عام

كيف تحافظ على صحة دماغك؟

  • كايلاس روبيرتس
  • ترجمة: شدا المبرد
  • تحرير: عبد الرحمن الجندل

عليك أن تعرف أنه -وبحسب بيانات من إنجلترا وويلز- يُتوقع لسكان الغرب في وقتنا الحاضر عيشُ حيواتٍ أطول بكثير مقارنة بمتوسط حيوات الناس قبل 100 عام، إذْ إن الانخفاض الهائل لمتوسط العمر في الماضي كان بسبب كثرة وفيات حديثي الولادة لحد كبير؛ ومع ذلك، مقارنة بمنتصف القرن التاسع عشر، فإن طفلًا ذا خمسة أعوام يُتوقع له أن يعيش لـ 82 عامًا بدلًا من 55 عام، أي أن معدل العيش المتوقع زاد 27 عاما.

وعلى أن ذلك تطور طيّب، إلا أن كثيرًا من التحسينات في مجالي: الرعاية الصحية، والتغلب على الأمراض المعدية، سلاحٌ ذو حدين؛ فللجسم أن يبقى ويصمد خلال كل هذه العقود، وأما الدماغ فربما لا! وإذا كنت ذا جسم سليم ودماغ معرض للخطر دائمًا، فستكون في حال لا تُحسد عليها، وهذا ما يدعو للقلق في استبانة حديثة أُجريت من قبل: (Alzheimer’s Research UK) وأظهرت أن نصف المجيبين تقريبًا يخافون الخرف أكثر من أي مرض آخر، حيث إن أكثر من 60 بالمئة منهم أكبر من 65 عام.

عملت طبيبًا نفسيًّا في مجال صحة الدماغ لعشرين سنة تقريبًا، وأهم مواضع اهتمامي هو الخرف الذي يعرف بأنه: (فقْد وظائف الدماغ باستمرار لعلة ما، كالزهايمر مثلًا)، صرتُ أرى أنه على كل أحد الاهتمام بصحة دماغه قبل سن الـ65 بكثير؛ ذلك أن هناك طرق جوهرية لتقليل خطر الإصابة بالخرف وضعف الإدراك، وكلما بكّرت في تصدي أنماط العيش الضارة والحالات الصحية الناتجة عنها، كنت أقرب للنجاح.

تجنب الخرف مهم، بل ويساويه بالأهمية تحسين وظائف الدماغ طيلة الحياة، أي تفعيل هذا العضو الحي بأحسن ما يمكن طوال العقود كي لا يزيد احتمال الخرف، فذلك يعين على زيادة الإنتاجية والسعادة والرضى.

تُغيرُ الشيخوخيةُ الدماغَ، ولكن ليس للأسوأ دائمًا

عند الشروع بتحسين صحة الدماغ، فإن معرفة ما يحدّه عن ذلك أمرٌ حسن؛ فبالعموم يفشل الدماغ لعدة أسباب:

  • عندما لا يحصل على ما يزوّده لتنميته وحفظه، وهذا يشمل الأكسجين والعناصر الغذائية الضرورية، وقد يكون سبب ذلك قلة إمداد الدم أو نقص في العناصر الغذائية.
  • من تراكم ’الحطام‘ يتكون الحطام في الدماغ مع مرور الوقت كناتج ثانوي لعمليات الأيض، ويساعد في حدوثه ما نفعله ومالا نفعله في حيواتنا، والحطام الْتهابي بطبيعته، أي أنه يحدث استجابةً لخطر محتمل على الدماغ، وهذا الالتهاب يتسارع مع التقدم في العمر، يعرف مجازيًّا بـ (inflammaging) (الاشتعال)، ويعزز عدة حالات صحية مزمنة بما فيها الخرف.
  •  عند التضرر من الإصابات البدنية، حتى الإصابات الاعتيادية نسبيًّا، كضرب كرة القدم بالرأس بتكرار كافٍ، قد تسبب مشاكل إدراكية لزمن طويل (سيذكر المزيد عن ذلك في الفقرة القادمة).
  • قلة التمرين؛ فالدماغ كالعضلات قابل للتمرين، وكما أن عضلاتنا تذوي إذا لم تُستخدم وتُمرن، قد تؤدي قلة تمرين الدماغ والأنشطة الذهنية إلى فقدان الوظائف الإدراكية وفشل الدماغ؛ فكلما عشت لفترة أطول، تراكم المزيد مما يحد من صحة الدماغ! وإذن فماذا يعني ذلك للدماغ الشائخ الذي قدر على تجنب الإصابة والمرض؟ الجواب سارٌّ وكذلك مقلق، فالمقلق أنّ عليك توقع انخفاض في قوة الدماغ كلما تقدمت في العمر، وقد يبدأ من ثلاثينيات العمر.
  • ومن التوقعات في انخفاض قوة الدماغ: النسيان؛ ولكنّ أبرز توقع مُشكل هو فقدان سرعة المعالجة، فأنا في منتصف الأربعين من عمري وأقرّ بذلك صدقًا؛ ففي العادة أصلُ للإجابة الصحيحة، ولكن صرت أستغرق وقتًا أطول، فلعبي لعبة الأسئلة السريعة مع ابني المراهق قضية خاسرة.
  • ويحصل كذلك تدهور في ’المهارات التنفيذية‘ مع العمر، كتلك التي تتحكم بها القشرة الجبهية (مقدمة الدماغ)، مما تحد من قدرتك على تخطيط وتنظيم نفسك، ولحل المسائل المعقدة، كما ذكرت، فهذا يسوء عندما تكون تحت ضغط الوقت؛ ترتبط هذه التغيرات الإدراكية مع تغيرات الدماغ، كالانكماش (يحدث نيابة عن فقدان الخلايا العصبية)، وتغيُّر في إمدادات الدم.

 وأما النبأ السار فهو أن بعض المهارات الإدراكية لا تنخفض جذريًّا مع العمر، فمفرداتك ولغتك أدعى أن تكون سليمة نسبيًّا (بغض النظر عن نسيان الكلمات على طرف اللسان المتعلقة ببطء المعالجة)، على نفس المنوال، مهارات الإبصار المكاني تبقى سليمة مع التقدم في العمر، فهذه المهارات تبقيك على دراية بمكانك عن طريق الأشياء المحيطة بك، وهي مهمة أثناء القيادة، وتعوض الحكمة البالغة والخبرة الكافية عن العجز المتعلق بالعمر، فتفيد في حسن اتخاذ القرار.

المهم ألا تتقاعس وتقبل أي تغيرات متعلقة بالعمر، فحتى وقت قريب جدًّا، كان يُعتقد أنه إذا نضج الدماغ، أي في منتصف العشرينيات، فإنه يتهاوى منذئذ، ولكننا نعرف الآن أن ذلك خطأ، فالأبحاث المتزايدة تشير إلى أن بعض أجزاء دماغ الإنسان تستمر في إنتاج خلايا عصبية جديدة طيلة العمر، الحُصين وهو أحد تلك الأجزاء المسؤول عن حفظ الذكريات الجديدة، هو أحد أول أماكن الإصابة بمرض الزهايمر. والقدرة على تعزيز هذا النمو، للاستفادة من ’المرونة العصبية‘ للدماغ (وهي قدرته المستمرة على التكيف مع ما عليه من المتطلبات)، تُعد فرصة ذهبية ومدعاة للتفاؤل، وتعني أن بعض التغييرات المتّبعة على نمط الحياة -والتي سأذكرها بعد قليل- ستساهم بالحفاظ على وظائف دماغك ولياقته العامة، حتى مع تقدمك في العمر.

للخرف جذور عميقة

بالمقارنة مع الأعراض الطبيعية للتقدم في العمر، يضرّ الخرف الشيء الكثير من الوظائف، ويزيد الأمر سوءًا كلما طال به الوقت، إذ إن المرض الذي يعززه ينتشر في الدماغ، والمزيد من المهارات الادراكية ستتأثر. وجدير بالذكر أن الخرف ليس بمرض يُشخّص، إنما هو مصطلح نستخدمه لنصف مجموعة أعراض وعلامات تدل على وجود مشكلة في الإدراك مستمرة في التدهور؛ فمرض الزهايمر هو أشهر وأشيع سبب للخرف، ولأمراض الجهاز الدوري -المسؤول عن القلب والأوعية الدموية- أيضًا أن تسبب الخرف، وأنواع أخرى كالخرف الجبهي الصدغي، وداء جسيمات ليوي.

أحد التحديات في معالجة الخرف هو أنه في الغالب يظهر عند كبار السن، وله جذور عميقة جدًا، للمعلومية، أحد البروتينات السامة المصاحبة للزهايمر تظهر في الدماغ قبل ظهور الأعراض بعقود، وكذا مشاكل الأوعية الدموية، كضغط الدم العالي وارتفاع الكولسترول، تظهر قبل ثبوت المرض بسنوات.

بوضوح هذه الأمور تتضح أهمية التصدي لعوامل الإصابة قبل ظهور أعراض الخرف، وكذلك إمكانية التصدي لها مدعاة للتفاؤل، واعلم إمكانية الوقاية منه أو تأخيره على الأقل، وهذه نقطة هامة لا يعرفها الكثير؛ حيث صدر عام 2020م تقرير بتكليف من المجلة الطبية الرائدة: (The Lancet)، وفي خلاصته أن نسبةً تصل إلى 40% بالمئة من حالات الخرف بالعالم يمكن تفاديها نظريًّا بالتصدي لعوامل الخطر طيلة العمر.

Top of Form

وقول ذلك أسهل من العمل به، إذ يعلم أي شخص حاول الالتزام بعادات جيدة وامتنع عن أخرى سيئة على المدى الطويل أن إبقاء التحفيز أمر صعب، خصوصًا عند غلبة المتعة المباشرة إثر العادة السيئة، كاستطعام السكر عند أكل الحلويات، وعندنا جاهزية لهذه المُتع إذ ورثناها من أسلافنا حيث كان النقص خطرًا منذرًا، وأما الخطر في العالم الغربي الحديث فليس النقص، وإنما الوفرة، حيث إنه لم يسبق لنا يسر التعرض لأشياء ضارة بالدماغ، وعلى رأسها السكر والدهون المشبعة والملح، فوفرتها مع رغبتنا الملحة لها مشكلة عُظمى.

وعلى رغم هذه التحديات، فلم تزل هناك ممارسات لحماية دماغك من الخرف، بل وتمنح متعة أو نتيجة مباشرة في تحسين كل من الوظائف الإدراكية والصحة العامة، واعلم أنك إذا أردتّ الحفاظ على صحة دماغك للمستقبل وتحسين وظائفه فعليك أن تعرف كيفية تجنب الأشياء التي سأوضحها أدناه.

ما عليك فعله

سأقترح خمسة جوانب رئيسية لتتبعها من أجل تحسين وظائف دماغك، سواء كانت نتائجها مباشرة أو لتقليل احتمال الإصابة بالخرف لاحقًا.

غذّ دماغك

يزن دماغك بنسبة 2% بالمئة من وزن جسمك فحسب، ولكن يستخدم 20% بالمئة من متطلبات طاقته، ولا عجب في أنه إذا لم يتلقّ الغذاء المناسب فإنه لن يؤدي المطلوب، ويلزم لتحقيق ذلك وجود العناصر الغذائية المناسبة ونظام نقل فعّال يوصلها إلى الدماغ.

ونظام النقل يعتمد على صحة الأوعية الدموية، بما في ذلك خلوها من تصلب الشرايين، وهو ترسب دهني داخل الأوعية يجعلها ضيقة، ولهذا شأن بمستوى الكولسترول وضغط الدم، ويؤثر ضغط الدم غير الطبيعي مباشرة على تغذية الدماغ، فارتفاعه الزائد يعرضك لخطر السكتة الدماغية، وبانخفاضه الشديد، يضعف تدفق الدم، مما يجعله غير كافٍ لإيصال الغذاء إلى الدماغ، وتضمن الحمية الغذائية الصحية اتزانَ ضغط الدمِ ومستويات الكولسترول.

أكثر الأنظمة الغذائية المثبتة بالأدلة لحماية الدماغ هي حمية البحر الأبيض المتوسط أو حمية مايند (MIND)؛ فقد أظهرت دراسة تُعنى بفوائد هذه الحمية أن أكثر من اتبعها بحذافيرها من المشاركين كانت صحة أدمغتهم كما لو أنهم أصغر بسبع سنوات -باعتبار الوظائف الدماغية- مقارنة بمن لم يتبعوه مطلقًا.

يشير كل من حميتيّ مايند والبحر الأبيض المتوسط إلى تضمين بعض الأطعمة وإقصاء بعضها أو التخفيف منها على الأقل:

الأطعمة المُضمَّنة في الحمية:

  • الورقيات الخضراء، وخضروات أخرى يستحسن خلوها من النشويات.
  • التوابل والعشبيات.
  • البقوليات وأنواع الفاصولياء.
  • حبوب القمح الكاملة.
  • أسماك المياه الباردة، كسمك السلمون والتونة والسردين وما شابهها.
  • زيت الزيتون.
  • الدواجن.
  • المكسرات والبذور.
  • أنواع التوت والفراولة.

الأطعمة المستبعدة:

  • الأطعمة المصنعة والسكرية.
  • مشتقات الحليب واللحوم الحمراء.

الهدف الرئيسي من كل هذه الأطعمة هو التزويد الكافي بمضادات الأكسدة -مركبات لها تأثير وقائي في الدماغ-، والألياف، والدهون غير المشبعة -بما فيها الأحماض الدهنية أوميغا3-، وفيتامينات ب، وكمية كافية من الكربوهيدرات المُعقدة.

ذكرت مسبقًا أن الالتهاب سبب لضعف صحة الدماغ، وتعمل مضادات الأكسدة في الأطعمة المذكورة أعلاه – وخاصة الخضار والتوابل – على تثبيط الالتهاب عن طريق تحييد الجذور الحرة، وهي جزيئات يتم إنتاجها كجزء من وظائف الجسم اليومية، مثل التنفس والأكل والنشاط البدني، تُنتج بإفراط استجابةً لأشياء أخرى، على سبيل المثال لا الحصر: تلوث الهواء، والتدخين، والكحول والأطعمة المصنعة؛ فإذا وصل الالتهاب للدماغ، تتمثل بذلك المشاكل الإدراكية بما فيها الخرف.

للألياف فوائد جمة ومميزة ويفتقرها النظام الغذائي الغربي، بسبب الإفراط في تصنيع الأطعمة؛ فالألياف – من بين الأطعمة الأخرى – تسبب تغيرات في بكتيريا الأمعاء – الميكروبيوم – وقد يكون ذلك مواتيًا عندما يكون الميكروبيوم غير صحي، فإن هذا يؤدي مرة أخرى إلى الالتهاب، ويرجع ذلك جزئيًا إلى تكسير الطبقة الواقية اللزجة التي تبطن جدار الأمعاء، مما يعني أن المواد الالتهابية تعبر إلى الأنسجة والدورة الدموية، ومن المحتمل أن تؤثر سلبًا على الدماغ.

تأخذ الدهون ستون بالمئة60% من الدماغ، ولهذا السبب لا أنصح عمومًا بنظام غذائي منخفض الدهون، والنوع المناسب من الدهون ضروري لعزل الخلايا العصبية لنقل الرسائل بكفاءة؛ مشكلتنا مع الدهون أننا نميل لتناول الدهون المشبعة وهي النوع الموجود في مشتقات الحليب الكاملة الدسم واللحوم الحمراء، ولهذا النوع أن يزيد من أمراض الأوعية الدموية، وهو ليس بجيد للدماغ، وقد يتسبب الإفراط منه بالسمنة، وهي سبب آخر للالتهاب؛ فعليك بتناول الدهون غير المشبعة إن أمكن، وهي التي توجد متنوعة في المكسرات وزيت الزيتون مثلًا.

مرّن دماغك

يشير مصطلح “المخزون الإدراكي” إلى قدرة الدماغ على الأداء الجيد برغم الضرر الجسدي الناجم عن الإصابة أو المرض -مثل مرض الزهايمر- وكلما زاد المخزون كان الدماغ بحال أحسن، وتوجد عوامل مختلفة تعطي الدماغ مخزونًا إدراكيًا أوسع، كمستويات التعليم العالية، والمهن التي تتطلب مهارات إدراكية، ولك أيضًا أن تتخذ خطوات استباقية لتدريب عقلك وتعزيز احتياطاتك المعرفية، ولتمرين دماغك بفاعلية على النحو الأمثل، فلا بد من تحقيق بعض الشروط والمتطلبات الضرورية، ومنها:

أولًا: الجدة والتنوع؛ فيُقبل أي تمرين فيه جِدّة وتنوع -أي بفعل أشياء لم يعتد عليها دماغك-؛ ومن أمثلة ذلك: أنه قد يكون مدمنو لعب الكلمات المتقاطعة أمهر عند لعب السودوكو، والعكس صحيح، أيضًا: تعلم لغة جديدة أو رقصة أو آلة موسيقية، كما أن للممارسة المتكررة فائدة أخرى وهي تطوير مهارة إدراكية معينة، مما يعزز الدوائر العصبية التي تقوم عليها المهارة.

ثانيًا: التعقيد؛ فكلما صَعُبَت المهام الإدراكية كلما اجتهد الدماغ وزادت من فائدته، وهذا يشبه رفع الحديد في الصالات الرياضية، إذ تُحقَّق المنافع ببذل الجهد.

ثالثًا: زيادة التعقيد؛ وهو متعلق بما قبله، ويعني زيادة صعوبة التعلم أو النشاط الذهني باستمرار لتكون بتحدٍّ كافٍ.

كثيرًا ما أُسأل عن تطبيقات تمرين الدماغ، كـ( Lumosity و BrainHQ)، على أنها ممتعة وتسبب الإدمان والجميل في هذا أنها تشجع على استمرار التمرين، إلا أنه ما من دليل قطعي على أن المهارات المطورة بهذه التطبيقات مُعمَّمة، أي أنها ستحسن مستواك في لعبة معينة، ولكن قد لا تؤثر في أنشطة إدراكية أو جوانب أخرى في الحياة؛ حيث أشارت دراسة (ACTIVE) التي نُشرت عام 2013م أن هذه المهارات قد تُعمم، ولكنها بذلك عارضت التوجه لنتائج الدراسات الأخرى، ولم تزل الحاجة لمزيد من البحث،  بل إن لاحتمالية الإدمان في هذه الألعاب سلبيات، فقد مر علي مرضى صاروا مهووسين برفع نقاطهم في الألعاب، ويمضون الساعات في اليوم يتدربون على حساب أنشطة أخرى مهمة، كالتواصل الاجتماعي -وسنتطرق إلى هذا بعد قليل-، فهؤلاء غالبا ما يواجهون ضغطًا عصبيًّا عندما لا يتقدمون، وهذا ليس بجيد للدماغ، هي مسألة توازن كما هو الحال مع كل شيء.

ولتحسين الذاكرة خصوصًا، فهناك الكثير من الحلول والتكنيكات يُمكن أن تتّخذ، فتقسيم المعلومات الكثيرة إلى معلومات أقل ينفع في ذلك، كما نفعل مع تقسيم أرقام الهاتف إلى أجزاء صغر، وكذلك الغناء وقيافة الكلام، وباختبار نفسك في المعلومات التي تعلمتها، والتكرار المتباعد بإعادة المذاكرة بعد انقطاع ساعات أو أيام أو أسابيع فأكثر، كلها من الطرق الجيدة للتذكر.

وهناك طرق أخرى متقدمة، كالتي يمارسها أبطال الذاكرة، وقد تكون قوية لدرجة العجب، أشهر طريقتين هما: طريقة الملاقط، وقصر الذاكرة (أو طريقة الموقع)، وكلتا الطريقتين تقومان على ربط ما تريد تعلمه بصورة شيء مألوف (كما بالملقط) في ذهنك، وخصوصًا ذاكرتنا البصرية قوية، فتعتمد هذه الطرق على هذه الفكرة، وهكذا كلما كان ارتباط الصورة غريب، زاد احتمال تذكرها، لذا فإن الإبداع هو السر.

باستخدام طريقة الملاقط مثًلا، فلنفترض أن أول أربعة ملاقط هي وسائد، غزلان، فراشة، قبعة -وهذه الكلمات تشابه قوافي الأرقام واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة، وبالترتيب ذاته-، ولنقل إنك تحاول تذكر أربعة أشياء أثناء التسوق وهي سمك، وخبز، ولبن، وأرز. عندها، تربط السمك بالوسائد، بحيث تُبدع في تخيل وسائد على شكل أسماك نائمة وأعينها مغمضة، وظرافة الفكرة تساعد في التذكر، وتربط الخبز بالغزلان فتتخيل غزلانًا من خبز وأنت تتحسس طراوة ملمسهم، اجعله خيالًا متعدد الحواس، وهلُمّ جرّا.

وأما طريقة الموقع فمشابهة ولكنها تستخدم الأماكن لتعزز التذكر، وعلى هذه الأماكن أن تكون مألوفة جدًّا، كمنزلك مثلًا؛ فإذا كانت لديك قائمة من 10 عناصر، تتخيل أنك تمشي في منزلك وتربط العناصر بأماكن مختلفة فيه -الأماكن هنا شبيهة بالملاقط- وتمشي بخيالك ثانية في ربوع المنزل وتتذكر الصور المرتبطة، أو أيًّا كان ما تسعى لتذكره بدقة متناهية.

باستخدام تقنيات الذاكرة كهذه ستستفيد مرتين، قد تعوض عن أي آثار ضارة للشيخوخة على ذاكرتك، وستحافظ على دماغ حاذقٍ وتبني مخزونك الإدراكي من خلال نشاطك الذهني.

الاهتمام بصحتك النفسية (وعلاقتها بغيرها)

استخدام المصطلحين “صحة الدماغ” و “الصحة النفسية” يجعل كأنهما منفصلان، لكنهما في الواقع متشابكان بشدة؛ اثنان من أكثر مشاكل الصحة العقلية شيوعًا – الاكتئاب والقلق – يمكن أن يكون لهما آثار ضارةً على الدماغ، إلى جانب تأثيرهما الأبرز على العاطفة والحالة المزاجية، إذا كنتَ قد عانيت من هذه الحالات المنهكة، فستهون عندك آثارها القصيرة المدى، كبطء التفكير، وصعوبات الذاكرة والتركيز، وضبابية الوعي وما إلى ذلك، ففي حالات أشد، قد تكون شديدة للحد الذي تشبه فيه الخرف.

وعلى المدى البعيد، تظهر نتيجة ضارة مماثلة عندما تترك مشاكل الصحة النفسية المزمنة دون علاج، وقد يكون الالتهاب سبب أكثرها.

قد يبدو من الواضح أن هناك “تأثير للجرعة”، فمثلًا كلما كانت نوبة الاكتئاب أطول وأشد، كان تداعياتها أسوأ على صحتك المعرفية، وقد أظهرت الدراسات أن مشاكل الصحة النفسية هذه يمكن أن تغير بنية الدماغ، إذ يتقلص الحُصين، وهو بنية الدماغ التي ذكرتها سابقًا على أنها ضرورية للذاكرة والتي تتضرر في مرض الزهايمر بسبب نوبات الاكتئاب الممتدة، ومع ذلك فإنه لمن البشرى ثبوت تحسين نمو الحصين وصحته بعلاج الاكتئاب بالأدوية؛ إذن فالعلاقة القوية بين الصحة النفسية، وصحة الإدراك والدماغ سبب آخر لأخذ الصحة العقلية على محمل الجد.

تعد التدخلات في نمط الحياة عنصرًا حاسمًا في الحفاظ على الصحة النفسية، لذا امنح الأولوية لنومك وممارسة الرياضة بانتظام وتناول الطعام الصحي، فإذا وجدت صعوبات في تحسين مزاجك أو في علاقاتك أو تطلعك لمستقبلك، وكانت مشكلتك العويصة والدائمة، لا تتجاهلها وتتظاهر بأن كل شيء على ما يُرام، تحدث مع صديق تثق به أو أحد أفراد الأسرة عما تشعر به، ولا تخش مناقشة مخاوفك مع أخصائي صحي، سواء كان طبيبك العام أو مستشارًا أو طبيبًا نفسيًّا أو أخصائيًا نفسيًا، فتوجد علاجات فعالة، نفسية ودوائية، وليست تعالج مشاكلك الفورية فقط، بل تساعد أيضًا في حماية صحة دماغك على المدى الطويل.

ومن أحد العوامل الرئيسية المؤثرة على الصحة العقلية هو درجة صلتنا الاجتماعية، وإن عدمها -خاصة عندما يؤدي إلى الشعور بالوحدة- يجعل الدماغ يعاني ويزداد خطرًا بالإصابة بالخرف، وكما قلّت صلتنا الاجتماعية، -قد يحدث ذلك جزئيًا بسبب الالتهاب- فقد ثبت أنّ كلًا من العزلة الاجتماعية والشعور بالوحدة يزيدان من مستويات علامات الالتهاب في الدم! وقد يؤدي الشعور بالوحدة إلى مجموعة من المشاكل الأخرى، كالأمراض العقلية والمشاكل الصحية الجسدية على حد سواء، ويمكن أن يكون لها أيضًا تأثير سلبي على الدماغ، ولهذه الأسباب شبّه بعض الخبراء الشعور بالوحدة بالمرض الذي يغير بنية الدماغ ووظائفه.

والعكس صحيح، فإن الاجتماع بالناس يمرن الدماغ ويبني مخزونًا معرفيًا، تتطلب المحادثة تكلمًا واستماعًا قوة عقلية كبيرة، إذ عليك الانتباه لما يقال، وتذكره، وصياغة استجابة، وممارسة الحكم الاجتماعي المناسب، تستحق كل هذه المهارات أن يُسعى لها، وانظر إلى النتائج التي توصلت إليها دراسة بريطانية استمرت عقودًا شملت آلاف الموظفين الحكوميين، كانوا أكثر نشاطًا اجتماعيًا مع الأصدقاء خلال الثلاثينيات والأربعينيات والخمسينيات من العمر، وكان لديهم أداء معرفي متفوق في نهاية الدراسة، علاوة على ذلك، كان الناس الأنشط اجتماعيًّا في الستينيات من العمر أقل عرضة للإصابة بالخرف في وقت لاحق.

لذلك من المهم أن تظل واصلًا، تواصل مع الأصدقاء والأهل، عبر الإنترنت أو الهاتف إذا لم تتمكن من ملاقاتهم، انظر في المجتمعات الصغيرة لتنضم إليها، ادخل في نادي كتاب أو مشي جماعي، ومواقع الويب مثل (Meetup) مفيدة لمعرفة الأنشطة حول منطقتك، حتى التنزه في منطقتك مع كلبك إن كان لديك، فرصة جيدة للتواصل الاجتماعي.

مرن بدنك

كما أن الصحة النفسية وصحة الدماغ مرتبطتان بعمق، كذلك ترتبط صحة الجسم بصحة الدماغ، وهذا صحيح، فهناك أدلة جيدة تفيد بأن تحسين اللياقة العامة تحسن من صحة الدماغ، فأحد الأسباب واضح، فلياقة بدنية أفضل تعني تحسين صحة الأوعية الدموية، مما يحسن إمداد الدماغ بالأكسجين والمواد المغذية، وتساعد التمارين المادة الرمادية عندنا بأشكال أخرى، فهي مرتبطة بانخفاض الالتهاب على المدى البعيد، وتعوض عن الضرر الناجم عن أكل الأغذية السكرية أو الغنية بالدهون، وكما تساعد في التحكم بالوزن والنوم والصحة النفسية، مع ما ينتج عنها من فوائد لصحة الدماغ.

يأتي دور الحماية الآخر من إنتاج مادة تسمى عامل التغذية العصبية المشتق من الدماغ، هذا الجزيء مفيد للغاية في تعزيز نمو الدماغ وصحته، وتزداد مستوياته عن طريق التمرين، وغالبًا ما يُشار إليه بغذاء الدماغ المعجزة.

يعمل الخبراء على إرشادات النشاط البدني خصيصًا للدماغ، ولكن في الوقت الحالي نتبع الإرشادات العامة للصحة البدنية، إذ يقترحون ممارسة ما لا يقل عن 150 دقيقة من التمارين الهوائية متوسطة الشدة أسبوعيًا، أو 75 دقيقة من التمارين القوية، ويعني متوسط الشدة أنه يمكنك التحدث ولا يمكنك الغناء، فسياقة الدراجة والجري والمشي السريع والسباحة أمثلة على ذلك، يُقترح أيضًا إضافة تمارين المقاومة في نظامك – التي تستخدم فيها الأوزان الخارجية أو وزن جسمك – على الأقل مرتين في الأسبوع.

تدعم الأبحاث أيضًا فكرة أن التمارين عالية الشدة يمكن أن تكون مفيدة خصوصًا لقلبك وبالتالي لعقلك، فالتمارين المتقطعة عالية الشدة – حيث تتمرن بالقرب من حدود طاقة القلب والأوعية الدموية لفترة مستمرة – مثال كلاسيكي على ذلك، بل ويمكنك أيضًا الجمع بين العدو في الجري أو التلال شديدة الانحدار في مسيرتك.

ولابد من ذكر السمنة مع ذكرنا تمارين الجسم، إذ تزيد السمنة من خطر الإصابة بأمراض الأوعية الدموية، مما يزيد من فرصة الإصابة بالخرف، وهي أيضًا حالة التهابية غير محمودة للدماغ، ولكن ليست كل الدهون سواء، فدهون البطن التي تؤدي إلى السمنة المركزية الزائدة خبيثة على وجه الخصوص، وهي وكيلة للدهون الموجودة حول أعضائنا الداخلية، وهذه مشكلة بذاتها؛ لذلك فإن الاهتمام بالوزن ومقاس الخصر -باتباع النظام الغذائي ونصائح التمارين التي أشرت إليها في هذا الدليل- أمر هام للاهتمام بصحة الدماغ.

احم دماغك

ستساعد التمارين المذكورة أعلاه وخيارات نمط الحياة على تعزيز صحة دماغك، ولكن هذه الخطوات سيذهب بعضها سدى إذا أُصِبت في دماغك، ففي عملي، رأيت عددًا من المرضى مصابون في رؤوسهم، وغالبًا بسبب حوادث أو اعتداءات في بعض الأحيان، وقد تكون العواقب الإدراكية لها كارثية، صحيح أنه لا يمكن حشر أنفسنا بغطاء قطني في كل لحظة من كل يوم، ولكن هناك خطوات معقولة في اتخاذها تقليل التعرض لإصابة في الرأس في حياتك اليومية.

أتحدث هنا عن بعض الرياضات التي تتطلب احتكاكًا جسديًّا، بما في ذلك كرة القدم وكرة القدم الأمريكية والرجبي، بالإضافة إلى الملاكمة بالطبع؛ أظهرت الدراسات معدلات أعلى من العجز الإدراكي عند الذين مارسوا هذه الرياضات باحتراف، وهناك أيضًا دليل على اعتلال دماغي رضحي مزمن، وهو علامة على تلف جسدي في الدماغ، يكون بمعدلات أعلى من المتوسط لدى نجوم الرياضة المتقاعدين، سواء كان ذلك في لعبة الرجبي أو كرة القدم أو كرة القدم الأمريكية، وهذا الاعتلال نتيجة لتراكم بروتين تاو، وهو أحد البروتينات المسببة لمرض الزهايمر، ويحمل معه مخاطر أعلى للإصابة بالخرف.

أتذكر شخصيًا أنني عملت في عيادة للذاكرة في شمال ويلز ورأيت عددًا غير متكافئ من الرجال المسنين المصابين بالخرف الذين لعبوا كرة القدم بانتظام طوال حياتهم السابقة، ولا شك أنهم قد لعبوا بكرة أثقل، لكونهم من ويلز، فغالبًا ما كانت مبللة، تزن هذه الكرة عدة كيلوغرامات، وكان هؤلاء الرجال يضربونها برؤوسهم آلاف المرات! بدا لي على الأغلب أن هناك علاقة سببية، وفي الآونة الأخيرة، أظهر بحث من جلاسكو أن موضعك في ملعب كرة القدم يؤثر على احتمالية إصابتك بالخرف، وهذا في جميع الاحتمالات يتعلق بمدى تسديد الكرة بالرأس، أنت بأمان حارسًا للمرمى، أما بكونك مدافعًا، فإن ذلك ينطوي على المخاطرة الأكبر.

على أنني بالتأكيد لا أرغب في إنهاء هذه الرياضات، إلا أنني أوصي لهدف حفظ صحة الدماغ بتجنب المشاركة في الرياضات التي تنطوي على مخاطر عالية للإصابة في الرأس، وإذا أصررت على اللعب بها، فإن ارتداء غطاء الرأس الواقي أمر بالغ الأهمية ويجب أن يكون هناك إرشادات محلية واضحة حول التعامل مع الارتجاج المتواصل أثناء اللعب؛ على أن الكثيرين قد لا يتفقون معي، إلا أنني لست مقتنعًا بأن الضربات الرأسية في كرة القدم هي جزء مهم من اللعبة، وأنصح بعدم القيام بذلك، خاصة الضربات الرأسية عالية التأثير.

ومن وسائل حماية الدماغ النوم؛ حيث يُعدّ عنصرًا أساسيًا آخر لحماية الدماغ، ولقد ذكرت من قبل أنه جزء من نمط حياة صحي فيما يخص الصحة النفسية، لكنه يستحق أيضًا أن يعتبر عاملاً مهمًا في حد ذاته، إذ يساعد النوم على تنقية الدماغ من المركبات التي من شأنها أن تضر به، وبذلك فهو واقٍ، والأرق المزمن سبب لزيادة خطر الإصابة بالخرف والضعف الحاد في القدرة الإدراكية، ونظرًا لكوني قليل النوم طوال حياتي، فإن علمي بأن قلة النوم المزمنة لن تسبب الخرف حتمًا تُهوّن علي، ولكن بين الأمرين صلة.

تعمل آلية التنقية الوقائية للنوم بواسطة الجهاز الجليمفاوي، وهو عبارة عن سلسلة من الأوعية التي تم اكتشافها مؤخرًا والتي تعمل جنبًا إلى جنب مع الأوعية الدموية في دماغك، عندما تكون نائمًا – لا سيما في أعمق المراحل – تقوم الجليمفاتوي بنشاط خاص وتعمل بمثابة “غسيل دماغ”، حيث تتدفق سوائلها عبر أنسجة المخ وتطرد البروتينات مثل الأميلويد والتاو؛ ولذا فإن تحديد أولويات نومك أمر بالغ الأهمية للحفاظ على صحة دماغك على المدى الطويل، ومن المعلوم أنه لن يساعدك الإفراط بالقلق على مدى كفاية النوم، لكن البحث يشير إلى أن علينا اعتبار النوم جزءًا مهمًا من نمط حياة صحي وليس على أنه مصدر إزعاج يتعارض مع حياتنا المزدحمة، حاول أن تبدأ بعادات لتتنبأ بها لوقت النوم وتساعدك على الاسترخاء والراحة، تجنب الكافيين أو الإفراط في تناول الكحوليات سيساعدك أيضًا على النوم، وهذه كلها ضمن “النوم الصحي” الجيد، وإذا كنت سيئ  النوم، فسيفيدك البحث عن هذا المصطلح بمزيد من التفصيل.

ملخص ورؤوس أقلام للمقالة: كيف تحافظ على صحة دماغك؟

  1. تغير الشيخوخة الدماغ، لكن ليس كل التغيير للأسوأ، كان يُعتقد أن كل قدراتك تنحدر بمجرد بلوغك العشرينات من العمر، ولكن صار معلومًا الآن أن للدماغ مواصلة النمو والتكيف مع الشيخوخة.
  1. جذور الخرف عميقة: على الرغم من أن الخَرَف يظهر عادةً في كبار السن، إلا أن عوامل الخطر المساهمة والعمليات البيولوجية المسَببة تبدأ بالتأثير أبكر بكثير، مما يدعو للبُشرى وللتصدي له.
  1. غذِّ دماغك: يساهم النظام الغذائي الصحي في ضمان استقرار ضغط الدم ومستويات الكوليسترول، مما يسمح للمواد الغذائية الحيوية بالوصول إلى دماغك، قد يساعد أيضًا في تخفيف الالتهاب، وهو عامل خطر آخر لسوء حالة الدماغ.
  1. درّب دماغك: سيُبنى “مخزونك الإدراكي” بإتمام الأنشطة الذهنية الصعبة، وهذا يحمي دماغك من الخرف والتدهور الإدراكي.
  1. اهتم بصحتك النفسية والتواصل مع الآخرين: إن صحة الدماغ والصحة النفسية متداخلتان بعمق، والتواصل الاجتماعي هو أحد أكثر الطرق فعالية لحمايتهما.
  2. مرّن جسمك: تعتمد صحة دماغك أيضًا على لياقتك البدنية العامة، لذا احرص على ممارسة الرياضة بانتظام.
  3. احمِ دماغك: يمكن لضربات الرأس سواء كن إصابات أو حتى ممارسة للرياضة أن تضر دماغك وتزيد من خطر الإصابة بالخرف، لذا اعتن بالمادتين الرمادية والبيضاء.

أعجبني المقال

المصدر
psyche

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى