فكر وثقافة

كيف تشوه الحداثة العقل والفطرة البشرية

  • أم خالد*
  • ترجمة: محمد فاضل بلمومن
  • تحرير: تركي هادي طوهري

نحن نعيش في مجتمع يعزلنا عن غرائزنا البشرية الأساسية، وهو يفعل ذلك بطريقتين رئيسيتين:

أولاً: نُلقَّن ونتعلم أن نتبع “عقلنا” حصرًا، ولكن العقل المقصود به هنا هو المتشبع بالمادية العلموية والمنطق. تَعلمنا أن أي شيء إذا لم نتمكن من رؤيته أو لمسه أو سماعه فهو غير موجود ولا معنى له، والطريقة الحقيقية الوحيدة لمعرفة العالم هي بالحواس الجسدية الخمس، ريثما نكتشف حقائق جديدة من خلال استخدام المنهج العلمي، وما نكتشفه من خلال هذا المنهج المنطقي والعقلاني هو الحقيقي والواقعي في نهاية المطاف، وهو ما يمكننا أن نقول أننا “نعرفه”.

حتى المصطلح العلمي للكائنات البشرية كنوع هو “homo sapiens”، يترجَم إلى “الكائن الذي يعرف”.

أي شيء يتجاوز المادية العلمية يُعتبر خرافةً خارجةً عن الإطار الفكري والعقلاني، بل وحتى عن النظر السوي. فكل ما نعتقد أننا نعرفه عن الله والأخلاق، وكيف نعيش حياة فاضلة وما إلى ذلك، ليس في الواقع معرفة، وإنما مجرد معتقدات، ولكل شخص الحق في أن يعتقد ما شاء، وبالطبع سيكون من الحماقة التظاهر بأن هذه المعتقدات هي على نفس القدر من قوة وعقلانية المعرفة التي أثبتها العلم. الفرق بين المعرفة والإيمان كالفرق بين الليل والنهار، والعلم المادي هو مجال المعرفة الوحيد، بينما الدين ليس إلا مسألة اعتقاد، وبالتالي فهو رأي شخصي غير موضوعي.

“جابور ماتيه” عالم نفس معاصر، يرثي الفصل الزائف بين عقلنا وبين ما يسميه “مشاعرنا الغريزية” أو”الحدس”، يقول ماتيه: إن الإدراك يعتمد على أساس من العاطفة والغريزة. ففصل الفكر العقلاني عن المشاعر البديهية هو بمثابة السير على قدمٍ عرجاء، لأن الحدس يمكن أن يكون أيضا مصدرًا للمعرفة نحو العالَم وأنفسنا. وعندما ندرِّب أنفسنا بشكل متكرر على تجاهل حدسنا أو قمعه بلا رحمة، فإن معارفنا ستقِلُّ شيئا فشيئا.

تبدو فكرة أن الحدس يمكن أن يكون مصدرًا للمعرفة أمراً غريباً بالنسبة لأولئك الذين تشربوا المادية العلموية، ولكن هذا الحدس له أهميته سواء على أساس إسلامي أو علماني.

فعلى أساس علماني ىلابحت، البشر مخلوقات متطورة، طوّرت الحدس لتلبية غريزتها الحيوانية للبقاء على قيد الحياة، ولا يمكن إشباع هذه الغريزة إلا إذا كان الحدس مرتبطًا بطريقة ما بالواقع على نحوٍ ذي معنى، وبسبب هذا الارتباط بالواقع يمكن أن يكون الحدس مصدرا مهماًّ للمعرفة (وهذا لا ينفي حقيقة أن بعض أنواع الحدس قد تكون مضللة أحيانا).

ومن وجهة نظر إسلامية، فليس علينا القبول بهذا التفسير التطوري، نحن نعلم أن الله خلق البشر بقدرات جسدية من أجل البقاء والازدهار في هذه الحياة وفي الحياة المستقبلية، ويشمل هذا الحواس الخمس والعقل والغرائز، وأهم هذه الغرائز هي الفطرة.

(المزيد من الكلام عن الفطرة في الفقرات القادمة).

بصرف النظر عن تجاهل الحدس، تحثنا الحداثة على إعطاء الأولوية لرغباتنا الأساسية. إذا كان لشعارات مثل “فقط افعلها!” و[1]“YOLO” تشير إلى أي شيء، فإنها تعني أننا بدلا من أن نفعل ما نعرف أنه جيد ونافع، نفعل ما نرغب في فعله فقط، وفي أي وقت.

“استسلم لرغباتك” هذا أغلب ما تسمعه في الأغاني والأفلام وتقرؤه في الكتب. رغباتك المادية، والجنسية، وشهواتك الجسدية، يقال لك أن كل هذا “طبيعي” و”بريء”، ومن الصواب أن تقوم بتلبيتها والانغماس فيها. ينبغي أن تكون “أنت”، حتى وإن كان ذلك يعني أنك رجل في جسم امرأة أو العكس. اتبع مشاعرك! وإلا فإنك مكبوت وغير طبيعي ومعتل… تحقيق كل رغباتك سيجعلك سعيدًا..”فقط افعلها”.

هذا التأكيد المزدوج على المادية العلموية والسعي وراء الرغبات الأساسية قد شوّه الفطرة البشرية.

الفطرة هي ما غرسه الله داخل كل إنسان، وهي معرفة غريزية. كل إنسان يولد مع فطرة سليمة وفعَّالة، وإذا اتُّبعت هذه الفطرة ستقود الإنسان إلى الاستنتاج الذي لا يُردُّ بأن هناك خالقاً واحداً ويجب علينا أن نعبده بمفرده. نحن “مبرمَجون” على محبة التوحيد.

﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [سورة الروم، الآية 30].

يعلمنا النبي صلى الله عليه وسلم في حديث مشهور: “ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه؛ كما تنتج البهيمةُ بهيمةً جَمْعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟” [متفق عليه].

في الحداثة تتناقض المعرفة (من خلال المنهج العلمي) مع الاعتقاد (التخمينات الشخصية غير المثبتة).

لكن الله يقارنهما بشكل مختلف:

﴿وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ ۖ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [سورة النجم، الآية 28].

العلم مقابل الظن.

العلم بالمعنى الحقيقي لا يمكن أن يأتي إلا من أحدٍ يملك كل المعرفة، أحدٌ لديه أعمق وأشمل معرفة للعالم، وذلك غير ممكن -بحكم تعريفه- إلا لخالق هذا العالم. في المقابل لا يستطيع المخلوق إلا أن يظن لأنه يعتمد على حواسه المحدودة وقدراته المعرفية الناقصة. إن حواس الإنسان والتجربة بشكل عام محدودة للغاية لدرجة أننا لا نعرف حتى ما الذي لا نعرفه!

لهذا السبب فإن المعرفة الحقيقية تأتي من وحي الله حول كلٍّ من العوالم المرئية وغير المرئية، وتأتي كذلك من السبل المعرفية التي يصرح بها ويؤكدها هذا الوحي مثل “الفطرة”. كل شيء آخر في الحقيقة هو محض تخمين وظن.

وبعيدًا عن الفطرة، فإن لدينا أيضًا شيء داخلنا يميل نحو رغباتنا الغريزية: ألا وهو النفس الأمارة بالسوء. هذه النفس متأصلة فينا ويجب علينا مقاومتها، وبقمعها سنتمتع بالصحة والسعادة، وهو عكس رسالة المجتمع الحديث تمامًا؛ إذ يعلمنا الإسلام كبح رغباتنا الغريزية بينما يريدنا المجتمع أن نحتفي بها.

أخبرنا الله في القرآن: ﴿وَاللهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ [سورة النساء، الآية27].

الآلية التصحيحية عندما ننزلق ونقع في السوء هي أن نجد أنفسنا في مواجهة النفس اللوامة، فهي تشعرنا بالذنب كلما قمنا بشيء خاطئ. إنه إحساسنا الغريزي بأن شيئًا ما ليس في مكانه، وأن شيئًا ما ليس صحيحًا. “ربما لم يكن يجب علي فعل ذلك، أشعر بالندم الآن”.

عندما اعترفت زوجة العزيز التي حاولت إغواء يوسف عليه السلام ثم زجت به في السجن ظلماً، في النهاية وبعد جرائمها بسنوات قالت: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ۚ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [سورة يوسف، الآية 53].

ألقت باللوم على نفسها الأمّارة بالسوء.

في مقابل ذلك يستخِفُّ المجتمع الحديث بأي شعور بالخجل ويأمرنا بإبعاد مفهوم اللوم من مفرداتنا. “المرأة المومس!” و”لوم الضحية!” هي جرائم كبرى في الثقافة الغربية الحديثة. تصر النسوية بشدة على أنه لا يجب أن يحدث أي لوم أو خجل تحت أي ظرف من الظروف، فالشعور بالعار أمر سيئ، ونحن بحاجة إلى أن نكون إيجابيين في جميع السيناريوهات: إيجابيين فيما يتعلّق بأجسادنا، بما يتعلق بالجنس، وبما يتعلق بفيروس نقص المناعة المكتسبة (الإيدز)، وهلُمَّ جراًّ.

لكن النفس اللوامة ليست موثوقة دائما، بالرغم من أنها تطلق صافرات الإنذار كلما ارتكبنا خطأً؛ إلا أنها لو كانت موثوقةً وداعمة في كل حالة ما كنا لنغرق في ضلالنا. يساعدنا شعورنا بالسوء ومشاعر العار على التحرك في الاتجاه الصحيح مبتعدين عن الشر.

عندما نبتعد عن الفحش والفسوق ونطلب مغفرة الله، فسيقبل سبحانه توبتنا، ويغفر خطايانا بل ويمحوها. لكن هذا لن يحدث إذا لم نشعر أبدًا بالخجل من أفعالنا الخاطئة أو إذا تعلمنا أن نتجاهل إنذاراتنا الداخلية.

المجتمع الحديث يدفن فطرتنا تحت ثقل شهواتنا وعقلانيتنا المزعومة. فهو يشوِّه الفطرة التي توجهنا للسيطرة على رغباتنا ومعرفة وعبادة خالقنا. فهل من المفاجِئ أن يجد الغارقون في الشهوات والمادية أنفسهم محرومين من طاعة الله الذي يحبنا؟!


  • الكاتبة:

ولدت أم خالد في مصر لكنها انتقلت إلى الولايات المتحدة في سن مبكرة. أكملت حفظ القرآن في وقت مبكر من حياتها ثم التحقت بجامعة هارفارد لدراساتها الجامعية. درست الأنثروبولوجيا مع التركيز الإقليمي على الشرق الأوسط وتخرجت بامتياز. عملت كمرشدة جامعية في كلية البنات في نيو إنجلاند أثناء تدريس القراءات القرآنية. وهي أم لأربعة أطفال تدرسهم في المنزل باستخدام منهج طورته بنفسها، مع التركيز على التربية الإسلامية وغرس قناعات قوية للأطفال الصغار.

[1] – اختصار لكلمة you only live once أي “ستعيش حياة واحدة” فافعل فيها ما يحلو لك. (المراجع)

أعجبني المقال

المصدر
muslimskeptic

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى