عام

كيف يقضي المكيّون هذه الأيام؟

هناك طُرفة يعاد تداولها كل عام في مثل هذه الأيام تقول: لو تسأل المكّي ذي الأيام كم الساعة يقلك: بخمسين!

تعبّر هذه النكتة _والنكات مرآة الواقع_ عن انهماك واستغراق أهل مكة في الخدمة هذه الأيام.

في حيّنا 6 فنادق تمتلئ بالحجاج فيتحول الحي إلى دُرٍّ أبيض منثور يمشي على الأرض، وجامع الحي الكبير الذي لا يمتلئ بأكثر من أربع صفوف في مثل هذه الأيام يكتظ بالمصلين لابسين شارات البِيض..

وسعال الحجاج يكاد يخلع بوابات المسجد، ومكة كريمة تمدّ كل من زارها بالأجر والعافية.

يفتح المكيون للحجاج أبوابهم وقلوبهم، ومن أراد استقراء نماذج التطوع العائلي فمكة قبلته، إذ ينشأ أعظم مرفئ تطوعي في العالم تقدمه بيوتات المكيين كل موسم حج.

يشترك الطفل والأب والأم والسائق والصغير والكبير في الخدمة ويقومون بدور اليابسة في احتضان الموج، من التطوع الصحي إلى التطوع بالترجمة وإرشاد الحائر وتنبيه الغافل وتوصيل المنقطع،

وعطاء بابتسام، ولسانهم:

الله يعلـم أنه مــا ســـرني

شيء كطـارقـة الضيـوف النزّل

مازلت بالترحـيب حتـى خلتني

ضيفـًا لهـم والضيف رب المنـزل

الصخب جزء من المشهد، رائحة انبعاث عوادم الحافلات، وأبواق السيارات، ومكبر صوت يحمله شرطي ينظم الصفوف والمنعطفات: “يمين ياحاج”،

وكراتين ماء لا تدع عطشان في المشاعر البتة،

وأقصر أهل مكة همّة من يحمل بخاخ أو عبوة يلطف الأجواء على الحجيج برذاذ ماء، وحاجز أخضر طويل يمنع استدارة السيارات وتسللها لواذاً ويسد عليها الطريق، حتى تتنكر الطرق على أهل مكة فلا الجغرافيا هي الجغرافيا ولكن التاريخ هو التاريخ والموعد هو الموعد كل عام.

مكة كلها مصوّبة نحو الإحسان وحين يأتي يوم عرفة، وهو عند المكيين معروف بـ “الخُلّيف” (التخلف عن الحج)

يكون المسجد الحرام فيه شبه خالٍ من الرجال يوم عرفة، فلا يرى في مكة في ذلك اليوم غير نسائها وأطفالها، لذهاب جميع الرجال لخدمة ضيوف الرحمن.

والمكيون لا يعرفون عيد الأضحى بشكله المتأنق في التزاور واللباس، وليس سوا تبريكات القبول وتهنئات العيد ونحر الأضاحي..

وأهل مكة في حجهم أساتذة الرُّخص الفقهية، أخذوا الرخصة من المكي الجليل عم رسول الله صلى الله عليه وسلم:

فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: اسْتَأْذَنَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنىً, مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ فَأَذِنَ لَهُ.

فإذا أتمّوا الوقوف بعرفة، جلسوا بمزدلفة بمقدار حطّ الرحال كما في مذهب مالك، وطواف الإفاضة عند بعضهم قبل منتصف الليل، والمبيت بمنى على رخصة الرسول لعمه العباس، في تفصيل ونسج فقهي لا يسعه إلا أن أهل مكة أدرى بشعابها الفقهية.

والتعب شعار المرحلة، وعبارة: “قبول”

تلفظها الشفاه فتعيد للنفوس وهجها وتنسيها ألمها، ورغم أنهم يخفون الأعين التاعبة بكفوف الإحسان، إلّا أنّ التعب لا يخفى في الأوجه الشفّافة، إنه واضح كوحمة في جيدٍ أبيض.

أما المطر لا يخطئ ميعاده، ويغسل النفوس بدميعاته، وتتحول الطرقات إلى لوحات مائية بفضل لون مصابيح الإنارة على الأسفلت الأسود.

وتغتسل الخيام وتبتل الأزُر وتهبط السكينة وتبرق الثنيات ويتسع الأمل..

وكل قلبٍ أثقبته الجراح، تحضنه مكّة في طَرفة مطر..

وحنجرة الجواهري رحمه الله تردد:

رشّ السماء طريقكم

أيحبكم حتى المطر؟!

ثم يعلن في الرائي انتهاء موسم الحج بنجاح، ويأخذ أهل مكة نصيبهم من حمّى نافضة بمثابة ختم وشهادة على البذل، ويتوارد عندهم بأنها أمارة قبول.

قارن كل هذا المزيج المريح والمتعب معاً بركود الحج هذا العام لترى في كل قفصً صدري عموماً ومكي خصوصا زفرة يطلقها بمرارة،

عن حسرة رؤية المشاعر دون شعورها الكامل بروح الزحام، وصحن المطاف بادي الأعطاف، وكان في سنين فائتة ما ترى منه موضع إبرة،

وكل هذا بيننا وبينه رمية حصاه

وأمَرّ ما ألقاهُ من ألم الهوى

قرب الحبيب وما إليه وصول!

وبين الرضى بالاحتراز وحسرة فوات الملتقى العالمي تتأثر الفطرة.

والمواساة في رحلة كانت بين أبي بردة بن موسى الأشعري وصديق له

فحكى له حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:

“إذا مرضَ العبدُ أو سافرَ كتبَ لَهُ من العملِ ما كانَ يعملُهُ وَهوَ صحيحٌ مقيمٌ”

وفي رواية:

” إذا كان العبد يعمل عملا صالحا فشغله عن ذلك مرض كتب له مثل ما كان يعمل مقيما صحيحا “

وعلى قمم الرجاء ندعو أن نرتوي من لقاء الحجيج كما كل عام،

ويزول وشاح العتمة، ونلتقي بين الحطيم وزمزم.

وخالص الأمنيات بأن ترتد السعادة على صانيعها!

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق