مراجعات كتب

مراجعة كتاب: (كيف تقرأ القرآن: دليل جديد مع ترجمات مختارة)

  • هارفية بول
  • ترجمة: أنس بن سعود الجروان
  • تحرير: أنوار الفرس

  • اسم الكتاب: كيف تقرأ القرآن: دليل جديد مع ترجمات مختارة
  • المؤلف: لكارل إرنست[1].
  • الناشر: مطبعة جامعة نورث كارولينا
  • عام النشر: 2011
  • عدد الصفحات: 273

كتابُ (كيف تقرأ القرآن) موجهٌ للطلاب، وليس الأكاديميين من خلال تقديم اقتراحات الدراسة في “القائمة المرجعية C” في آخره، وقصر قائمة القراءة المقترحة (الصفحتين 257-8)، وكذلك من خلال المستوى البسيط نسبيا للغة التي يستخدمها.

يبدأ الكتاب بدراسة شاملة ومنصفة إلى حد ما للطرق التي لا ينبغي أن نقرأ بها القرآن، حيث يدرك كارل إرنست تمامًا جميع العيوب التي ابتُلِيت بها القراءات الغربية والإسلامية للقرآن، ولا يرغب في أن يتم التعرف على القرآن سواء بمواقف رافضة ومعادية للمسلمين في وقت سابق أو من خلال تقديس النص والقبول بالآراء التقليدية دون أي نقد، ويقول إن “القرآنَ عملٌ يستحق الدراسة بشروطه الخاصة وفي سياقه الخاص، من حيث القضايا الإنسانية والاجتماعية والعلمية الواسعة، بحيث يمكن دمجها في منهج المعرفة بدلا من عزلها كعنصر غريب”، وهو ينبه الطلاب إلى “الدراسات العلمية المثيرة حول النص” التي “تكشفت في التفاعل والحوار مع الجمهور المعاصر” (ص 10). كما يعترف بالتلاوة “الطقسية” التي تشكل جزءا كبيرا وأساسيا من العبادة الإسلامية، لكنه يقول إنه في رمضان تستمر التلاوات “طوال اليوم”، وليس في “المساء”.

وفي حين رفض إرنست العديد من الدراسات “التاريخية” باعتبارها غير مقنعة مقارنة بروايات السيرة التقليدية، إلا أنه يرى أن بعضَها مفيدٌ، بما في ذلك مشروع “كوربوس كورانيكوم”، الذي يحاول جمعَ كل المعارف ذات الصلة بالقرآن من المصادر جميعها.

في كتابكيف تقرأ القرآن يبني الكاتبُ نهجَه التاريخي الخاص استنادا إلى التسلسل الزمني الذي اتبعه نولدكه للوحي القرآني، على الرغم من اعترافه بالتسلسل الزمني المصري في جدول مقارن مفيد، من أجل تتبع تطور الوحي القرآني زمنيا، معلقا على ما يمكن استنتاجه من النص، وفي أماكنَ أخرى قدم تعليقاتٍ حول الجماهير المتغيرة المتلقية للنص التي تناولها القرآن، وهذا يسبب الارتباك أحيانا، كما هو الحال عند محاولة تأريخ ما يصفه بالسورة المكية الوسطى أو المتأخرة، الكهف (ص 137-8)، باستخدام الكتاب السرياني(أسطورة الإسكندر) الذي توجد فيه “نبوءة مفصلة بعد وقوعها يمكن أن ترجع إلى 628-9 م” (أي مدنية متأخرة). في وقت لاحق (ص 209) يتساءل من هم المسيحيون المخاطبون في جمهور المدينة، مؤكدا أن “المسيحيين … لا يبدو أن لهم تواجدًا في المدينة المنورة”، ولا يذكر التوافد إلى المدينة المنورة من المدن العربية المسيحية مثل نجران الذين سمح لهم النبي بالصلاة في مسجده. وعلى أساس التسلسل الزمني لنولدكه، يتتبع إرنست بعضَ التغييرات في أسلوب ومحتوى السور المكية المبكرة مروراً بالمدنية المتأخرة، “من خلال طقوس العبادة المنقحة ومن خلال الحوار مع مستمعيها حيث إنها تأخذ طابع النص القانوني”. ويلاحظ في (ص 43) أنه يوجد في السور المكية 80 نوعا مختلفا من القافية، وتقل تدريجيا بمرور الوقت إلى قافية ون/ين التي تظهر في السور المدنية.

يحرص إرنست على إظهار وتطوير التقدم الحاصل في الدراسات العلمية حول الجوانب الأدبية والبلاغية والهيكلية للنص القرآني، ويستكشف كذلك التنوير الذي يمكن اكتسابه من خلال استكشاف عناصر بلاغية مثل “الحلقة التركيبية/المقابلة العكسية” (الموجودة أيضا في التراكيب اليونانية والسامية وحتى الشرق آسيوية)، في محاولة لترجمة النصوص كما ذهب إليه في هذا الكتاب، ويبين أن العبارات المهمة كثيرا ما نجدها في وسط السورة، محاطة بالجدال والنقاش، مع مقدمة وخاتمة مترابطتين. كما يشير إلى أهمية “الأصداء اللفظية” (إعادة استخدام الكلمات في سياقات مختلفة) في إنشاء مثل هذه البُنى. هذا النوع من التحليل يمكِّنه من إلقاء الضوء على بعض العبارات الهامة جدا، على سبيل المثال المرور على آية “واعتصموا بحبل الله جميعًا” في سورة آل عمران، والآيات التي تتحدث عن “التعددية الدينية” في سورة المائدة. ويقول: إن هذا النوع من الأولويات “يختلف عن مبدأ الإقصاء”، الذي يرى أن نتائجه “غير مرضية” (ص 163).

الأجزاء الأولى من كتاب إرنست، عن أوائل وأواسط وأواخر السور المكية وأوائل السور المدنية تبدو منخرطة تمامًا مع النصوص، ويبدو أنه يقدم ملخصاته الخاصة به، مع بعض الاعتراف بمن سبقه كنيل روبنسون وآخرين. ولكن في (ص 189) تنتهي معالجته لسورة آل عمران فجأة، وأشعر بأنه فقد القدرة على المواصلة أو كان حريصا على المضي بسرعة إلى استكشاف تحليل كويبرس لسورة المائدة.

ويبدو أن استنباطات إرنست عن بعض أوجه التشابه الأكثر إثارة للاهتمام مع النصوص المسيحية مستمدة من كتاب (الوليمة) الذي يقع في 565 صفحة لميشيل كويبرس عن سورة المائدة، والذي حصل على جائزة كتاب العام الإيراني في عام 2009، والذي ربما يجري إرنست على خطاه في قسمه الأخير عن “السور المدنية المتأخرة”. يشدد إرنست في منهجه على استخدام النصوص التوراتية باعتبارها وسيلة لزيادة الفهم (يذكر في ص 207 أن عالِما مسلما من القرن الخامس عشر فعل ذلك)، بدلا من إضافة تفاصيل تاريخية -كما يسعى علماء الإسرائيليات- أو دعم اتهامات الانتحال وفقا للمستشرقين. من بين بعض الرسوم التوضيحية المثيرة للاهتمام -ولكن غير المؤرخة للإسكندر كما هو مبين على عملة يونانية- تساعد في إلقاء الضوء على شخصية ذي القرنين والكشف عنها، وتشمل النقاط الأسلوبية التي كشف عنها منهج التداخل النصي، انتشار أسلوب الحلقة التركيبي في الثقافات والنصوص الأخرى، واستخدام أسلوب الالتفات في الكتاب المقدس، على سبيل المثال كما في سفر نشيد الإنشاد.

سواء كان ذلك بسبب خلفيته الثقافية أو بسبب تأثره بكويبرس، يتبنى إرنست بشكل أو بآخر افتراضاتٍ مسيحيةً مسبقة. وهكذا يفترض في (ص 191) -دون تقديم أدلة تدعمه- أن العيد في سورة  المائدة هو العشاء الأخير ليسوع في عيد الفصح، وليس أي عشاء آخر -على سبيل المثال حفل الزفاف في قانا – متجاهلا حقيقة أنها كانت معجزة أُرسِلَت لإقناع تلاميذه، ويفترض أنها في مرحلة مبكرة من رسالة يسوع وهو يترجم (على سبيل المثال ص 191) الكلمة العربية دين (‘طريقة الحياة’) على أنها ‘خدمة دينية’، وهو خطأ ربما سببه الالتباس بينها وبين الفعل الألماني dienen بمعنى يخدم، ويحاول في (ص 107) أن يثبت “سبقاً طقوسياً’ للبنية ‘الثلاثية’ للسورة المتعلق بالعبادة التي يعتقد أن ملامحها ‘كان يمكن ملاحظتها في الممارسة الدينية اليهودية والمسيحية في الجزيرة العربية. في الواقع لا تزال واحدة من أقدم الطوائف المسيحية -الأقباط في مصر- تمارس طقوساً دينية من أربعة أو خمسة أو حتى ستة أجزاء (انظر، على سبيل المثال، ليتورجيا القديس باسيليوس؛ لذلك فمن غير المرجح أن يُفترض أن الطقوس المسيحية كانت “ثلاثية” في ذلك الزمان والمكان. بناءً على هذا الدليل الضعيف، يفترض إرنست “زيادة الاستخدام الليتورجي في العبادة كمبدأ رئيسي وراء تكوين السور [المكية المتأخرة]”.

يأمل إرنست في خاتمة الكتاب، أن يكون هناك مجالٌ لمقاربة “منصفة” و”ما بعد استشراقية”، لقراءة القرآن، “من دون أن يتطلب ذلك قبولَ سلطته أو رفضَها كرسالة إلهية”. ويقول إن المسلمين لا يستطيعون تجاهل نصوص الكتاب المقدس (ومتوازياتها داخل القرآن) أكثر مما يستطيع المسيحيون واليهود تجاهل القرآن باعتباره غير ذي صلة.


[1](كارل إرنست): بروفيسور الدراسات الإسلامية في جامعة نورث كارولاينا.

أعجبني المقال

المصدر
euppublishing

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى