وراء المعرفيّ باكتشاف أنه يمكنك اختيار ما إذا كنت ستنخرط في فكرة أم لا، بغضِّ النظر عن محتواها أو المشاعر التي تثيرها، في القسم التالي، سأُطلعك على بعضِ الخطوات التي أستخدمها في العلاج ما وراء المعرفيّ لمساعدة مرضايَ على تقليل إفراطهم في التفكير، ومعرفة أنَّ الإفراط في التفكير أمر يقع تحت سيطرتنا، وليس رغمًا عنّا.

 

اقرأ ايضًا: نظاما التفكير الديني والعلماني في الاضطراب النفسي: ثنائي القطب نموذجًا

 

تعرّف على الأفكار التي تجذب انتباهك، ودعها تمرُّ بسلاسة

تشير التقديرات إلى أنّ الدماغ البشريَّ يعالج الآلاف من الأفكار والذكريات كل يوم، معظمها لا أهميَّة لها، وتأتي وتذهب من دون ملاحظتها، لكنَّ بعضها تجذب انتباهنا، وفي العلاج ما وراء المعرفيّ، يشار إلى هذه الأفكار على أنَّها “أفكار محفِّزة للتفكير”، إن أعطيتَها الأهمية الكافية، فهذه الأفكار قادرة على تفجير المشاعر والأحاسيس الجسديّة والكثيرِ من الانفعالات المرتبطةِ بها.

بعض الأفكار قد توفِّر الدفءَ والسعادة بمشروع جديد، أو مقابلة صديق جديد، أو إجازة تتطلَّع للحصول عليها، فهذه الأفكار لا تسبِّب أية مشكلات، لكنَّ بعض الأفكار المحفِّزة قد تؤدِّي إلى سلسلة طويلة من الأفكار التي قد تتطوَّر إلى قلق، فالمخاوف تؤدِّي إلى خَلْقِ تخيُّلاتٍ تبدأ بـ ” ماذا لو “؛ لتظهر عبارات مثل ” ماذا لو اتخذت القرار الخاطئ؟ ” و “ماذا لو لم يحبوني؟” و” ماذا لو مرضت؟” … وما إلى ذلك. من ناحية أخرى، عادة ما يبدأ فرط التفكير بأفكار حول ماذا ولماذا و كيف، مثل: “ماهي مشكلتي؟” و” لماذا أشعر بهذا الشعور؟” و” كيف أشعر بالتحسُّن”.

يمكنك مقارنة هذه الأفكار بالقِطاراتِ في محطَّةِ سكةِ حديدٍ مزدحمة، توجد رحلات مغادرة طوال الوقت إلى مختلف الوجهات، يمكن لكلِّ قطار أن يمثِّل فكرةً أو سلسلة من الأفكار. على سبيل المثال، يمكن لفكرة مثل “ماذا إن لم يحبوني؟” أنْ تصل إلى منصّة السكك الحديديّة العقليّة، فإن تابعت هذه الفكرة، ستلاحظ قريبًا العديدَ من الأفكار الأخرى تنضمُّ إليها: “لن أكون قادرًا على التعامل معهم إذا لم يحبوني”، ” إذن، لا ينبغي أن أذهب”. أو يمكنك أن ترفض الفكرة، بأن تترك القطار يمرّ، وتعيد انتباهك إلى ما كنت تفعله، فعندما لا تستهلك طاقتك في فكرة ما، ستجد أنّها إمّا ستبقى على المنصّةِ لوقت لاحق، أو ستمرُّ ببساطة.

لذا، فإن التفكيرَ في حدِّ ذاته ليس هو الدافعُ الذي يُربِكك، ويؤدِّي إلى مجموعة متنوِّعة من الأعراض التي لا تسرّ، كما أنَّه لا يرتبط بمقدار الأفكار المحفِّزة لديك (كلُّ شخص لديه هذه الأفكار).

تنشأ المشكلات إذا قفزت باستمرار إلى كلِّ قطار(أي إذا بدأتَ في تحليل كلّ ما يمرّ بخاطرك) ودخلت في دوامة من القلق أو التفكير المفرط، عندئذٍ يكون الأمر كما لو كنت تضيف المزيد والمزيد من الأحمال على القطار، واحدًا تلو الآخر؛ حتى يصبح القطار أثقل وأبطأ، ثم يواجه في النهاية مشكلةً في الخروج من المحطة (عقلك). الأمر ذاته ينطبق على أفكارك المحفِّزة: فكلما ازداد الوقت الذي تقضيه مع هذه الأفكار، كلّما تعسَّر تخلُّصك منها.

 

تعرف على ما يمكنك وما لا يمكنك التحكم فيه

إذا كنت معتادًا على مجاراة أي فكرة تمر بخاطرك، ويجرُّك ذلك إلى فترات طويلة من القلق والتفكير، إذن، لسوء الحظ، أنت في طريقك لتطوير نمط تفكير غير صحيّ، وإذا كرَّرت هذا النمط، فسيتولَّد لديك شعور أنه يحدث تلقائيًا، وقد تعتقد أنه خارجٌ عن سيطرتك.

صحيحٌ أنَّ الأفكارَ المحفِّزة تلقائيَّة تمامًا، فليست لديك سيطرة على أيِّ فكرة تصل إلى دماغك، لكن لديك الخيار في اختيار أيَّ فكرة تودُّ التفكيرَ فيها والاستمرار معها، وباستطاعتك التحكُّم في ما إذا كنت تودُّ التفاعل مع هذه الأفكار وتبعاتها أم لا.

لفهم الأمر بطريقةٍ مختلفة، تصوَّر أفكارَك كشخص يتَّصل على هاتفك، فأنت لا تملك خيارًا حول من يتَّصل ومن لا يتَّصل بك، لكنك مخيَّرٌ بين الردِّ  أوالتجاهلِ والعودة إلى ما كنت تعمله سابقًا، صوت الهاتف قد يكون عاليًا ومزعجًا ويجذب انتباهك، ولكن ما الذي سيحصل إن تركته على هذا الحال؟ في النهاية سيتوقف عن الرنين. الأفكار تمامًا مثل الهواتف، وهذا التشبيه يحمل مفتاحَ رسالةِ العلاج ما وراء المعرفيّ: إذا كانت الأفكار خارجَ سيطرتِنا، فنحن مُخيَّرون بين متابعتِها أو تجاهلها.

الأفكار من حيث المبدأ سريعةُ الزوال، على الرغم من أنّك قد لا تراها بهذه الطريقة، حاول أن تسأل نفسك عن عددِ الأفكار التي راودتك بالأمس، والتي يمكنك تذكرها اليوم، لأكن صادقة، من بين آلاف الأفكار لديّ، لست متأكِّدة من أنني أستطيع تذكُّر حتى عشر أفكار، لماذا؟ معظم الأفكار تأتي وتذهب على الفور؛ لأننا لا نمنحُها أيَّ اهتمام خاص، بل نتركها ونعود إلى ما كنَّا نفعله، وعلى الرغم من أنك قد لا تكون على درايةٍ بذلك، إلا أنك قادرٌ بالفعل على تجاهل أفكارك، تمامًا كما يمكنك تجاهل الهاتف الذي يستمرُّ في الرنين.

 

اقرأ ايضًا: القلق النافع

 

قلِّل من همومك وأجِّل متابعةَ الأفكار

يكافحُ العديدُ ممَّن يعانون من التفكيرِ المفرِط ليغيِّروا اعتقادَهم بأنَّهم يستطيعون السيطرة على أفكارهم، وربما لا يقتنعون، تتمثَّل إحدى طرق تحدِّي معتقداتك بشكل أكبر في استكشاف ما إذا كنت قادرًا على تأجيل المخاوف ومتابعة الأفكار، دائمًا ما أوصي مراجعيّ بأن يُخصِّصوا وقتًا يُسمَّى “وقت القلق”، يجب أن يكون وقتًا محدَّدًا في اليوم، على سبيل المثال، من الساعة السابعة والنصف مساءً إلى الثامنة مساءً، لك الحريّة في القلق والتفكير بكلّ ما تريد، بهذه الطريقة، عندما تأتي الأفكارُ أو المشاعر المحفِّزة خلالَ اليوم ستؤجِّلها إلى ذلك الوقت، تخيّل أنك شعرت بالرغبة في تقييم صحَّتِك، أو التفكير في ما يعتقده أصدقاؤك عنك، حاول تأجيل هذه الأفكار إلى وقتِ القلق المحدّد (أخبر نفسك بذلك) :”سأفكِّر في هذا لاحقًا”، هذا الوقت المحدَّد مفيد أيضًا لأيّ تخطيط أو طلب طمأنة تشعر بالحاجة إليه. لكن توجد ملاحظة تحذيريّة: تجنَّب جدولة وقت القلق في غضونِ ساعة أو ساعتين من الوقت الذي تخطِّط فيه للذهاب إلى النوم، خاصَّة إذا كنت عرضةً للأرق أو صعوبات النوم الأخرى.

إنَّ تخصيصَ وقتٍ محددٍ للقلق يخدِم العديدَ من الوظائف: أولاً، كونه تجربة تتحدّى الاعتقادَ بأنَّ المخاوف واجترار الأفكار لا يمكن السيطرة عليها، فعند خوض هذه التجربة، يجد معظمُ مرضاي أنّه من الممكن بالفعل تأجيل المخاوف أو اجترار الأفكار، على الرغم من أنَّ هذا قد يبدو هدفًا صعبًا، إلا أنه في الواقع شيء تقوم به بالفعل على أساس يوميٍّ دون أن تدرك ذلك، على سبيل المثال، في أيِّ وقت تلاحظ فيه عنوانًا رئيسًا مزعجًا في إحدى الصحف في طريقك إلى العمل وتبدأ في القلق، ولكنك تتذكَّر بعد ذلك أنَّك في عجلة من أمرك، فتعيد انتباهك مرة أخرى إلى العمل، أي أنك تتحكَّم في أفكارك. أو ربما كنت جالسًا في مقهى مع صديق وتسمع محادثة على طاولة أخرى تثير ذكريات سيئة، ولكن بدلاً من التركيز عليها، قرَّرت إعادة توجيه انتباهك مرة أخرى إلى صديقك. مرة أخرى، ها أنت تتحكَّم في أفكارك. وبنفس الطريقة، يمكنك أن تتعلَّم تجاهل الأفكار الداخلية المحفِّزة، وبالتالي ستدرك أنَّ لديك حقًا القدرة على السيطرة على تفكيرك.

تتمثَّل الوظيفة الثانية لتحديد وقت القلق في أنَّها طريقة لاكتشاف أنَّ الأفكار المحفِّزة سريعةُ الزوال ومتغيرةٌ باستمرار، على سبيل المثال، الأفكارُ التي تبدو ذات صلةٍ ومهمَّة للغاية في الصباح، غالبًا ما تبدو أقلَّ أهمّية عندما تصل إلى الوقت المخصص للقلق، وقد تكتشف حتى أنك غير قادر على تذكُّر بعض الأفكار التي جذبتك سابقًا، فعادة ما تكون جميع المشاعر- إيجابيّةً كانت أم سلبيّة- سريعة الزوال إذا تحملناها وتركناها تمر بسلاسة، طبعًا لا تختفي كل الأفكار إلى الأبد عند تأجيل معالجتها، فقد تدور بعض الأفكار حول قضايا مهمَّة تحتاج حقًا إلى معالجتها، لكن بشكل عام، يكتشف معظم مرضاي أنّه من الأفضل التعامل مع هذه المشكلات في وقتٍ محدد من اليوم بدلاً من التفكير بها بلا نهاية أثناء محاولة القيام بالمسؤوليات اليومية.

أخيرًا، في حين أنَّ هذا قد يبدو واضحًا، فإنَّ الوقتَ المخصَّص للقلق هو وسيلة لتقليل مقدار الوقت الذي تقضيه في القلق والتفكير، كما أوضحتُ سابقًا، ليس التفكير بحدِّ ذاته هو ما يسبِّب أعراضًا لا تسرّ، ولا كميَّةُّ الأفكار المحفِّزة، بل الوقت الذي نقضيه في الانخراط مع هذه الأفكار هو الذي يتسبَّب في اجترار الأفكار والقلق الذي يثقل كواهلنا، ومن خلال تخصيص فترة زمنيَّة محدَّدة للقلق، من الراجح أنك ستشعر بالسيطرة عليها وتمنع نفسك من الإرهاق.

 

اقرأ ايضًا: هل يمكننا التحكم في أفكارنا السلبية؟

 

لا تتهرّب، ودرّب انتباهك

بالنسبة للأشخاص الذين يكافحون تحت عبء الإفراط في التفكير، من السهل جدًا تطوير الخوف من الأفكار المحفِّزة، بعد كلّ شيء، إذا شعرت أنَّك تحت رحمةِ أفكارِك، فقد تميل إلى تجنُّب ورودها على خاطرك في المقام الأول، لكن هذا ليس عديم الجدوى فحسب، بل إنه يأتي بنتائج عكسية أيضًا، فتجنُّب المواقف المحفِّزة سيعيق حياتك إلى الحدِّ الذي لن تنجح فيه على الإطلاق في تجنُّب المواقف التي تثير الأفكار، ومن ثمّ لن تحصل على فرصة للتدرّب على التخلي عن هذه الأفكار، بعد كل شيء، لا يمكنك تعلّم ركوب الدراجة بدون دراجة، وبالمِثل، لا يمكنك تعلم تجنّب فرط التفكير بالهروب من الأفكار المحفِّزة.

إذا فهمت ما سبق، فإنّي أوصيك بأن تضع لنفسك تحدياتٍ يوميّة تتضمن أفكارًا محفِّزة، وأن تتدرّب على توجيه نفسك لتركها بمفردها حتى وقت القلق المحدَّد، سيساعدك هذا زيادة مهارتك في ترك أفكارك المحفِّزة وشأنها، وستدرك أنك تستطيع التحكّم في مخاوفك وقلقك، لن تنجح في كل مرة ولكن، تمامًا مثل تعلُّم ركوب الدراجة، تحتاج إلى النهوض مرةً أخرى في كلِّ مرة تسقط فيها وتستمرُّ في قيادة الدراجة.

يكافح بعض الناس لتطوير هذه المهارة، في هذه الحالة في العلاج ما وراء المعرفيّ، نستخدم تدريب الانتباه لمساعدة المراجعين على إدراك أنهّم يمكنهم صرف انتباههم بغضِّ النظر عن الانفعالات الداخليّة، مثل الأفكار المحفِّزة، والانفعالات الخارجيّة، مثل الضغوط. عادةً ما أطلب من مراجعيّ القيام بالتمرين التالي لمدة 10 دقائق، ربما تلهمك قراءة هذا لتجربته بنفسك:

  • اجعل في محيطك ثلاثة أصوات بيئيّةٍ أو أكثر، مثل: حركة المرور، أصوات العصافير، إذاعة من راديو أو تلفزيون قريب، لعب الأطفال، أعمال البناء… إلخ. ثمّ ستحتاج إلى العثور على مكان تجد فيه هذه الأصوات المحيطة، حاول أن تراوح بين مستويات الأصوات التي تحدِّدها من حولك، ليكون البعض أقرب وأعلى، في حين أنَّ البعض الآخر يكون أبعد وأكثر هدوءًا.
  • من بين هذه الأصوات الثلاثة التي حدَّدْتها، تدرّب على التركيز على صوت واحد فقط في كلِّ مرة لمدة 10 ثوانٍ تقريبًا (يمكنك استخدام مؤقّت رقميّ لمساعدتك) ودَعِ الأصوات الأخرى تتلاشى في الخلفيّة، بعد مرور عشر ثوانٍ، قم بتحويل تركيزك إلى صوت آخر من اختيارك.
  • بعد دقيقتين، كرِّر التمرين، مع التبديل بسرعة أكبر بين الأصوات، ركِّز الآن على كلّ صوت لمدة ثانيتين إلى أربع ثوانٍ لكل منهما.

يهدف التمرين إلى تعويدك على تحويل انتباهك، عندما تشعر بمزيد من الثقة، يمكنك تقديم تسجيل لفكرة محفِّزة في التمرين، ومعاودة تحويل انتباهك بعيدًا عن صوت تلك الفكرة والعودة إليه.

كما يوجد تمرين آخر يمكنك تجربته، وهو تمرين النافذة، سيوضح لك هذا التمرين بشكل أكبر أنَّ انتباهك تحت سيطرتك، بغضِّ النظر عن وجود الأفكار المحفِّزة في رأسك.

  • أكتبُ فكرةً أو اثنتين من الأفكار المحفزة بالحبر القابل للغسل على النافذة، مثل: “ماذا لو فشلت في اختبار القيادة؟” أو “ماذا لو وجدت أنني ممل؟”، ثم أطلب من مراجعي التدرُّب على التركيز فيما بين العبارات ليلاحظ المشهدَ من ورائها: الأشجار، السماء، المباني، أيًا كان المنظر خارج النافذة، ثم أطلب منه ردَّ انتباهه إلى العبارات مرة أخرى، ثم يعود للتركيز على المشهد.

والغرض من هذا هو إدراك المراجعين إمكانيّة التحكُّم في انتباههم، إذا جرَّبتها فستجد أنَّك تستطيع التحكُّم في تركيزك بالالتفات لها، أو تجاهلها والاستمتاع بالمنظر الخارجيّ بدلًا منها.

ملاحظة: إن وجدت هذا التمرين صعبًا جدًا، فإنّي أوصيك بالانتظار وتجربته مع طبيب مختصّ.

 

اقرأ ايضًا: بين قلق التفكير، وطمأنينة التغافل

 

النقاط المفتاحية

  • الإصرار على فرط التفكير الذي يَظهر بشكلٍ قلق، يسبِّب العديد من الأعراض مثل: الأرق ، عدم القدرة على التركيز، وكذلك قلَّة النشاط، التي تؤدِّي بدورها إلى زيادة القلق، وبالتالي تخلُق حلقةً مفرغة من فرط التفكير، قد تؤدي في بعض الحالات إلى قلقٍ مزمن واكتئاب.
  • الاستراتيجيات الشائعة للسيطرة على القلق والتوتر (مثل: مراقبة التهديدات، والبحث عن إجابات، والتخطيط المفرط) غير مفيدة وتعطي نتائج عكسيَّة، فهذه الاستراتيجيَّات بالعادة تزيد الشعورَ بالخطر، وتُثبت قناعتك بأنَّ هذا القلق خارجٌ عن سيطرتك ولا تستطيع التحكم به.
  • الكثير ينظرون للتفكير المفرط على أنه سِمة شخصيَّة (لا نستطيع تغييره)، لكن الحقيقة هي أنّ الإفراط في التفكير هو طريقةٌ نتعلَّمها باختيارنا – بوعي أو بلا وعي – في محاولة التعامل مع أفكارنا ومشاعرنا، مبدئيًّا هي عادة نقع فيها، ولكن يمكننا تعلُّم تغييرها.
  • التفكير المفرط يبدأ بـ “أفكار محفِّزة”، ولكن ليست الأفكارَ المحفزة وحدها هي المسبِّبة في هذه الأعراض، بل الوقت الذي نقضيه في الانخراط في هذه الأفكار والتفكير و القلق الذي يثقل كواهلنا.
  • عندما تكون أفكارُك المحفِّزة تلقائيّة، أنت تستطيع التحكُّم فيها، فيمكنك الانجراف خلفها أو تجاهلها، والأفكار سريعة الزوال، وستمرُّ بسلام إذا لم تعطها الوقت للتفكير فيها.
  • توجد طريقة لتحدِّي اعتقاد أنّ الإفراط في التفكير خارج عن قدرتك، وهي اكتشاف ما إذا كنت تستطيع تأجيل هذه الأفكار أم لا، قم بتحديد نصف ساعة خلال يومك للتفكير بحريَّة عما يقلقك، فعندما تأتيك هذه الأفكار المحفِّزة في وقت مبكر خلال اليوم، علّم نفسك أن تتجاهلها، مثل تجاهل حكَّة قرصة البعوضة، وأجِّل الانخراط فيها لوقتٍ لاحق (كأن تقول لنفسك: سأتعامل معها لاحقًا).
  • قد تستَحسِن فكرة تجنُّب المواقف التي تستدعي الأفكار المحفِّزة، لكن هذا يؤدِّي إلى نتائج عكسيّة، بدلًا من ذلك، تدرّب على التخلُّص من هذه الأفكار.

 

تدرب على المزيد

تحدَّثتُ حتى الآن عن الإفراط في التفكير وأن المعظم منّا يُفضِّل عدم الإفراط فيه، وبالتالي سيكون لدينا الحافز للتقليل منه، لكن إذا كنت من الأشخاص الذين ينظرون بشكل مخالف تجاه الإفراط في التفكير، وتعتقد في داخلك بوجود العديد من المزايا في التفكير المفرط، فلن تجد التخلُّصَ من فرط التفكير تحدِّيًا، بل ستراه شيئًا مخيفًا أيضا أن تتخلّى عما تشعر به، وتنظر إليه على أنه ركيزة أو آلية تتمحور حولها سعادتك في الحياة. بغضِّ النظر عن التفكير المفرط، ربما تشعر بالاطمئنان له؛ لأن هذه هي الطريقة التي اعتدت عليها – التي دائما ما تفعلها-، فربما ترى أن التفكير المفرط مشكلة وحل في الآن نفسه.

يعكس هذا التناقضُ افتراضاتٍ معيَّنة قد تكون لديك، حول أفكارك واستراتيجيَّاتك، مثل الكثير من الناس. إذا كنت تنجح في التقليل من التفكير، إذن ربما عليك مواجهة هذه الافتراضات وجها لوجه. على سبيل المثال: مثل الافتراض الشهير ” إذا قلقتُ على ما يمكن حدوثه، سأتعامل معه بشكل أفضل “، مثال آخر: “إذا فكرتُ فيما أخطأت به سأكون أفضل في المرة القادمة ” وغنيٌّ عن القول، إنّك إن كنت تعيش وفقًا لهذه المعتقدات حول الفوائد المفترضة للقلق والتفكير، فستجد صعوبةً بالغة في التخلِّي عنها.

لتحدِّي هذه المعتقدات، اقترح أن تسأل نفسك إن كان التفكير قد أدّى في أي وقت إلى اتِّخاذ قرارات جيّدة، وكذلك أقلَّ أعراضًا وأكبر قدرة على السيطرة؟ إجابات معظم كانت الناس متناقضة، ومن ناحية أخرى ربما تشعر أنّ مخاوفَك وأفكارك أعطتك القليل من الشعور بالأمان والسيطرة، لكن، ستدرك أنَّ هذا التفكير يسبِّب لك الضغطَ النفسي، وقلَّة الشعور بالراحة، وربما أيضًا القلق، وفي الغالب لا يقود ذلك إلى قرارات افضل.  توجد طريقة لتحدي المعتقدات الإيجابيّة حول تقييم فائدة القلق، تكون من خلال وضع إيجابيّات وسلبيات القلق والتفكير في ورقة، من ثمَّ إليك القرار إذا ما كنت تريد تحديد وقت تفكر فيه بحريّة عن ما يقلقك أم لا.

الحقيقة هي أنك لا تستطيع التفكير والقلق حول كلِّ ما حدث أو ما سيحدث بشكل خاطئ، وفي نفس الوقت تبقى متوازنًا عاطفيًا بعيدًا عن الأعراض المتعبة، ولكن بطبيعة الحال، في بعض الأحيان ستحتاج إلى التفكير في بعض الأمور المقلقة، فماذا ستفعل؟ نصيحتي هي كذلك: إن كنت تريد أفضل ما في العالَمَين – أقل أعراضًا ومساحة للتأمُّل – حدِّد وقتًا للقلق والتفكير.

ربما تجد ذلك مخيفًا في البداية، إذا كنت تؤمن تمامًا أنّ التفكيرَ في المخاوف سيجعلك في أمانٍ وحسن أداء، فيجب أن تتحلَّى بالشجاعة لتتحقّق من مدى استطاعتك على التخلَّي عن التفكير المفرط أم لا، ولكنّي أشجعك بقوَّة على التخلِّي عنها، جرِّب رؤيةَ الموضوع على أنَّه تجربة تكتشف من خلالها ماذا سيحدث إن تخلَّيت عن هذه العادة، وإذا نجحت في ذلك أراهن أنَّك ستشعر براحة عظيمة، وأنّ القرارات التي ستتَّخذها لن تعاني منها كثيرا، وإن لم تستطع التخلِّي عن هذه العادة، فتستطيع العودة إلى الاستراتيجيات السابقة.


  • بيا كالسين هي معالجة و متخصِّصة في العلم الإدراكيّ، و تُدير العديدَ من النوادي في الدنمارك وتقدِّم العلاج النفسيَّ الإدراكيَّ عبر الإنترنت باللغة الإنجليزية، حصلت على الدكتوراه من جامعة مانشستر، وتلقَّت التدريب على يد مؤسِّس العلاج النفسيّ الإدراكيّ في معهد العلاج الإدراكيّ.

أعجبني المقال

المصدر
psyche

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى