عام

كيف يمكن للأعمال الفنية المزَيَّفة أن تساعدنا على التعلم؟

  • جون بوكستون
  • ترجمة: شاهيناز السبيعي
  • تحرير: إسلام العمرات

غالبًا ما نُقّدر الأشياء التي لها مظهرًا عابرًا؛ من الملابس إلى المفروشات المنزلية، يجد الناس قيمةً جماليةً في الأشياء القديمة والعتيقة. ومع ذلك، فإنَّ هذا الاهتمام بالمظهر القديم الجذاب هو توقّع أنْ تكون الأشياء القديمة تتمتع بالأصالة؛ فالأشياء المقلَّدة والمزيَّفة وغير الأصيلة تُسرع في تَقويضِ الاستثمار الجمالي، الذي قد يكون لدينا في مظهرنا القديم.

هذه الاستجابة منطقية، فإذا كنّا نُقدِّر الأشياءَ العتيقةِ على كيفية تجسيدها لمرور الوقت، فإنَّ الأشياء المصطنعة لا بد أن تتركنا مُحبَطين. لكن إذا رفعنا الاهتمام بهذا النوع من الأصالة إلى السَّبب الرئيسيّ لتقدير الأشياء التي تعكس الماضي جماليًا، فلا بدَّ أنْ نُفَوِّت فرصًا أوسع للتقدير الجمالي للتاريخ. لا ينبغي أن نَتسرَّع في رفضِ البُعد الجمالي الذي تمنحنا إياه النُّسَخ المقلَّدة، والترميمات، وغيرها من الأشياء “غير الأصلية” التي يمكن أن تجعلنا على اتصال بالماضي بطرق تتجاوز مجرد وجودهم هناك.

أفترض أنَّ تقديرنا الجمالي للتجارب الحسّية (البصرية، والسّمعية، واللّمسية) وما إلى ذلك، يمكن أن يكون مستوحًى مما نعرفه. قد لا تثير لوحةٌ معيّنة أيَّ شعور داخلي فيَّ من البداية، لكنَّ التعرف على الفنان وتقنيته وسياق عمله قد يؤدّي إلى الكَشف عن مزايا جمالية جديدة كانت غامضة بالنّسبة لي من قبل. عندما أحمل أحفورة ثلاثية الفصوص، فإنَّني لا أُقدّر فقط السطح الحسيّ للشيء، ولكن علاوة على ذلك، أنتبه إلى كيف يُظهر هذا السطح قوًى جيولوجية لا يمكن فهمها، تعمل على مدى آلاف السنين؛ ومن ثَمَّ يكون تركيز اهتمامي الجمالي منتصبًا على كلٍ من: الكائن المادي والمفاهيم المجرَّدة والمعرفة التي توضِّح كيفيّة التفاعل معه. قارن هذا مع وصف الفيلسوف والناقد الفني “آرثر دانتو” لساحة المعركة في جيتيسبيرغ، المذكور في مقالته “جيتيسبيرغ” في جريدة جراند ستريت عام 1987:

“من المثير دائمًا زيارة ساحة المعركة عندما تمحى الطبيعة آثار الحرب نفسها أو تغير شكلها بفعل الفن، والوقوف وسط الأسلحة التذكارية، التي تصير عتيقةً حتمًا بشكل جذّاب ومزخرف مع تطور تكنولوجيا التَّسلُّح، ومظهرها العتيق الآن يعكس تقسيم المواضيع المتلاشية للصراع.”

الهدف من الاهتمام الجمالي لدانتو هو مزيج من الجمال الحسّي والمعرفي. إنَّه يصف ما يمكن أن أسميه التجربة الجمالية للتاريخ، مدعومة بتجربة الأشياء الماديّة، ولكن لا يقتصر عليها. بعض هذه الأسلحة التذكارية أصلية (تم استخدامها في المعركة)، لكن البعض الآخر نسخ طبق الأصل، وليس من الواضح أنَّ افتقارها إلى الأصالة يعيق قدرتها على تسهيل التقدير الجمالي الذي يركِّز جزئيًا على تاريخ المكان نفسه. بمجرد أنْ نُدرك أن النُّسَخ المتماثلة لا يجب أن تكون عائقًا أمام هذا النوع من التَّقدير الجمالي، فنحن في وضعٍ يسمحُ لنا برؤية كيف يمكنهم في الواقع مساعدته.

في متحف مونتشاير للعلوم، في نورويتش فيرمونت، يوجد مَعرِضٌ يسمح للزّوار بالضغط على الأزرار لسماع تمثيلاتٍ لكيفيّة ظهور الطيور المحلية في نقاط مختلفة من تاريخ فيرمونت. عند الاستماع إلى التسجيلات، يمكنك تقدير هذا المشهد الصوتي التاريخي، وهو تجربةٌ جمالية للتاريخ، تشبه تجربة دانتو في جيتيسبيرغ: إنَّ الهدفَ المباشر لاهتمامك هو أصوات العصافير، ذات الخبرة بالإشارة إلى قيمتها التاريخية، والتي تمثل الحياة البريّة المحلية في الزمن الماضي. لكن التسجيلات ليست في حد ذاتها تسجيلات للماضي، لكنها محاكاة لما كانت ستبدو عليه تلك الأوقات. بيدَ أنَّه رَفَضَهم ببساطة لأنهم غير أصليين، سيكون بمثابة ضياع لفرص الاتصال الجمالي مع الماضي التي أصبحت ممكنة بفضلهم.

تقدير المظهر العتيق؛ لأنَّه يجسد مرور الوقت هو بالفعل الاعتراف بكيفية أن يكون الماضي موضوعًا لاهتمامنا الجمالي. النسخ طبق الأصل، والترميمات، والأشياء الأخرى التي غالبًا ما يتم انتقادها بسبب عدم أصالتها لديها القدرة على زيادة تقديرنا الجمالي للتاريخ بطرق جديدة، وفي بعض الأحيان تُمنح حق الوصول إلى حقائق حول الماضي لا تستطيع النسخ الأصلية توفيرها على سبيل المثال؛ ضع في اعتبارك النُّسخ المتماثلة التي تكشف تعدد الألوان للتماثيل اليونانية والرومانية القديمة. أكدت المناقشات الأخيرة حول إعادة الأعمال الفنيّة والتُّحف المسروقة في المجموعات المؤسسية الكبرى إلى إمكانية إنشاء نُسَخ طِبق الأصل من الأعمال وإعادة النٌّسخ الأصلية. بينما يرفض الكثيرون مثل هذه المقترحات، فقد اقترحتُ أنَّ هناك المزيد من المكاسب الجمالية من هذه الأشياء “المزيَّفة” أكثر مما قد تراه العين لأول مرة. ربما الاعتراف بالقيمة الجمالية التي تم التغاضي عنها لمثل هذه النسخ المتماثلة سيساعد بدوره المتاحف على فعل الشيء الصحيح مع النسخ الأصلية.

أعجبني المقال

المصدر
oup

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى