فكر وثقافة

كيف جعلتني العدميّة شخصًا أفضل

  • أوين لويد
  • ترجمة: علي آدم عيسى
  • تحرير: سهام سايح

 

“الحياةُ ليس لها مَعنى، فلماذا تهتم بفعلِ أيّ شيء؟”.

لقد خطرت تلك الفكرة بالتأكيد لكلِّ إنسان مشى على الأرض، بدرجاتٍ متفاوتة. إنّها هذا الصوت الخافت في رأسك الذي يشكِّك في المعنى الكامن وراء كلِّ الجهود التي تبذلها وكلِّ المعاناة التي تتحمَّلها طِوال حياتك.

يبدو أنّ معظمنا يتأثر بطريقة ما بالفلسفة العدميّة، حتى لو لم نكن على علمٍ بها. في كل مرة تفكر فيها “ما الفائدة؟” أو تعتبر أنّ كلَّ تقدمك يذهب سدًى، لأنّنا جميعًا نموت في يوم من الأيام، ولن يهم أي من ذلك، فأنت تتصارع مع العدميّة، مع معاناتك الوجودية.

إنّه أمر لا يزال يتعيّن عليَّ مواجهته يوميًا، لا سيما عندما أجلس للعمل. هناك دائمًا هذا الشعور الدائم الذي أحب أن أسميه “شكٌّ وجودي”، وهو ما يوضع أمامي كحاجز عقلي. هذا عادة ما يتسلَّل إليَّ عدة مرات في اليوم، بدرجات متفاوتة، عندما أجلس لأقوم ببعض الأعمال.

لدي تاريخ حافل بالعدميّة، حيث شهدتها بدرجات متفاوتة طوال سنوات مراهقتي، ولا يزال لدي بعض التجارب معها حتى اليوم. يمكنني أن أعبّر لكم بثقة أنّني أثناء كتابة هذه القصة القصيرة شككت في وقت ما في جدوى كتابتها.

وعلى كل حال، وبوصفي مهوسًا بالفلسفة أعتقد أنّ العدمية هي واحدة من أهم الأشياء التي حدثت لي في حياتي. المرور بالعدميّة، والخروج من الطرف الآخر منها، ساهمت في  تشكيل الشخصية التي أنا عليها اليوم. إن معتقداتي وفلسفاتي واهتماماتي الحالية تتأثر جميعها بالسنوات العديدة التي قضيتها محاصرًا وراء سياج العدميّة، وأعتقد أن تجربتي مع العدمية جعلتني شخصًا أفضل بكثير.

 

ماضييّ العدمي

أول لقاء حقيقي لي مع ذاتي العدمية كان في المدرسة الثانوية، كان عمري حينها حوالي 15 عامًا، عندما كنت مضطرًا لبدء المذاكرة للامتحانات. أشعر أنّ معظم المراهقين يمرون بلمسة من العدمية خلال المدرسة الثانوية، حيث يتعرضون للعديد من الامتحانات، والقليل منها سيخدم في الواقع غرضًا لهم في المستقبل. وكثيرًا ما كان يقول لنا الآباء والمعلمون أنّ أداءنا بشكل جيد في امتحاناتنا كان أمرًا بالغ الأهمية لنجاحنا في المستقبل، لكنني فحصت هذه الادعاءات.

أن ‘وعيي’ ببعض الحقائق في هذه السن المبكرة لم يكن بالضبط شيئًا جيدًا، لقد جعلني فقط عنيدًا بشكل لا يصدق. لا أريد أن أذاكر لامتحاناتي لأنّني شعرت أنه من العبث القيام بذلك، وأنّني لم أكن في الواقع أتعلم أيّ شيء أو أستغل وقتي بشكل مثمر، ولكن ببساطة أقوم بحشو المعلومات في رأسي حتى يمكنني في النهاية أن أتفاخر بتقديم ورقة أو مقالة في الأسبوع التالي. كانت المشكلة في هذه المرحلة هي أن عدميّتي بدت وكأنّها تسيطر عليّ، مما يعني أنني لم أفعل أيّ شيء مفيد على الإطلاق، بدلاً من ذلك  انخرطت في العديد من أنشطة اللذة التي يحبُّها جميع الفتيان بعمر 15 عامًا ؛ أشياء مثل ألعاب الفيديو، التلفزيون، مشاهدة الأفلام الإباحية وغيرها.

مع تقدُّمي في السن، بدأت أفكاري العدميّة تتزايد مع تقدمي في نظام التعليم. لقد قمت بعمل جيد وبشكل معقول في جميع النواحي الدراسية، ولكنني لا أعزي ذلك إلى العمل الجاد والكثير من الدراسة، ولكن بسبب القدرة الطبيعية على تذكر الأشياء بسهولة ومجموعة من المهارات التي يبدو أنّني أملكها بالفعل، والتي كانت مهمةً جدًا للامتحانات الموحدة.

كلَّما أصبحت الامتحانات أكثر جديةً، بدا لي أنّني أصبحت أقل اكتراثًا. وأود أن أمضي وقتا أقل وأقل في الدراسة لكل مجموعة جديدة من الامتحانات. لم أكن شخصًا قادرًا على فعل ما طلب مني الناس فعله، كان للعدميّة قبضتها الأقوى عليّ في سن الثامنة عشرة، عندما اضطررت إلى الحصول على تقدير ” ممتاز”، وهو التقدير الذي يحدِّد الجامعة التي يمكنك الدخول إليها هنا في المملكة المتحدة. في ذلك الوقت كنت لا أزال أعتقد أنّني أرغب في الذهاب إلى الجامعة، لكنني ببساطة لم أتمكن من إيجاد أيّ حافز للجلوس فعليا لهذه الامتحانات. كنت أدرس لمدة ساعة أو ساعتين في اليوم في الأسابيع التي تسبق الامتحانات، عندما كان بعض زملائي يدرسون مابين خمس وست ساعات في اليوم.

كانت العديد من الأفكار تتسابق بشكل دائمٍ  في رأسي في ذلك الوقت، بدءًا من ” لماذا يجب أن أجلس لهذا الامتحان، بينما لا أتعلم أيّ شيء في الواقع؟” إلى ” لماذا يجب أن أجلس لهذا الامتحان، إذا كنت سأموت في يوم ما ولن يهم أيّ منه؟”.

لم أرَ أيّ جدوى من الذهاب إلى المدرسة، لقد كانت نظريتي: ” لماذا يجب أن أفعل هذا إذا لم يكن ممتعًا بالنسبة لي في تلك اللحظة، على حساب الجلوس في المنزل والاستمتاع بألعاب الفيديو؟” .

قادتني العدميّة إلى أعمق مستويات اليأس والاكتئاب في بعض الأحيان، ولكن يبدو أنّني لم أدرك ذلك على الإطلاق. كنت قد اقتنعت بفكرة أنّ الحياة لا معنى لها، وكل ما كنت أفعله في تلك المرحلة من حياتي لم يكن يساعدني بأيّ شكل من الأشكال، لقد كان ببساطة معاناة لا طائل منها.

في نهاية المطاف، كان عليّ أن أقرِّر أيُّهما كان أسوأ: المعاناة اللحظية من خلال العمل الشاق، أو المعاناة الوجودية المستمرة حول مكاني على الأرض.

 

اقرأ ايضاً: ازدادت حالات الانتحار، هل هي أزمة وجودية؟

 

كيف تعافيت

لقد كانت عمليةً طويلةً جدًاً كان عليّ أن أبدل عقليتي تمامًاً، لفترة طويلة كنت أفكر في الصورة الأكبر للوجود نفسه، والتي اعتبرتها بلا معنى، بدلاً من التركيز على ما يمكنني القيام به خلال حياتي لجعلها مُرضية، لضمان أن أجعل من نفسي وأحبائي فخورين.

أعتقد، كما هو الحال مع كلِّ الأشياء، الخطوة الأولى بعيدًا عن العدميّة هي الرغبة في التحرُّر من العدميّة، والرغبة في تغيير نظرتك. كان هذا صعبًا للغاية بالنسبة لي، حيث كنت أرزح تحت نير لعنة العدميّة لسنوات.

إنّها فلسفة يصعب للغاية الفكاك منها. تُقدِّم العدمية فكرة أنّ أيّ شيء تفعله ليس له أيُّ معنى، وبالتالي لا تتحمل أيّ مسؤولية، يمكنك ببساطة الاستلقاء ومشاهدة الأفلام الإباحية طوال اليوم. إنّ فكرة عدم تحمل المسؤولية جذابة بشكل لا يصدق للعديد من الشباب، ولهذا السبب يوجد الكثير من المراهقين المحاصرين بالعدميّة.

كانت الخطوة الأولى نحو الهروب من العدمية بالنسبة لي هي تحويل تركيزي من المعنى الشامل للوجود بحد ذاته إلى نظرة أكثر دنيوية. ما أعنيه بذلك، هو أنّه قبل كلِّ شيء أقوم به، كنت آخذ في الاعتبار المعنى الأساسي للوجود بدلاً من مجرد القيام بذاك العمل، واعتبرت أنّ الوجود لا معنى له، لذلك أعاقني ذلك عن بذل أيّ جهد حقيقي.

 

كيف جعلتني العدميّة شخصًاً أفضل

الآن، إلى بيت القصيد من القصة. أعتقد أنّ صراعاتي مع العدميّة جعلتني شخصًا أفضل، وهناك بعض الأسباب التي تجعلني أعتقد أن هذه القضية هي القضية الجوهرية.

أولاً، سأشرح فلسفتي الحالية في الحياة. أنا وجودي، لذلك، مثل الكثير في أيامي العدميّة، ما زلت أعتقد أنّه لا يوجد معنى متأصل في الحياة، ولكن أعتقد الآن أنه – وبسبب هذا-  لا يوجد سبب لعدم إعطاء كل ما لديّ في محاولة لخلق المعنى الخاص بي  في هذا الوجود الأجوف على الأرجح. ([1])

 

العدميّة جعلتني أدرك كيف تشكِّل أفكارُنا واقعنَا

من خلال العدميّة وتحوُّلي الطفيف إلى الوجودية، لاحظت فرقًا هائلاً في كل جانبٍ من جوانب حياتي تقريبًا. أعمل بجد أكبر وأريد أن أعيش أكثر وأبذل المزيد من الجهد في علاقاتي وأكثر من ذلك بكثير. أعتمد في الكثير من هذا على التحوُّل الطفيف في العقلية التي كانت لدي من العدميّة إلى الوجودية. ومن دون أيّ تغيير في طريقة تفكيري، ربَّما كنت سأظل نفس المتسكِّع الكسول العدمي الذي كنت عليه في سنوات المراهقة.

 

العدميّة جعلتني أدرك قيمة الوقت وكم هو ثمين

عند الاستيقاظ من سباتي العدمي، بدأت أفكر في مدى أهمية وقتنا، وما نختار أن نفعله به. بدأت أفكر في كل ساعة مرت، وأسأل نفسي عمّا إذا كان ما فعلته في تلك الساعة جديرًا بالاهتمام. بدأت أحاول أن أقضي وقتي إمّا في القيام بشيء مفيد أو شيء يجعلني أشعر بالسعادة. أحاول ألاّ أضيِّع الوقت في مشاهدة يوتيوب أو نيتفليكس لساعات متواصلة، ولو وددت أن أفعل ذلك انتهى بي المطاف بمشاهدة بعض القنوات التلفزيونية للاسترخاء قليلاً، فأنا الآن أكثر حرصًا وأدرك مقدار الوقت الذي أقضيه بمشاهدتها.

 

العدميّة جعلتني أريد أن أكون شخصًاً أفضل

بمجرد أن نجوتُ من قبضة العدميّة، أدركت أنّني أضعت الكثير من الوقت طوال سنوات مراهقتي، ولم أكن قد طورت نفسي بأيّ شكلٍ من الأشكال. لذلك بدأت بالفعل في تطوير ذاتي. لقد مارست التأمل، واليوغا،  واتبعت أسلوب حياة صحي، وبدأت بالفعل في بذل المزيد من الجهد في كلِّ شيء فعلته.

وبسرعة إلى الأمام إلى الحاضر، أعتقد أنّ هذا التحول في النظرة أعطاني علاقة صحيّة أكثر مع عملي، مع كيف أقضي وقتي، وحبست تلك الأفكار العدمية في أحلك زوايا عقلي.

لا تزال الأفكار العدميّة تتسلّل إليَّ بين الحين والآخر، ولكن لم يعد لديها القدرة على إبعادي عن العمل لساعات، أو أيام، لديّ الآن علاقة أفضل بكثير مع نفسي و وجودي وتلك الشياطين العدميّة التي أصبح ظهورها نادرًا هذه الأيام.

اقرأ ايضاً: معنى الحياة في العالم الحديث


[1] – لا يستطيع الإنسان العيش بلا معنى يضيفه لهذه الحياة، وأعظم المعاني التي تعطي الحياة للحياة؛ هو المعنى الحقيقي الذي خلقنا الله من أجله. (المراجع)

المصدر
medium

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق