عام

كيف نشأت شبكة الاتصالات العالمية

  • جيوفاني نافاريا
  • ترجمة: تماضر المعجل
  • تحرير: عبد الرحمن الجندل

هذا المقال هو الأول للسلسلة المكونة من أربعة أجزاء، والتي جاءت احتفالًا بالذكرى السنوية لأول رسالة على الإطلاق تم إرسالها عبر الأربانت[1] المؤسس الأول لشبكة الاتصالات العالمية في 29أكتوبر عام 1969م.

في الساعات الأخيرة من 29 أكتوبر لعام 1969م، أجُريت تجربة كانت بسيطة كما يبدو في مختبر جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس؛ أشعلت ثورةً مازالت آثارها تظهر حتى اليوم!

كانت ثورةً غير عادية إلى حد ما؛ فهي أولًا كانت ثورة هادئة وغير ضارة، بخلاف مظاهرات ” أيام الغضب ” وهي الأيام الثلاثة التي نظمتها مجموعة ويثرمان في وقت سابق عن ذلك الشهر في شيكاغو، فلم يشهد ذلك المساء في لوس أنجلوس أي عنف، بالإضافة إلى أنه لم يكن هناك أي على علامة على الغضب، وليس هناك معتقلين، وبقيت الشوارع هادئة، وبقيت النوافذ على حالها، ولم تكن السلطات على علم بما يحدث  في جامعة كاليفورنيا.

لم تكن التجربة لها علاقة بالسياسة، ولم يكن المتمردان المفاجئان قادةً لمنظمة سياسية راديكالية؛ ولكنهما كانا باحثيْن جامعيّيْن هما: ليونارد كلاينروك، أستاذ علوم الحاسب، وتشارلي كلاين، أحد طلاب الدراسات العليا.

بعيدًا عن سنّ السكاكين، وإيجاد مخططات معقّدة للإطاحة بالنظام الاجتماعي العالمي، أمضى الاثنان المساء على عكس ذلك  بهدوء،  مغلقين على أنفسهم المختبر بتركيز كل طاقتهم في الأمر الذي يبدو لهم أنه معقد، ولكنها مشكله تقنية فحسب، وهي: كيفيّة إنشاء رابط تواصل بين جهازين من أجهزة الحاسب، تفصل بينهما مئات الأميال، أحدهما يقع في جامعة كاليفورنيا، والآخر يقع في معهد ستانفورد للأبحاث.

إن قدرة أجهزة الحاسب وتحديدًا القدرة على “التحدث” فيما بين الأجهزة، وتبادل المعلومات، يعد نوعاً من السحر الذي نعتبره أمرًا مفروغًا منه اليوم في عالم الأعاجيب التقنية؛ فتتلقى أجهزتنا الذكية الثمينة البيانات وترسلها طوال الوقت، وغالبًا تكون هذه العمليات تلقائية لدرجة -من حسن حظنا- نبقى غافلين عنها، ولكن في عام: 1969م  ك ما زال  يمثل ” الاتصال” بين الآلات لغزًا كبيرًا لم يتم حله، على الأقل حتى ليلة 29 أكتوبر المصيرية.

ذهب كثير من مساء التجربة تلك، واستعصى النجاح على الباحثيْن، بعد عدة محاولات فاشلة، وعندما قاربت الساعة العاشرة والنصف مساءً، تمكّن أخيرًا جهاز حاسب كلاين من التحدث مع نظيره في معهد ستانفورد للأبحاث، وكانت بداية متعثرة إلى حد ما.

كان كلاين قادرا فقط على إرسال الحرفين: (L) و (O) من سطر الأوامر” تسجيل الدخول”، قبل  تعطل النظام و إعادة تشغيله.  ومع ذلك، حتى بعد إنشاء رابط الاتصال أخيرا بين جهازي الحاسب في وقت لاحق من تلك الليلة، تبدو كلمة: (Lo) الودية أكثر من كونها ملائمة، وهي اختصار شائع لكلمة:(Hello)، وكانت تلك أول رسالة تاريخية يتم إرسالها عبر (ألاربانت).

ومنذ تلك الحادثة تم إنشاء شبكة الاتصال التجريبية في نهاية الستينات للسماح للباحثين من جامعة كاليفورنيا ومعهد ستانفورد للأبحاث وجامعة كاليفورنيا سانتا باربراو وجامعة يوثا للعمل معًا ومشاركة الموارد.

كانت الرسالة علامة فارقة مهمة، وعلى الرغم من أن حملها كان بسيطًا، إلا أنها كانت في غاية الأهمية؛ حملت معها بذور عصر  جديد  قد يُحدثُ قريبا ثورةً في الطريقة التي تتواصل  بها الآلات، وليس ذلك فحسب، بل أيضًا في الطريقة التي يتواصل بها الناس، ومن خلال تلك الرسالة: ” مرحبا”؛ أنتج كلاينروك و كلاين بمحض الصدفة عالمًا جديدًا من الإمكانية.

مثلت تجربتهم الاكتشاف الأول، لمجرة  اتصال جديدة كلياً، كان شكلها ونطاقها محددًا مسبقًا من خلال كل رابط جديد أضاف لها.

شكرًا سبوتنيك

على الرغم من أن بذور تجربة الأربانت زرعت منذ أكثر من عقد، في: 4 أكتوبر عام 1957م، وهو نفس اليوم الذي تم فيه إطلاق سباق الفضاء في: بايكونور كوزمودروم في كازاخستان، حيث تم إطلاق القمر الصناعي السوفييتي سبوتنيك.

بينما كان هناك عدد قليل من الناس على علم بالتجربة التي تجري في جامعة كاليفورنيا، لم يكن إطلاق بايكونور يمر مرور الكرام، حينها اعترفت وكالات الأنباء حول العالم بهذه اللحظة التاريخية، وانخرطت في حالة من التخبط.

كان سبوتنيك أول جسم صناعي يمر في الفضاء خارج حدود حياتنا المرتبطة بالأرض، حيث كان يبلغ طول قطره: (58سم)، ويصل وزنه إلى ما يزيد عن (80 كجم).

كما أخذ الإطلاق أهمية من الناحية السياسية؛ ففي ضباب الحرب الباردة كان سبوتنيك ضربة علمية على وجه الأمريكان وتهديدًا جديدًا يواجه الغرب، لم تدع “البندقية الدخانية” مجالًا للشك بأن السوفييت كانوا في طريقهم لغزو الفضاء من خلال كل وسيلة تصل إلى هناك، سوف يكونون قادرين على التجسس على أعدائهم دون انقطاع، ومن أسوء الكوابيس المحتملة إلقاء قنابل نووية على الأراضي الأمريكية.

يتضح الآن، بما أن الروس لم يعودوا متخلفين عن الأمريكيين فيما يخص التكنولوجيا، -على خلاف ما هو شائع- في الواقع ، كان يتطلع لعكس ذلك، وكما صاغها جورج إي ريدي الذي يعد أحد  أعوان السناتور ليندون جونسون بطريقة مثالية في نوفمبر من عام 1957م، حيث قال: لقد استغرق الروس أربع سنوات للحاق بالقنابل الذرية، و تسعة أشهر للحاق بالقنبلة الهيدروجينية، والآن نحاول اللحاق بقمرهم الصناعي.

دفعت دعوة سبوتنيك الإدارة الأمريكية لليقظة، ونقلتها إلى حالة من الذعر؛ حيث أنتجت نتيجتين: الأولى واضحة ومباشرة من البداية، والأخرى غير مقصودة تستغرق عدة سنوات لتتحقق.

كانت النتيجة الأولى سياسية: فأثناء انطلاق سباق الفضاء، فتح سبوتنيك جبهة جديدة في الحرب الباردة بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأمريكية، للحاق بالروس، كلّف الرئيس دوايت أيزنهاور وكالة مشروع البحث المتقدم -المنشأة حديثًا- بتنسيق جميع برامج البحث والتطور الدفاعية؛ ومع ذلك، فإن مشاركة وكالة المشروع المتقدم في سباق الفضاء لم تدم طويلًا، فعلى الرغم، من أن الميزانية تتجاوز: (2 مليار دولار)، وبعض النجاح الأولي  مع أول قمرين أمريكيين صناعيين تم إرسالهما إلى الفضاء وهم  الرائد الأول والمتصدر الأول، قررت الحكومة الأمريكية إنشاء وكالة جديدة وهي: الإدارة الوطنية للملاحة الجوية والفضاء (ناسا) لزيادة جهودهم الفضائية إلى أقصى حد والتعامل بكفاءة أكبر مع الضغط السياسي الناجم عن إنجاز سبوتنيك.

في صيف عام: 1958م، نشأت وكالة ناسا، وهي تُعدّ وكالة مدنية اتحادية ذات مهمة معلنة،  تتمثل في: ” تخطيط و توجيه  وتنفيذ أنشطة الطيران والفضاء”، فقد جرّدت بفعالية وكالة مشروع البحث المتقدم من جميع مشاريعها الفضائية والصاروخية؛ فقد كان على الوكالة إعادة اكتشاف نفسها بسرعة لتتجنب الاندثار، وتسعى لاكتشاف أهداف جديدة وقطاعات جديدة لمشاريعها.

بميزانية مخفضة، وجدت وكالة مشروع البحث المتقدم حلًا لمشاكلها في قطاع العلامة التجارية الجديدة للبحث الخالص (علوم الحاسوب) والقيادة الحكيمة لجوزيف كارل آر ليكليدر، وكان المسار الجديد لوكالة مشروع البحث المتقدم له تأثير طويل المدى والذي يعد النتيجة الثانية -غير المقصودة- للسبوتنيك: وهي مجرة جديدة من الاتصالات أطلق عليها أولًا أربانت ومن ثم الإنترنت.

التعايش بين الإنسان والحاسوب

يعتقد بشدة العالم العبقري: ليكلايدر، بأن المستقبل سوف يتكون من أجهزة الحاسوب المرتبطة بالشبكة؛ حيث ذكر بأن شبكات الحاسوب ستعد أساسية لتوسيع إمكانيات التفكير البشري خارج حدود المعرفة، إضافة لذلك، استنتج ليكلايدر أن التفكير غالبًا ما يكون محملًا بمهام غير ضروريةٍ والتي تحد من إمكانياتنا لنكون مبدعين حقًا، واستندت حجته على نتائج تجربته التي أجراها في نفس العام الذي وصل فيه سبوتنيك للفضاء.

ركزت التجربة بشكل كامل على روتين عمله، وأثبتت أن حوالي: 85% من “وقته في التفكير” كان مخصصًا للأنشطة التي لم تكن فكرية، بل كانت أعمالًا كتابيةً أو ميكانيكيةً بحتة، اكتشف ليكلادير أن الكثير من الوقت ذهب في البحث أو الحصول على المعلومة بدلًا من فهمها، ووفقا لنظرية ليكلادير ، فإذا تمكن العلم من إيجاد بديلٍ مناسبٍ للدماغ البشري -بحيث يتسم بالسرعة و المزيد من المصداقية للأنشطة الكتابية-، سيؤدي ذلك لتحسين لامثيل له في جودة عملية تفكيرنا وعمقها، وإذا استطاعت الأجهزة الاهتمام بالأنشطة الكتابية، سيسنح للبشر الكثير من الوقت والطاقة  ليكرسوها للتفكير والتخيّل والإبداع والتفاعل .

تجاوزت أفكار ليكلادير آنذاك المفاهيم التقليدية لعصره عن الحاسوب، باعتبارها أفكارًا كبيرة، ولقد تصوّر بيئةً أكثر تفاعلية وتعقيدًا بحيث تلعب أجهزة الحاسوب دورًا في الامتداد الطبيعي للبشرية.

كتب ليكلايدر في ورقته البحثية التي صدرت في عام: 1960م المعنْونة بـ: (التعايش بين الإنسان و الحاسوب) “في المستقبل القريب سوف يتم دمج عقول البشر وآلات الحوسبة” وافترض بأن  ذلك التعايش الناتج بين  البشر والحاسوب سيقود إلى أن: “يفكر كما لم يفكر أي عقل بشري في البيانات ويعالجها بطريقة لم يسبق استخدامها من قبل آلات معالجة المعلومات التي نعرفها اليوم”.

اتضح لليكلايدر في أوائل الستينات أن أجهزة الحاسوب مقدارها أن تصبح جزءًا لا يتجزأ من حياة البشر، وكان يفكر باهتمام خاص فيما أُطلاق عليه من قبل: “الشبكة بين المجرات” التعايش المثالي بين الحاسوب والبشر، كان الهدف الأسمى لهذا التعايش: تحسين جودة الحياة البشرية بشكل ملحوظ.

مشاركة الوقت

عاش ليكلايدر في زمن لم تكن فيه أجهزة الحاسوب شيئًا مقارنة بما نستخدمه اليوم، لقد كانت عملاقة ومكلفة حيث تقدر بأسعار باهضة الثمن فتتراوح بين: 500.000 خمسمائة ألف دولار، إلى ملايين  الدولارات.

عندما وصلت وكالة مشاريع البحوث المتقدمة في الأول من أكتوبر عام: 1962م، أدرك كلايدر سريعًا أنه وللتغلب على التكاليف الغير محتملة لمراكز أبحاث الحاسب -الممولة من وكالة مشاريع البحوث المتقدمة- كان لابد من إجبار المراكز على شراء أجهزة حاسوب تتقاسم الوقت.

 صُممت أنظمة مشاركة الوقت لتسمح للعديد من المستخدمين بالاتصال بجهاز حاسوب رئيسي قوي في آن واحد، والتفاعل معه عبر لوحة مفاتيح  تشغل تطبيقاتها بواسطة معالج أجهزة مشاركة الوقت قبل اعتماد أنظمة مشاركة الوقت، وكانت أجهزة الحاسوب، وحتى الأجهزة  الأغلى منها، تقوم بوظائف متسلسلة: واحد تلو الآخر،  مما يعني أن أجهزة  الحاسوب كانت غالبًا في وضع  هادئ لأنها تنتظر مدخلات المستخدمين أو النتيجة الحسابية، وبالتالي؛ فإن أنظمة مشاركة الوقت تضمن الاستخدام الأكثر فعالية لقوة معالجة الحاسب.

إذا كانت الخطوة الأولى هي إجبار الجامعات على نفقة أموالها لشراء أنظمة مشاركة الوقت، فإن الخطوة التالية هي السماح بالوصول إلى موارد خارج الموقع، من خلال أجهزة  حاسوب أخرى، وبمعنى آخر،  إتاحة هذه الموارد  عبر الشبكة .

تعمل أجهزة الحاسب التي نستخدمها اليوم، بما في ذلك هواتفنا الذكية الصغيرة والقوية جدًا، على تشغيل تطبيقات متزامنة طوال الوقت، فأثناء كتابتي لهذه المقالة،  بإمكاني تشغيل الموسيقى، واستلام البريد الإلكتروني، وتشغيل التشخيص على محرك الأقراص الثابتة، والبحث في قاعدة البيانات، وغير ذلك الكثير..

في عالم ما قبل الإنترنت، وفي عصر أجهزة الحاسوب المركزية باهظة الثمن، كان يتطلب تشغيل كل مهمة جهازًا مخصصًا لها.

علاوة على ذلك، وعلى الرغم من حجمها وسعرها الهائل ، كانت أجهزة  الحاسوب المركزية فقط  قادرة على أداء عدد محدود من المهام الحسابية، والتي كانت عادةً مصممة خصيصًا لتلبية احتياجات كل من يمتلكها أو يستأجرها.

إذا كانت التجربة تتطلب مجموعة متنوعة من المهام، فستتطلب استخدام أكثر من جهاز حاسوب؛ ولكن نظرًا لتكاليف الأجهزة الباهظة، لا تستطيع معظم مراكز البحث تحمل أكثر من جهاز، لذلك كان لابد من  إيجاد حل للمشكلة في مكان آخر، وهو: مشاركة الموارد عبر شبكة الحاسوب، ولكن بناء مثل هذه الشبكة لم تكن مهمة بسيطة.

خلال العقد الماضي، أدى الافتقار إلى التجانس في لغة برمجة الحاسوب لإنشاء بلبلة لأنظمة متعددة ولإجراءات تصحيح الأخطاء التي أدت إلى إبطاء تطور علوم الحاسب، كان من الواضح لكلايدر أن التعايش الذي تصوره بين الحاسب والبشر لا يمكن أن يتحقق إلا بأمرين هما: تعلّم الأنظمة المختلفة، والتحدث بنفس اللغة ودمجهما في شبكة ممتازة.

كان الدافع الأولي لمشاركة الوقت هو تربية ثقافة جديدة بين علماء الحاسوب؛ وأصبحت “الشبكات” التي  تتركز حول الحاجة إلى المعايير الشائعة  لتسهيل الاتصال من  خلال أنظمة مختلفة، لا غنى عنها ليكون مشاركة الوقت فعالًا.


[1] – أربانت : هي شبكة حاسوب من أوائل شبكة نقل البيانات باستخدام تقنية الرزم في العالم، ربطت بين عدد من الجامعات و المؤسسات البحثية في الولايات المتحدة. (المترجم)

أعجبني المقال

المصدر
theconversation.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى